LOGINبين حُطام العواصف وسكون المرافئ، تولد حكاياتٌ لم تكتبها الأقلام، بل حفرتها النبضات على جدار الزمن. ثمة قلوبٌ كزجاجِ النوافذ في ليل الشتاء؛ تضربها رياح القهر، ويغسلها مطر الخذلان، وتوشك على الانكسار تحت وطأة البرد. امرأةٌ كانت أثرًا من معركة، تلملم ما تبقى من أنوثتها المذبوحة، وتبحث في عيون العابرين عن "وطنٍ" لا يخون، وعن يدٍ تمتد لتداوي لا لتجرح. وعلى الضفة الأخرى... يقف "هو"؛ كالجبل في وجه الريح، يحمل في صدره قلبًا لا يعرف الانحناء، وفي عينيه لهيبٌ قادر على إحراق ماضيها العقيم. رجلٌ لم يأتِ ليكون قاضيًا أو عابرًا، بل جاء ليكون السند، والحصن، والملاذ الدافئ. حين يلتقي الصدق بالانكسار، تذوب قسوة الدنيا في فضاء العناق. الليلة... يسقط القناع عن وجه الخوف. الليلة... تتوقف الحروب، وتُوضع الأسلحة جانباً، لتبدأ معركة من نوعٍ آخر؛ معركةٌ وقودها الشغف، وسلاحها العهد الأبدين ورايتها دقات قلبٍ تعلن الاستسلام المطلق داخل حصن الأمان. بين ضوء القمر الفضي وفراشٍ يشتعل بالدفء، تُكتب شهادة ميلادٍ جديدة لأنثى عَمّرت الدموع مآقيها، ولرجلٍ صانَ فاستحق أن يملك الكون في كفٍّ صغيرة ناعمة. إنه الع
قطت جملة أمجد الأخيرة وحلفه الصادق على أرجاء المكان كقذيفةٍ ثقيلة خربت صمت الغرفة، وكحجر ضخم أُلقي بعنف في ماء راكد. تجمدت الأم في مكانها للحظة بذهول عارم؛ لم تصدق بأي حال أن ابنها، حبيبهما، قد لوّح بصريح العبارة بالرحيل والهجر من أجل هذه المرأة. ثم التقطت أطراف عباءتها السوداء بعنفٍ وغل، وهرولت خارجة من باب الشقة وهي لا تزال تتمتم وتنفث في الفضاء بكلمات لازعة، تخلط فيها الدعاء بالشر واللوم، والوجع بالعناد الأعمى. وانغلق الباب خلفها أخيرًا بـدوّي شديد. وساد في المكان صمتٌ ثقيل، غارق في الإرهاق والتوتر العاطفي. أرادت ليلى في تلك اللحظة أن تهرب من أمامه، أن تواري خجلها وانكسار كرامتها؛ أرادت أن تنسحب سريعًا إلى المطبخ أو إلى غرفتها المظلمة، إلى أي زاوية لا يراها فيها زوجها وحبيبها منكسرة الملامح ومجروحة الكبرياء بسبب أهله. لكن قبل أن تخطو خطوة واحدة للفرار، مدّ أمجد ذراعه القوية الواثقة، وبحركةٍ مباغتة وجاذبة، شدّ جسدها اللدن إليه بعنفٍ حانٍ. جذبها إلى أحضانه بقوة وجوع رجلٍ تعب من الكلام ومن مصارعة الدنيا، فلم يجد أصدق ولا أطهر من هذا الاحتواء الجسدي ليقول كل شيء. تصلب جسد ليلى للحظ
كانت ليلى تقف في جوف المطبخ تُعدّ طعام الغداء بمهارةٍ دافئة، تتحرك بخفةٍ ورشاقة بين الأواني الفخارية والمقالي، بينما كانت رائحة التوابل الزكية والأبخرة المتصاعدة تملأ فضاء الشقة وتمنحها روحًا أسرية حانية ومحببة. من حينٍ لآخر، كانت تلتفت بوجهها المشرق، وترتسم على شفتيها الكرزيتين ابتساماتٌ عذبة نحو الصالة، حيث كان يتعالى صوت ضحكات الأطفال الصافية. في الصالة، كان يزن يجلس على السجادة الدافئة إلى جوار ابنها الصغير، يلهوان معًا بمكعباتهما الصغيرة في انسجامٍ طفولي ساحر. وبالرغم من أن يزن يعيش أغلب الوقت في كنف جدته سعاد، فإنه كان يعشق المجيء إلى بيت خالته ليلى؛ كان يجد في عتباتها ما يفتقده في أماكن كثيرة: دفء الأمومة البديلة، والحنان الخالص، ومساحةً رحبة يضحك فيها بملء فيه دون خوفٍ من زجر أو نهر. كانت ليلى ترى في ملامحه الصغيرة البريئة بقايا من طيف أختها الراحلة وعطرها، لذلك كانت تحيطه دائمًا بعاطفةٍ جياشة وأحضانٍ لا تنقص رقتها يومًا. وفجأة… تبدد ذلك السلام الأنثوي؛ إذ دوّت على الخشب الخارجي طرقاتٌ عنيفة، متلاحقة، وشرسة، كأن الطارق لا يطلب إذنًا للدخول… بل يقتحم ويهدم السكون. تجمدت ليلى
اهتز قلب ليلى بعنف داخل ضلوعها، وشعرت بحرارةٍ لاهبة تملأ وجهها وعنقها. مد يده الكبيرة الواثقة وأمسك كفها الصغيرة برفقٍ، ثم تغلغلت أصابعه بين أصابعها في تشابكٍ حميمي وثيق، كأنها قطعة من بلورٍ ثمين ونادر يخشى عليها من الكسر. - ليلى… أنا عارف وبيشهد ربنا إنك تعبتي كتير في حياتك اللي فاتت، وشوفتي أيام صعبة تكسر الظهر… وعارف إن جواكي خوف ووجع لسه ما ماتش وجواكى جروح لسه بتنزف صمت لحظة، واقترب أكثر حتى التفت أنفاسه الساخنة بأنفاسها، ثم شد على كفها بحنانٍ جارف وضغط بجسده نحوها برقة - بس أوعدك وعهدي عليا الليلة دي.. هتعرفي معايا وتدوقي إن الجواز ممكن يبقى رحمة متواصلة، مش حرب واستعراض قوة. وسند حقيقي تترمي عليه.. مش حمل تقيل يهد حيلك. وأمان مطلق تنامي فيه في حضني.. مش خوف . لم تشعر ليلى في تلك اللحظة إلا بدموعٍ دافئة، ممتنة، تتجمع في مآقي عينيها لتغسل كل آثار قسوة والدته وسمر. همست بصوت مرتعش، يكاد يخرج من شفتيها الكرزيتين كالتنهيدة - وأنا… خوفي ده كله وضياعي القديم هيروح فين؟ هيضيع منك؟ اقترب أمجد أكثر، ألغى كل المسافات المتبقية بينهما حتى صار صوته يتردد عند حدود شفتيها، وشعرت بحرا
كان الزفاف أشبه بليلةٍ فريدة قررت فيها الحياة أن تخلع ثوب الجفاء، وتقدم لهما اعتذارًا مهيبًا وعابرًا للمواجع عمّا مضى من سنين العذاب. الأضواء تتلألأ في كل زاوية من قاعة الحفل كنجومٍ هبطت لترسم مسار الغد، والموسيقى الدافئة تنساب ناعمة، حانية، كأنها تمهّد الطريق السالك لفرحٍ طال انتظاره على عتبات الصبر، والوجوه تتناثر في الأرجاء بين ابتساماتٍ صادقة نابعة من قلوب أحبتهما، وأخرى متكلّفة يخنقها الزيف، بينما امتلأ المدى بضحكاتٍ وحركةٍ صاخبة لا تهدأ. وفي قلب هذا المشهد الأسطوري المشتعل بالبهجة… وقفت هي. العروس… بفستانها الأبيض الناصع، شامخة، فاتنة، كأنها خرجت لتوّها من معركة تاريخية طويلة وضارية، فخرجت منها منتصرة بكبرياء أنثى لا ينكسر. كانت ليلى تقف بثبات امرأةٍ دفعت ثمن كل خطوة وكل نبضة وصلت بها إلى هذه المنصة، وعيناها العسليتان تلمعان ببريقٍ آسر لا تصنعه مستحضرات الزينة… بل تصنعه الطمأنينة البكر الساكنة في عروقها الآن. قلبها كان يسابق إيقاع الموسيقى في خفقانه المتسارع، وأنفاسها تختلط برهبة الموقف العظيم وفرح الطفلة التي عاد لها عيدها، وكلما التقت نظراتها بعيني عريسها ورجلها، شعرت أن ال
كَمْ هُوَ مُوحِشٌ أَنْ تَعُودَ إِلَى دِيَارِكَ حَامِلًا مَا تَبَقَّى مِنْ حُطَامِ يَوْمِك، لِتَجِدَ أَنَّ البَيْتَ الَّذِي رَجَوْتَ فِيهِ المَلْجَأَ قَدْ تَحَوَّلَ إِلَى مَحْكَمَةٍ قُضَاتُهَا هُمْ أَهْلُ دَمِك. تَمْشِي وَتَجُرُّ خَلْفَكَ خُيُوطَ النَّهَارِ الآفِلَة، كَأَنَّ السَّمَاءَ تَسْكُبُ رَمَادَهَا فِي رُوحِكَ المُنْطَفِئَة، فَلَا التَّعَبُ يَنْقَضِي بِانْتِهَاءِ الـمَنَاوَبَات، وَلَا الكَتِفَانِ المَهْدُودَانِ يَعْرِفَانِ كَيْفَ يَنْفُضَانِ غُبَارَ الهَزِيمَةِ العَالِقِ بِالمَفَاصِل. فِي تِلْكَ الصَّالَةِ المَشْحُونَةِ بِأَنْفَاسِ مَا قَبْلَ العَاصِفَة، حَيْثُ تَقْبَعُ الأُمُومَةُ كَسُدَّةٍ صَارِمَةٍ مِنَ العِنَاد، وَيَجْلِسُ الأَخُ يُمَسِّدُ وَجْهَ الصَّمْتِ بِكَلِمَاتٍ دَافِئَةٍ مَشُوبَةٍ بِالحَذَر... هُنَاكَ تَهَيَّأَ القَلْبُ لِطَعْنَةٍ أُخْرَى، فَقَدْ أَلِفَ الطَّعَنَاتِ حَتَّى صَارَ يَتَوَقَّعُ الخَدِيعَةَ فِي كُلِّ عِنَاق، وَيَرَى فِي كُلِّ جَمْعٍ عائِلِيٍّ مَكِيدَةً مُؤَجَّلَة. "مَا أَقْسَى أَنْ تَأْتِيَكَ البُشْرَى الَّتِي بَكَيْتَ لِأَجْلِهَا شُهُورًا، لَا كَقُرْ
رفع رأسه إليها هذه المرة، وقد بدا الانزعاج جليًا على ملامحه.- دكتور ليه؟ إنتى أول ولا آخر واحدة تحملى... بطلى دلع شعرت ندى بشيء ينكسر بداخلها، لكنها حاولت ألا تفقد هدوءها.- أنا مش بطلب حاجة مستحيلة، أنا بطلب أرتاح شوية وأطمن على نفسي.... أكشف زى أى واحدة حامل وقف أيمن من مكانه، وصار صوته أعلى.
خرجت ليلى من بوابة المدرسة، حقيبتها معلّقة على ظهرها، وخطواتها خفيفة كأنها لا تلامس الأرض. ابتسامة حالمة استقرت على شفتيها دون وعي، وخصلة متمردة من شعرها انسلت تداعب خدّها مع نسمات العصر، فبدت كأنها تحمل أحلامًا أكبر من سنواتها.وخزتها منار بمرفقها وهي تميل عليها، تردد بابتسامة ماكرة- أيوه يا سِت
كانت تستجيب في صمت، تمسح يديها في طرف ثوبها، وتنزل من جديد، تحمل فوق كتفيها أكثر مما تحتمل جسدًا وروحًا.مع غروب الشمس، شعرت أن طاقتها قد نُزعت منها نزعًا. ثقلت خطواتها، وأصبحت الأنفاس أقصر، وكأن الهواء نفسه صار عبئًا. جلست أخيرًا على طرف الكرسي في المطبخ، للحظة قصيرة، قبل أن تعاود النهوض، خوفًا من
تجمّدت ابتسامة ندى قليلًا. لم تفهم النبرة، ولا سبب الاستعجال، لكنها لم تجادل. أغلقت الباب بهدوء، واتجهت إلى غرفة النوم حيث كان أيمن لا يزال مستغرقًا في نومه.اقتربت منه وهزّته برفق— أيمن… يا أيمن، قوم. أمك عاوزاك تحت.ما إن سمع كلمة أمي حتى فتح عينيه ونهض دفعة واحدة، وكأن النوم تبخّر فجأة.- أمي؟







