تسجيل الدخولابتسم "أدهم" عند رؤيته للعم وكان بداخله يساوره قلق ، فكانت آخر مقابلة بينهم تحمل في طيّاتها بعض التوتر ، ولكنه تفاجأ به يبتسم إليه: وجدت أنك لم تدعُني للشاي منذ استقريت وأنا لا أنتظر الدعوات عامةً.
قال جملته وهو يخطو داخل الشقة فعلًا ، ابتسم "أدهم" وأومأ برأسه أن تفضل: كم ملعقة سكر يا عم "أحمد" قالها وهو داخل المطبخ الأمريكي المطل على الصالة. العم: بلا سكر يا صديقي أدهم: لا يبدو عليك أنك رجل يتبع نظام غذائي نظر له العم مشاكسًا: ماذا تقصد يا ولد؟ ثم نظر إلى بطنه: أتتنمر على دهوني؟ ضحك أدهم محرجًا: لا لا، أقصد فقط أني أراك رجلاً طليقًا بعض الشيء ، لا أعرفك منذ كثير من الوقت وانظر إلى حالنا، أصبحت جارك ، أكلت بمنازلكم أكثر من منزلي أعتقد، فلم أعتقد أن تقيد نفسك بأي طريقة حتى الغذاء. نظر له العم وتنهد ثم قال: أحيانًا تخونك صحتك يا بني فتتخلى عن بعض مبادئك في الحياة ، فعلاً أنا لا أقف مع أي نظام غذائي هدفه تشكيل الإنسان ليتوافق مع معايير جمالية وجسدية معينة ، لكن عندما يتعلق الأمر بالصحة هنا يكون الأمر جديًا ، بالمناسبة أنا و"سيرة" ورثنا السكري من والدي. أدهم: أعتذر، لم أكن أعلم أنك أيضًا مصاب به. قالها وكان حاملاً صينية الشاي وخرج من مطبخه العم: حسنًا دعك من اعتذارك وأخبرني، هل استقريت بشكل كامل الآن؟ أليس هناك ما ينقصك؟ قالها وهو يمد يده ويلتقط كوب الشاي من يده. ابتسم أدهم بامتنان: أشكرك حقًا ، لكن الأمر تم وبسهولة لم أتوقعها وكان ذلك بفضلك بعد الله. العم: لا العفو يا ولدي كلنا أسباب في حياة بعضنا، ها ، ما أخبار العمل اليوم ثاني أيامك أليس كذلك؟ أدهم: نعم ، لا أزال اعتاد لكن في المجمل الوضع مريح نوعًا ما. العم: جيد ، هي مشفى جيدة أنا أجرى جميع فحوصاتي بها. أغمض "أدهم" عيناه كمن مرة عليه شبح ذكرى ما، ثم أومأ: نعم ، جيدة. ضاقت عيناه العم: ماذا؟ هناك مشكلة ما؟ تنهد أدهم تنهيدة تكاد تسمع صداها ، عمقها يشعرك بكم الألم المحملة به: لا ، ليست مشكلة ، لكن... صمت كمن يحاول أن يتدارك نفسه من الانهيار العم مربتًا على قدمه: ماذا بك يا بني، أنا أسمعك. نظر له "أدهم" متأملًا قليلًا كمن يقرر في قرارة نفسه ، هذا الشخص يمكنني أن أشارك وجعي معه. أدهم: انتظرني قليلاً قالها وتوجه لغرفته وخرج منها ممسكًا بروازًا بيده، وجلس بمكانه ثم عرض الصورة على العم مبتسمًا بألمٍ وحنين: تلك جدتي ابتسم العم وهو ينظر لها: تشبه أمي كثيرًا أومأ "أدهم" برأسه : هذا ما شعرته أيضًا العم: لا تقل لي أن ذلك الفتى بجانبها... أدهم ضاحكًا: نعم أنا. ضحك العم: ما كل تلك البراءة يا بني ، كيف لتلك الملامح اللطيفة أن تقرر أن تدخل كلية بها كل هذا التشريح، مظهرك ونظارتك توحي بأن حلمك أن تكون معلم دراسات اجتماعيه. ضحك أدهم بمرارة: وقتها لم أكن قد قررت الكلية ،كان سؤال ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر لا يزال غامضًا ، قررت بعد تلك الصورة بعدة أشهر فقط، كنت وقتها بالثانوية العامة فعلاً. ثم اغرورقت عيناه بالدموع ، وأخذ يلمس وجه الجدة في الصورة بيده. طبطب العم على يده: كنت تحبها كثيرًا، حدثني عنها ، اجعل ذكراها في عقول الكثير يابني. أردف "أدهم" بصوت خنقته الدموع: كانت جدتي قد تزوجت صغيرة في الخامسة عشرة، كانت في الأرياف كما تعلم في ذلك الزمن ، وأنجبت أمي في السادسة عشرة، وأمي تزوجت في الحادية والعشرين ، وأنجبتني بعد عام واحد، أي أن جدتي أصبحت جدة في سن الثامنة والثلاثين فقط. ابتسم "أدهم" بشفقة، كان بداخله يشعر وكأنها قد سُرق منها عمرها، تنهد قليلًا وأردف: وبعد أن بلغت عامين فقط وفي عز تعلقي بها وتعلقها بي ، قد كان أبي لديه فرصة عمل بالخارج ، شعرت جدتي أنهم يريدون أن يسلبوا منها حياتها ، ليست ابنتها الكبرى فقط ، بل حفيدها ، قالت: حسنًا قد كبرت ابنتي ، لكني لن أسمح أن يكبر ذلك الصغير بعيدًا عن عينيَّ، ثم إنهم سيكونون مشغولون هناك كيف سيراعوه في بلدٍ غريب. ثم ابتسم بفخر قليلًا وأكمل: وقتها مارست كل ما تستطيع ممارسته من ضغط أمومي ، وأقنعت والداي أن أعيش معها ، وقد كنت أنا متعلقًا بها فكان الأمر سهلاً. عشت معها عمرًا لا يُنسى ، ما من طفل بين أقراني حاز ما حُزته أنا ، من حنو وتدليل. عادت المرارة لتشوب ابتسامته وأخذ يكمل: وفجأة وأنا في الثانوية العامة بدأ شيئًا ما يظهر عليها ، كانت وقتها في السادسة والخمسين لم تكن عجوزًا ، لكن آثار السنين بدأت تظهر تعبًا خلف تعب ، أخبرتُ أمي بالأمر، عادت هي وأبي قبل موعد إجازتهم بكثير ، لم تكن جدتي مهمة لأمي فقط ، فكانت أم لأبي أيضًا، وحين أدركا أن مرضها ليس بالشيء العابر ، سافر أبي لينهي كل شيء وعاد ليستقرا بشكل نهائي ليراعياها ، فمهما كان خيلاني جيدون ، لكن الابنة هي من ستراعي بكل كيانها ، كان جدي قد توفاه الله منذ ٥ سنوات ، كان رجلاً طيبًا أيضًا استحقا بعضهما. صمت ليتنهد ويأخذ نفسه ، كان يشعر بمن يضغط على صدره خانقًا إياه ، لكنه تجاوز احساسه ليكمل: اعتقدنا أن الأمر سيمر لكن لم يحدث ، الأطباء لا يعلمون سببًا، لا دواء يجدي ، فقط مسكنات للآلام ، فوقتها أجرنا منزلًا مؤقتًا هنا بالقاهرة بعد أن أعلن جميع أطباء الإسكندرية استسلامهم. وهنا وبعد جولة على الأطباء والمستشفيات، ساءت الحالة ، أكثر بكثير ، جدتي لم تعد تضحك. لم يمنع دموعه تلك المرة من الانزلاق وأردف: عزيزتي كانت تتألم ، كنت آراها تضغط على الوسادة وتعض على يدها كي لا تصدر تأوُّهات تشعرنا بألمها، ويومًا وصل الأمر لذروته ، حُجزت بالعناية المركزة ، السرير رقم ٧ بمشفى "نبضة" لن أنسى أي شيء لن أنسى أنها مرت بكل فحوصات في كل التخصصات ، لايزال التشخيص مجهولًا ، جدتي تموت ولا نعلم القاتل، وعلى ذات السرير بذات المبنى ، رحلت. كان استحال صوته من بكاء لنحيب كأنه دفنها لتوّه. كان العم يربت على كتفيه من أول حديثه ولكنه في تلك اللحظة تحديدًا احتضنه ، فأخذ يبكي بقوة في حضنه كطفل ، ولم يشعر العم أنه أيضًا فلتت منه دمعة شردت. اعتدل "أدهم" وهو يحاول تمالك نفسه: لم أبكيها قط ، فقط عدت للإسكندرية في ذات اليوم وحدي بالقطار ودخلت غرفتي وقمت بمعسكر للمذاكرة ، كنت في الأوقات العادية أدرس بشكل طبيعي ، لكنني من تلك اللحظة لم أكن أنام، لم أرَ سواها على سرير رقم ٧ تنظر لي نظرة وداعها الحانية ، لم أبكيها قط حتى تخرجت من كلية الطب وذهبت عند قبرها وأريتها الشهادة ، قد كنت الأول على دفعتي طوال السبع سنوات ، ولكنني لم أكتفِ، أكبر منحة عُرضت في مجال تشخيص الأمراض قبلتني بسهولة بسبب تقديراتي المرتفعة، وعند عودتي كان أول ما فعلت أن ذهبت لأريها شهادتي الجديدة ، وأنا أخبرها أنني أقوم بذلك لأجلها ، لأجل ألا يقف أي حفيد أمام سرير رقم ٧ أو غيره ويشاهد موت جدته بيدٍ مكتوفة. تنفس "أدهم" بعد جملته الأخيرة بقوة ، شعر أنه كان يريد هذا الحديث بالفعل منذ أن دخل المشفى وزاره الماضي بقساوته وبرده المعتادان. ثم مسح دموعه بكلتا يديه كالأطفال ونظر للعم بنظرة اعتذار: حقًا لم أكن أقصد أن أجعل الجو حزينًا هكذا، لا أعرف لكن أشعر عندما أنظر لك أنك الشخص الصحيح لفتح أبواب القلب وما بين طيّات جدرانه أمامك. ربت العم بكلتا يديه على وجه "أدهم": حسنًا، وقلبي أنا أيضًا مفتوح لك على مصراعيه ، لا تشعر يومًا أني سأحكم عليك، لقد كنت ذا قبول عندي من لقائنا الأول ، حين يعود الأولاد ستعلم أنك في وسط عائلة وأخوة، لقد اعتادوا قضاء الإجازة عند أهل والدتهم ، إنها تركية ، والمحتال الكبير قرر أيضًا أن يتسلل بين الصغار رغم أنه من يدير أعمال العائلة. ابتسم "أدهم" : كنت أظن أن "سدرة" و"سيرة" من تديران. العم: لا "سدرة" مديرة مالية ذكية بالأرقام منذ صغرها ، مشاكسي الكبير يخبرها دومًا أنها حققت معادلة صعبة ، كيف لفتاة جميلة أن تكون ذكية ، وكانت تجتمع و"سيرة" على توبيخه وإلقاء أي شيء قابل للحمل عليه ثم خفض صوته: وكنت أساعدهم أيضًا، لا يمكن لأحد مضايقة فتاياتي. وأما "سيرة" فتركت لنا الجمل بأحماله ، هي تعمل بشركة دعايا وإعلان، موهوبة بشكل لا يصدق. نظر "أدهم" للعم نظرة اندهاش: كيف غيرت دفة الحوار وأنسيتني أنني كنت أبكي من دقائق ، أعلم الآن من أين ورثتا عبقريتهما. ضحك العم: كشفت أمري إذن. كان قد أنهى العم كوبه ، فهمَّ مودعًا وعلى الباب استدار لـ "أدهم" وقال بهدوء: ذلك اليوم ما كنت أقصد أني أشك بـ "سدرة" أنا فقط لا أعلمك يا بني، نعم أدخلك حياتي وبيتي أنا ، لكن الفتيات ... حسنًا أعلم أنها من عرضت عليك المقهى وأنه بالمول ومقهى مفتوح ، وأعلم أنها عزمت عليك بكوب الشاي ، لذا غضبي كان منها ليس منك ، ولكني أعرف نوايا صغيرتي جيدًا. فقط أردت أن أخبرك بذلك كي لا ترى أني أشك بسلوكها ، أنا أب يوجه ابنته فقط لا غير ، تصبح على خير. أنهى العم كلامه وفتح الباب وخرج وترك "أدهم" واقفًا يستوعب للحظات ، ثم أغلق الباب وأدرك أن قراره الذي اتخذه قبل طرق عم "أحمد" الباب كان صحيحًا.لكن هناك من استبقها وقام بالفعل بمراسلة أدهم، آسر قد فعل، كان قلقه قد كاد يفوق قدرته على الاحتمال، لذا أرسل لأدهم رسالة صوتية شرح بها ما جرى بتفاصيله اليوم، منذ أن وجدها بسيارتها فاقدة للوعي وحتى نصحتهما طبيبة الطوارئ بإخبار طبيبها.على الطرف الآخر عندما رأى أدهم اسم آسر على شاشة هاتفه شعر للمرة الأولى بالغضب، ولكنه سرعان ما تلاشى عندما سمع الرسالة الصوتية "أدهم، مساء الخير، أعلم أنك بالعمل أعانك الله، اسمع قد حدث شيئًا اليوم أوصتنا طبيبة الطوارئ بمشفاكم أن نخبرك به، كانت سيرة قريبة من هناك واتصلت بي لآتي وأصحبها لأنها ليست بخير، ولكن حين وصلت وجدتها وقد كادت أن تفقد وعيها، وأخرجتها من السيارة محتضنًا إياها ولكنها حتى لم تقوَّ حتى على الوقوف، فحملتها وكانت قد فقدت وعيها بالكامل، أعذرني أشرح التفاصيل قد ترى أيًا منها مهمًا أنت الطبيب، حسنًا دلفنا إلى الطوارئ وأخبرتنا الطبيبة أن ضغطها قد ارتفع، ولكن حين شرحت لها سيرة الألم وحالتها الصحية، نصحتنا أن نخبرك، أطلتُ عليكَ يا صديقي، ولكن أنت تعلم مدى قلقنا حيال تلك الفتاة، أخبرتني أنها ستراسلك بنفسها ولكنها نائمة الآن، وصراحةً أشك أنها ستفعل
كانت الأسئلة تجوب برأس سلمى بالفعل، وبما أنها لم تستطع سؤال أخيها فعلى الأقل قد تستفسر من سيرة، لقد رأت في عيني أخاها لمعة تجاهها لم ترها من قبل، ولكن ما شتت انتباهها أنها رأته ينظر لسدرة بإعجاب وقتما كانا بالمطبخ سويًا، لذا إن لم يخبرها بحقيقة مشاعره، ستعلم هي بطرقها..مرت ١٠ دقائق وخرجت سلمى للشرفة وسرعان ما خرجت سيرة أيضًا، كانتا متشابهتان لحدٍ كبير؛ لذا وجدتا كثيرًا من المواضيع ليتجاذبا أطراف حديثهما.وفي خضم الحديث عن الذكريات والماضي، لاحظت سلمى أن سيرة تتجنب أن تذكره بأي شكل، فبدأت هي بالسرد وذكرت جدتها، وحكت قصتها مع أدهم وكيف كان متعلقًا بها وكيف رحلت تاركة علامات استفهام لهم وللأطباء، لم يعلموا سبب موتها.وحينها تجمدت سيرة، تذكرت ما حدث بينهم منذ مدة ، وكان صوتها الداخل يردد (كان يحمي جدته بي، ماذا فعلت أنا وقتها؟ أهنته!!)، لاحظت سلمى شرود سيرة ودمعتها التي تسربت بلا وعي منها؛ فأدركت أنها تأثرت فبادرت تهوِّن عليها..سلمى: حسنًا، مرَّ على الأمر ١٥ عامًا ، خففي على قلبك.نظرت لها سيرة وقد أدركت أن تأثرها بادٍ على وجهها فمسحت دمعتها وأردفت: كانت جميلة، لا بد أن دكتور أدهم لا ي
"أدهم" الذي كان صعد لسطح المبنى ليرى إن كان من خطبٍ ما في هوائي التلفاز؛ فهو لا يعمل وأرادت أخته أن تتابع مسلسلها قبل أن تتوجه للعشاء الموعود في بيت الفتاتين، ما كان يعلم أنهما هناك أيضًا، ولم يسمع سوى الجملة الأخيرة، والتي وقع صداها في أذنه،ولم يجول بخاطره سوى" إذن كانت تكذب عليّ؟ كانت تغار على محمد إذن تحبه، لما أخبرتني بالعكس إذن؟). كانت علامات الاستفهام تجوب بعقله وهو يعود أدراجه لشقته، لقد عدل عن فكرة إصلاح العوائي، يمكن لأخته أن تشاهد الحلقة على الإنترنت في وقتٍ لاحق.وعلى الروف كان الصمت سائدًا بعد كلمات سدرة الأخيرة، كانت عيناها قد دمعت، وعيناه كذلك، صمت كلاهما لاستعادة ما اختل من توازنهما.وفجأة اعتدل محمد في جلسته ونظر لسدرة بعمق: حسنًا، بغض النظر ماذا أشعر نحوك، ما الذي يدفعني للجنون تلك الفترة؟ أيمكنكِ تحليل الأمر؟ لقد طعنتُ شرف فتاة صباحًا يا سدرة.ثم صمت قليلًا وعادت الدموع تتشكل في عينيه: أنا جرحت مشاعر فتاة أمام سكان عقار كامل.ابتسمت سدرة بعطف، كانت لم ترَ ضعفه منذ زمن، كان دومًا أو منذ بضع وعشر سنوات تحديدًا يضيف ملامح غاضبة على قسماته، لم تكن منه في شيء ، هي تعلم
كان الارتباك بلغ من محمد أشده، لا يدري كيف يتعامل الآن؟ هو يعلم جيدًا أنه أهانها، وأنها وأخيها أقرا أنهما لن يعرفانه بطريقٍ إذا تلاقوا، ولكن الموقف قد فرض نفسه عليهم جميعًا الآن.اتخذ محمد قراره وتوجه نحوها وهي لا زالت تنظر بهاتفها، وحين وقف أمامها مباشرة رفعت نظرها ظنًا منها أنه الأستاذ علاء، لكنها رفعت عيناها لتتلاقى بعينيه فجأة، وبدت الدهشة على وجهها ثم استحالت لغضبٍ ظاهر، في حين كانت نظرته وابتسامته متوددتان ولطيفتان كأنه شخصًا آخر، طالت نظراتهما غير المتكافئتين وهمَّت سلمى واقفة عازمة على الرحيل. فقد تذكرت ما قاله الأستاذ علاء عن أن المهندسين هنا رافضين لوجود فتاة، وإن كان هذا الشخص منهم إذن فهي كمان ترفض وجودها بمكان هو فيه.لكن قاطع ذلك التلاحم الصامت الأستاذ علاء حين وصل وقال بتنهيدة: ها أنتم تلاقيتم، كنتُ أبحث عنك يا باشمهندس محمد، حسنًا هذه باشمهندسة سلمى المتدربة الجديدة، وهذا باشمهندس محمد مالك الشركة.هنا فتحت سلمى عيناها بصدمة، وهنا كان القرار واضحًا، لن تبقى بهذه الشركة ولو للحظات.التفتت للأستاذ علاء بابتسامة مجاملة: تشرفت بالتعرف عليك يا أستاذ علاء، أستأذنك.وأدارت ظه
لم يكن صباحًا هادئًا على الإطلاق، فتحت الفتاتان عيناهما في اللحظة نفسها ثم نظرتا لبعضهما دون أن ينبسا بحرف ، تنصتان السمع لتأكدا مما تسمعانه، هل هذا حقًا صوت مشاجرة؟ مهلًا هل هذا حقًا صوت محمد؟قامت الفتاتان مسرعتان دون كلمة ظنًا منهما أنه بالتأكيد يتشاجر مع " أدهم"، ففي مدة الشهر وأكثر الماضية كانا قد تقابلا عدة مرات، كانت نظرات "محمد" وقتها تكشف الكثير من كل المشاعر التي يمكنها أن تكون غاضبة.لملمت "سدرة" شعرها سريعًا وارتدت "سيرة" خمار الصلاة، وانطلقتا نحو الباب وجدتاه مفتوحًا لأن الجدة والتي استيقظت مبكرًا من جانبيهما قد خرجت لصوت الشجار أيضًا، ولكن ما أن نظرتا للخارج حتى فغرتا فاهيهما، من تلك؟كانت فتاة بشعر أسود مموج طويل ترتدي بيجامة فضفاضة لا بأس، لكنها... في بيت "أدهم".والأغرب أن "محمد" كان يصيح قائلًا: أهي عمارة أبيه كي يأتي بفتيات إلى المنزل؟نظرتا الفتاتان إلى بعضهما ثم نظرتا إلى "آسر" الذي رفع كتفيه قالبًا شفتيه معبرًا للفتاتين أنه لا يعلم حقًا ما هناك.كانت العمارة بأكملها قد صعدت على أثر الصوت.وفجأة خرج صوت الفتاة واثقًا، ولكنه مخنوق بالبكاء وقالت وهي تنظر له بحزم وقو
أفاق "أدهم" من صدمته وأخذ يحنو بصوته ليهدأ من روعها، يعلم الآن أنها ليست الفتاة التي تخاف المصاعد، هناك ما هو أعمق وأكثر قتامة بكثير: سدرة كل شيء سيكون على ما يرام ، عائلتك بخير ، وستجتمعين بهم فور أن يتم حل مشكلة المصعدلم تكن دموعها قد وقفت ولكن هدوءها قد عاد مرعبًا مرة أخرى: أنا أيضًا ظننتُ أنهما بخيرنظر لها "أدهم" متعجبًا، تلك الفتاة المشرقة لديها جانب لا تزره الشمس إذن!لكن في لحظة رن هاتفها وإذ بها "سيرة" فأجاب "أدهم"سريعًا: ألو آنسة سيرةلم يأتهِ ردٌ لأنها لم تسمعه، لكنها لاحظت أن المكالمة قد أجيبت وأخذت تتحدث: سدرة حبيبتي اقتربت من البيت هل تحتاجين لشيء؟أخذ أدهم يتحدث لكنها لم تسمع سوى شوشرة الشبكة: لِمَ التغطية عندك بهذا السوء؟ أين أنتِ؟وحين كرر أدهم حديثه أدركت أن هذا ليس صوت "سدرة" ولكنها لم تدري أيضًا من ولماذا يجيب هاتف أختها؟ والأهم أين؟ تلك التغطية السيئة ليست بمنزلهم!لكنها أسرعت إلى البيت، كانت تبعد ٥ دقائق فقطكانت "سدرة" سمعت "أدهم" وهو يتحدث وينطق باسم "سيرة" فأفاقت من شرودها قليلًا ونظرت له قلقة وقالت بنبرة متلهفة: هل هي بخير؟أدهم: هي بخير فقط لم تسمعنيسدرة:







