تسجيل الدخولمرت أيام عدة منذ اتخذ "أدهم" قراره ، وأيام عدة منذ قطن تلك الشقة وذلك العقار.
كانت مقابلاته مع الفتاتين مبنية على المصادفات لا غير ، حتى أنه لم يحدث "سدرة" مرة أخرى على مواقع التواصل، كان يكتفي فقط بوضع إعجاب على قصصها، حتى أنها لاحظت ذلك وظنت أنه يحاول التلاعب ، فبعض الرجال يحبون لعبة الاختفاء كلعبة نفسية ليعلموا إن كانت الفتاة فعلًا مهتمة ، ولكن "سدرة" وإن كانت مهتمة فهي أمامه ليست مهتمة ، فقد تعمدت ألا تفتح قصصه وألا تضع أي أثر لها على صفحته ، مع العلم أنها كانت تفتحها بطريقة ما لا تظهر له، كانت قد ساعدتها في ذلك الأمر "سيرة" فقد فاتحت "سدرة" في الأمر ذات يوم أثناء إفطارهما: سدرة لنكون واضحين ، هل هناك بداخلك شيئًا ما أخيرًا قد بدأ ينجذب؟ توترت سدرة قليلًا: ماذا تريدين؟ سيرة: كنت أحاول أن أكون لطيفة معكِ لكن هكذا طلبتِ ، هل أعجبتِ بهذا الطبيب؟ رمقتها سدرة بنظرة غير راضية عن أسلوبها في الحديث عنه: هذا الطبيب؟ لم تكن تلك طريقتك في الحديث عن الناس ، كنتِ دومًا تتحدثين عن الجميع وكأنهم أمامك وتقولي كي لا يشعر أحد أنه طُعن في ظهره. سيرة: حسنًا تلك الجملة التي كنتِ تسخرين منها ذي قبل الآن تستخدمينها ضدي لأجله ، جيد ، يبدو أنني حصلتُ على إجابتي. قالتها ثم رشفت آخر رشفة في كوب الشاي الخاص بها وانطلقت وتركت "سدرة" تائهة ، لا تدري هل فعلًا أعجبت به؟ هي لا تعلم كيف يكون ذلك الشعور من الأساس لكي تعلم أهو ذلك أم لا ، لكنها قررت أن تعاود الحديث مع "سيرة" حين تعود لكن بصراحة أكثر، تعلم أن ليس لها سواها ، هي من ستسمعها وترشدها ولا تطلق عليها أحكامًا. عادت "سيرة"ذلك اليوم مترقبة لما ستعترف به شقيقتها ، هي تعلم جيدًا أنها لن تخفيها أمرًا ولكنها كانت تحتاج لبعض المراوغة كي تتحدث كعادتها، وما أن وضعت "سدرة" العشاء حتى بدأت تفتح شتى المواضيع:أخبرني الخال اليوم أن أسرته ستعود غدًا صباحًا، يمكنك أن تأخذيه إجازة أليس كذلك؟ سيرة: حسنًا لا مشكلة قالتها وهي تمسك هاتفها وترسل رسالة عن تغيبها بالغد، ثم نظرت لـ"سدرة" مترقبة كلامها الآتي، ولكن حين وجدتها تتهرب كطفلة نسيت كتابة فروضها المدرسية ، بدأت هي تشاكسها كالعادة: كنت أظنه عاد من الخارج مجرد مغرور بشهادته ، لكن اتضح أنه يجيد ما يفعل حقًا، لقد أصبحت أفضل هذا الأسبوع بكثير. سدرة: هذا جيد ، ولكن متى انتقلنا للحديث عنه أنا لا أتذكر. سيرة: أنا لا أتحدث عنه أنا أتحدث عني ، صحتي تحسنت وكان هو سببًا لذا فالشيء بالشيء يُذكر. وصمتت لبرهة وهي لا تزال تحدق بـ"سدرة" التي أخذت تتظاهر بالجوع وتنهم ، فقلبت "سيرة" عيناها في سخرية: لهنا وتوقفي ، لِمَ كل ذلك التوتر؟ ، أنتِ لا تأكلين الزيتون أساسًا والآن كدتي تأكلينه بنواته، اهدأي قليلًا. نظرت لها "سدرة" كالفتاة التي قبضت عليها أمها وهي ترسم على حيطان البيت ، ثم أردفت: لستُ متوترة سكتت لبرهة وأكملت: أنا حائرة قالتها وقامت مطأطأة الرأس من مائدة الطعام وجلست على إحدى الآرائك فتبعتها "سيرة" وهي تسأل: ما الذي يحيرك؟ نظرت لها "سدرة" ولم تتكلم فأردفت سيرة: لا تخبرينني أنكِ حائرة إن كان معجبًا بكِ أم لا! ظلت نظرة "سدرة" ثابتة ، فأكملت سيرة: هل هذا من الممكن؟ ألا يعجب بكِ أحدهم؟ من أحمق يمكن له ذلك؟ قلبت "سدرة" عيناها وزمت شفتيها ، كانت تسمع تلك الكلمات كثيرًا وحقًا كانت تزعجها ، فهي لا تريد أن يعجب بها كل من يراها ، فقط تريد أن تعجب بواحد فقط ويعجب هو بها. سيرة: حسنًا، دعينا نحلل المواقف كفتيات ، أنتِ ذكرتي لي من قبل أنه في اليوم الثالث تقريبًا بدأ متابعتك أو أضافك كصديقة أليس كذلك؟ أومأت "سدرة" برأسها سيرة: جيد ، وحين جاء لإرجاع كوب الشاي وحدث موقف الخال، فتح معكِ حديثًا إلكترونيًا امتد كثيرًا، ودومًا يأتي على ذكر "محمد"، أأتذكر التفاصيل بشكل جيد؟ أومأت شقيقتها مرة أخرى سيرة: حسنًا، محمد هو الشخص المهووس بكِ وهو يعلم ذلك ، ألا تري أن سؤاله عليه بهذا الإلحاح ما هو إلا اطمئنان أنكِ فارغة تجاهه ، كي لا يخوض معركة خاسرة؟ بدأ وجه "سدرة" ينفرج قليلًا، كان كلام "سيرة" منطقيًا بالفعل. سدرة: ولكنه منذ أيام لا يحادثني كما كان، حتى أنني إذا صادفته على الدرج أو بالمصعد يحيي تحية جافة ويسير في خطاه ، فقط يقوم بالإعجاب على قصصي. رفعت سيرة حاجبيها في تعجب: لعبة الاختفاااء ، كم عمر ذلك الرجل لتلك الألعاب؟ سدرة: ٣٢ عامًا. سيرة: حسنًا ألم يكبر على تلك الأفعال؟ سدرة: يمكن ألا تكون لعبة ويكون حقًا غير مهتم نظرت "سيرة" وصمتت برهة ثم أردفت: ولكنكِ أنتِ مهتمة أليس كذلك؟ سكتت "سدرة" مرة أخرى. سيرة: حسنًا، لنجعله يهتم. جلست الفتاتان معًا يتجاذبان الأمر من شتى نواحيه ، وأوصتها وقتها ألا تقوم بمشاهدة قصصه ، ولا تضع إعجابًا على أي منشورٍ له ، وإن كان لديها فضول فيمكنها أن ترى قصصه من موقعٍ أرسلته لها ، لن يظهر له أنها رأتها، ثم عزما الأمر على ألا يعجلوا للموضوع اهتمامًا لمدة من الزمن ويتركوا الرياح تحرك السفن. ------------------------------------------------------ مرت الأيام على هذه الوتيرة حتى مرَّ ما يقارب الشهر أكثر أو أقل قليلًا على انتقال "أدهم" ، وفي أثناء تباعده عن الفتيات أو تسطيح العلاقات كانت علاقته بالعم "أحمد" وأبناءه قد توطدت، خاصةً أكبرهم "آسر" ، كان "آسر" في الثلاثين من عمره ، لكنه يبدو كمن دلف للعشرين منذ يومين، لا لبراءة ملامحه المصرية التركية ، ولكن للطافة تصرفاته ، كان حقًا فتًى كالمكيف ، ما أن يوجد حتى تكون الأجواء ألطف بكثير، وما أنا تقابل و"أدهم" حتى أصبحا لا يتفارقا تقريبًا، تُسمع ضحكاتهما للدور بأكمله ، لحسن الحظ لم يكن يسكنه سوى العائلة. كان لقاؤهما الأول كلقاء "أدهم" بالعم تمامًا، كانت العائلة قد وصلت للتو وصعدت للبيت وكان "آسر" يحمل آخر الحقائب ليصعد بها ، وصادف الأمر نزول "أدهم" بالمصعد ، كانت الحقيبة ثقيلة بعض الشيء ، فعرض "أدهم" مساعدته فور أن رآه وساعده على إدخالها للمصعد ثم قرر أن يصعد معه ليساعده على إخراجها أيضًا ، تعجب "أدهم" عندما رأى أن "آسر" يضغط على الدور الرابع فنظر له وقال: أنت إذن ابن العم "أحمد" أليس كذلك؟ وبابتسامته الطفولية أجابه آسر: نعم ، يتضح أن أبي يفخر بي ويتحدث للجميع عني. قالها بفخرٍ ساخر ، فهمه "أدهم" فورًا وقال ضاحكًا: حسنًا، وصفك بالمشاكس ، والمحتال الكبير قلب "آسر" عيناه: كنتُ أعلم ، لم أحتال يا صديقي كنت أدير الأعمال من هناك صدقني أومأ أدهم برأسه متفهمًا، ثم فُتح باب المصعد وفي استقبالهما كانا أخويهِ "يوسف" و"سيف" كانا توأمان متطابقان ، أكثر من اللازم ، فبعد تلك السنوات وهم في العشرين من عمرهم ، لا يستطيع أحدٌ أن يعرف من منهم يكون من؟ تعارف ثلاثتهم على "أدهم" خاصة بعد علمهم أنهم يقطن في ذات الطابق ، وحينها خرج العم وابتهج لأنهم تعرفوا لبعضهم ، كان يوم جمعة وكان الجميع سيتوجهون للصلاة على أي حال فانتظرهم "أدهم" والعم ليتوضأ ثلاثتهم ثم توجهوا إلى المسجد. حين كانت الفتاتان ترحبان بزوجة خالهما، وكانت الجدة جالسة بابتهاج كانوا يروه على وجهها فقط عندما يكون جميعهم مجتمعين حولها ، كانوا كثيرًا ما يلحون عليها أن تستقر إما بشقة الفتاتان أو بشقة ابنها معه وأبنائه وزوجته، لكنها دومًا ما كانت ترفض غلق شقتها وهجرها بذكرياتها ، حتى إن كانت ستكون بذات العقار وذات الطابق وفي شقة مقابلة. عندما عاد الرجال الخمسة من الصلاة ، أصر الأب وأبناؤه على أن يتناول معهم "أدهم" الإفطار وقد كان ، كانت "سدرة" مرتبكة قليلًا عندما رأته ، ولكن حاولت "سيرة" تهدئتها بمداعبتها قليلًا، وكان "آسر" بطبيعة الحال قد بدأ يمارس عادته في محاولة إغضابها ، ومر اليوم لطيفًا، لم ينزعج أحد غير "سدرة" ، كان تجاهل "أدهم" لها واضحًا ، ليس للجميع لكن لها ولـ "سيرة" تحديدًا ، كان يمازح "سيرة" ويبالغ في الشد والجذب معها ومناقشتها ، وما أن كانت "سدرة" هي طرف الحوار كان يصمت ويكتفي بالإيماء ، لم يكن يدري أحد أن العم "أحمد" قد لمح له أنه غير مسرور بهذا التدخل مع الفتاتان وأنه كان يقصد بالأمر وقتها "سدرة"، فأخذتا كلتيهما يحللنا الموقف بطريقتهما. فحين عادا إلى شقتهما لاحظت "سيرة" إحباط شقيقتها فربتت على كتفها ثم جلست أمامها مباشرة ونظرت في عينيها: حسنًا، كان ذلك غريبًا ، حتى إن لم يكن مهتمًا لِم يبالغ في إظهار ذلك؟ فأنا التي تشاجرت معه ومررنا بيومين كاد أحدنا أن يصفع الآخر، كان يتحدث ويتشعب معي في أحاديث فرعية ورئيسية ومهمة وتافهة! هذا الشخص يحاول إرسال رسالة ما ، ما هي؟ لمن؟ أنا لا أدري ولكني غاضبة ، أريد أن أصفعه مجددًا الآن. كان "سيرة" بالفعل غاضبة حتى أنها لم تلحظ دمعة "سدرة" التي هربت منها للتو وقد سبقت يدها عينا "سيرة" فمسحتها وأردفت: حسنًا، دعي الأمر، إن وضعناه تحت المجهر أكثر من ذلك سيكون تضييعًا للوقت والمجهود والمشاعر، لدي الكثير من المعجبين بالفعل ألم تخبروني بذلك دومًا؟ هيا تصبحين على خير. كقالتها وتوجهت لغرفتها وبالرغم مما قالته لشقيقتها للتوّ أخذت الأفكار تعضف بها طوال الليل ولا تدري بأي ساعة قد نامت. وعندما استيقظت كانت "سيرة" قد غادرت من مدة ، فما أن قامت وشعرت برأسها يبدأ بالتفكير مجددًا حتى بدأت بتنظيف البيت بكل ما أوتيت من قوة ، حتى أنها غيرت ترتيب بعض الأثاث وما أن انتهت وجدت أشباح تلك الأفكار تخاول العبث مرة أخرى ، ففتحت حاسوبها وبدأت تراجع حسابات الأشهر الماضية بشكل كامل ، وحين انتهت من ذلك أيضًا، أحست أنه لا يزال شيء يجثم فوق صدرها فحادثت إحدى صديقاتها وارتدت ثيابها وانطلقت ، قضت يومها وهي تفتح شتى الأحاديث مع "سارة" صديقتها من الثانوية وما أن انقضى اليوم وحلَّ الليل ودعتها وعادت أدراجها ، لكنها لم تكن تعلم أنه عاد في نفس التوقيت ، وكان يقف ينظر المصعد أيضًا. ما أن التقت عيناهما هي و"أدهم" حتى أومأت محيية ببرود لم يعهده منها، ثم نظرت في هاتفها بتركيز كأنه ليس هنا، وصل المصعد ودخلاه وهما صامتان للحد المخيف ، ولكن فجأة في الدور الثاني ، تعطل المصعد، وهو ما لم تحسب "سدرة" حسابه يومًا. وقفت "سدرة" متأملة ما حولها فجأة تحاول أن تستوعب هي هي حقًا في مكان نغلق الآن لا تستطيع الخروج منه؟ مرة أخرى؟ لم يلاحظ " أدهم" نظراتها حيث حاول أن يُجري أي اتصالٍ بحارس العقار ثم العم "أحمد" وأبناءه كانت تنقطع أو لا يسمعونه، وحين نظر لـ "سدرة" علم أنها ليست بخير ، لكنها ليست حالة ذُعر ، أو هي كذلك لكنها ليست حالة ذُعر عادية ، هي تتنفس جيدًا ولم تثور ، هي فقط تتأمل الأربع عوازل حولها بهدوء مرعب وعيناها تمطران بدون أي صوت يوحي بالبكاء. أدهم: أنتِ بخير سدرة ناظرة له بشرود ورعب: أنا نعم ... ثم وجهت نظرها لمكان باب المصعد وأردفت: لكن ماذا عنهم. تعجب "أدهم" وبدأ يربت على كتفيها بهدوء: الجميع بخير ، وسيأتي أحدهم لإصلاح الأمر بعد قليل. كانت تغمض عينيها بذعر ، كاد يجزم أنها ترى شبحًا من الماضي ، قابله كثيرًا هو أيضًا، تدارك الأمر وأخذ يعمل على تهدئتها، جلست على الأرض بهدوء وضمَّت ركبتيها إليها ولكنها كانت تكرر: يجب أن يُفتح ، يجب ألا يمر كثير من الوقت، يجب أن اتصرف ، قد يفوت الأوان مجددًا وفجأة بدأت تنادي بصوتٍ عالٍ: سيرة أأنتِ بخير ، جدتي ،خالي أخبروني أأنتم بخير؟ لم يأتها رد بطبيعة الحال فنظرت لأدهم الذي قد جثا على ركبتيه أمامها: أترى؟ لا يجيبون ، يجب أن أتصرف وأخذت تكرر النداء: سيرة ، خالي ، جدتي ، آسر ، يوسف ، سيف ، خالتي زهراء... أبي... أمي نادت آخر اسمين وقد خفت صوتها وتجمد "أدهم" فهي تنادي الأموات الآن!كانت الأسئلة تجوب برأس سلمى بالفعل، وبما أنها لم تستطع سؤال أخيها فعلى الأقل قد تستفسر من سيرة، لقد رأت في عيني أخاها لمعة تجاهها لم ترها من قبل، ولكن ما شتت انتباهها أنها رأته ينظر لسدرة بإعجاب وقتما كانا بالمطبخ سويًا، لذا إن لم يخبرها بحقيقة مشاعره، ستعلم هي بطرقها..مرت ١٠ دقائق وخرجت سلمى للشرفة وسرعان ما خرجت سيرة أيضًا، كانتا متشابهتان لحدٍ كبير؛ لذا وجدتا كثيرًا من المواضيع ليتجاذبا أطراف حديثهما.وفي خضم الحديث عن الذكريات والماضي، لاحظت سلمى أن سيرة تتجنب أن تذكره بأي شكل، فبدأت هي بالسرد وذكرت جدتها، وحكت قصتها مع أدهم وكيف كان متعلقًا بها وكيف رحلت تاركة علامات استفهام لهم وللأطباء، لم يعلموا سبب موتها.وحينها تجمدت سيرة، تذكرت ما حدث بينهم منذ مدة ، وكان صوتها الداخل يردد (كان يحمي جدته بي، ماذا فعلت أنا وقتها؟ أهنته!!)، لاحظت سلمى شرود سيرة ودمعتها التي تسربت بلا وعي منها؛ فأدركت أنها تأثرت فبادرت تهوِّن عليها..سلمى: حسنًا، مرَّ على الأمر ١٥ عامًا ، خففي على قلبك.نظرت لها سيرة وقد أدركت أن تأثرها بادٍ على وجهها فمسحت دمعتها وأردفت: كانت جميلة، لا بد أن دكتور أدهم لا ي
"أدهم" الذي كان صعد لسطح المبنى ليرى إن كان من خطبٍ ما في هوائي التلفاز؛ فهو لا يعمل وأرادت أخته أن تتابع مسلسلها قبل أن تتوجه للعشاء الموعود في بيت الفتاتين، ما كان يعلم أنهما هناك أيضًا، ولم يسمع سوى الجملة الأخيرة، والتي وقع صداها في أذنه،ولم يجول بخاطره سوى" إذن كانت تكذب عليّ؟ كانت تغار على محمد إذن تحبه، لما أخبرتني بالعكس إذن؟). كانت علامات الاستفهام تجوب بعقله وهو يعود أدراجه لشقته، لقد عدل عن فكرة إصلاح العوائي، يمكن لأخته أن تشاهد الحلقة على الإنترنت في وقتٍ لاحق.وعلى الروف كان الصمت سائدًا بعد كلمات سدرة الأخيرة، كانت عيناها قد دمعت، وعيناه كذلك، صمت كلاهما لاستعادة ما اختل من توازنهما.وفجأة اعتدل محمد في جلسته ونظر لسدرة بعمق: حسنًا، بغض النظر ماذا أشعر نحوك، ما الذي يدفعني للجنون تلك الفترة؟ أيمكنكِ تحليل الأمر؟ لقد طعنتُ شرف فتاة صباحًا يا سدرة.ثم صمت قليلًا وعادت الدموع تتشكل في عينيه: أنا جرحت مشاعر فتاة أمام سكان عقار كامل.ابتسمت سدرة بعطف، كانت لم ترَ ضعفه منذ زمن، كان دومًا أو منذ بضع وعشر سنوات تحديدًا يضيف ملامح غاضبة على قسماته، لم تكن منه في شيء ، هي تعلم
كان الارتباك بلغ من محمد أشده، لا يدري كيف يتعامل الآن؟ هو يعلم جيدًا أنه أهانها، وأنها وأخيها أقرا أنهما لن يعرفانه بطريقٍ إذا تلاقوا، ولكن الموقف قد فرض نفسه عليهم جميعًا الآن.اتخذ محمد قراره وتوجه نحوها وهي لا زالت تنظر بهاتفها، وحين وقف أمامها مباشرة رفعت نظرها ظنًا منها أنه الأستاذ علاء، لكنها رفعت عيناها لتتلاقى بعينيه فجأة، وبدت الدهشة على وجهها ثم استحالت لغضبٍ ظاهر، في حين كانت نظرته وابتسامته متوددتان ولطيفتان كأنه شخصًا آخر، طالت نظراتهما غير المتكافئتين وهمَّت سلمى واقفة عازمة على الرحيل. فقد تذكرت ما قاله الأستاذ علاء عن أن المهندسين هنا رافضين لوجود فتاة، وإن كان هذا الشخص منهم إذن فهي كمان ترفض وجودها بمكان هو فيه.لكن قاطع ذلك التلاحم الصامت الأستاذ علاء حين وصل وقال بتنهيدة: ها أنتم تلاقيتم، كنتُ أبحث عنك يا باشمهندس محمد، حسنًا هذه باشمهندسة سلمى المتدربة الجديدة، وهذا باشمهندس محمد مالك الشركة.هنا فتحت سلمى عيناها بصدمة، وهنا كان القرار واضحًا، لن تبقى بهذه الشركة ولو للحظات.التفتت للأستاذ علاء بابتسامة مجاملة: تشرفت بالتعرف عليك يا أستاذ علاء، أستأذنك.وأدارت ظه
لم يكن صباحًا هادئًا على الإطلاق، فتحت الفتاتان عيناهما في اللحظة نفسها ثم نظرتا لبعضهما دون أن ينبسا بحرف ، تنصتان السمع لتأكدا مما تسمعانه، هل هذا حقًا صوت مشاجرة؟ مهلًا هل هذا حقًا صوت محمد؟قامت الفتاتان مسرعتان دون كلمة ظنًا منهما أنه بالتأكيد يتشاجر مع " أدهم"، ففي مدة الشهر وأكثر الماضية كانا قد تقابلا عدة مرات، كانت نظرات "محمد" وقتها تكشف الكثير من كل المشاعر التي يمكنها أن تكون غاضبة.لملمت "سدرة" شعرها سريعًا وارتدت "سيرة" خمار الصلاة، وانطلقتا نحو الباب وجدتاه مفتوحًا لأن الجدة والتي استيقظت مبكرًا من جانبيهما قد خرجت لصوت الشجار أيضًا، ولكن ما أن نظرتا للخارج حتى فغرتا فاهيهما، من تلك؟كانت فتاة بشعر أسود مموج طويل ترتدي بيجامة فضفاضة لا بأس، لكنها... في بيت "أدهم".والأغرب أن "محمد" كان يصيح قائلًا: أهي عمارة أبيه كي يأتي بفتيات إلى المنزل؟نظرتا الفتاتان إلى بعضهما ثم نظرتا إلى "آسر" الذي رفع كتفيه قالبًا شفتيه معبرًا للفتاتين أنه لا يعلم حقًا ما هناك.كانت العمارة بأكملها قد صعدت على أثر الصوت.وفجأة خرج صوت الفتاة واثقًا، ولكنه مخنوق بالبكاء وقالت وهي تنظر له بحزم وقو
أفاق "أدهم" من صدمته وأخذ يحنو بصوته ليهدأ من روعها، يعلم الآن أنها ليست الفتاة التي تخاف المصاعد، هناك ما هو أعمق وأكثر قتامة بكثير: سدرة كل شيء سيكون على ما يرام ، عائلتك بخير ، وستجتمعين بهم فور أن يتم حل مشكلة المصعدلم تكن دموعها قد وقفت ولكن هدوءها قد عاد مرعبًا مرة أخرى: أنا أيضًا ظننتُ أنهما بخيرنظر لها "أدهم" متعجبًا، تلك الفتاة المشرقة لديها جانب لا تزره الشمس إذن!لكن في لحظة رن هاتفها وإذ بها "سيرة" فأجاب "أدهم"سريعًا: ألو آنسة سيرةلم يأتهِ ردٌ لأنها لم تسمعه، لكنها لاحظت أن المكالمة قد أجيبت وأخذت تتحدث: سدرة حبيبتي اقتربت من البيت هل تحتاجين لشيء؟أخذ أدهم يتحدث لكنها لم تسمع سوى شوشرة الشبكة: لِمَ التغطية عندك بهذا السوء؟ أين أنتِ؟وحين كرر أدهم حديثه أدركت أن هذا ليس صوت "سدرة" ولكنها لم تدري أيضًا من ولماذا يجيب هاتف أختها؟ والأهم أين؟ تلك التغطية السيئة ليست بمنزلهم!لكنها أسرعت إلى البيت، كانت تبعد ٥ دقائق فقطكانت "سدرة" سمعت "أدهم" وهو يتحدث وينطق باسم "سيرة" فأفاقت من شرودها قليلًا ونظرت له قلقة وقالت بنبرة متلهفة: هل هي بخير؟أدهم: هي بخير فقط لم تسمعنيسدرة:
مرت أيام عدة منذ اتخذ "أدهم" قراره ، وأيام عدة منذ قطن تلك الشقة وذلك العقار.كانت مقابلاته مع الفتاتين مبنية على المصادفات لا غير ، حتى أنه لم يحدث "سدرة" مرة أخرى على مواقع التواصل، كان يكتفي فقط بوضع إعجاب على قصصها، حتى أنها لاحظت ذلك وظنت أنه يحاول التلاعب ، فبعض الرجال يحبون لعبة الاختفاء كلعبة نفسية ليعلموا إن كانت الفتاة فعلًا مهتمة ، ولكن "سدرة" وإن كانت مهتمة فهي أمامه ليست مهتمة ، فقد تعمدت ألا تفتح قصصه وألا تضع أي أثر لها على صفحته ، مع العلم أنها كانت تفتحها بطريقة ما لا تظهر له، كانت قد ساعدتها في ذلك الأمر "سيرة" فقد فاتحت "سدرة" في الأمر ذات يوم أثناء إفطارهما: سدرة لنكون واضحين ، هل هناك بداخلك شيئًا ما أخيرًا قد بدأ ينجذب؟توترت سدرة قليلًا: ماذا تريدين؟سيرة: كنت أحاول أن أكون لطيفة معكِ لكن هكذا طلبتِ ، هل أعجبتِ بهذا الطبيب؟رمقتها سدرة بنظرة غير راضية عن أسلوبها في الحديث عنه: هذا الطبيب؟ لم تكن تلك طريقتك في الحديث عن الناس ، كنتِ دومًا تتحدثين عن الجميع وكأنهم أمامك وتقولي كي لا يشعر أحد أنه طُعن في ظهره.سيرة: حسنًا تلك الجملة التي كنتِ تسخرين منها ذي قبل الآ







