Home / الرومانسية / ظننتهُ لي / (9) ما تنتجه المغاليق

Share

(9) ما تنتجه المغاليق

last update publish date: 2026-07-06 07:03:53

مرت أيام عدة منذ اتخذ "أدهم" قراره ، وأيام عدة منذ قطن تلك الشقة وذلك العقار.

كانت مقابلاته مع الفتاتين مبنية على المصادفات لا غير ، حتى أنه لم يحدث "سدرة" مرة أخرى على مواقع التواصل، كان يكتفي فقط بوضع إعجاب على قصصها، حتى أنها لاحظت ذلك وظنت أنه يحاول التلاعب ، فبعض الرجال يحبون لعبة الاختفاء كلعبة نفسية ليعلموا إن كانت الفتاة فعلًا مهتمة ، ولكن "سدرة" وإن كانت مهتمة فهي أمامه ليست مهتمة ، فقد تعمدت ألا تفتح قصصه وألا تضع أي أثر لها على صفحته ، مع العلم أنها كانت تفتحها بطريقة ما لا تظهر له، كانت قد ساعدتها في ذلك الأمر "سيرة" فقد فاتحت "سدرة" في الأمر ذات يوم أثناء إفطارهما: سدرة لنكون واضحين ، هل هناك بداخلك شيئًا ما أخيرًا قد بدأ ينجذب؟

توترت سدرة قليلًا: ماذا تريدين؟

سيرة: كنت أحاول أن أكون لطيفة معكِ لكن هكذا طلبتِ ، هل أعجبتِ بهذا الطبيب؟

رمقتها سدرة بنظرة غير راضية عن أسلوبها في الحديث عنه: هذا الطبيب؟ لم تكن تلك طريقتك في الحديث عن الناس ، كنتِ دومًا تتحدثين عن الجميع وكأنهم أمامك وتقولي كي لا يشعر أحد أنه طُعن في ظهره.

سيرة: حسنًا تلك الجملة التي كنتِ تسخرين منها ذي قبل الآن تستخدمينها ضدي لأجله ، جيد ، يبدو أنني حصلتُ على إجابتي.

قالتها ثم رشفت آخر رشفة في كوب الشاي الخاص بها وانطلقت وتركت "سدرة" تائهة ، لا تدري هل فعلًا أعجبت به؟ هي لا تعلم كيف يكون ذلك الشعور من الأساس لكي تعلم أهو ذلك أم لا ، لكنها قررت أن تعاود الحديث مع "سيرة" حين تعود لكن بصراحة أكثر، تعلم أن ليس لها سواها ، هي من ستسمعها وترشدها ولا تطلق عليها أحكامًا.

عادت "سيرة"ذلك اليوم مترقبة لما ستعترف به شقيقتها ، هي تعلم جيدًا أنها لن تخفيها أمرًا ولكنها كانت تحتاج لبعض المراوغة كي تتحدث كعادتها، وما أن وضعت "سدرة" العشاء حتى بدأت تفتح شتى المواضيع:أخبرني الخال اليوم أن أسرته ستعود غدًا صباحًا، يمكنك أن تأخذيه إجازة أليس كذلك؟

سيرة: حسنًا لا مشكلة

قالتها وهي تمسك هاتفها وترسل رسالة عن تغيبها بالغد، ثم نظرت لـ"سدرة" مترقبة كلامها الآتي، ولكن حين وجدتها تتهرب كطفلة نسيت كتابة فروضها المدرسية ، بدأت هي تشاكسها كالعادة: كنت أظنه عاد من الخارج مجرد مغرور بشهادته ، لكن اتضح أنه يجيد ما يفعل حقًا، لقد أصبحت أفضل هذا الأسبوع بكثير.

سدرة: هذا جيد ، ولكن متى انتقلنا للحديث عنه أنا لا أتذكر.

سيرة: أنا لا أتحدث عنه أنا أتحدث عني ، صحتي تحسنت وكان هو سببًا لذا فالشيء بالشيء يُذكر.

وصمتت لبرهة وهي لا تزال تحدق بـ"سدرة" التي أخذت تتظاهر بالجوع وتنهم ، فقلبت "سيرة" عيناها في سخرية: لهنا وتوقفي ، لِمَ كل ذلك التوتر؟ ، أنتِ لا تأكلين الزيتون أساسًا والآن كدتي تأكلينه بنواته، اهدأي قليلًا.

نظرت لها "سدرة" كالفتاة التي قبضت عليها أمها وهي ترسم على حيطان البيت ، ثم أردفت: لستُ متوترة

سكتت لبرهة وأكملت: أنا حائرة

قالتها وقامت مطأطأة الرأس من مائدة الطعام وجلست على إحدى الآرائك فتبعتها "سيرة" وهي تسأل: ما الذي يحيرك؟

نظرت لها "سدرة" ولم تتكلم فأردفت سيرة: لا تخبرينني أنكِ حائرة إن كان معجبًا بكِ أم لا!

ظلت نظرة "سدرة" ثابتة ، فأكملت سيرة: هل هذا من الممكن؟ ألا يعجب بكِ أحدهم؟ من أحمق يمكن له ذلك؟

قلبت "سدرة" عيناها وزمت شفتيها ، كانت تسمع تلك الكلمات كثيرًا وحقًا كانت تزعجها ، فهي لا تريد أن يعجب بها كل من يراها ، فقط تريد أن تعجب بواحد فقط ويعجب هو بها.

سيرة: حسنًا، دعينا نحلل المواقف كفتيات ، أنتِ ذكرتي لي من قبل أنه في اليوم الثالث تقريبًا بدأ متابعتك أو أضافك كصديقة أليس كذلك؟

أومأت "سدرة" برأسها

سيرة: جيد ، وحين جاء لإرجاع كوب الشاي وحدث موقف الخال، فتح معكِ حديثًا إلكترونيًا امتد كثيرًا، ودومًا يأتي على ذكر "محمد"، أأتذكر التفاصيل بشكل جيد؟

أومأت شقيقتها مرة أخرى

سيرة: حسنًا، محمد هو الشخص المهووس بكِ وهو يعلم ذلك ، ألا تري أن سؤاله عليه بهذا الإلحاح ما هو إلا اطمئنان أنكِ فارغة تجاهه ، كي لا يخوض معركة خاسرة؟

بدأ وجه "سدرة" ينفرج قليلًا، كان كلام "سيرة" منطقيًا بالفعل.

سدرة: ولكنه منذ أيام لا يحادثني كما كان، حتى أنني إذا صادفته على الدرج أو بالمصعد يحيي تحية جافة ويسير في خطاه ، فقط يقوم بالإعجاب على قصصي.

رفعت سيرة حاجبيها في تعجب: لعبة الاختفاااء ، كم عمر ذلك الرجل لتلك الألعاب؟

سدرة: ٣٢ عامًا.

سيرة: حسنًا ألم يكبر على تلك الأفعال؟

سدرة: يمكن ألا تكون لعبة ويكون حقًا غير مهتم

نظرت "سيرة" وصمتت برهة ثم أردفت: ولكنكِ أنتِ مهتمة أليس كذلك؟

سكتت "سدرة" مرة أخرى.

سيرة: حسنًا، لنجعله يهتم.

جلست الفتاتان معًا يتجاذبان الأمر من شتى نواحيه ، وأوصتها وقتها ألا تقوم بمشاهدة قصصه ، ولا تضع إعجابًا على أي منشورٍ له ، وإن كان لديها فضول فيمكنها أن ترى قصصه من موقعٍ أرسلته لها ، لن يظهر له أنها رأتها، ثم عزما الأمر على ألا يعجلوا للموضوع اهتمامًا لمدة من الزمن ويتركوا الرياح تحرك السفن.

------------------------------------------------------

مرت الأيام على هذه الوتيرة حتى مرَّ ما يقارب الشهر أكثر أو أقل قليلًا على انتقال "أدهم" ، وفي أثناء تباعده عن الفتيات أو تسطيح العلاقات كانت علاقته بالعم "أحمد" وأبناءه قد توطدت، خاصةً أكبرهم "آسر" ، كان "آسر" في الثلاثين من عمره ، لكنه يبدو كمن دلف للعشرين منذ يومين، لا لبراءة ملامحه المصرية التركية ، ولكن للطافة تصرفاته ، كان حقًا فتًى كالمكيف ، ما أن يوجد حتى تكون الأجواء ألطف بكثير، وما أنا تقابل و"أدهم" حتى أصبحا لا يتفارقا تقريبًا، تُسمع ضحكاتهما للدور بأكمله ، لحسن الحظ لم يكن يسكنه سوى العائلة.

كان لقاؤهما الأول كلقاء "أدهم" بالعم تمامًا، كانت العائلة قد وصلت للتو وصعدت للبيت وكان "آسر" يحمل آخر الحقائب ليصعد بها ، وصادف الأمر نزول "أدهم" بالمصعد ، كانت الحقيبة ثقيلة بعض الشيء ، فعرض "أدهم" مساعدته فور أن رآه وساعده على إدخالها للمصعد ثم قرر أن يصعد معه ليساعده على إخراجها أيضًا ، تعجب "أدهم" عندما رأى أن "آسر" يضغط على الدور الرابع فنظر له وقال: أنت إذن ابن العم "أحمد" أليس كذلك؟

وبابتسامته الطفولية أجابه آسر: نعم ، يتضح أن أبي يفخر بي ويتحدث للجميع عني.

قالها بفخرٍ ساخر ، فهمه "أدهم" فورًا وقال ضاحكًا: حسنًا، وصفك بالمشاكس ، والمحتال الكبير

قلب "آسر" عيناه: كنتُ أعلم ، لم أحتال يا صديقي كنت أدير الأعمال من هناك صدقني

أومأ أدهم برأسه متفهمًا، ثم فُتح باب المصعد وفي استقبالهما كانا أخويهِ "يوسف" و"سيف" كانا توأمان متطابقان ، أكثر من اللازم ، فبعد تلك السنوات وهم في العشرين من عمرهم ، لا يستطيع أحدٌ أن يعرف من منهم يكون من؟

تعارف ثلاثتهم على "أدهم" خاصة بعد علمهم أنهم يقطن في ذات الطابق ، وحينها خرج العم وابتهج لأنهم تعرفوا لبعضهم ، كان يوم جمعة وكان الجميع سيتوجهون للصلاة على أي حال فانتظرهم "أدهم" والعم ليتوضأ ثلاثتهم ثم توجهوا إلى المسجد.

حين كانت الفتاتان ترحبان بزوجة خالهما، وكانت الجدة جالسة بابتهاج كانوا يروه على وجهها فقط عندما يكون جميعهم مجتمعين حولها ، كانوا كثيرًا ما يلحون عليها أن تستقر إما بشقة الفتاتان أو بشقة ابنها معه وأبنائه وزوجته، لكنها دومًا ما كانت ترفض غلق شقتها وهجرها بذكرياتها ، حتى إن كانت ستكون بذات العقار وذات الطابق وفي شقة مقابلة.

عندما عاد الرجال الخمسة من الصلاة ، أصر الأب وأبناؤه على أن يتناول معهم "أدهم" الإفطار وقد كان ، كانت "سدرة" مرتبكة قليلًا عندما رأته ، ولكن حاولت "سيرة" تهدئتها بمداعبتها قليلًا، وكان "آسر" بطبيعة الحال قد بدأ يمارس عادته في محاولة إغضابها ، ومر اليوم لطيفًا، لم ينزعج أحد غير "سدرة" ، كان تجاهل "أدهم" لها واضحًا ، ليس للجميع لكن لها ولـ "سيرة" تحديدًا ، كان يمازح "سيرة" ويبالغ في الشد والجذب معها ومناقشتها ، وما أن كانت "سدرة" هي طرف الحوار كان يصمت ويكتفي بالإيماء ، لم يكن يدري أحد أن العم "أحمد" قد لمح له أنه غير مسرور بهذا التدخل مع الفتاتان وأنه كان يقصد بالأمر وقتها "سدرة"، فأخذتا كلتيهما يحللنا الموقف بطريقتهما.

فحين عادا إلى شقتهما لاحظت "سيرة" إحباط شقيقتها فربتت على كتفها ثم جلست أمامها مباشرة ونظرت في عينيها: حسنًا، كان ذلك غريبًا ، حتى إن لم يكن مهتمًا لِم يبالغ في إظهار ذلك؟ فأنا التي تشاجرت معه ومررنا بيومين كاد أحدنا أن يصفع الآخر، كان يتحدث ويتشعب معي في أحاديث فرعية ورئيسية ومهمة وتافهة! هذا الشخص يحاول إرسال رسالة ما ، ما هي؟ لمن؟ أنا لا أدري ولكني غاضبة ، أريد أن أصفعه مجددًا الآن.

كان "سيرة" بالفعل غاضبة حتى أنها لم تلحظ دمعة "سدرة" التي هربت منها للتو وقد سبقت يدها عينا "سيرة" فمسحتها وأردفت: حسنًا، دعي الأمر، إن وضعناه تحت المجهر أكثر من ذلك سيكون تضييعًا للوقت والمجهود والمشاعر، لدي الكثير من المعجبين بالفعل ألم تخبروني بذلك دومًا؟ هيا تصبحين على خير.

كقالتها وتوجهت لغرفتها وبالرغم مما قالته لشقيقتها للتوّ أخذت الأفكار تعضف بها طوال الليل ولا تدري بأي ساعة قد نامت.

وعندما استيقظت كانت "سيرة" قد غادرت من مدة ، فما أن قامت وشعرت برأسها يبدأ بالتفكير مجددًا حتى بدأت بتنظيف البيت بكل ما أوتيت من قوة ، حتى أنها غيرت ترتيب بعض الأثاث وما أن انتهت وجدت أشباح تلك الأفكار تخاول العبث مرة أخرى ، ففتحت حاسوبها وبدأت تراجع حسابات الأشهر الماضية بشكل كامل ، وحين انتهت من ذلك أيضًا، أحست أنه لا يزال شيء يجثم فوق صدرها فحادثت إحدى صديقاتها وارتدت ثيابها وانطلقت ، قضت يومها وهي تفتح شتى الأحاديث مع "سارة" صديقتها من الثانوية وما أن انقضى اليوم وحلَّ الليل ودعتها وعادت أدراجها ، لكنها لم تكن تعلم أنه عاد في نفس التوقيت ، وكان يقف ينظر المصعد أيضًا.

ما أن التقت عيناهما هي و"أدهم" حتى أومأت محيية ببرود لم يعهده منها، ثم نظرت في هاتفها بتركيز كأنه ليس هنا، وصل المصعد ودخلاه وهما صامتان للحد المخيف ، ولكن فجأة في الدور الثاني ، تعطل المصعد، وهو ما لم تحسب "سدرة" حسابه يومًا.

وقفت "سدرة" متأملة ما حولها فجأة تحاول أن تستوعب هي هي حقًا في مكان نغلق الآن لا تستطيع الخروج منه؟ مرة أخرى؟

لم يلاحظ " أدهم" نظراتها حيث حاول أن يُجري أي اتصالٍ بحارس العقار ثم العم "أحمد" وأبناءه كانت تنقطع أو لا يسمعونه، وحين نظر لـ "سدرة" علم أنها ليست بخير ، لكنها ليست حالة ذُعر ، أو هي كذلك لكنها ليست حالة ذُعر عادية ، هي تتنفس جيدًا ولم تثور ، هي فقط تتأمل الأربع عوازل حولها بهدوء مرعب وعيناها تمطران بدون أي صوت يوحي بالبكاء.

أدهم: أنتِ بخير

سدرة ناظرة له بشرود ورعب: أنا نعم ...

ثم وجهت نظرها لمكان باب المصعد وأردفت: لكن ماذا عنهم.

تعجب "أدهم" وبدأ يربت على كتفيها بهدوء: الجميع بخير ، وسيأتي أحدهم لإصلاح الأمر بعد قليل.

كانت تغمض عينيها بذعر ، كاد يجزم أنها ترى شبحًا من الماضي ، قابله كثيرًا هو أيضًا، تدارك الأمر وأخذ يعمل على تهدئتها، جلست على الأرض بهدوء وضمَّت ركبتيها إليها ولكنها كانت تكرر: يجب أن يُفتح ، يجب ألا يمر كثير من الوقت، يجب أن اتصرف ، قد يفوت الأوان مجددًا

وفجأة بدأت تنادي بصوتٍ عالٍ: سيرة أأنتِ بخير ، جدتي ،خالي أخبروني أأنتم بخير؟

لم يأتها رد بطبيعة الحال فنظرت لأدهم الذي قد جثا على ركبتيه أمامها: أترى؟ لا يجيبون ، يجب أن أتصرف

وأخذت تكرر النداء: سيرة ، خالي ، جدتي ، آسر ، يوسف ، سيف ، خالتي زهراء...

أبي... أمي

نادت آخر اسمين وقد خفت صوتها وتجمد "أدهم" فهي تنادي الأموات الآن!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ظننتهُ لي   (21) على الأعتاب

    وقفت سيرة بصدمة على باب الغرفة وهي تراه على طرف سريرها، قابضًا على كفيه كأنهما جمرتان، وحين دخلت لم يفعل شيئًا سوى أن علّق عينيه عليها بصمت وثبات، وطيف دمعة حبيسة في جفنيه.سيرة: خير؟ابتلع آسر ريقه وقام نحوها ولا تزال عيناه عالقتين بعينيها: هل يتسنى لنا بعض الحوار؟سيرة: لا، أريد أن أنام الآن.آسر: لن أطيل الأمر، أعدك!زفرت سيرة بنفاذ صبر وجلست على السرير ورفعت وجهها نحوه منتظرة ما سيتفوه به.طالت نظراته ومعها صمته، فضربت سيرة بيديها على ركبتيها وقالت: حسنًا، حين تراجع "للسكريبت" الخاص بك يمكنك أن تعود، أنا متعبة.وبدون مقدمات قاطعها وتفوه آسر بما لم تتوقعه يومًا: أُحبكِ.وخرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه، وتركها تعيد الكلمة على مسامعها مرارًا لتتأكد أنها لم تخطئ.أما عنه فشعر بتخدير في كامل جسده ما إن أغلق باب غرفتها، بدأ يسمع دقات قلبه بصوت مرتفع كقرع طبول الحرب، يداه خانته أعصابهما فبدأتا ترتجفان، وخرج مندفعًا ليغادر الشقة حتى أنه لم يتوقف لصوت محمد الذي ناداه ثلاث مرات، وتحرك محمد ليلحقه، ووقتها كان الخال قد استيقظ وسأل محمد وهو يخرج من غرفة سدرة: ماذا يجري؟محمد: لا شيء، فقط أخبرت

  • ظننتهُ لي   (20) النقاط فوق حروفها تُنطق

    حين دخل الخال مع سدرة لغرفتها، ووضعها في سريرها كطفلته، كما يفعل دومًا عند مرضها، جلس إلى جوارها صامتًا، لا يدري من أين يبدأ حديثه، فتنحنح قليلًا ثم قال: لا تقلقي بشأن أختك، ستكون بخير.أومأت سدرة برأسها، والإرهاق والإجهاد باديان على وجهها وضح العيان.هنا اعتدل الخال ونظر لها وقال: أعلم أنك لستِ بخير الآن، سأتركك تستريحي، ولكن قبل ذلك، ماذا عن الطبيب؟ لماذا دومًا حولك؟تفاجأت سدرة من سؤال الخال، لم تتخيل أنه سيفاتحها في الأمر سريعًا وبشكل مباشر لهذه الدرجة.ابتلعت ريقها ونطقت: هو ليس دومًا حولي سوى مصادفة، نسكن بشقتين متقابلتين، عمله قريب من منطقة تسوقي فنتصادف كثيرًا ليس إلا، ما مغزى السؤال يا خالي، لم أفهم!نظر لها الخال مشككًا، لكنه يعلم أن حالتها لن تتحمل ضغطًا، فأدار دفة الحوار للاحتمالات المتوقعة: فلنفترض أنه تقدم لخطبتك، ما سيكون ردك؟اتسعت عينا سدرة، لا تدري هل كلامه تخميني أم أن أدهم قد فاتحه بالأمر بالفعل؟ وكانت تتمنى الأخيرة بكل ما فيها.ولكنها ضحكت بسخرية: هذا ما يطلقون عليه التصعيد غير المبرر يا خالي، قابلته بمنطقة ألعاب الأطفال فحسب، لِمَ سيتقدم لخطبتي؟ضيق الخال عينيه و

  • ظننتهُ لي   (19) ماذا لو؟

    وعندما انطلق التسجيل الصوتي ووصل لسيرة الإشعار عندها فقط رفعت وجهها من بين يديها، لتجد آسر يمد يده أمام وجهها بالمناديل دون أن يتفوه بحرف، كان كمن يقدم قربانًا يعلم أنه لن يُجديه شيئًا، تناولت سيرة منه المناديل دون أن تنظر لوجهه وفتحت هاتفها لتُفاجأ بأنها رسالة صوتية من سدرة، وبالرغم من كل الغضب بداخلها إلا أنها وضعت الهاتف على أذنيها مسرعة لتستمع لما أرسلته، وفي نفس اللحظة كانت تقوم من مكانها متوجهة لغرفة شقيقتها، وهي تستمع لشهقات سدرة المتتالية وهي تقول:"سيرة، لم أعلم أنهم أخفوا الأمر عنكِ أقسم لكِ، لكنني حين علمت لم أمانع لأن ضغطك ارتفع صباحًا"أخذت شهقاتها تزداد وتكتم نبرة صوتها زيادة وأكملت: "لم أكن أقصد أن تعلمي بتلك الطريقة، وبالتأكيد لم أرد غيرك إلى جواري، ولكنكِ طفلتي، لن أستطيع التوقف عن رؤيتكِ كذلك، فإن كانت الأم مريضة هل تخبر طفلتها؟"سمعت سيرة الكلمة الأخيرة وهي أمام باب غرفة سدرة؛ فأغمضت عيناها بفراغ صبر ثم فتحت الباب ونظرت لسدرة لتتأكد أنها أهدأ الآن، وعندما رأتها سدرة بالفعل هدأت، وهنا نطقت سيرة بجملة واحدة: أنا لست طفلتك...قالتها وهي تنظر لها نظرة توحي بإبطال الحُجة

  • ظننتهُ لي   (18) الخذلان أشد من القتل

    جالت خواطر عدة في بال سيرة، لكنها لم تكن تعلم من أين تبدأ؛ فإن هاتفت خالها سيردد ذات الكلمات التي أخبرها بها هنا، وآسر كذلك، وستَخجل أن تهاتف أدهم، ذلك الطبيب الذي أصبح يحمل عبئًا ليس له منذ وطئت قدماه ذلك العقار، إذن ستهاتف سلمى ولكن بعد قليل فهي الآن مع أخيها والخال بالسيارة حتمًا.ولكن مع شعورها بالقلق استيقظ ألم رأسها بقوة وقسوة وملحوظين، فدخلت من الشرفة وخلعت حجاب رأسها وأخذت تتحسس تلك الندبة بيمين رأسها، في داخلها يقين دفين أن ما تمر به كل تلك السنوات وتخفيه ليس إلا تبعيات تلك الندبة، أخذت تتحسسها وهي تغمض عينيها بألم، قد اجتمع عليها ألم رأسها وألم الماضي ولم يرحم أحدهما عينيها الدامعتين.نظرت للهاتف فوجدت أنهم رحلوا منذ حوالي نصف ساعة، كان مسكن الآلام الذي تناولته بدأ يخفف من حدة الألم نوعًا ما، فهاتفت سلمى على الفور..وفي المشفى كانت سلمى، التي قد وصلت للتو، قد ساندت سدرة لتدخل إلى دورة المياه وتبدل ملابسها، وما أن دخلت سدرة حتى فوجئت سلمى بسيرة تهاتفها، وفورًا شعرت أنه من المؤكد أن سيرة رأتها وهي برفقة أخيها والخال، فلم ترد أن تفسد ما حاولوا موارته عنها، فأغلقت هاتفها وتركته

  • ظننتهُ لي   (17) البر والسراب

    وفي المستشفى خرجت سدرة من المعمل إلى غرفتها، وكان الجميع بانتظارها بالداخل: آسر والخال وأدهم. ظل الأخير صامتًا يناظرها من بعيد فقط بعمق شديد لم تفهمه، ثم تنهد وأردف: سأذهب للطبيب لأستعجله في التقرير.شردت عينا سدرة، يشوبهما ألم ظنّه الخال وآسر من الحادث، ولكنها وحدها تعلم ما سببه، حتى إنها لم تكن تسمع ما يقولانه حولها، الخال وآسر. كانت شاردة في نظرته لها منذ قليل، وربطت الأمر برفضه للركوب معها وارتباكه في منطقة الأطفال، أحست أن ذلك الشخص كاشفًا ما بداخلها بطريقة ما، ولكنه إن لم يكن يبادلها الأمر، فهمي تأمل ألا يكون قد لاحظ أي شيء، إن كان سيتكسر قلبها فلا داعي لأن يفعل كبرياؤها نفس الشيء.عاد تركيزها فجأة حين سمعت اسم سيرة، كان آسر يقول: اضطررت للكذب على سيرة، أخبرتها أنك معي بالشركة.فنظرت له وأومأت ممتنة: خيرًا فعلت.الخال: لم تخبراني عن فقدانها الوعي وارتفاع ضغطها، لنعود للبيت وسأؤدبكم.ضحك آسر ساخرًا: تقصد تؤدبني، أليس كذلك؟ لن تمس فتاتاك فلا تخدعني.ابتسم الخال في وسط غضبه: لازلت تغار، أصبح طولك يقارب المترين، وأصبحت أشبه بمبنى تحت الإنشاء وتغار من غزالتي؟ يا لك من حقود!كتمت سدرة

  • ظننتهُ لي   (16) إعادة توجيه

    كان أدهم قد سمع اسمًا ما يُنادى بصوتها الذي يعرفه، إنها سدرة تنادي: لوچي، هيا يا عزيزتي، تنتظرك ماما.ارتبك أدهم قليلًا قبل أن يلتفت ويتلاقيا، كان تأثير المفاجأة عليها طبيعيًا، ابتهجت بداخلها ابتهاجًا عارمًا، ولم تُبدِ سوى ابتسامة مع رفع الحاجبين للدهشة، أما هو فبدا ارتباكه أمامها وأمام يوسف رأي العين، وسرعان ما تدارك الأمر وابتسم وبادرها: مساء الخير، ماذا تفعلين هنا؟سدرة: مساء النور، كنا نتنزه وصديقاتي، وقد تركت إحدى صديقاتي صغيرتها هنا، فجئت لاصطحابها، ماذا عنك؟وهنا ظهر يوسف من خلف أدهم مبتسمًا بتحية، وبادلته سدرة بابتسامة مماثلة، وحين لمحت الصغيرة ليليان جثت على ركبتيها وأخذت تداعبها وقبّلت وجنتيها، ثم عرفتها إلى لوچي ابنة صديقتها.ثم نظرت ليوسف كأنها نسيت شيئًا ما: أعتذر، لم أتعرف إلى حضرتك، العيب على أدهم أيضًا.ابتسم أدهم ولم يزل عنه الارتباك والإعجاب ومشاعره المختلطة التي لا يفهمها.يوسف: يبدو أن الأطفال نقطة ضعفك، أنا د. يوسف صديق أدهم ووالد ليليان.سدرة: أهلًا بحضرتك، أنا سدرة جارة أدهم، ونعم تخمينك صحيح، أي طفلة أراها تذكرني بأختي في صغرها، لا أدري لماذا ولكنها كانت طفلة ل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status