Home / الرومانسية / عادت لتكسر كبرياءه / الفصل التاسع: رماد الاشتعال ورقصة الشياطين

Share

الفصل التاسع: رماد الاشتعال ورقصة الشياطين

last update publish date: 2026-08-06 21:53:59

ساد الصمت القاتل لثوانٍ معدودة بعد انقطاع التسريب الصوتي، صمتٌ كان أشد إيلاماً ورعباً من أي انفجار. ثم... تفجرت القاعة بركام من الفوضى!

تراكض المصورون والإعلاميون نحو مقدمة المنصة كالموج الهادر، تومض فلاشات كاميراتهم بشكل جنوني، بينما انطلقت الأسئلة كالسسهام المسمومة:

— "أنسة ياسمين! هل الحرب المالية بينكما مجرد انتقام شخصي؟"

— "سيد لؤي! هل تسعى لإفلاس 'أورورا' بدافع الهوس والتملك؟"

— "سيد أمير! هل ستستمر في هذه الخطوبة بعد ما سمعته للتو؟"

على المنصة، كانت ياسمين تقف كالتمثال، شاحبة الوجه، تشتعل عيناها ببريق حاد من الغضب الكاسح. كانت قبضتاها مضغوطتين لدرجة أن أظافرها كادت تغرس في لحم يدها. كان التسريب لمسة من الشر المتقن؛ لقد جردها لؤي أمام صفوة المجتمع وأمام شركائها، وحول إنجازها المهني العظيم إلى مجرد مسرحية لقصة انتقام عاشق مريض!

التفت أمير الهاشمي ونظر إلى ياسمين بشرارة غضب وارتباك. كان صوته يرتجف وهو يهمس لها بين أسنانه:

— "ياسمين! ما هذا القرف؟ هل تلعبين بي وبسمعة عائلتي؟ هل كانت كل هذه الحرب المشتعلة بينكما مجرد لعبة عشق وانتقام بينكِ وبين لؤي المنشاوي؟"

التفتت إليه ياسمين بنظرة نارية جعلته يصمت فوراً، وقالت بصوت خفيض يقطر بالسم والصلابة:

— "لا ترفع صوتك في وجهي يا أمير! ولا تكن أبلهاً تنطلي عليه ألاعيب لؤي. هو يريد شق الصف بيننا وضرب هذه الشراكة قبل أن تبدأ... إذا تراجعت الآن، فستثبت للجميع أنك أضعف مما يظن!"

في هذه الأثناء، كان الحراس الشخصيون ورجال الأمن يحاولون دفع الصحفيين وإخلاء المنصة.

أما في منتصف القاعة، كان لؤي المنشاوي يقف شامخاً برأس مرفوع. لم يعطِ أي اهتمام للكاميرات التي تحاصره، ولا للهمسات التي تنهال عليه. كان يمسك منديلاً أبيض لفه على يده المقطوعة التي تقطر دماً، وعيناه الصقريتان تثبتان على ياسمين وهي تنزل من على المنصة برفقة أمير والأمن.

التقطت عيناهما بعضهما البعض لدقيقة واحدة عبر الزحام.

ابتسم لؤي ابتسامة جانبيّة ساخرة، وأومأ لها برأسه ببطء، وكأنه يقول لها: "الضربة الأولى لي يا ياسمين..."

بعد ساعتين، في جناح الإدارة الخفية داخل فندق "الكريستال"...

كانت ياسمين تسير جيئة وذهاباً في الغرفة الفاخرة، تتنفس بصعوبة، وقد خلعت حذاءها العالي وررمته جانباً. كان أمير يقف عند الشرفة الزجاجية يحتسي المشروب بمرارة، بينما دخل سامر—مساعد لؤي السابق والذي بات يعمل مع ياسمين سرا—وهو يحمل جهازه المحمول ووجهه يقطر قلقاً.

قالت ياسمين بنبرة حادة كالسيف:

— "تكلم يا سامر! كيف وصل هذا التسريب الصوتي إلى الشاشة الرئيسية؟ من يقف خلف هذه الخيانة؟"

مسح سامر حبات العرق عن جبهته وقال بارتباك:

— "أنسة ياسمين... التسجيل كان قديماً جداً، ويعود للأيام الأولى التي أعلنتِ فيها تأسيس شركة 'أورورا'. لقد بحثتُ في نظام العرض المالي للقاعة... اختراق شاشة الفندق لم يتم من الخارج!"

توقفت ياسمين فجأة، وضيقت عينيها بنظرة شاردة:

— "ماذا تقصد؟"

أجاب سامر:

— "النظام أُدخلت عليه شريحة مشفرة مباشرة من داخل غرفة التحكم بالمسرح في الساعة السابعة مساءً... أي قبل وصول لؤي بك إلى الحفل بساعة كاملة!"

قفز أمير من مكانة بغضب وسكب مشروبه على الأرض:

— "هذا يعني أن لؤي هو من خطط لهذا بنفسه! لقد أرسل أحد رجاله ليخترق النظام قبل أن يصل!"

ردت ياسمين بسرعة وذكاء حاد، ونظرت إلى أمير بنفاذ صبر:

— "توقف عن الغباء يا أمير! لؤي ليس أحمق ليفعل هذا بنفسه! لو كان هو من سرب الصوت، لما تفاجأ وردة فعله كانت ستكون مختلفة. التسريب دمر سمعته التجارية وأثبت لمجلس إدارته أنه يدير المجموعة بنزوات شخصية! هذا التسريب أضرّ بـ لؤي بقدر ما أضرّ بي!"

ساد الصمت الغرفة.

نظر أمير إليها بدهشة: "إذا لم يكن لؤي... فمن يكون العقل المدبر الخفي الذي يريد تدميركما معاً؟"

قبل أن تجيب ياسمين، رن هاتفها الخاص بإنذار رسالة نصية مشفرة.

رفعت الهاتف بريبة، لتجد رسالة من رقم مجهول تحتوي على كلمة واحدة فقط:

> "الحديقة الخلفية للملعب... الآن، أو سينتشر الجزء الثاني من التسجيل على كل القنوات الفضائية."

>

في الحديقة الخلفية المظلمة للفندق، حيث تتساقط أوراق الشجر تحت أضواء المصابيح الباهتة...

كانت ياسمين تسير بخطوات حذرة، تمسك حقيبتها بقوة، وتحيط بها هالة من الشراسة والجاهزية للمواجهة. كان الهواء بارداً ويحمل رائحة المطر وشجر الصنوبر.

وفجأة، خرج من بين الظلال هيولى رجل ضخم.

توقفت ياسمين وقالت بصوت ثاقب:

— "اخرج إلى الضوء بدل أن تتخفى كالفئران!"

خطا الرجل إلى الأمام... ولم يكن سوى لؤي المنشاوي!

كان قد خلع سترته السوداء، وقميصه الأبيض ملطخ بنقاط قليلة من دمائه الجافة عند كف يده المربوطة بمنديل. كان ينظر إليها بنظرات مظلمة تتأرجح بين الغضب العارم والشغف المسموم.

تنفست ياسمين الصعداء بغضب:

— "أنت؟ هل أنت من أرسل الرسالة؟"

سار لؤي نحوها بخطوات ثقيلة ومتهددة حتى أصبح على بعد سنتيمترات قليلة منها. طوقها بحضوره الخانق، وقال بصوت خفيض يخرج كالحفيف من بين أسنانه:

— "أنا لم أرسل شيئاً يا ياسمين... لكنني كنت أعلم أنكِ ستأتين إلى هنا فور أن تستلمي الرسالة، لأنني أعرف كيف يفكر عقلكِ المجهد."

رجعت ياسمين خطوة إلى الخلف، لكنه امتدت يده السليمة وسحبت ذراعها بقوة، ليرتطم جسدها بجسده الصلب!

شقت صرخة مكتومة حلق ياسمين، وحاولت دفع صدره بكل قوتها:

— "اتركني يا لؤي! اتركني وإلا أقسم أنني سأنادي الحراس!"

انحنى لؤي فوقها، وعيناه تشتعلان بجنون لا يطاق. همس قبالة شفتيها مباشرة:

— "أنادي من؟ ذلك الأبله أمير الذي كان يستعرض يده على ظهركِ الليلة؟... هل تظنين حقاً أنكِ قادرة على أن تكوني لغيري؟ هل تظنين أن كلمة 'خطوبة' ستمنعني من سحق العالم لأعيدكِ إلى عرشي؟"

شعرت ياسمين بقشعريرة تسري في كامل جسدها من قرب أنفاسه وحرارة جسده المألوفة. بلعت ريقها بصعوبة وركزت عينيها في عينيه بنبرة تحدٍ مستميتة:

— "أنا لست ملكاً لك يا لؤي! ولن أكون أبداً! ذلك التسجيل المحرج الذي سمعته القاعة الليلة لم يزدني إلا كراهية وإصراراً على تدميرك! لقد أصبحت مجرد ذكرى مريضة أقوم بمسحها من حياتي!"

تجمّدت ملامح لؤي. شدّ على ذراعها بقوة أكبر، ثم ابتسم ابتسامة مظلمة تفيض بالخطورة:

— "تدميري؟... أنتِ لم تدركي اللعبة بعد يا ياسمين. التسجيل الذي عُرض الليلة لم يُسرب من مكتبي، ولا من هاتف سامر..."

اقترب من أذنها أكثر، وهمس بصوت جعل الدم يتهرب من أطرافها:

— "التسجيل تم تسريبه من هاتف والد أمير הهاشمي نفسه! خطيبكِ المصون وعائلته يستغلون كرهكِ لي، ويستخدمونكِ كبيدق لضرب مجموعة المنشاوي والاستيلاء على أصولي... وبعد أن ينتهوا مني، سيكون دوركِ أنتِ وشركتكِ ليتم ابتلاعكما بنفس البشاعة!"

اتسعت عينا ياسمين بصدمة هائلة. تراجعت يداها عن صدره وارتختا:

— "ماذا... ماذا تقول؟ هذا غير ممكن!"

أطلق لؤي سراح ذراعها ببطء، ووقف بكبرياء أشم وهو ينظر إليها بنظرة تجمع بين الشفقة والتملك:

— "أنتِ محاربة قوية يا ياسمين... لكنكِ عمياء عندما يتعلق الأمر بحدود انتقامكِ مني. لقد ألقيتِ بنفسكِ في عش أفاعٍ أكبر بكثير مما تتخيلين."

أخرج لؤي من جيبه شريحة ذاكرة صغيرة (Flash Drive)، وضعها في يدها وررُد قبضتها عليها بقوة:

— "هذا هو الملف الكامل للتحويلات السرية بين عائلة الهاشمي والطرف الذي واخترق شاشات القاعة الليلة. اسمعيه بنفسك... ثم قرري إذا كنتِ ستستمرين في تمثيلية الخطوبة هذه، أم ستعودين للتحالف مع الشخص الوحيد في هذا العالم الذي يستطيع حمايتكِ منهم..."

اقترب منها للمرة الأخيرة، ولامست أطراف أصابعه الباردة وجنتها في لمسة حانية متناقضة لم تدُم سوى ثانية واحدة، ثم قال بنبرة أخيره حابسة للأنفاس:

— "أنا انتظركِ في مكتبي غداً في السادسة صباحاً... إما أن تأتي ونحرقهم معاً، أو تبقي معهم وتستعدي للسقوط في هاويتهم."

التفت لؤي وغاب في ظلال الحديقة بنفس السرعة التي ظهر بها، تاركاً ياسمين تقف بمفردها في الظلام، تمسك بشريحة الذاكرة، بينما يعصف قلبها بصراع مهول بين كبريائها المظلوم والحقيقة المرة التي بدأت تنكشف أمامها!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عادت لتكسر كبرياءه    الفصل الأربعون: صفعة الرماد

    كان لؤي المنشاوي يجلس خلف مكتبه الأنيق في برج الشركة، وعيناه تشعان بنور غريب لم يعرفه منذ سنوات. كانت السعادة تغمره، وكان يحمل بين يديه كتالوجاً لقطع الأثاث الفاخرة، يخطط لإعادة تصميم جناحه الخاص وتجهيز مفاجآت جديدة لياسمين. في مخيلته، كانت ليلة الأمس في الكوخ الصيفي هي نقطة التحول الحقيقية، والبطاقة التي تركتها له بخط يدها لم تكن سوى دليل خجل عاشقة تستعيد نبض قلبها القديم. تلك النشوة الوردية لم تدم سوى لحظات...انفتح باب المكتب فجأة، ودخل السكرتير بخطوات مترددة وملامح يكسوها الشحوب، يحمل في يده مظروفاً أسود أنيقاً تم تسليمه فوراً من قبل مبعوث خاص ينتمي لشركة "أورورا".ألهمت النظرة الأولى للمظروف لؤي شعوراً دافئاً، وظن أنها رسالة غرامية أخرى من ياسمين. قَطَع الشريط اللاصق بابتسامة متسعة، لكن الابتسامة تجمّدت على شفتيه فور سحب المحتويات.سقطت البطاقة الصغيرة على السطح الزجاجي للمكتب، وقرأ كلماتها القاتلة المكتوبة بخط يدها الأنيق:> "يبدو أن العبث هو مهنتك الأساسية... وأكثر ما تتقنه."أسفل البطاقة، كانت تتكدس مجموعة من الصور الفوتوغرافية عالية الدقة. صور تظهره وهو يقف في مكتبه، وسارة ت

  • عادت لتكسر كبرياءه    الفصل التاسع والثلاثون: رماد الليل والورد المسموم

    في المساء ذاته، أقام السيد أنس حفل عشاء ساهر طغت عليه أضواء البنفسج الفاخرة والديكورات الأنيقة في قاعة المنتجع المطلة على البحر، وذلك بمناسبة عيد ميلاد زوجته ليلى. كانت ليلى في الحقيقة قد اتفقت مع زوجها على تدبير هذه الدعوة خصيصاً لياسمين ولؤي، أملاً في تقريب المسافات وإعادة الشمل بينهما بعد أن لمست بحسها العاطفي وجود شرارة قديمة ومكتومة لم تُطفأ بعد. مرت السهرة بطقوس دافئة، لكن ياسمين، وتحت ثقل الذكريات وضغوط الأيام الأخيرة، شربت أكثر من طاقتها لتنسى الصراع المشتعل في رأسها. عقب انتهاء السهرة، لاحظ لؤي عدم قدرة ياسمين على السير بثبات. تقدم نحوها بخطوات حنونة وقرر مرافقتها بنفسه إلى كوخها الصيفي في المنتجع. ولكن عندما وصلا، كانت ياسمين في حالة من الإنهاك والتشتت والمزرية التي لم تكن ترغب الإطلاق في أن يراها عليها أحد، وخاصة هو. رفض لؤي أن يتركها في تلك الحالة بمفردها، وبحسم دافئ حمالها ببطء واصطحبها إلى كوخه الصيفي الخشبي الخاص. هناك، داخل الكوخ الدافئ بعيداً عن أضواء العالم، ساد الصمت إلا من صوت أنفاسهما المتهدجة وضجيج أمواج البحر في الخارج. اقترب لؤي منها ببطء، وعيناه تفيض

  • عادت لتكسر كبرياءه    الفصل الثامن والثلاثون: أصداء على الرمال

    كانت شاشة الحماية في مكتب ياسمين الهاشمي تومض بضوء خافت ومتقطع وسط الظلام الساكن للغرفة، بينما كانت حركة البيانات الرقمية تُظهر بوضوح خطة رفع الشفرة البرمجية المزيفة التي زرعتها كطُعم محكم. وفي الطرف الآخر من المدينة، داخل القصر المظلم لعائلة المنشاوي، كانت ناهد المنشاوي ومساعدها الخفي رأفت يحتفلان بانتصار وهمي وشيك، بعد أن سلّما الشفرة المسروقة عبر المهندس الخائن "سامر" إلى "مجموعة صقر العالمية"، أكبر وأشرس منافس استثماري لشركة ياسمين في السوق.لكن تلك النشوة الزائفة لم تدم طويلاً...في صباح اليوم التالي، أعلنت "مجموعة صقر العالمية" في مؤتمر صحفي عاجل ومُتلفز عن إطلاق مشروعها الثوري الجديد للذكاء الاصطناعي. وما إن بُث العرض التوضيحي المباشر أمام كبار المستثمرين وعدسات وسائل الإعلام المحلية والدولية، حتى تفعّلت آلية حماية برمجية مخفية (Kill-Switch) كانت قد زرعتها ياسمين بدقة متناهية داخل أعماق الكود. تجمدت الشاشات والأنظمة فجأة، وظهر بدلاً من العرض شعار شركة "أورورا" البرّاق محاطاً بتحذير أمني رسمي يُثبت بالدليل القاطع والحجة الدامغة أن الشفرة مسروقة ومستنسخة بالكامل من خوادم ياسمين ا

  • عادت لتكسر كبرياءه    الفصل السابع والثلاثون: عواصف خلف الأسوار

    تجمّد "لؤي" في مكانه وسط الحديقة، وعيناه معلقتان بتلك الأرجوحة الخشبية الصغيرة والكرة الملونة الملقاة على العشب الأخضر المبتل بقطرات الندى. شعر بضربات قلبه تتسارع في صدره كطبل حربي، بينما تهاجم عقله أفكارٌ مجنونة كالعاصفة: ألعاب أطفال؟ في فيلا ياسمين؟ مع مَن تعيش هنا؟ هل تزوجت في سنوات غيابها؟ هل أصبحت حقاً لغيره؟انقطع حبل أفكاره المضطربة على صوت كعب حذائها العالي وهو يضرب الأرض الرخامية بانتظام وثقة. التفت ببطء، لتتجمد الكلمات في حلقه.كانت ياسمين تقف عند مدخل الحديقة، تشع كبرياءً وأناقة لا حد لها. فستانها العملي الأسود يبرز قوامها الفاتن، ونظرات عينيها كانت أشد برودة من صقيع الشتاء. لم يعد هناك أي أثر لتلك الفتاة الخجولة التي كان يكسرها بكلماته قديماً.رفعت حاجبها الأيسر وسخرت بنبرة هادئة لكنها حادة كالشفرة:— "ما الذي يفعله الملياردير 'لؤي المنشاوي' متسللاً إلى أملاكي الخاصة؟ ألم يعلمك أحد أن اقتحام بيوت السيدات يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون؟"بلع لؤي ريقه، وحاول استعادة قناعه المتكبر، لكن صوته خانه قليلاً وهو يشير بيده نحو الألعاب:— "لم أكن أتسلل يا ياسمين... جئت لأرى كيف تجرئ

  • عادت لتكسر كبرياءه    الفصل السادس والثلاثون: الغيبوبة

    رن صوت الهاتف في تلك الساعة المتأخرة من الليل أشبه بصفارة إنذار حادة تمزق سكون شقة لؤي المنشاوي الفاخرة، لتوقظ الظلام الدامس المخيم على الصالة المترامية الأطراف. رفع السماعة بقلق تلقائي ونبضات قلبه تتسارع، ليصله صوت ضابط الشرطة عبر الأثير جافاً، مقتضباً ومحكاباً لبرودة الليل:— "سيد لؤي المنشاوي؟ نتصل بكِ بخصوص شقيقتكم الآنسة ميرنا المنشاوي... لقد تعرضت لحادث سير خطير جداً على الطريق السريع، وهي الآن في حالة حرجة بالمستشفى المركزي."سقطت السماعة من يده للحظة لتصطدم بالأرضية المرمرية، وتوقفت أنفاسه قبل أن يستعيد رباطة جأشه بجهد جهيد. ارتدى معطفه الأسود بحركات مرتبكة ويدين ترتجفان، وطلب من مساعده الشخصي إحضار السيارة فوراً إلى أسفل المبنى، بينما راح يطلب بحدقيتين متسعتين رقم والدته ناهد المنشاوي، التي كانت حينها في جولة سياحية استجمامية خارج البلاد.جاء صوت ناهد عبر الخط متعباً وبطيئاً من فرق التوقيت، لكن نبرتها تحولت في ثوانٍ معدودة إلى صراخ مذعور وفزع جارف حين سمعت الخبر الكارثي من ولدها:— "ميرنا؟! حادث سير؟! كيف حدث هذا... ومتى؟! سآخذ أول طائرة متجهة إلى العاصمة فوراً يا لؤي! إياك أ

  • عادت لتكسر كبرياءه    الفصل الخامس والثلاثون: ظلال العرش وعهد جديد

    تجلس ياسمين الهاشمي في جناحها المكتبي الهادئ بعيد انقضاء المؤتمر الصحفي العالمي، تُحدق في أضواء المدينة المتلألئة عبر الزجاج الشفاف الشاهق. بين يديها كوب من القهوة الدافئة يتصاعد منه البخار، بينما يتسلل هدوء عميق ونادر إلى صدرها لأول مرة منذ سنوات طويلة من الصراع والترقب. لقد انتهت المعركة الأولى، وصوت الحق الذي صمت طويلاً أخذ يتردد في كل أرجاء البورصة وسائل الإعلام.ينفتح الباب الزجاجي بخفة، وتدخل سيدة أنيقة تتوهج عيناها بالدفء والبهجة الصادقة. إنها هناء، صديقة ياسمين المقربة ورفيقة دربها المحببة منذ أيام الدراسة الجامعية الأولى. تطأ أقدامها القاعة بخطوات واثقة، لتغمر المكان بطاقة إيجابية واحتضان دافئ.تضم هناء ياسمين بطف ودعم صادق، ثم تبتعد قليلاً لتنظر إلى عينيها بقخر:— "ياسمين! أخيراً رأيتكِ تأخذين حقكِ كاملاً وأمام العالم كله! لم أشك لحظة واحدة منذ كنا نجلس على مقاعد الجامعة الخشبية ونحلم بالمستقبل أنكِ ستعودين يوماً لتلجمي كل من حاول التقليل منكِ أو كسر كبرياءكِ."ترتسم ابتسامة هادئة ودافئة على شفتي ياسمين، وتجيبها بنبرة ممتنة يمتزج فيها الشجن بالارتياح:— "هناء... وجودكِ بجانب

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status