分享

part 22

last update publish date: 2026-06-14 16:05:36

استمع والدها ل مبرراتها الهندسية والمالية بتمعن، ورغم أنه شعر بوجود شرخ غير معلن بينها وبين ياسر، إلا أن منطقها التجاري وحرصها على اسم شركتهم كان مقنعاً وكافياً لجعله يتراجع عن تردده،

فقال بنبرة هادئة وموافقة في النهاية:

"خلاص يا ليلى، طالما إنتي شايفة إن مصلحة الشغل والمشروع محتاجة وجود مراد عشان التوازن يرجع، أنا هكلم الإدارة الصبح وأخليهم يبعتوا قرار تكليفه للموقع فوراً، بس خدي بالك يا بنتي وركزي في شغلك وبلاش المشاكل الشخصية تأثر على التنفيذ"

أغلقت ليلى الخط وتنفس ت الصعداء لأول مرة منذ ليلة أمس، وارتسمت على وجهها الشاحب ابتسامة تحدٍّ باردة، فقد أصبحت اللعبة الآن متكافئة؛ فكما استعان ياسر ب برود مروى واستفزها بوجودها، سيكون مراد هو خط دفاعها وهجومها القادم في الموقع، وغداً عندما يرى ياسر خصمه القديم يقف معها كتفاً بكتف في أرض العمل، سيدرك أن الصفعة التي تلقاها بالأمس لم تكن سوى البداية لمعركة كبرياء كبرى لن تنتهي بسهولة.

اشتدت حرارة الأجواء في موقع المشروع مع حلول الساعة العاشرة صباحاً، لكن الصخب المعتاد للآلات وصيحات العمال تراجعا في ذهائن الجميع ليحلا محل الكبت الرهيب والترقب، وقفت ليلى عند مدخل الممر الخشبي المؤدي إلى المكاتب المؤقتة، وكانت ترتدي خوذتها البيضاء بثبات، وتتقاطع ذراعاها أمام صدرها بكبرياء أنثى استعادت السيطرة على مصيرها، وبجانبها تماماً كان يقف مراد، حاملاً ملفاته الهندسية بثقة وارتياح،

ينظر إلى أرجاء الموقع وكأنه عاد ليحتل مكاناً يخصه منذ البداية، ولم تكن ملامح ليلى تحمل أي تراجع، بل كانت تشع بتحدٍ صارم تُرجم في كل حركات جسدها.

خرج ياسر من مكتبه والملف الإداري بين يديه، وتبعه مروى كعادتها وهي تبخ الكلمات الناعمة في أذنه لتوجه نظره نحو نقطة الحفر،

لكن قدمي ياسر تسمرتا في مكانهما فجأة، وانقبضت أصابعه على حواف الملف الحديدي بقوة جعلت أطراف أصابعه تبيض، اتسعت عيناه بذهول مطلق وصدمة عنيفة زلزلت كيانه وهو يرى مراد يقف كتفاً بكتف مع ليلى في قلب موقعه، وفي عقر داره المهنية، شعر ببرودة تجتاح عروقه،

تلاها فوران دم حارق من فرط الغيرة والقهر، فالضربة هذه المرة لم تأتِ من الغريب، بل جاءت بقرار رسمي موقع من إدارة شركة والدها ليفرض وجود الخصم القديم في مساحته الخاصة.

لم ينطق ياسر بكلمة واحدة في البداية، بل اكتفى بتبادل النظرات مع ليلى، وكانت عيناه تحملان عتاباً ثقيلاً، عتاباً مراً ومكسوراً طوال الوقت، نظرة كانت تقول بوضوح دون كلمات: أإلى هذا الحد هان عليكِ كل شيء؟ أإلى هذا الحد وصل بكِ الانتقام لتأتي به إلى هنا؟ كان داخله ينزف ويتحطم فعلياً بتلك

الحركة، فشعور التملك الصامت والحماية التي بناها حولها طوال الأسابيع الماضية تفتت أمام عنادها وسعيها لكسر شوكته، أدرك ياسر في تلك اللحظة أن ليلى التي بدأت تلين وتستسلم لحضنه الدافئ قد اختفت تماماً، وعادت بدلاً منها ليلى القديمة؛

تلك الفتاة الشرسة التي كانت تنافسه قديماً بكل روحها، تلك التي لا تقبل الخسارة أبداً وتعتبر الحرب وسيلتها الوحيدة لإثبات الذات.

اقترب مراد بخطوات واثقة، ورفع يده محيياً بابتسامة لم تصل إلى عينيه، وقال بنبرة مستفزة "صباح الخير يا باشمهندس، من النهارده هكون معاكم في الموقع عشان ننسق الشغل سوا ومصلحة المشروع تطلع في أفضل صورة"

تحرك فك ياسر بقسوة، وتجنب تماماً النظر إلى مراد، بل ظل توجيه عينيه المثقلتين بالعتاب والكسر نحو ليلى مباشرة، ونظر إلى ورقة التكليف الرسمية المعلقة على اللوحة، ثم عاد إليها وقال بنبرة جافة ومتحشرجة

"إنتي فاكرة إن الحركة دي هتلوي دراعي في الشغل؟ إنتي كده بتثبتي إنك مش قادرة تواجهي لوحدك ولازم تستخبي ورا حد"

رفعت ليلى رأسها بشموخ، ولمحت الانكسار الخفي في عينيه، لكن جرح كبريائها وصفعة الأمس وعودة مروى جعلتها تتجرد من أي تعاطف، وقالت بنبرة باردة وواثقة

"المشروع مصلحته فوق كل شيء يا باشمهندس، وبابا وافق إن الموقع محتاج توازن هندسي عشان مفيش رأي واحد يستبد بالعمال، مراد هنا بصفتة المهنية مش عشان أستخبى وراه، وياريت نركز في الشغل وبس"

وقفت مروى تراقب الموقف بوجل، وشعرت أن دخول مراد سيسحب البساط من تحت قدميها وقدمي ياسر، فحاولت التدخل وقالت بصوت مسموع "بس التنسيق كده هيبقى أصعب يا ليلى، ووجود كذا رأس للمشروع هيعطل الحفر اللي الباشمهندس ياسر أمر بيه إمبارح"

التفتت إليها ليلى بنظرة حادة ألجمتها تماماً

واجابت بجفاء" اظن انا وياسر بس اللي بنقول اي يمشي واي ميمشبش يا مروي، ياريت تعرفي حدودك كويس "

ثم عادت بنظرها إلى ياسر الذي كان صمته ونظرات عتابه أشد قسوة من أي حوار، ساد الموقع صمت رهيب، وتراجع العمال خطوت للخلف، بينما كان ياسر ينظر إلى خطوط الحفر وإلى ليلى الواقفة بعناد، وشعر أن هذا المشهد ليس جديداً عليه، وأن هذه الروح الانقامية الشرسة قد واجهها من قبل في سنوات طفولتهما البعيدة.

طارت أفكار ياسر بعيداً عن صخب المعدات، وتلاشت ملامح ليلى الشابة ليحل محلها وجه طفلة صغيرة بعينين تشتعلان بذات العناد والرفض التام للهزيمة، وبدأ شريط الذكريات يعود به إلى الماضي.

( Flash Back )

في ردهة المدرسة الابتدائية، كانت لوحة الشرف الإقليمية معلقة على الجدار الرئيسي، وكان الجميع ينتظر إعلان نتيجة امتحانات الفصل الدراسي الأول لمعرفة من سيتصدر المركز الأول على مستوى المحافظة،

كان ياسر طفلاً هادئاً، متفوقاً بفطرتة، يجلس في مقعده الأخير يراجع كراساته بثقة، بينما كانت ليلى في المقعد الأمامي لا تكف عن الالتفات ومراقبته بتوتر وقلق نهش أظافرها الصغيرة، كانت ترفض تماماً فكرة أن يسبقها ولد في درجات العلوم والرياضيات، وكانت ترى في تفوقه تهديداً مباشراً لعرشها الطفولي.

في ذلك اليوم، أعلن ناظر المدرسة النتيجة، وحصل ياسر على الدرجة النهائية متفوقاً عليها بنصف درجة واحدة فقط، ليوضع اسمه في صدارة اللوحة، لم تتحمل ليلى الطفلة الصدمة، وتحول خجلها أمام زميلاتها إلى بركان من

الغضب الأعمى، انتظرت حتى حل وقت الفسحة وخلو الصف من التلاميذ، وتسللت نحو مقعد ياسر بخطوات سريعة وأنفاس متلاحقة، وامتدت يداها الصغيرتان نحو حقيبته، وجذبت كراسة إجاباته النموذجية لمادة الرياضيات والتي كان المدرس قد تركها له كمكافأة.

وبأصابع ترتجف من فرط القهر والرغبة في عدم الخسارة، بدأت ليلى في تمزيق الكراسة وتقطيع أوراق الإجابات إلى قطع صغيرة جداً، ثم سحبت قلمها الأحمر وشطبت على درجاته المدونة في

السجل الجانبي المتروك على مكتب المعلم، وعندما عاد ياسر ووجد كراسته ممزقة ودرجاته قد نُقصت بسبب هذا التصرف التخريبي الذي اتُهم فيه بالإهمال في الحفاظ على أوراقه الرسمية،

التفت نحوها ليجدها تجلس في مقعدها، تبتسم ببرود وتحدٍ، وعيناها تشعان بذات البريق الرافض للهزيمة، وكأنها تقول له: لن تسمح لك بالفوز حتى لو اضطرت لتمزيق العالم كله.

( End FLASH BACK )

استفاق ياسر من ذكرياته القديمة على صوت ليلى

وهي تطالب المعلم صابر ببدء مراجعة المخططات الهندسية المعدلة مع مراد، نظر إليها ياسر، وكان الكسر في داخله قد تحول إلى جدار ثانٍ من البرود المستسلم، وعرف أن الطفلة التي مزقت كراسته

قديماً لكي لا يخلو لها وجه الخسارة، هي نفسها المرأة التي تقف أمامه الآن وتمزق استقرار بيتهما لترد كبرياءها، فابتسم ابتسامة خفيفة مليئة بالمرارة والعتاب، وتحرك نحو مكتبه دون أن ينطق بحرف آخر

تاركاً الساحة لمراد وليلى، لكن بنيران غيرة وصدمة لن تنطفئ بسهولة.

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP

最新章節

  • عاشقان المدينه    part 31

    ظلت ليلى مقتربة منه، تنهل من حضنه السكينة التي فقدتها طوال أيام الكارثة، وكانت أنفاس ياسر تضرب وجهها ببطء، مختلطة برائحة المعقمات الطبية التي نفاذها لم يعد يزعجها، بل على العكس، أصبحت تلك الرائحة هي عنوان نجاته وبقائه. كانت يدها لا تزال ممسكة بطرف قميص المشفى الخاص به، وكأنها تخشى أن تفتح عينيها فتكتشف أن كل هذا كان حلماً جميلاً في ليلة كابوسية، بينما كان ياسر يستشعر في تلامسهما دفئاً خاصاً، دفئاً لم يعرف قيمته الحقيقية إلا حينما لامس الموت أعتاب حياته، ووجد نفسه وحيداً تحت ركام من الأسمنت والحديد الذي لم يكن ليأبه لشيء سوى كبريائه.مرت الدقائق في صمت مشوب بالخشوعقطعته فقط حركة الطبيب المناوب الذي دخل الغرفة ليطمئن على العلامات الحيوية، فتنحت ليلى جانباً ببطء، لكنها لم تترك يده السليمه، بل ظلت متمسكة بها بقوة، تراقب الطبيب وهو يفحص الجبس الذي يغلف ساقي ياسر وذراعه اليمنى. كان ياسر يبتسم ابتسامة واهنة للطبيب، بينما كانت نظراته تلاحق ليلى، تلمس وجهها الذي بدأ يستعيد بعضاً من لونه بعد أن انقشعت غيوم الخوف لاحظ الطبيب ذلك الترابط القوي بينهما، فابتسم بدوره وقبل قال بنبرة مشجعة "ا

  • عاشقان المدينه    part 30

    بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل ببطء شديد من بين ثنايا الستائر الزرقاء السميكة لغرفة المشفى، لتضفي على الأركان البيضاء الباردة لمسة من الدفء الذي غاب عن هذا الثنائي لأسابيع طويلة، وسط هذا السكون المطبق الذي لم يكن يقطعه سوى النبضات الرتيبة والمنتظمة لِجهاز مراقبة العلامات الحيوية، بدأ ياسر يستعيد وعيه تدريجياً، تحركت جفونه ببطء وثقل شديد، وشعر بآلام مبرحة تنهش كل إنش في جسده المتصلب، وكأن أطناناً من الأسمنت لا تزال تجثم فوق أطرافه المقيدة بالجبس الأبيض السميك، فتح ياسر عينيه أخيراً، محاولاً التغلب على غشاوة البنج التي كانت تشوش رؤيته، والتفت برأسه المجهد نحو الجانب الأيسر ليتفحص المكان من حوله.وفي تلك اللحظة بالذات، انقبض قلبه بشدة وتوقفت أنفاسه لثوانٍ وهو يرى ليلى بجانبه، كانت تجلس على مقعد خشبي منخفض، وقد أسندت رأسها المتعب على حافة الفراش الطبي بالقرب من يده السليمة، كانت مغمضة عيناها في نوم عميق أملته عليها ساعات الخوف والإنهاك الطويلة، ولكن الشحوب الشديد كان يظهر على وجهها بوضوح كاشف، وهالات التعب السوداء التي تحيط بعينيها كانت تحكي دون كلمات حجم الرعب والوجع الذي عاشته في الساعا

  • عاشقان المدينه    part 29

    مرّت الساعات تحت الركام وكأنها دهور جافة استنزفت كل قطرة أمل في قلوب الحاضرين، لان كل دقيقه كانت بمثابه خنجر حاد يطعن ليلي آلاف المرات فكانت ليلى تجثو على ركبتيها وسط الغبار والحديد الملتوي، لا تشعر بألم ساقيها ولا بخشونة الأرض التي كانت تغرز نفسها في جلدها، وكأن جسدها كله فقد الإحساس إلا من ذلك القلب المرتجف داخل صدرها.أو كأنها تعاقب نفسها بأن تتألم مثله كانت تتنفس الأتربة دون وعي وهي تراقب رجال الإنقاذ الذين يعملون بلا توقف، يرفعون الكتل الخرسانية الثقيلة بحذر شديد خشية حدوث انهيارٍ جديد، فيما كانت أصوات المعدات تختلط بصيحات العمال وصفارات سيارات الإسعاف المتوقفة حول الموقع. وهي وحيده وحيده جدا وخائفه بشكل لا تعرف كيف توصيفه كل ما تريده الان هو ياسر..ياسر وفقط لم تعد ليلى تعرف كم من الوقت مرّ منذ وقوع الحادث، دقائق أم ساعات أم عمرٌ كامل. كل ما كانت تعرفه أنها لم تغادر مكانها لحظة واحدة، وأن عينيها ظلتا معلقتين بتلك الفجوة المظلمة التي ابتلعت ياسر أمامها. كانت تتشبث بأمل ضئيل، هش كخيط عنكبوت، لكنها رفضت التخلي عنه مهما بدا مستحيلاً.وفجأة، تعالت صيحات العمال العالية، وتبعته

  • عاشقان المدينه    part 28

    بدأت المرحلة الثانية من هذه الحرب الصامتة تحت وطأة قرار انتحاري اتخذه ياسر بكامل إرادته وكبريائه الجريح، فبعد مغادرة ليلى العاصفة للموقع في اليوم السابق، لم يعد يرى أمامه سوى هدف واحد: إثبات أنه السيد المطاع في أرض العمل، وأن كلمته لا يمكن أن تكسرها امرأة استعانت بخصمه القديم لتذله، وفي صباح اليوم التالي، اتخذ ياسر خطوته الأكثر جرأة وعناداً، وبدأ في تنفيذ الصب دون رجوع لأحد، متجاهلاً تماماً المخططات المعدلة لليلى، ومضرباً بعرض الحائط كل تقارير السلامة المهنية التي تركها مراد على مكتبه، جمع المعلم صابر والعمال في ساعة مبكرة جداً من الفجر، وقبل قال بصوت قاطع لا يقبل النقاش وعيناه تشعان بنيران التحدي الأعمى "يا رجالة، مفيش تعطيل للصب النهارده، الخرسانة هتنزل في المسار الشرقي فوراً، وأي حد يسألكم من الإدارة قولوا الباشمهندس ياسر هو اللي أمر وهو اللي واقف بيشرف بنفسه" حاول المعلم صابر أن يبدي بعض التردد، ونظر إلى التشققات الخفيفة في التربة الجانبية وقبل قال بنبرة قلقة "بس يا باشمهندس، المدام ليلى والباشمهندس مراد قالوا إن التربة هنا محتاجة تدعيم بالخوازيق الأول قبل الصب عشان متتحر

  • عاشقان المدينه    part 27

    نظر إليها ياسر طويلًا، ورأى في عينيها مزيجاً غريباً من التحدي والخوف الخفي عليه وعلى اسم عائلتهما، لكن كبرياءه الجريح وصفعة الأمس ومظهر مراد في مكتبها صباحاً منعه من التراجع، وحرك رأسه ببرود مستسلم وقبل قال بنبرة خفيضة وجافة كالرماد "إنتي اللي اخترتي الحرب دي من الأول يا ليلى، وإنتي اللي جبتي مراد هنا عشان يكسرني، ودلوقتي لما الموضوع كبر ووصل للأهل وجاي يخرب كل حاجة، جاية تشتكي؟ أنا مش هراجع قراري، والحفر هيستمر في المكان اللي أنا عاوزه، وخلي مراد بتاعك يوريني هيعمل إيه"التفت ياسر وغادر المكان بخطوات سريعة متجهاً نحو مكتبه، وتبعتْه مروى بابتسامة انتصار خبيثة تركت ليلى واقفة بمفردها وسط الأتربة وصوت الحفارات التي بدأت بالعمل بناءً على أوامر ياسر الصارمة، نظرت ليلى إلى الأرض، وتشجعت بداخلها رغبة قوية في الانسحاب، لكن كبرياءها الأنثوي والمهني كان يمنعها، التفتت لتجد مراد يقف بجانبها ويبتسم بنبرة غريبة وقبل قال "متزعليش يا ليلى، هو اللي بيخسر نفسه وشغله بعناده ده، وإحنا الكسبانين في النهاية" وهنا نظرت إليه ليلى بنفور تام، وتأكدت أن مراد بات عبئاً ثقيلاً على قلبها، وأن معركة إثبات الذا

  • عاشقان المدينه    part 26

    استيقظت ليلى في الصباح التالي وثقل العالم كله يجثم فوق صدرها، كانت ساعات الليل الماضية عبارة عن كابوس ممتد من الأفكار المتضاربة، وصوت والدها الصارم في الهاتف وهو يعاتب ويجادل والد ياسر لا يزال يرن في أذنيها كجرس إنذار مخيف، نظرت إلى المرآة لتجد وجهها شاحبًا، لكن عينيها كانتا تشعان بذات البريق الحاد الذي يرفض الاستسلام، تحركت في أرجاء الشقة بهدوء مريب، متجنبة تمامًا المرور من أمام غرفة ياسر، حتى لا تلمح طيفه أو تضطر لمواجهة تلك النظرات المكسورة والمحملة بالعتاب والغيرة التي باتت تؤرق مضجعها، غادرت المنزل وحدها قبل موعد العمل بنصف ساعة كاملة، باحثة عن مساحة من الفراغ لتستجمع شتات نفسها قبل أن تبدأ جولة جديدة من الحرب التي طالت الأخضر واليابس في حياتهما الزوجية والمهنية. عندما وصلت إلى موقع المشروع، كانت الأجواء ضبابية، تملأها رائحة الأتربة ومحركات الشاحنات الضخمة التي بدأت بالدوران، توجهت مباشرة إلى مكتبها المؤقت، لكنها لم تكد تضع حقيبتها حتى دخل مراد دون أن يطرق الباب بثبات، وكان يحمل في يده كوبين من القهوة، وارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة تحمل من الود ما يتخطى الزمالة المهنية بكثير

  • عاشقان المدينه    part 25

    الأسبوع التالي على الموقع كأنه جحيم مستعر يُدار تحت وطأة الكبرياء، حيث تحولت ساحة العمل إلى جبهتين منفصلتين تماماً، ترفض كل منهما الاعتراف بوجود الأخرى، كانت الشمس تحرق الخرسانات، لكن القلوب داخل المكاتب المؤقتة كانت أكثر اشتعالاً، وصلت ليلى في الصباح وهي ترتدي خوذتها البيضاء بكامل أناقتها المه

  • عاشقان المدينه    part 24

    تمددت الساعات التالية كأنها دهر من الجليد، وجاء وقت العشاء الفعلي ليجد الكيانين المتناحرين مجبرين على الجلوس إلى نفس الطاولة الخشبية الصغيرة في غرفة المعيشة، وضع الصحن الصغير بينهما، وكان البخار المتصاعد من الطعام هو الشيء الوحيد الذي يتحرك بحيوية في الغرفة، جلس ياسر على حافة المقعد، متصلب الظهر،

  • عاشقان المدينه    part 23

    حلّ المساء على البيت، ومعه هبط سكون ثقيل خانق، أشبه بالضباب الذي يسبق العاصفة المدمرة، كانت أنوار المطبخ خافتة، تعكس ظلالاً متصلبة لجسدين يتحركان في نفس الحيز الصغير، لكن المسافة النفسية بينهما كانت أبعد من مجرد قارات، وقفت ليلى أمام الرخام تقطع الخضار بحركات آلية قاسيه وصوت السكين وهي تصطدم بالل

  • عاشقان المدينه    part 21

    في صباح اليوم التالي، بدا موقع المشروع وكأنه عاد شهوراً إلى الوراء، حيث انقشعت غيوم السلام الزائف لتترك المكان عرضة لعاصفة من التوتر المكتوم الذي يملأ الأجواء، كانت الشمس ترسل أشعتها الحارقة على الجدران الخرسانية غير المكتملة، لكن البرودة التي كانت تشع من مهندسي الموقع كانت أقوى من حرارة الطقس، وص

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status