ANMELDENفي صباح اليوم التالي،
بدا موقع المشروع وكأنه عاد شهوراً إلى الوراء، حيث انقشعت غيوم السلام الزائف لتترك المكان عرضة لعاصفة من التوتر المكتوم الذي يملأ الأجواء، كانت الشمس ترسل أشعتها الحارقة على الجدران الخرسانية غير المكتملة، لكن البرودة التي كانت تشع من مهندسي الموقع كانت أقوى من حرارة الطقس، وصلت ليلى إلى الموقع مبكرة على غير عادتها، وكانت ملامحها مغلفة بجمود صارم، وعيناها تحيطهما هالات سوداء خفيفة تشي بليلة لم تذق فيها طعم النوم، لكنها رفعت رأسها بكبرياء أنثى قررت أن تفصل تماماً بين جرحها الشخصي وبين فرض هيبتها المهنية في حقل العمل الذي تملكه. لم يمر وقت طويل حتى ظهر سيارة ياسر —الذي أخطأت ليلى ذات مرة وظنته مراد في لحظة غضب— وتوقفت السيارة بقوة عند مدخل الموقع، نزل منها وعيناه تشتعلان بذات النظرات الحادة، وكان التصلب يبدو على كتفيه وكأنه يحمل أوزار ليلة الأمس كلها فوق ظهره، ولم يكد يضع قدمه في الموقع حتى تحركت مروى من مكتبها الإداري بخطوات سريعة وواثقة، مرتدية خوذتها البيضاء، واقتربت منه بابتسامة ناعمة حملت الكثير من المودة المفتعلة، وبدأت تسير إلى جانبه بخطوات متقاربة، ممسكة بملف الأوراق وتتحدث معه بنبرة خفيضة وصوت هادئ تعمدت أن يصل صداه اللطيف إلى حيث تقف ليلى مع المقاول. التنظيم المتناغم الذي شهده العمال طوال الأسبوعين الماضيين اختفى تماماً في ساعات، وعادت من جديد الاختلافات الحادة في الآراء بين ياسر وليلى، ولم يعد هناك ذلك التكامل الصامت، بل عاد الجدال العقيم ليفرض نفسه عند مراجعة المخططات التوجيهية لشبكة الصرف الصحي الخاصة بالمبنى الرئيسي، وقفت ليلى أمام الطاولة الخشبية الكبيرة في منتصف الموقع، وأشارت بقلمها بحسم نحو الرسم الهندسي، فقالت بنبرة جافة وقاطعة:"التعديل اللي إنت عملته في مسار المواسير ده غلط يا باشمهندس، ده هيعمل ضغط على الأساسات وممكن يسبب تسريب بعد سنة، المخطط القديم بتاعي هو اللي لازم يتنفذ" توقف ياسر عن تقليب الأوراق، ونظر إلى قلمها ثم رفع عينيه ليلتقي بنظراتها المتحدية، وكان جرح كبريائه من صفعة الأمس لا يزال ينبض خلف وجنته المتصلبة، فحرك فكه بقسوة وحاول أن يفرض سلطته أمام العمال الذين بدأوا يتجمعون في حلقات صغيرة لمتابعة هذا النزاع المتجدد، فقال بنبرة متهكمة وباردة "المخطط بتاعك في نظري هو اللي فيه هدر للمساحة والمعدات، وأنا هنا المسؤول الأول عن ميزانية التنفيذ، يعني كلامي هو اللي هيمشي والمواسير هتتحط في المسار الجديد اللي أنا حددته" اشتعلت عينا ليلى بالغضب، وشعرت أن ياسر لا يحارب فكرتها الهندسية بل يحارب شخصها وكبرياءها، فرفعت صوتها قليلاً ليسمع الجميع وهي تتحدى قراره علناً، فقالت بلهجة شديدة: "إحنا مش في حلبة مصارعة عشان تمشي كلامك وخلاص، في أصول هندسية وفي أمان للمبنى، وأنا مش هسمح بتهريج في الشغل عشان تفرض رأيك وبس!" في تلك اللحظة، تدخلت مروى بخبث شديد، حيث خطت خطوة للأمام لتصبح في المسافة الفاصلة بينهما، ووضعت يدها برقة على ذراع ياسر في حركة بدت عفوية لكنها كانت مقصودة لإثارة جنون ليلى، ونظرت إلى ياسر بنظرة إعجاب وتقدير كامل، فقالت بصوت ناعم ومسموع: "الباشمهندس ياسر عنده حق يا ليلى، كلامه صح ومدروس جداً من الناحية المالية والهندسية، وإحنا في الشركة بندعم قراره ده تماماً ومفيش داعي للعطلة والجدال اللي ملوش لزمة" لاحظت ليلى حركة يد مروى على ذراع ياسر، ولاحظت نظراتها المريبة، وشعرت بطعنة غيرة خفية حاولت كبتها بكل ما أوتيت من قوة، ومما زاد من قهرها أن ياسر لم يبعد يد مروى عنه بل تركها وكأنه يتقوى بوجودها ليغيظ زوجته، فنظرت ليلى إليهما معاً بنظرة احتقار شديدة، ولم يعد العمال بحاجة إلى ذكاء ليفهموا أن هناك خطباً ما، فقد بدأ التوتر يسري في الموقع كتيار كهربائي، وبدأ العمال يتبادلون الهمسات والغمزات، متأكدين أن السلام القصير الذي عاشوه قد انتهى وأن الحرب قد أعلنت من جديد بين المهندسين. حاول ياسر الحفاظ على هدوئه المصطنع أمام نظرات ليلى الحارقة، لكن داخله كان يغلي، فهو لم يكن يريد لمروى أن تتدخل، لكن كبرياءه منعه من نهرها أمام ليلى، فنظر إلى رئيس العمال وتجاهل وجود ليلى تماماً، فقال بصوت جهوري مسموع للجميع: "يا معلم صابر، خدي الرجالة وابدأوا حفر في المسار اللي أنا قلت عليه، وأي حد يعترض على كلامي يجيلي المكتب فوراً" التفت ياسر وتحرك نحو مكتبه المؤقت بالموقع، وتبعتْه مروى بخطوات سريعة وهي تلتفت نحو ليلى بابتسامة نصر خبيثة، بينما بقيت ليلى واقفة في مكانها، تشعر بأن الأرض تميد من تحتها، فالإهانة اليوم كانت مضاعفة؛ إهانة لمهنيتها أمام العمال، وإهانة لأنوثتها بوجود مروى التي بدأت تحتل مكاناً لم يكن لها يوماً، لكن ليلى جزت على أسنانها، وقررت ألا تستسلم، وألا تترك لهما الموقع ليصبحا أبطال اللوحة كما قال لها بالأمس، بل ستبقى لتواجه حتى النهاية. عادت ليلى إلى المنزل بعد نهاية ذلك اليوم العصيب في الموقع، وكانت كل خطوة تخطوها داخل الردهة الفارغة تزيد من شعور القهر والاختناق في صدرها، صورة مروى وهي تقف بجانب ياسر وتضع يدها على ذراعه لم تفارق مخيلتها، ونبرة ياسر الجافة والمهينة أمام العمال كانت تجلد كبرياءها دون رحمة، شعرت أنها بحاجة إلى سلاح قوي لترد به اعتبارها المهني والشخصي، وبحاجة إلى فرض توازن جديد في الموقع يكسر شوكة تحالف ياسر ومروى ضدها، جلست على الأريكة وأخرجت هاتفها، وبأصابع ترتجف من فرط التصميم والغضب، طلبت رقم والدها. لم تكد تمر ثوانٍ حتى أتاها صوت والدها الدافئ والمحب، فحبست دموعها بقوة لتبدو متماسكة وقوية، فقالت بنبرة جادة ومحترفة: "مساء الخير يا بابا، أنا كنت بكلمك بخصوص الشغل في الموقع، الضغط زاد جداً والتفاصيل الهندسية بقت محتاجة عين تانية معانا، وإحنا في أمسّ الحاجة لوجود مهندس تالت يكون كفء وعنده خبرة زي مراد عشان يمسك معايا خط التنفيذ ويخفف الحمل ده" صمت والدها على الطرف الآخر لبرهة، كأنه يستشعر النبرة غير الطبيعية في صوت ابنته، وكأنه يتذكر ملامح مراد وصدمته أثناء زيارتهم الأخيرة للمنزل، فقال بنبرة تحمل بعض التردد والتساؤل: "بس يا ليلى يا بنتي، إنتي وياسر ماشاء الله كنتوا شغالين كويس وزي الفل لما زرناكم، وياسر مهندس شاطر ومش مقصر، تفتكري وجود مراد بالذات في الموقع دلوقتي مش ممكن يعمل حساسية أو يسبب مشاكل في الشغل بينكم؟" ضغطت ليلى على الهاتف بقوة، وجيشت كل قواها العقلانية لتدافع عن قرارها وتبعد عنه أي شبهة شخصية، فقالت بنبرة حاسمة وصارمة:"بالعكس يا بابا، إحنا هنا في مشروع استثماري ضخم ومش بنفكر بالحساسية، ياسر تفكيره مالي وبيركز في الميزانية على حساب الأصول الهندسية، ومروى رجعت من المقر الرئيسي وواقفة في صفه تماماً، أنا محتاجة مهندس من طرف شركتنا إحنا عشان يحمي مصالحنا ويضمن إن الشغل يمشي صح، ومراد هو الأنسب للمرحلة دي ومحدش يقدر يشكك في كفاءته"ظلت ليلى مقتربة منه، تنهل من حضنه السكينة التي فقدتها طوال أيام الكارثة، وكانت أنفاس ياسر تضرب وجهها ببطء، مختلطة برائحة المعقمات الطبية التي نفاذها لم يعد يزعجها، بل على العكس، أصبحت تلك الرائحة هي عنوان نجاته وبقائه. كانت يدها لا تزال ممسكة بطرف قميص المشفى الخاص به، وكأنها تخشى أن تفتح عينيها فتكتشف أن كل هذا كان حلماً جميلاً في ليلة كابوسية، بينما كان ياسر يستشعر في تلامسهما دفئاً خاصاً، دفئاً لم يعرف قيمته الحقيقية إلا حينما لامس الموت أعتاب حياته، ووجد نفسه وحيداً تحت ركام من الأسمنت والحديد الذي لم يكن ليأبه لشيء سوى كبريائه.مرت الدقائق في صمت مشوب بالخشوعقطعته فقط حركة الطبيب المناوب الذي دخل الغرفة ليطمئن على العلامات الحيوية، فتنحت ليلى جانباً ببطء، لكنها لم تترك يده السليمه، بل ظلت متمسكة بها بقوة، تراقب الطبيب وهو يفحص الجبس الذي يغلف ساقي ياسر وذراعه اليمنى. كان ياسر يبتسم ابتسامة واهنة للطبيب، بينما كانت نظراته تلاحق ليلى، تلمس وجهها الذي بدأ يستعيد بعضاً من لونه بعد أن انقشعت غيوم الخوف لاحظ الطبيب ذلك الترابط القوي بينهما، فابتسم بدوره وقبل قال بنبرة مشجعة "ا
بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل ببطء شديد من بين ثنايا الستائر الزرقاء السميكة لغرفة المشفى، لتضفي على الأركان البيضاء الباردة لمسة من الدفء الذي غاب عن هذا الثنائي لأسابيع طويلة، وسط هذا السكون المطبق الذي لم يكن يقطعه سوى النبضات الرتيبة والمنتظمة لِجهاز مراقبة العلامات الحيوية، بدأ ياسر يستعيد وعيه تدريجياً، تحركت جفونه ببطء وثقل شديد، وشعر بآلام مبرحة تنهش كل إنش في جسده المتصلب، وكأن أطناناً من الأسمنت لا تزال تجثم فوق أطرافه المقيدة بالجبس الأبيض السميك، فتح ياسر عينيه أخيراً، محاولاً التغلب على غشاوة البنج التي كانت تشوش رؤيته، والتفت برأسه المجهد نحو الجانب الأيسر ليتفحص المكان من حوله.وفي تلك اللحظة بالذات، انقبض قلبه بشدة وتوقفت أنفاسه لثوانٍ وهو يرى ليلى بجانبه، كانت تجلس على مقعد خشبي منخفض، وقد أسندت رأسها المتعب على حافة الفراش الطبي بالقرب من يده السليمة، كانت مغمضة عيناها في نوم عميق أملته عليها ساعات الخوف والإنهاك الطويلة، ولكن الشحوب الشديد كان يظهر على وجهها بوضوح كاشف، وهالات التعب السوداء التي تحيط بعينيها كانت تحكي دون كلمات حجم الرعب والوجع الذي عاشته في الساعا
مرّت الساعات تحت الركام وكأنها دهور جافة استنزفت كل قطرة أمل في قلوب الحاضرين، لان كل دقيقه كانت بمثابه خنجر حاد يطعن ليلي آلاف المرات فكانت ليلى تجثو على ركبتيها وسط الغبار والحديد الملتوي، لا تشعر بألم ساقيها ولا بخشونة الأرض التي كانت تغرز نفسها في جلدها، وكأن جسدها كله فقد الإحساس إلا من ذلك القلب المرتجف داخل صدرها.أو كأنها تعاقب نفسها بأن تتألم مثله كانت تتنفس الأتربة دون وعي وهي تراقب رجال الإنقاذ الذين يعملون بلا توقف، يرفعون الكتل الخرسانية الثقيلة بحذر شديد خشية حدوث انهيارٍ جديد، فيما كانت أصوات المعدات تختلط بصيحات العمال وصفارات سيارات الإسعاف المتوقفة حول الموقع. وهي وحيده وحيده جدا وخائفه بشكل لا تعرف كيف توصيفه كل ما تريده الان هو ياسر..ياسر وفقط لم تعد ليلى تعرف كم من الوقت مرّ منذ وقوع الحادث، دقائق أم ساعات أم عمرٌ كامل. كل ما كانت تعرفه أنها لم تغادر مكانها لحظة واحدة، وأن عينيها ظلتا معلقتين بتلك الفجوة المظلمة التي ابتلعت ياسر أمامها. كانت تتشبث بأمل ضئيل، هش كخيط عنكبوت، لكنها رفضت التخلي عنه مهما بدا مستحيلاً.وفجأة، تعالت صيحات العمال العالية، وتبعته
بدأت المرحلة الثانية من هذه الحرب الصامتة تحت وطأة قرار انتحاري اتخذه ياسر بكامل إرادته وكبريائه الجريح، فبعد مغادرة ليلى العاصفة للموقع في اليوم السابق، لم يعد يرى أمامه سوى هدف واحد: إثبات أنه السيد المطاع في أرض العمل، وأن كلمته لا يمكن أن تكسرها امرأة استعانت بخصمه القديم لتذله، وفي صباح اليوم التالي، اتخذ ياسر خطوته الأكثر جرأة وعناداً، وبدأ في تنفيذ الصب دون رجوع لأحد، متجاهلاً تماماً المخططات المعدلة لليلى، ومضرباً بعرض الحائط كل تقارير السلامة المهنية التي تركها مراد على مكتبه، جمع المعلم صابر والعمال في ساعة مبكرة جداً من الفجر، وقبل قال بصوت قاطع لا يقبل النقاش وعيناه تشعان بنيران التحدي الأعمى "يا رجالة، مفيش تعطيل للصب النهارده، الخرسانة هتنزل في المسار الشرقي فوراً، وأي حد يسألكم من الإدارة قولوا الباشمهندس ياسر هو اللي أمر وهو اللي واقف بيشرف بنفسه" حاول المعلم صابر أن يبدي بعض التردد، ونظر إلى التشققات الخفيفة في التربة الجانبية وقبل قال بنبرة قلقة "بس يا باشمهندس، المدام ليلى والباشمهندس مراد قالوا إن التربة هنا محتاجة تدعيم بالخوازيق الأول قبل الصب عشان متتحر
نظر إليها ياسر طويلًا، ورأى في عينيها مزيجاً غريباً من التحدي والخوف الخفي عليه وعلى اسم عائلتهما، لكن كبرياءه الجريح وصفعة الأمس ومظهر مراد في مكتبها صباحاً منعه من التراجع، وحرك رأسه ببرود مستسلم وقبل قال بنبرة خفيضة وجافة كالرماد "إنتي اللي اخترتي الحرب دي من الأول يا ليلى، وإنتي اللي جبتي مراد هنا عشان يكسرني، ودلوقتي لما الموضوع كبر ووصل للأهل وجاي يخرب كل حاجة، جاية تشتكي؟ أنا مش هراجع قراري، والحفر هيستمر في المكان اللي أنا عاوزه، وخلي مراد بتاعك يوريني هيعمل إيه"التفت ياسر وغادر المكان بخطوات سريعة متجهاً نحو مكتبه، وتبعتْه مروى بابتسامة انتصار خبيثة تركت ليلى واقفة بمفردها وسط الأتربة وصوت الحفارات التي بدأت بالعمل بناءً على أوامر ياسر الصارمة، نظرت ليلى إلى الأرض، وتشجعت بداخلها رغبة قوية في الانسحاب، لكن كبرياءها الأنثوي والمهني كان يمنعها، التفتت لتجد مراد يقف بجانبها ويبتسم بنبرة غريبة وقبل قال "متزعليش يا ليلى، هو اللي بيخسر نفسه وشغله بعناده ده، وإحنا الكسبانين في النهاية" وهنا نظرت إليه ليلى بنفور تام، وتأكدت أن مراد بات عبئاً ثقيلاً على قلبها، وأن معركة إثبات الذا
استيقظت ليلى في الصباح التالي وثقل العالم كله يجثم فوق صدرها، كانت ساعات الليل الماضية عبارة عن كابوس ممتد من الأفكار المتضاربة، وصوت والدها الصارم في الهاتف وهو يعاتب ويجادل والد ياسر لا يزال يرن في أذنيها كجرس إنذار مخيف، نظرت إلى المرآة لتجد وجهها شاحبًا، لكن عينيها كانتا تشعان بذات البريق الحاد الذي يرفض الاستسلام، تحركت في أرجاء الشقة بهدوء مريب، متجنبة تمامًا المرور من أمام غرفة ياسر، حتى لا تلمح طيفه أو تضطر لمواجهة تلك النظرات المكسورة والمحملة بالعتاب والغيرة التي باتت تؤرق مضجعها، غادرت المنزل وحدها قبل موعد العمل بنصف ساعة كاملة، باحثة عن مساحة من الفراغ لتستجمع شتات نفسها قبل أن تبدأ جولة جديدة من الحرب التي طالت الأخضر واليابس في حياتهما الزوجية والمهنية. عندما وصلت إلى موقع المشروع، كانت الأجواء ضبابية، تملأها رائحة الأتربة ومحركات الشاحنات الضخمة التي بدأت بالدوران، توجهت مباشرة إلى مكتبها المؤقت، لكنها لم تكد تضع حقيبتها حتى دخل مراد دون أن يطرق الباب بثبات، وكان يحمل في يده كوبين من القهوة، وارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة تحمل من الود ما يتخطى الزمالة المهنية بكثير
كأن جسدها اختار قبل عقلها، وفي نفس اللحظة تحرك هو، فتح عينيه ببطء، ولأول ثانية لم يفهم، ثم رآها، قريبة، في حضنه، كما كانت، لكن هذه المرة كلاهما مستيقظ، تجمّد، عيناه التقتا بعينيها، صمت، طويل، ثقل اللحظة كان واضحًا، لا أحد يتكلم، ولا أحد يتحرك، فقط ينظران، ثم لاحظ أنها لم تبتعد، لم تحاول حتى، بل كا
صوت التلفاز ما زال خافتًا، يتردد في أرجاء الغرفة كهمس بعيد، لا يُزعج ولا يُلفت، مجرد حضور ضعيف يملأ الفراغ. الضوء الأزرق المنعكس منه كان يرسم ظلالًا هادئة على الجدران، وعلى ملامحهم… دون أن يقصد. — تحرّك ياسر قليلًا. استيقظ. — لم يكن استيقاظًا كاملًا، بل ذلك الشعور الغامض الذي يجعلك تفتح
ما يعود رغمًا عنّا لم يستمر ياسر في العمل. لم يستطع. — بعد أن أنهى كلماته مع أحمد، وبعد أن استدار ليعود لما كان يفعله… توقّف. خطوة واحدة فقط. ثم أخرى. لكن شيئًا داخله… لم يتحرك معه. — كان يجب أن يعود. أن يكمل. أن يتجاهل. كما يفعل دائمًا. — لكنه لم يفعل. — الصورة لم تتركه. يد أحمد
“ليه عمل كده…؟” سؤال مرّ في عقلها. لكنها لم تسأله، لا تعلم اهو خجل أم فقط لأنها… خافت من الإجابة. أما هو… فلم يكن يفكر فيها. كان يفكر في شيء آخر تمامًا. يد أحمد، قربه منها، ركوعه أسفل رجلاها الان ومحاولته لاهداء وجعها “إزاي يلمسها…؟” سؤال اشتعل داخله. بحدة فكر داخله وهو يشعر بالن







