Share

part 24

last update Tanggal publikasi: 2026-06-16 05:37:44

تمددت الساعات التالية كأنها دهر من الجليد، وجاء وقت العشاء الفعلي ليجد الكيانين المتناحرين مجبرين على الجلوس إلى نفس الطاولة الخشبية الصغيرة في غرفة المعيشة، وضع الصحن الصغير بينهما، وكان البخار المتصاعد من الطعام هو الشيء الوحيد الذي يتحرك بحيوية في الغرفة،

جلس ياسر على حافة المقعد، متصلب الظهر، يمسك بملعقته بحركات بطيئة ورتيبة كأنه يؤدي واجبًا عسكريًا ثقيلًا، وبالمقابل جلست ليلى، واضعة رأسها بشموخ مصطنع، تنظر إلى طبقها بجمود تام، دون أن ترفع عينيها لتلتقي بعينيه، كان مشهد أكل في صمت قاتل،

صمت لم يكسره سوى الرنين الطفيف للملاعق وهي تصطدم بالصيني، وكأن هذا الصوت هو لغة العتاب الوحيدة المسموح بها في هذا الحيز المخنوق، لم يطلب أحدهما من الآخر شيئًا، ولم تمر الكلمات المعتادة مثل "ناولني الملح" أو "تسلم إيدك"، بل كان كل منهما يبتلع طعامه بغصة مريرة في حلقه، كأنما يبتلعان جمر الغضب المكتوم الذي يتأجج في صدريهما.

بعد الانتهاء من هذا الطعام الثقيل

الذي لم يمنحهما أي طاقة سوى طاقة النفور، تحرك ياسر بآلية وجلس على الأريكة الطويلة، ممسكًا بجهاز التحكم عن بعد، وأشعل شاشة التلفاز الكبيرة ليملأ الفراغ الصوتي بالضجيج، بينما تحركت ليلى بهدوء مصطنع وجمعت الأطباق،

ثم عادت لتجلس على الطرف الأقصى للأريكة نفسها، تاركة بينهما مسافة فارغة تكفي لجلوس شخصين آخرين، واستمرت مشاهدة التلفاز في صمت تام، كانت الشاشة تعرض صورًا متحركة وأصواتًا متداخلة، لكن عقولهما لم تكن تتابع ما يُعرض على الإطلاق،

كانت عيناهما مثبتتين على الشاشة، لكن أرواحهما كانت هائمة في زوايا الغرفة، تتصارع وتتبادل الاتهامات الصامتة، كان كل مشهد يمر على الشاشة يذكرهما بكمية الزيف الذي يعيشان فيه الآن، وكمية الجفاء التي احتلت مكان الدفء القصير الذي لم يدم سوى لأيام معدودة.

وفجأة، وبدون مقدمات منطقية، تحول هذا السكون المتفجر إلى معركة حامية الوطيس بسبب تفصيلة تافهة لا تستحق الذكر،

أراد ياسر أن يغير القناة لمتابعة برنامج وثائقي تحليلي عن الصراعات السياسية التاريخية، بينما كانت ليلى تود أن تتابع برنامجًا حواريًا هادئًا يناقش القضايا الاجتماعية والنفسية، وبمجرد أن ضغط ياسر على الزر ليتنقل بين القنوات،

تحركت يد ليلى بسرعة وخطفت جهاز التحكم من على الطاولة الخشبية الصغيرة قبل أن يضع يده عليه ثانية، لتبدأ خناقة مفاجأة على نوع البرنامج الذي يودوا يشاهدوه، خناقة لم تكن في حقيقتها دفاعًا عن مادة معروضة، بل كانت تفريغًا لبركان الغضب والسيطرة المكبوت بالداخل،

وقبل قال وعقد حاجبيه بحدة وعصبية مفرطة "هاتي الريموت ده لو سمحتي، أنا مش طايق أسمع كلام رغاي في البرامج اللي إنتي بتتفرجي عليها دي، ومحتاج أشوف حاجة تفصلني عن قرف اليوم كله"

رفعت ليلى الريموت عاليًا بيدك المتوترة، ونظرت إليه بتحدٍّ صارخ وعيناها تشتعلان بقهر وغضب لم تَعُد قادرة على لجمه وقالت

"مش هيديك الريموت يا ياسر، وإنت مش لوحدك عايش في البيت ده عشان تتحكم في التلفزيون وفي الشغل وفي كل حاجة بمزاجك! أنا بقالي ساعة قاعدة ساكتة ومستحملة قرفك، ومن حقي أشوف البرنامج اللي يريحني، وإذا كان الشغل قرفك، فأنا القرف اللي عشته

بسبك وبسبب غبائك إمبارح والنهارده ميتوصفش!"

وقف ياسر مندفعًا من على الأريكة، وطالت قامته فوقها بنظرة تهديد ممتلئة بالغيظ، وصاح بصوت رجّ جدران الصالة وقبل قال

"إنتي إزاي بقيتي بالأسلوب المستفز ده؟ كل حاجة عندك بقت خناق وعناد وعايزة تمشي كلامك وبس؟ الظاهر إن قعدتك مع مراد الصبح في الموقع لسه مأثرة عليكي وجاية تطلعي العقد دي عليا هنا في بيتي!"

نهضت ليلى في مواجهته فورًا، ولم تتراجع خطوة واحدة، بل رمت جهاز التحكم بعنف على الأرض لينفصل غطاؤه البلاستيكي وتتناثر بطارياته في كل مكان، وصرخت بأعلى صوتها والدموع تنحدر بغزارة على وجنتيها وقالت

"إنت إنسان مريض بالشك والسيطرة! مراد ملوش دعوة باللي إحنا فيه، إنت اللي دمرت كل حاجة ببرودك وبوجود مروى اللي سايبها تسند عليك قدام الناس! أنا مش هقبل تعاملني بالطريقة دي، وإنت أثبتلي النهارده إنك شخص أناني ومبتشوفش غير نفسك وبس!"

في تلك اللحظة بالذات، وأثناء تبادلهما الصراخ والنظرات المشتعلة بالاحتقار والألم، ساد صمت مفاجئ وقاطع كأن الكلمات نفدت من جعبتيهما، ونظرا إلى بعضهما بتمعن شديد وسط لثات الأنفاس المتلاحقة، وفي هذه الثواني الرهيبة، التمعت الحقيقة العارية أمام أعينهما، ورأوا نفسهم مختلفين تمامًا في كل شيء؛ في الطباع، في طريقة التفكير، في إدارة الأزمات، وفي كيفية التعامل مع المشاعر، وبدأ التساؤل الحارق ينهش عقل كل منهما

في نفس اللحظة: هل كان قربهم من البداية صواب وهناك أمل في بنائه؟ أم أنه مجرد انجذاب قسري فرضه وجودهما في نفس المكان والظروف المشتركة؟ شعر كلاهما بخيبة أمل قاتلة، وبأن الجسر الرفيع الذي توهما أنهما بنياه في الأيام الماضية لم يكن سوى خيط من دخان تذروه الرياح عند أول عاصفة حقيقية.

لم ينطق أي منهما بحرف آخر بعد هذا الإدراك المرعب، وابتعد ياسر بنظره عنها بملامح يكسوها برود مستسلم وخيبة أمل لا قاع لها، ويترك كل منهما مكانه في صمت قاتل، واستدار ياسر بجسده المتعب وتحرك بخطوات ثقيلة ومتهالكة ملقيًا بجسده إلى غرفته وأغلق الباب خلفه بهدوء شديد، وفي نفس اللحظة، تحركت ليلى بكرامة مجروحة وجسد يرتجف من فرط البكاء المكتوم

، ويصدر كل واحد منهم إلى غرفته الخاصة، لتغلق بابها بقوة وتستند عليه وهي تنحدر ببطء حتى جلست على الأرض، واضعة رأسها بين ركبتيها لتبكي بحرقة وقهر لم تذق مثلهما من قبل.

استلقت ليلى على سريرها البارد، وعيناها مثبتتان على السقف في عتمة الغرفة، وكان عقلها يدور في فلك ياسر ولا يكف عن التفكير فيه، كانت تتذكر كيف كان لطيفًا ودافيًا معها في الأيام الماضية، وكيف شعرت بالأمان الحقيقي في حضنه، وتساءلت بمرارة: هل يعقل أن يكون هذا الرجل القاسي والشكاك هو نفسه الشخص الذي جعل قلبي ينبض؟ أم أنني خدعت نفسي وتوهمت وجود مشاعر لا أساس لها من الصحة؟ كانت تشعر بالندم

لأنها جلبت مراد إلى الموقع، ليس لأنها أخطأت، بل لأنها رأت الانكسار في عيني ياسر وعلمت أنها جرحته في مقتل، ورغم غضبها العارم منه، إلا أن جزءًا خفيًا في أعماق قلبها كان يتمنى لو أنه فتح بابه الآن وجاء ليعتذر لها ويحتويها بعيدًا عن كبريائهما المدمر.

وفي الغرفة المجاورة، كان ياسر يعيش ذات الجحيم، مستلقيًا على ظهره، يضع ذراعه فوق عينيه ليحجب الظلام،

وكل تفكيره كان منصبًا على ليلى، كان يستمع إلى صوت شهقاتها الخفيفة التي تخترق الجدار الفاصل بينهما، وكان قلبه يعتصر ندمًا وألمًا، كان يفكر في أنها قد تكون صادقة، وأن مراد جاء فجأة وهي دافعت عن بيتهما،

لكن غيرته العمياء وكبرياءه كرجل منعه من تصديقها في البداية، والآن بعد أن جلبَتْ مراد إلى الموقع، شعر أن خط العودة قد انقطع تمامًا، كان يفكر في صمودها وعنادها الشرس الذي يشبه طفولتها، وعرف أنه أحب

هذه الروح القوية فيها، لكن هذه الروح نفسها هي التي تدمر حاضرهم الآن، وتمنى في سِره لو أن لديه الشجاعة ليتخلى عن كبريائه ويذهب إليها ليمسح دموعها، لكن جدار الشك والتحدي المهني الذي بني بينهما أصبح أعلى من أن يمر فوقه أحد، ليقضي الزوجان ليلتهما في غرفتين متباعدتين، ينهشهما الشوق والحرب والندم الصامت.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • عاشقان المدينه    part 31

    ظلت ليلى مقتربة منه، تنهل من حضنه السكينة التي فقدتها طوال أيام الكارثة، وكانت أنفاس ياسر تضرب وجهها ببطء، مختلطة برائحة المعقمات الطبية التي نفاذها لم يعد يزعجها، بل على العكس، أصبحت تلك الرائحة هي عنوان نجاته وبقائه. كانت يدها لا تزال ممسكة بطرف قميص المشفى الخاص به، وكأنها تخشى أن تفتح عينيها فتكتشف أن كل هذا كان حلماً جميلاً في ليلة كابوسية، بينما كان ياسر يستشعر في تلامسهما دفئاً خاصاً، دفئاً لم يعرف قيمته الحقيقية إلا حينما لامس الموت أعتاب حياته، ووجد نفسه وحيداً تحت ركام من الأسمنت والحديد الذي لم يكن ليأبه لشيء سوى كبريائه.مرت الدقائق في صمت مشوب بالخشوعقطعته فقط حركة الطبيب المناوب الذي دخل الغرفة ليطمئن على العلامات الحيوية، فتنحت ليلى جانباً ببطء، لكنها لم تترك يده السليمه، بل ظلت متمسكة بها بقوة، تراقب الطبيب وهو يفحص الجبس الذي يغلف ساقي ياسر وذراعه اليمنى. كان ياسر يبتسم ابتسامة واهنة للطبيب، بينما كانت نظراته تلاحق ليلى، تلمس وجهها الذي بدأ يستعيد بعضاً من لونه بعد أن انقشعت غيوم الخوف لاحظ الطبيب ذلك الترابط القوي بينهما، فابتسم بدوره وقبل قال بنبرة مشجعة "ا

  • عاشقان المدينه    part 30

    بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل ببطء شديد من بين ثنايا الستائر الزرقاء السميكة لغرفة المشفى، لتضفي على الأركان البيضاء الباردة لمسة من الدفء الذي غاب عن هذا الثنائي لأسابيع طويلة، وسط هذا السكون المطبق الذي لم يكن يقطعه سوى النبضات الرتيبة والمنتظمة لِجهاز مراقبة العلامات الحيوية، بدأ ياسر يستعيد وعيه تدريجياً، تحركت جفونه ببطء وثقل شديد، وشعر بآلام مبرحة تنهش كل إنش في جسده المتصلب، وكأن أطناناً من الأسمنت لا تزال تجثم فوق أطرافه المقيدة بالجبس الأبيض السميك، فتح ياسر عينيه أخيراً، محاولاً التغلب على غشاوة البنج التي كانت تشوش رؤيته، والتفت برأسه المجهد نحو الجانب الأيسر ليتفحص المكان من حوله.وفي تلك اللحظة بالذات، انقبض قلبه بشدة وتوقفت أنفاسه لثوانٍ وهو يرى ليلى بجانبه، كانت تجلس على مقعد خشبي منخفض، وقد أسندت رأسها المتعب على حافة الفراش الطبي بالقرب من يده السليمة، كانت مغمضة عيناها في نوم عميق أملته عليها ساعات الخوف والإنهاك الطويلة، ولكن الشحوب الشديد كان يظهر على وجهها بوضوح كاشف، وهالات التعب السوداء التي تحيط بعينيها كانت تحكي دون كلمات حجم الرعب والوجع الذي عاشته في الساعا

  • عاشقان المدينه    part 29

    مرّت الساعات تحت الركام وكأنها دهور جافة استنزفت كل قطرة أمل في قلوب الحاضرين، لان كل دقيقه كانت بمثابه خنجر حاد يطعن ليلي آلاف المرات فكانت ليلى تجثو على ركبتيها وسط الغبار والحديد الملتوي، لا تشعر بألم ساقيها ولا بخشونة الأرض التي كانت تغرز نفسها في جلدها، وكأن جسدها كله فقد الإحساس إلا من ذلك القلب المرتجف داخل صدرها.أو كأنها تعاقب نفسها بأن تتألم مثله كانت تتنفس الأتربة دون وعي وهي تراقب رجال الإنقاذ الذين يعملون بلا توقف، يرفعون الكتل الخرسانية الثقيلة بحذر شديد خشية حدوث انهيارٍ جديد، فيما كانت أصوات المعدات تختلط بصيحات العمال وصفارات سيارات الإسعاف المتوقفة حول الموقع. وهي وحيده وحيده جدا وخائفه بشكل لا تعرف كيف توصيفه كل ما تريده الان هو ياسر..ياسر وفقط لم تعد ليلى تعرف كم من الوقت مرّ منذ وقوع الحادث، دقائق أم ساعات أم عمرٌ كامل. كل ما كانت تعرفه أنها لم تغادر مكانها لحظة واحدة، وأن عينيها ظلتا معلقتين بتلك الفجوة المظلمة التي ابتلعت ياسر أمامها. كانت تتشبث بأمل ضئيل، هش كخيط عنكبوت، لكنها رفضت التخلي عنه مهما بدا مستحيلاً.وفجأة، تعالت صيحات العمال العالية، وتبعته

  • عاشقان المدينه    part 28

    بدأت المرحلة الثانية من هذه الحرب الصامتة تحت وطأة قرار انتحاري اتخذه ياسر بكامل إرادته وكبريائه الجريح، فبعد مغادرة ليلى العاصفة للموقع في اليوم السابق، لم يعد يرى أمامه سوى هدف واحد: إثبات أنه السيد المطاع في أرض العمل، وأن كلمته لا يمكن أن تكسرها امرأة استعانت بخصمه القديم لتذله، وفي صباح اليوم التالي، اتخذ ياسر خطوته الأكثر جرأة وعناداً، وبدأ في تنفيذ الصب دون رجوع لأحد، متجاهلاً تماماً المخططات المعدلة لليلى، ومضرباً بعرض الحائط كل تقارير السلامة المهنية التي تركها مراد على مكتبه، جمع المعلم صابر والعمال في ساعة مبكرة جداً من الفجر، وقبل قال بصوت قاطع لا يقبل النقاش وعيناه تشعان بنيران التحدي الأعمى "يا رجالة، مفيش تعطيل للصب النهارده، الخرسانة هتنزل في المسار الشرقي فوراً، وأي حد يسألكم من الإدارة قولوا الباشمهندس ياسر هو اللي أمر وهو اللي واقف بيشرف بنفسه" حاول المعلم صابر أن يبدي بعض التردد، ونظر إلى التشققات الخفيفة في التربة الجانبية وقبل قال بنبرة قلقة "بس يا باشمهندس، المدام ليلى والباشمهندس مراد قالوا إن التربة هنا محتاجة تدعيم بالخوازيق الأول قبل الصب عشان متتحر

  • عاشقان المدينه    part 27

    نظر إليها ياسر طويلًا، ورأى في عينيها مزيجاً غريباً من التحدي والخوف الخفي عليه وعلى اسم عائلتهما، لكن كبرياءه الجريح وصفعة الأمس ومظهر مراد في مكتبها صباحاً منعه من التراجع، وحرك رأسه ببرود مستسلم وقبل قال بنبرة خفيضة وجافة كالرماد "إنتي اللي اخترتي الحرب دي من الأول يا ليلى، وإنتي اللي جبتي مراد هنا عشان يكسرني، ودلوقتي لما الموضوع كبر ووصل للأهل وجاي يخرب كل حاجة، جاية تشتكي؟ أنا مش هراجع قراري، والحفر هيستمر في المكان اللي أنا عاوزه، وخلي مراد بتاعك يوريني هيعمل إيه"التفت ياسر وغادر المكان بخطوات سريعة متجهاً نحو مكتبه، وتبعتْه مروى بابتسامة انتصار خبيثة تركت ليلى واقفة بمفردها وسط الأتربة وصوت الحفارات التي بدأت بالعمل بناءً على أوامر ياسر الصارمة، نظرت ليلى إلى الأرض، وتشجعت بداخلها رغبة قوية في الانسحاب، لكن كبرياءها الأنثوي والمهني كان يمنعها، التفتت لتجد مراد يقف بجانبها ويبتسم بنبرة غريبة وقبل قال "متزعليش يا ليلى، هو اللي بيخسر نفسه وشغله بعناده ده، وإحنا الكسبانين في النهاية" وهنا نظرت إليه ليلى بنفور تام، وتأكدت أن مراد بات عبئاً ثقيلاً على قلبها، وأن معركة إثبات الذا

  • عاشقان المدينه    part 26

    استيقظت ليلى في الصباح التالي وثقل العالم كله يجثم فوق صدرها، كانت ساعات الليل الماضية عبارة عن كابوس ممتد من الأفكار المتضاربة، وصوت والدها الصارم في الهاتف وهو يعاتب ويجادل والد ياسر لا يزال يرن في أذنيها كجرس إنذار مخيف، نظرت إلى المرآة لتجد وجهها شاحبًا، لكن عينيها كانتا تشعان بذات البريق الحاد الذي يرفض الاستسلام، تحركت في أرجاء الشقة بهدوء مريب، متجنبة تمامًا المرور من أمام غرفة ياسر، حتى لا تلمح طيفه أو تضطر لمواجهة تلك النظرات المكسورة والمحملة بالعتاب والغيرة التي باتت تؤرق مضجعها، غادرت المنزل وحدها قبل موعد العمل بنصف ساعة كاملة، باحثة عن مساحة من الفراغ لتستجمع شتات نفسها قبل أن تبدأ جولة جديدة من الحرب التي طالت الأخضر واليابس في حياتهما الزوجية والمهنية. عندما وصلت إلى موقع المشروع، كانت الأجواء ضبابية، تملأها رائحة الأتربة ومحركات الشاحنات الضخمة التي بدأت بالدوران، توجهت مباشرة إلى مكتبها المؤقت، لكنها لم تكد تضع حقيبتها حتى دخل مراد دون أن يطرق الباب بثبات، وكان يحمل في يده كوبين من القهوة، وارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة تحمل من الود ما يتخطى الزمالة المهنية بكثير

  • عاشقان المدينه    part 16

    وقالت بصوت منخفض، مشوب بنبرة بكاء خفي: "انا اسفه يا ياسر، اسفه اني عمري ما حاولت افهمك، ولا الحظ انت جواك اي، اخدت اللي من بره بس وهو كرهك ليا، وكلام ماما اني لازم تبقا احسن كان مخلياني ديما خاصه لرقم واحد ومش لسه وراياؤ انا اسفه " ابتسم ابتسامة خفيفة، ابتسامة غلبتها العذوبة هذه المرة، واراد إلا

  • عاشقان المدينه    part 15

    ابتسم ياسر ابتسامة خفيفة، لكنها لم تحمل سخرية، بل شيئًا أقرب إلى الاعتراف، ثم قال بهدوء إن الأمر لم يكن مختلفًا عنده، بل ربما كان أسوأ، لأنه كان يسمع دائمًا أنها تتفوق، انها تسبق، أنها تستحق أكثر، وأن عليه أن يبذل جهدًا أكبر فقط ليصل إلى نفس المكان الذي تصل إليه هي بسهولة. نظرت إليه بدهشة خفيفة

  • عاشقان المدينه    part 14

    كان اليوم مختلفًا… ليس لأن شيئًا كبيرًا قد حدث، بل لأن لا شيء حدث. لأول مرة منذ وصولهما إلى ذلك المكان، لم يخرج أي منهما إلى العمل، لم يكن هناك عمال، ولا أصوات معدات، ولا انشغال يسرق الوقت ويمنعهما من التفكير. فقط البيت… والصمت. كانت ليلى تجلس في غرفة المعيشة، أمامها كوب لم تعد تعرف متى

  • عاشقان المدينه    part 13

    كأن جسدها اختار قبل عقلها، وفي نفس اللحظة تحرك هو، فتح عينيه ببطء، ولأول ثانية لم يفهم، ثم رآها، قريبة، في حضنه، كما كانت، لكن هذه المرة كلاهما مستيقظ، تجمّد، عيناه التقتا بعينيها، صمت، طويل، ثقل اللحظة كان واضحًا، لا أحد يتكلم، ولا أحد يتحرك، فقط ينظران، ثم لاحظ أنها لم تبتعد، لم تحاول حتى، بل كا

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status