LOGINالفصل التاسع عشر.
مرَّ بقية النهار بهدوء غير معتاد. منذ أن خرجت آريا من المكتبة، كانت نيكس ترافقها في جولة داخل أنحاء القصر، تعرفها على الممرات الطويلة، والحدائق الداخلية، والغرف القديمة التي لم تطأها قدم بشرية منذ سنوات. كانت آريا تنظر إلى كل شيء بفضول واضح. "هذا القصر أكبر مما تخيلت..." قالتها وهي ترفع رأسها نحو السقف المرتفع المزخرف. ابتسمت نيكس. "ولم تري سوى جزء صغير منه." واصلتا السير حتى وصلتا إلى قاعة واسعة تتوسطها نوافذ زجاجية طويلة، وفي منتصفها استقر بيانو أسود لامع، بدا وكأنه قطعة من الليل نفسه. توقفت آريا أمامه. اقتربت بخطوات بطيئة، ثم مررت أطراف أصابعها فوق سطحه دون أن تلمسه. "إنه جميل..." قالت نيكس وهي تلاحظ نظراتها: "السيد لوسيان يعزف عليه أحيانًا." التفتت آريا إليها بدهشة. "هو... يعزف؟" أومأت نيكس. "وعندما يفعل، لا يسمح لأحد بإزعاجه." ابتسمت آريا بخفة. لسبب لا تعرفه، لم تستطع تخيل ذلك الرجل البارد جالسًا أمام بيانو. كان الأمر يبدو... غريبًا. بعد ذلك، أخذتها نيكس إلى المطبخ. كان واسعًا ونظيفًا، مليئًا بالأواني النحاسية والتوابل التي فاحت رائحتها في المكان. نظرت آريا حولها بإعجاب، ثم قالت فجأة: "هل... أستطيع أن أطبخ اليوم؟" رفعت نيكس حاجبيها. "أنتِ؟" ضحكت آريا. "أبي كان يعمل طوال اليوم، لذلك كنت أطبخ كثيرًا." ابتسمت نيكس وهي تفسح لها المجال. "إذن... أريني مهارتك." وبدأت آريا العمل. كانت تتحرك بخفة وثقة، تقطع الخضار، وتخلط التوابل، بينما امتلأ المطبخ تدريجيًا بروائح دافئة ولذيذة. مرت ساعة تقريبًا... وفجأة توقفت نيكس عن ترتيب الأطباق، ثم أخذت تستنشق الهواء بدهشة. "يا إلهي..." التفتت إليها آريا. "هل حدث شيء؟" ابتسمت نيكس ابتسامة واسعة. "بهذه الرائحة... قد يحبك السيد فعلًا." اتسعت عينا آريا، واحمر وجهها في لحظة. "ماذا؟!" وضعت نيكس يدها على فمها بسرعة وهي تضحك. "لا، لا! لم أقصد أنه سيحبك أنتِ!" ازداد احمرار وجه آريا. أما نيكس فأكملت وهي تحاول التوقف عن الضحك: "كنت أقصد أنه سيحب الطعام!" تنهدت آريا براحة وهي تتمتم: "كدتِ توقفين قلبي..." ... حل المساء. جلس لوسيان في قاعة الطعام كعادته، بينما كان ريفِن يقف على هيئة غراب فوق ظهر الكرسي. وفجأة... رفع ريفِن رأسه. "هل تشم هذه الرائحة؟" أخذ لوسيان نفسًا هادئًا. كانت رائحة مختلفة تمامًا عما اعتاد عليه القصر. رائحة دافئة... تشبه المنازل. تحول ريفِن فورًا إلى هيئته البشرية وهو يبتسم بحماس. "مهما كان الذي طُبخ اليوم... سأكله حتى لو انتهى بي الأمر ميتًا بعدها." نظر إليه لوسيان بطرف عينه. "لن تموت بسبب حساء." ضحك ريفِن. "لا أحد يعلم!" دخلت نيكس وهي تحمل الأطباق، فامتلأت الطاولة بالألوان والروائح الشهية. سألها لوسيان بهدوء: "من أعد هذا الطعام؟" ابتسمت نيكس. "آريا." وقبل أن يعلق... فُتح باب القاعة. دخلت آريا بخطوات هادئة. كانت ترتدي فستانًا أزرق داكنًا، انسدل حتى كاحليها، بينما تركت شعرها البني الطويل ينساب فوق كتفيها. انعكس ضوء الشموع على بشرتها البيضاء، فأعطاها مظهرًا هادئًا ورقيقًا. رفع لوسيان رأسه... وتوقف. لثوانٍ، لم يسمع شيئًا حوله. حتى ريفِن ابتسم بخبث وهو يراقب تعبير وجهه. أما آريا، فلاحظت نظراته، فخفضت عينيها بخجل وجلست في مكانها. بدأ العشاء وسط أحاديث خفيفة بين نيكس وريفِن، بينما كان لوسيان يكتفي بالمراقبة. بعد أن تذوق أول لقمة، رفع نظره إلى آريا. "الطعام... ممتاز." ابتسمت آريا بخجل. "شكرًا." ولسبب لم تستطع تفسيره... كانت تلك الكلمة البسيطة أهم من أي مديح سمعته في حياتها. ... في ساعة متأخرة من الليل، استيقظت آريا على صوت نغمات هادئة تتسلل عبر أروقة القصر. جلست على سريرها تستمع. كان اللحن حزينًا... لكنه جميل بصورة يصعب وصفها. خرجت من غرفتها بهدوء، تتبع الصوت حتى وصلت إلى باب القاعة التي رأت فيها البيانو صباحًا. دفعت الباب برفق. كان لوسيان يجلس وحده أمام البيانو. عيناه مغمضتان، وأصابعه تتحرك فوق المفاتيح بانسياب جعل الموسيقى تبدو وكأنها تتنفس. لم ترد مقاطعته. فاكتفت بالوقوف عند الباب تستمع. بعد دقائق... توقفت الموسيقى. ساد الصمت. قال لوسيان دون أن يلتفت: "يمكنك الدخول." اتسعت عينا آريا. "كيف عرفت أنني هنا؟" ابتسم ابتسامة خفيفة. "سمعت خطواتك." دخلت بخجل، ثم وقفت بجانب البيانو. "كان... عزفك جميلًا جدًا." رفع نظره إليها. كانت تنظر إليه بصدق، دون خوف هذه المرة. ترددت قليلًا، ثم قالت بصوت خافت: "هل... يمكن أن تعلمني العزف يومًا ما؟" نظر إليها لثوانٍ. ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة بالكاد ظهرت. وقال: "إذا استطعتِ الصبر على معلم... سيئ المزاج." رمشت آريا بدهشة. ثم ضحكت ضحكة صغيرة وعفوية. ولأول مرة... لم يكن الصمت الذي ملأ القاعة مخيفًا. بل كان بدايةً لشيء جديد بينهما، لم يفهمه أيٌّ منهما بعد.الفصل الثلاثين. ساد الصمت في غرفة آريا. كانت مستلقية على السرير، وجهها هادئ رغم أنها فقدت وعيها من شدة التعب والخوف. كانت نيكس تقف بجانبها، تراقب تنفسها بعناية، بينما كان لوسيان واقفًا قرب النافذة. لم يتحرك منذ أن دخل القصر. لم يجلس. لم يسأل عن نفسه. كل تركيزه كان عليها. قالت نيكس بهدوء: "سيدي." لم يرد. أكملت: "آريا بخير." التفت إليها بسرعة. ثم عاد إلى هدوئه. "قلتِ إنها بخير." رفعت نيكس حاجبها. "نعم." ثم نظرت إلى يده التي ما زالت تحمل آثار ما حدث. "لكن أنت لست بخير." خفض نظره إلى يده وكأنه لم يلاحظها. "لا يهم." تنهدت نيكس. "لوسيان." كان استخدام اسمه بهذه الطريقة كافيًا ليعرف أنها جادة. "استخدمت الكثير من طاقتك." بقي صامتًا. تابعت: "وسببت لك الشمس ضعفًا بسبب أنك لم تهتم بنفسك وأنت تنقذها." نظر إليها بنظرة باردة. "كنت سأفعل الأمر نفسه لأي شخص." ابتسمت نيكس قليلًا. "حقًا؟" لم يجب. لأنها تعرفه جيدًا. لو كان شخصًا آخر... لكان فكر قبل أن يندفع. لكن عندما تعلق الأمر بآريا... لم يفكر. قالت نيكس: "تحتاج إلى استعادة
الفصل التاسع و عشرون. كان لوسيان جالسًا في غرفة المكتب، تحيط به الكتب القديمة والأوراق التي لم ينتهِ من مراجعتها. كان المكان هادئًا كعادته... إلى أن فُتح الباب فجأة. رفع عينيه بهدوء. كانت آريا تقف هناك، تحمل ابتسامة صغيرة على وجهها. "لوسيان." عرف من نبرة صوتها مباشرة أن هناك طلبًا قادمًا. "ماذا تريدين؟" دخلت أكثر. "أريد أن تمشي معي قليلًا." ساد الصمت. نظر إليها لوسيان وكأنه يحاول فهم ما سمعه. "نمشي؟" أومأت بحماس. "نعم." نظر إلى النافذة. كانت الشمس مشرقة في الخارج. ثم عاد ينظر إليها. "آريا..." "نعم؟" "هل نسيتِ أن الشمس في الخارج؟" رمشت. "لا." "أنا مصاص دماء." سكت لحظة ثم أضاف بجدية: "قد أتبخر قبل أن أصل إلى الباب." نظرت إليه آريا لثوانٍ. ثم اقتربت قليلًا، ونظرت إليه بعينيها الواسعتين. "لكنني أريد أن أريك شيئًا." توقف. كان يعرف هذه النظرة. نظرة آريا التي تجعل من الصعب عليه الرفض. تنهد بهدوء. "أنتِ تستغلين ذلك." ابتسمت. "ماذا؟" "نظرة البراءة." ضحكت. "هل تنجح؟" نظر بعيدًا. "...للأسف." ... بعد دقائق، خرج الاثنان من القصر. كانت آريا تحمل مظلة كبير
الفصل الثامن وعشرون. كان القصر الأسود أكثر هدوءًا من المعتاد ذلك الصباح. كانت آريا تمشي في أحد الممرات الطويلة وهي تحمل بين يديها بعض أدوات التنظيف، بينما كان شعرها البني مربوطًا خلف ظهرها بطريقة بسيطة. كانت تنظر حولها بابتسامة صغيرة. منذ أيام فقط... كانت هذه الممرات تجعلها تشعر بالخوف. أما الآن، أصبحت تعرف كل زاوية فيها. كل نافذة. كل لوحة قديمة. وحتى الأصوات الغريبة التي تصدر أحيانًا من القصر لم تعد ترعبها كما في السابق. "بقي فقط هذا الجزء..." همست وهي تقترب من نهاية الممر. لكن فجأة... تغير شيء. شعرت آريا ببرودة غريبة تمر بجانبها. وقبل أن تفهم ما يحدث... شعرت وكأن قوة غير مرئية دفعتها إلى الخلف. اتسعت عيناها. سقطت الأدوات من يدها. ولم يكن هناك وقت حتى تصرخ. لكن قبل أن تلامس الأرض... وجدت نفسها بين ذراعي شخص آخر. فتحت عينيها بسرعة. كان لوسيان. نظر إليها بملامح جادة، وذراعه كانت تمسك بها بثبات. للحظة... لم تستوعب كيف وصل إليها بهذه السرعة. همست: "لوسيان..." نظر إلى المكان الذي كانت تقف فيه قبل لحظات. ثم عاد ينظر إليها. "هل أنتِ بخير؟" أومأت ببطء. "نعم..
الفصل السابع وعشرون. عادت آريا إلى غرفتها وهي تحمل مجموعة من الكتب بين ذراعيها. كان بعضها عن تاريخ القصر، وبعضها عن النباتات القديمة، وبعضها مجرد كتب اختارتها لأنها أعجبتها أغلفتها. لكن بين كل تلك الكتب... كان هناك كتاب واحد لم تستطع تجاهله. الكتاب الأسود القديم. منذ أن رأته في المكتبة، شعرت بشيء غريب تجاهه. لم يكن مجرد كتاب مهمل بين الرفوف. كان وكأنه... ينتظر أن يفتحه أحد. وضعته فوق الطاولة بعناية، ثم جلست أمامه. مررت أصابعها فوق الغلاف. كان باردًا بشكل غير طبيعي. "غريب..." همست. لماذا شعرت وكأنها رأته من قبل؟ فتحت الصفحة الأولى ببطء. في البداية، لم تجد سوى كلمات قديمة مكتوبة بحبر داكن. لكن عندما قربت الكتاب من الضوء، لاحظت شيئًا لم تنتبه له سابقًا. كانت هناك جملة صغيرة مخفية بين الزخارف الموجودة على الصفحة. اقتربت أكثر. حاولت قراءتها. لكن الكلمات لم تكن مثل أي لغة تعرفها. كانت حروفًا غريبة، ملتوية، وكأنها كتبت بطريقة مختلفة عن كل الكتب الموجودة في القصر. عبست آريا. "ما هذا؟" قلبت الصفحة. ثم أخرى. لكن كل ما وجدته كان نفس الكتابة الغريبة. لم تفهم حرفًا واح
الفصل السادس وعشرون. منذ الصباح الباكر، تحولت أروقة القصر الأسود إلى ورشة عمل حقيقية. كانت آريا تحمل سلّة صغيرة مليئة بأقمشة التنظيف، بينما كانت نيكس تمشي بجانبها وهي ترفع كميّ قميصها. قالت نيكس وهي تنظر إلى السقف المرتفع: "أظن أننا سنحتاج أسبوعًا كاملًا." ابتسمت آريا بحماس. "إذن لنبدأ من اليوم." بدأتا أولًا بتنظيف النوافذ الطويلة، ثم الممرات، وبعدها نقلتا بعض المزهريات القديمة إلى أماكن يصلها ضوء الشمس. ولأول مرة منذ سنوات... دخل الضوء إلى أرجاء القصر بوضوح. حتى ريفِن، الذي كان يراقبهما من فوق إحدى الثريات، تمتم باستغراب: "القصر... صار أفتح." ضحكت نيكس وهي تشير إليه بالمكنسة. "بدل أن تراقب، انزل وساعد." تحول ريفِن إلى هيئته البشرية وهبط بخفة. "أنا غراب، ولست عامل نظافة." ابتسمت نيكس بخبث. "إذن سأخبر آريا أنك ترفض مساعدتها." تجمد مكانه. "...أين المكنسة؟" انفجرت آريا ضاحكة. وبعد ساعة... وصلوا إلى المكتبة. كان الغبار يملأ الرفوف القديمة. وقفت آريا على السلم الصغير، تمرر قطعة القماش فوق الكتب. وفجأة... شد انتباهها كتاب سميك للغاية، مغطى بطبقة كثيفة من الغبار. ك
الفصل الخامس وعشرون. تسللت خيوط الشمس الذهبية من بين ستائر غرفة آريا، لترسم خطوطًا دافئة فوق أرضية الغرفة الخشبية. تحركت آريا ببطء تحت الغطاء، ثم فتحت عينيها بتثاقل. حدقت بالسقف لثوانٍ. الغريب... أنها شعرت براحة لم تشعر بها منذ أن وصلت إلى القصر. وضعت يدها فوق صدرها وهمست لنفسها: "متى... توقفت عن الخوف؟" لم تكن تعرف الإجابة. لكنها كانت تشعر أن القصر، الذي بدا لها في البداية كأنه سجن مظلم، أصبح يحمل شيئًا مختلفًا... شيئًا يشبه الدفء. ابتسمت بخفة وهي نهضت من السرير، رتبت شعرها البني الطويل الذي انسدل على كتفيها كالشلال، ثم ارتدت فستانًا بسيطًا بلون أخضر فاتح. فتحت نافذة الغرفة. دخل الهواء البارد محملًا برائحة الأشجار والندى. تنهدت براحة. "اليوم... سأبدأ." خرجت من الغرفة بخطوات هادئة، بينما كانت أروقة القصر لا تزال ساكنة. وصلت إلى الصالة الرئيسية. كان المكان صامتًا... إلا من صوت خفيف يشبه الخرير. نظرت حولها باستغراب. ثم وقعت عيناها على الأريكة الكبيرة قرب المدفأة. ابتسمت فورًا. كانت نيكس نائمة بهيئة قطة سوداء صغيرة، وقد لفت ذيلها حول جسدها، بينما كانت أذناها تتحركا







