تسجيل الدخولالفصل العشرون.
ساد الصمت داخل القاعة بعد أن انتهت ضحكة آريا الخفيفة. نظرت إلى البيانو مرة أخرى، ثم أعادت نظرها إلى لوسيان بتردد. "هل... يمكن أن تعلمني الآن؟" رفع حاجبه قليلًا. "الآن؟" أومأت بسرعة. "ولو شيئًا بسيطًا فقط." بقي ينظر إليها للحظات، ثم تنهد بهدوء. "حسنًا." ابتسمت آريا دون أن تشعر. اقتربت من البيانو، بينما وقف لوسيان بجانبها. وعندما وقفت أمامه، رفعت رأسها لتنظر إليه... ثم رفعت رأسها أكثر. ثم أكثر. رمشت عدة مرات. "يا إلهي..." "هل هو طويل هكذا فعلًا؟!" خفضت نظرها سريعًا قبل أن يسمع بقية أفكارها. أما لوسيان، فقد وصلت إليه الفكرة بوضوح، لكنه اكتفى بإخفاء ابتسامة صغيرة. أشار إلى المقعد. "اجلسي." جلست آريا بهدوء أمام البيانو، بينما وقف هو إلى جانبها. قال بصوته الهادئ: "ضعي يديك على المفاتيح." نفذت ما قاله. بدأ يشرح لها أماكن النغمات، وكيف يجب أن تتحرك الأصابع بخفة، وكانت تستمع إليه بتركيز حقيقي. بعد دقائق، قالت بحماس: "أظن أنني فهمت." ابتعد خطوة إلى الخلف. "جربي." أخذت نفسًا عميقًا. ثم بدأت تعزف. خرجت النغمات الأولى جميلة وبسيطة، حتى إن لوسيان رفع نظره إليها بإعجاب خفي. لكن بعد لحظات... توقفت أصابعها فجأة. عبست وهي تنظر إلى المفاتيح. "ضاع اللحن..." حاولت مرة أخرى. لكنها أخطأت من جديد. تنهدت بخيبة. "لا أستطيع." وفي اللحظة التالية... شعرت بوجوده خلفها. اتسعت عيناها قليلًا. اقترب لوسيان حتى أصبحت المسافة بينهما شبه معدومة. لامس صدره ظهرها برفق، بينما مد يديه إلى الأمام. توقفت أنفاس آريا. أما هو... فوضع يديه فوق يديها برفق شديد. كانت أصابعه باردة، لكنها لم تكن مزعجة. قال بالقرب من أذنها بصوت منخفض: "اهدئي..." "ولا تفكري كثيرًا." ثم بدأ يحرك أصابعها ببطء فوق مفاتيح البيانو. عادت الموسيقى تنساب من جديد. لحن هادئ... ودافئ... وكأن البيانو نفسه استعاد أنفاسه. كانت آريا تنظر إلى المفاتيح، لكنها لم تعد تركز عليها. كل ما كانت تشعر به هو قربه. ودقات قلبها التي أخذت تتسارع دون إذن منها. بعد دقائق، انتهى اللحن. رفع لوسيان يديه ببطء. وفي اللحظة نفسها، استدارت آريا نحوه. كان ما يزال ممسكًا بإحدى يديها دون أن ينتبه. التقت عيناهما. وللمرة الثانية منذ التقيا... نسي الاثنان الكلام. كانت المسافة بين وجهيهما قصيرة جدًا. حتى إن آريا استطاعت أن ترى انعكاس عينيها داخل عينيه الحمراوين. أما لوسيان، فوجد نفسه يتأمل ملامحها أكثر مما ينبغي. وفي تلك اللحظة... وصلت إليه أفكارها. "هل هذا حقًا مصاص دماء؟" رمش مرة واحدة. "إنه يشبه أبطال الروايات التي كنت أقرأها..." اتسعت عيناه قليلًا. "يا إلهي..." "أشعر وكأنني دخلت إحدى الروايات بدل أن أقرأها." بدأت حرارة الخجل ترتفع إلى وجهها، لكنها لم تنتبه أنها ما زالت شاردة. "لا... يجب أن أجد حلًا." "لا يمكنني الاستمرار بالتفكير هكذا أمامه." "وإلا سأموت من الإحراج قبل أن يأكلني!" كاد لوسيان يضحك. لكنه اكتفى بابتسامة صغيرة لم يستطع إخفاءها هذه المرة. انتبهت آريا أخيرًا إلى أنه ما يزال ينظر إليها. فسحبت يدها بسرعة، وتراجعت خطوة إلى الخلف. "أ... أنا..." لم تجد أي كلمة تقولها. أما لوسيان، فنظر إليها بهدوء وقال: "في المرة القادمة..." توقفت أنفاسها وهي تنتظر ما سيقوله. "...حاولي أن تقللي من التفكير." تجمدت في مكانها. احمر وجهها بالكامل. واتسعت عيناها بصدمة وهي تدرك... أنه سمع كل شيء. تجمدت آريا في مكانها، بينما كانت ملامحها تزداد احمرارًا ثانية بعد ثانية. "أ... أنا..." حاولت أن تجد أي عذر ينقذها. "في الحقيقة... أنا فقط..." أخذت نفسًا عميقًا وقالت بسرعة: "أنا أفكر كثيرًا." رفع لوسيان حاجبه بهدوء. "لاحظت." ازداد ارتباكها. "لكن ليس بهذا الشكل... أقصد... أفكر دائمًا... يعني... أفكر بكل شيء..." كلما حاولت إصلاح كلامها، ازداد الأمر سوءًا. أغمضت عينيها للحظة. "يا إلهي..." ثم قررت أن تنهي الموقف بالانسحاب. استدارت بسرعة وهي تقول: "سأذهب الآن." لكنها لم تنتبه إلى أنها كانت قريبة جدًا منه. وفي الخطوة الأولى... اصطدم وجهها مباشرة بصدره. "آه!" ارتدت خطوة إلى الخلف وهي تمسك جبهتها، بينما اتسعت عيناها من الإحراج. أما لوسيان، فنظر إليها بصمت، ثم سأل بهدوء: "هل أنتِ بخير؟" رفعت رأسها نحوه. كانت المسافة بينهما ما تزال قصيرة. "أ... أنا..." ثم وضعت كلتا يديها على وجهها. "أريد أن تختفي الأرض وتبتلعني." وصلت الفكرة إلى لوسيان بوضوح، وكادت ابتسامته تظهر من جديد. وفي تلك اللحظة... انفتح باب القاعة. أطلت نيكس برأسها إلى الداخل، ثم توقفت عندما رأت المشهد. نظرت إلى آريا... ثم إلى لوسيان... ثم عادت لتنظر إلى آريا التي كانت بلون حبة طماطم ناضجة. ابتسمت نيكس ابتسامة واسعة. "هل... قاطعتكما؟" شهقت آريا. "ل-لا! ليس كما تظنين!" ضحكت نيكس بخفة وهي تتقدم نحوهما. "اهدئي، كنت أمزح." لكن آريا كانت قد وصلت إلى أقصى درجات الإحراج. أمسكت نيكس من معصمها بسرعة. "هيا." نظرت إليها آريا بامتنان وكأنها أنقذتها من كارثة. "إلى أين؟" ابتسمت نيكس بمكر. "أنتِ لن تبقي هنا أكثر من هذا." ثم التفتت إلى لوسيان وقالت وهي تخفي ضحكتها: "سأأخذها معي الليلة... يبدو أنها تحتاج إلى النوم قبل أن تحرج نفسها أكثر." اتسعت عينا آريا. "نيكس!" لكن الأخيرة سحبتها من يدها وهي تضحك. "هيا... سننام في غرفتي الليلة، وستحكين لي ماذا حدث هنا." احمر وجه آريا أكثر. "لا يوجد شيء لأحكيه!" "حقًا؟" "حقًا!" ابتعد صوتاهما تدريجيًا في الممر، بينما بقي لوسيان واقفًا أمام البيانو. ساد الصمت للحظات. ثم سمع آخر فكرة مرت في عقل آريا قبل أن تبتعد تمامًا... "من الغد... ممنوع التفكير أمام لوسيان... ممنوع تمامًا!" أغمض لوسيان عينيه، وأطلق ضحكة خافتة لم يسمعها أحد. ولأول مرة منذ سنوات طويلة... امتلأت أروقة القصر الأسود بشيء لم تعرفه منذ زمن... المرح.الفصل الثلاثين. ساد الصمت في غرفة آريا. كانت مستلقية على السرير، وجهها هادئ رغم أنها فقدت وعيها من شدة التعب والخوف. كانت نيكس تقف بجانبها، تراقب تنفسها بعناية، بينما كان لوسيان واقفًا قرب النافذة. لم يتحرك منذ أن دخل القصر. لم يجلس. لم يسأل عن نفسه. كل تركيزه كان عليها. قالت نيكس بهدوء: "سيدي." لم يرد. أكملت: "آريا بخير." التفت إليها بسرعة. ثم عاد إلى هدوئه. "قلتِ إنها بخير." رفعت نيكس حاجبها. "نعم." ثم نظرت إلى يده التي ما زالت تحمل آثار ما حدث. "لكن أنت لست بخير." خفض نظره إلى يده وكأنه لم يلاحظها. "لا يهم." تنهدت نيكس. "لوسيان." كان استخدام اسمه بهذه الطريقة كافيًا ليعرف أنها جادة. "استخدمت الكثير من طاقتك." بقي صامتًا. تابعت: "وسببت لك الشمس ضعفًا بسبب أنك لم تهتم بنفسك وأنت تنقذها." نظر إليها بنظرة باردة. "كنت سأفعل الأمر نفسه لأي شخص." ابتسمت نيكس قليلًا. "حقًا؟" لم يجب. لأنها تعرفه جيدًا. لو كان شخصًا آخر... لكان فكر قبل أن يندفع. لكن عندما تعلق الأمر بآريا... لم يفكر. قالت نيكس: "تحتاج إلى استعادة
الفصل التاسع و عشرون. كان لوسيان جالسًا في غرفة المكتب، تحيط به الكتب القديمة والأوراق التي لم ينتهِ من مراجعتها. كان المكان هادئًا كعادته... إلى أن فُتح الباب فجأة. رفع عينيه بهدوء. كانت آريا تقف هناك، تحمل ابتسامة صغيرة على وجهها. "لوسيان." عرف من نبرة صوتها مباشرة أن هناك طلبًا قادمًا. "ماذا تريدين؟" دخلت أكثر. "أريد أن تمشي معي قليلًا." ساد الصمت. نظر إليها لوسيان وكأنه يحاول فهم ما سمعه. "نمشي؟" أومأت بحماس. "نعم." نظر إلى النافذة. كانت الشمس مشرقة في الخارج. ثم عاد ينظر إليها. "آريا..." "نعم؟" "هل نسيتِ أن الشمس في الخارج؟" رمشت. "لا." "أنا مصاص دماء." سكت لحظة ثم أضاف بجدية: "قد أتبخر قبل أن أصل إلى الباب." نظرت إليه آريا لثوانٍ. ثم اقتربت قليلًا، ونظرت إليه بعينيها الواسعتين. "لكنني أريد أن أريك شيئًا." توقف. كان يعرف هذه النظرة. نظرة آريا التي تجعل من الصعب عليه الرفض. تنهد بهدوء. "أنتِ تستغلين ذلك." ابتسمت. "ماذا؟" "نظرة البراءة." ضحكت. "هل تنجح؟" نظر بعيدًا. "...للأسف." ... بعد دقائق، خرج الاثنان من القصر. كانت آريا تحمل مظلة كبير
الفصل الثامن وعشرون. كان القصر الأسود أكثر هدوءًا من المعتاد ذلك الصباح. كانت آريا تمشي في أحد الممرات الطويلة وهي تحمل بين يديها بعض أدوات التنظيف، بينما كان شعرها البني مربوطًا خلف ظهرها بطريقة بسيطة. كانت تنظر حولها بابتسامة صغيرة. منذ أيام فقط... كانت هذه الممرات تجعلها تشعر بالخوف. أما الآن، أصبحت تعرف كل زاوية فيها. كل نافذة. كل لوحة قديمة. وحتى الأصوات الغريبة التي تصدر أحيانًا من القصر لم تعد ترعبها كما في السابق. "بقي فقط هذا الجزء..." همست وهي تقترب من نهاية الممر. لكن فجأة... تغير شيء. شعرت آريا ببرودة غريبة تمر بجانبها. وقبل أن تفهم ما يحدث... شعرت وكأن قوة غير مرئية دفعتها إلى الخلف. اتسعت عيناها. سقطت الأدوات من يدها. ولم يكن هناك وقت حتى تصرخ. لكن قبل أن تلامس الأرض... وجدت نفسها بين ذراعي شخص آخر. فتحت عينيها بسرعة. كان لوسيان. نظر إليها بملامح جادة، وذراعه كانت تمسك بها بثبات. للحظة... لم تستوعب كيف وصل إليها بهذه السرعة. همست: "لوسيان..." نظر إلى المكان الذي كانت تقف فيه قبل لحظات. ثم عاد ينظر إليها. "هل أنتِ بخير؟" أومأت ببطء. "نعم..
الفصل السابع وعشرون. عادت آريا إلى غرفتها وهي تحمل مجموعة من الكتب بين ذراعيها. كان بعضها عن تاريخ القصر، وبعضها عن النباتات القديمة، وبعضها مجرد كتب اختارتها لأنها أعجبتها أغلفتها. لكن بين كل تلك الكتب... كان هناك كتاب واحد لم تستطع تجاهله. الكتاب الأسود القديم. منذ أن رأته في المكتبة، شعرت بشيء غريب تجاهه. لم يكن مجرد كتاب مهمل بين الرفوف. كان وكأنه... ينتظر أن يفتحه أحد. وضعته فوق الطاولة بعناية، ثم جلست أمامه. مررت أصابعها فوق الغلاف. كان باردًا بشكل غير طبيعي. "غريب..." همست. لماذا شعرت وكأنها رأته من قبل؟ فتحت الصفحة الأولى ببطء. في البداية، لم تجد سوى كلمات قديمة مكتوبة بحبر داكن. لكن عندما قربت الكتاب من الضوء، لاحظت شيئًا لم تنتبه له سابقًا. كانت هناك جملة صغيرة مخفية بين الزخارف الموجودة على الصفحة. اقتربت أكثر. حاولت قراءتها. لكن الكلمات لم تكن مثل أي لغة تعرفها. كانت حروفًا غريبة، ملتوية، وكأنها كتبت بطريقة مختلفة عن كل الكتب الموجودة في القصر. عبست آريا. "ما هذا؟" قلبت الصفحة. ثم أخرى. لكن كل ما وجدته كان نفس الكتابة الغريبة. لم تفهم حرفًا واح
الفصل السادس وعشرون. منذ الصباح الباكر، تحولت أروقة القصر الأسود إلى ورشة عمل حقيقية. كانت آريا تحمل سلّة صغيرة مليئة بأقمشة التنظيف، بينما كانت نيكس تمشي بجانبها وهي ترفع كميّ قميصها. قالت نيكس وهي تنظر إلى السقف المرتفع: "أظن أننا سنحتاج أسبوعًا كاملًا." ابتسمت آريا بحماس. "إذن لنبدأ من اليوم." بدأتا أولًا بتنظيف النوافذ الطويلة، ثم الممرات، وبعدها نقلتا بعض المزهريات القديمة إلى أماكن يصلها ضوء الشمس. ولأول مرة منذ سنوات... دخل الضوء إلى أرجاء القصر بوضوح. حتى ريفِن، الذي كان يراقبهما من فوق إحدى الثريات، تمتم باستغراب: "القصر... صار أفتح." ضحكت نيكس وهي تشير إليه بالمكنسة. "بدل أن تراقب، انزل وساعد." تحول ريفِن إلى هيئته البشرية وهبط بخفة. "أنا غراب، ولست عامل نظافة." ابتسمت نيكس بخبث. "إذن سأخبر آريا أنك ترفض مساعدتها." تجمد مكانه. "...أين المكنسة؟" انفجرت آريا ضاحكة. وبعد ساعة... وصلوا إلى المكتبة. كان الغبار يملأ الرفوف القديمة. وقفت آريا على السلم الصغير، تمرر قطعة القماش فوق الكتب. وفجأة... شد انتباهها كتاب سميك للغاية، مغطى بطبقة كثيفة من الغبار. ك
الفصل الخامس وعشرون. تسللت خيوط الشمس الذهبية من بين ستائر غرفة آريا، لترسم خطوطًا دافئة فوق أرضية الغرفة الخشبية. تحركت آريا ببطء تحت الغطاء، ثم فتحت عينيها بتثاقل. حدقت بالسقف لثوانٍ. الغريب... أنها شعرت براحة لم تشعر بها منذ أن وصلت إلى القصر. وضعت يدها فوق صدرها وهمست لنفسها: "متى... توقفت عن الخوف؟" لم تكن تعرف الإجابة. لكنها كانت تشعر أن القصر، الذي بدا لها في البداية كأنه سجن مظلم، أصبح يحمل شيئًا مختلفًا... شيئًا يشبه الدفء. ابتسمت بخفة وهي نهضت من السرير، رتبت شعرها البني الطويل الذي انسدل على كتفيها كالشلال، ثم ارتدت فستانًا بسيطًا بلون أخضر فاتح. فتحت نافذة الغرفة. دخل الهواء البارد محملًا برائحة الأشجار والندى. تنهدت براحة. "اليوم... سأبدأ." خرجت من الغرفة بخطوات هادئة، بينما كانت أروقة القصر لا تزال ساكنة. وصلت إلى الصالة الرئيسية. كان المكان صامتًا... إلا من صوت خفيف يشبه الخرير. نظرت حولها باستغراب. ثم وقعت عيناها على الأريكة الكبيرة قرب المدفأة. ابتسمت فورًا. كانت نيكس نائمة بهيئة قطة سوداء صغيرة، وقد لفت ذيلها حول جسدها، بينما كانت أذناها تتحركا







