Share

18

last update publish date: 2026-08-04 21:29:56

الفصل الثامن عشر.

بقيت آريا جالسة أمام الطاولة الكبيرة في وسط المكتبة، والكتاب القديم مفتوح أمامها.

كانت الصفحات مليئة بتفاصيل لم تسمع عنها من قبل.

لم تكن القصص التي عرفتها في قريتها تشبه الحقيقة أبداً.

هناك أشياء كثيرة لم يكن البشر يعرفونها عن مصاصي الدماء، عن تاريخهم، وعن القوانين التي عاشوا وفقها.

كانت تقرأ بصمت، بينما بقي لوسيان واقفاً بالقرب من أحد الرفوف، يراقبها من بعيد.

لم يكن معتاداً على وجود شخص آخر في مكتبته.

هذه الغرفة تحديداً كانت مكانه الخاص، المكان الذي يلجأ إليه عندما يريد الابتعاد عن العالم.

لكن وجود آريا هنا لم يزعجه كما توقع.

بل كان غريباً...

هادئاً.

قلبت آريا صفحة أخرى، ثم عقدت حاجبيها.

"هذا غريب."

رفع لوسيان نظره إليها.

"ماذا؟"

نظرت إليه.

"الكتاب يقول إن مصاصي الدماء لديهم قوانين تمنعهم من إيذاء البشر دون سبب."

سكتت قليلاً ثم أضافت:

"لكن أهل قريتي يعتقدون أنكم وحوش."

ساد الصمت للحظات.

كانت تعرف أنها ربما سألت سؤالاً حساساً، لكنها كانت تريد الحقيقة.

اقترب لوسيان ببطء من الطاولة.

"البشر يخافون مما لا يفهمونه."

نظرت إليه باهتمام.

"وهل هذا يعني أن كل القصص عنكم خاطئة؟"

لم يجب مباشرة.

جلس على الكرسي المقابل لها.

"بعضها صحيح."

تفاجأت آريا.

"حقاً؟"

أومأ.

"هناك مصاصو دماء لم يهتموا بالقوانين."

خفضت آريا نظرها إلى الكتاب.

"إذن... هناك أشخاص طيبون وأشخاص سيئون منكم أيضاً."

نظر إليها لوسيان بصمت.

كانت إجابة بسيطة جداً، لكنها كانت شيئاً لم يسمعه منذ وقت طويل.

معظم البشر كانوا يرونه شيئاً واحداً فقط.

وحشاً.

أما هي...

فكانت تحاول أن تفهم.

في تلك اللحظة، مر صوت ريفِن من أعلى أحد الرفوف.

"يبدو أن أحدهم بدأ يغير رأيه."

رفعت آريا رأسها بسرعة.

كان الغراب الأسود واقفاً هناك.

تنهد لوسيان.

"ريفِن."

ضحك الغراب.

"ماذا؟ أنا فقط أقول الحقيقة."

ابتسمت آريا قليلاً دون أن تشعر.

ثم عادت إلى الكتاب.

لكنها توقفت فجأة عندما قرأت سطراً معيناً.

"لوسيان..."

رفع نظره إليها.

"نعم؟"

أشارت إلى الصفحة.

"هل هذا صحيح؟"

اقترب قليلاً لينظر إلى ما تشير إليه.

كان الحديث عن قدرة بعض مصاصي الدماء على سماع أفكار الآخرين.

صمت لثانية.

ثم قال:

"نعم."

شعرت آريا بالتوتر.

"وهل... أنت تملك هذه القدرة؟"

نظر إليها مباشرة.

كان يستطيع أن يخبرها بالحقيقة.

لكنه تذكر أفكارها منذ الصباح، وكل تلك الأشياء التي قالتها في عقلها دون أن تعرف.

قال بهدوء:

"نعم."

تجمدت آريا.

"منذ متى؟"

"منذ ولادتي كمصاص دماء."

ابتلعت ريقها.

ثم بدأت تفكر بحذر.

"إذا كان يسمع الأفكار..."

توقفت فجأة.

رفع لوسيان حاجبه.

لاحظت آريا ذلك، فاتسعت عيناها.

"أنت..."

لمعت في عينيه نظرة هادئة.

"نعم."

احمر وجهها قليلاً.

"هذا محرج."

لأول مرة، ظهر شيء يشبه الابتسامة على وجه لوسيان.

"ربما."

نظرت إليه بدهشة.

فهي لم تتوقع أن تراه يبتسم.

كان ذلك مختلفاً تماماً عن الرجل البارد الذي قابلته في الحديقة.

وفي تلك اللحظة، فهمت آريا شيئاً صغيراً...

لوسيان لم يكن كما تخيلته تماماً.

لكنه أيضاً لم يكن شخصاً يمكنها الوثوق به بسهولة بعد.

أما لوسيان...

فقد أدرك أن هذه الفتاة التي دخلت قصره رغماً عنها، بدأت تجعل جدران القصر القديمة تبدو أقل برودة.

بعد مرور بعض الوقت في المكتبة، بقيت آريا تقرأ بصمت بينما كان لوسيان يجلس مقابلها.

حاولت التركيز على الكتاب.

حقاً حاولت.

لكن المشكلة لم تكن في الكتاب...

بل في الشخص الجالس أمامها.

رفعت عينيها للحظة، ونظرت إليه دون قصد.

كان يقرأ أحد الكتب القديمة بهدوء، وشعره الأسود ينسدل قليلاً على جبينه، وملامحه الباردة التي كانت تخيفها في البداية أصبحت الآن تثير فضولها أكثر.

بقيت تنظر لثوانٍ.

ثم جاءت الفكرة التي لم تستطع إيقافها.

"حسناً... يجب أن أعترف..."

"هو حقاً وسيم ."

تجمدت فوراً.

فتحت عينيها بصدمة.

"لا..."

همست لنفسها.

وضعت يدها على فمها وكأنها تستطيع إيقاف أفكارها.

"لا لا لا... آريا لا تفكري بأي شيء!"

نظر لوسيان من فوق الكتاب إليها باستغراب.

لم تفهم سبب نظرته.

لكنها بدأت تتوتر أكثر.

"هل سمعها؟"

"أكيد سمعها."

"يا إلهي، لماذا أنا أفكر بهذا الآن؟!"

أنزل لوسيان الكتاب قليلاً، وكانت هناك لمحة ابتسامة صغيرة تحاول الظهور على وجهه.

وهذا جعل خوفها يتأكد.

اقتربت آريا من الكتاب وكأنها تختبئ خلفه.

"لا تقرأ أفكاري..."

قالتها بصوت منخفض.

رفع لوسيان حاجبه.

"لماذا؟"

احمر وجهها فوراً.

"لأنها... أفكاري."

ساد الصمت.

ثم قال لوسيان بهدوء:

"لا أستطيع إيقاف قدرتي."

تأففت آريا بحزن.

"إذن أنا في ورطة."

نظر إليها باستغراب.

"لماذا؟"

خفضت صوتها وهي تتمتم:

"لأنني سأضطر للتفكير بأشياء غبية طوال الوقت."

لأول مرة...

ضحك لوسيان ضحكة خفيفة.

كانت قصيرة جداً، لكنها جعلت آريا ترفع رأسها بدهشة.

لقد رأته يبتسم.

لكنها لم تتوقع أن تسمعه يضحك.

قالت في نفسها بسرعة:

"لحظة..."

ثم توقفت.

فتحت عينيها بخوف.

"لا! لا تفكري!"

نظر إليها لوسيان.

"أنتِ فعلتها مجدداً."

وضعت آريا يدها على وجهها بإحباط.

"هذا غير عادل."

أما لوسيان، فكان للمرة الأولى منذ قرون يجد أن سماع أفكار شخص آخر...

ليس أمراً مزعجاً.

بل أمراً يجعله يريد معرفة المزيد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عروس القصر لأسود    117

    لم تعرف إليان كم من الوقت مرّ. ثانية؟ دقيقة؟ أم سنوات؟ لم يكن هناك شيء يمكنها أن تستخدمه لقياس الزمن. فجأة… شعرت بالأرض تحتها. فتحت عينيها ببطء. كان أول شيء رأته ضوءًا رماديًا باهتًا، لا يشبه ضوء الشمس ولا ضوء القمر. رفعت رأسها. كانت مستلقية على سطح حجري أملس، تحيط به ضبابات خفيفة تتحرك ببطء وكأنها تتنفس. حاولت أن تتذكر ما حدث. الباب. الضوء. فالوريان. أليكس. توقفت أنفاسها لحظة. "أليكس؟" لم يجبها أحد. رفعت جسدها بسرعة وجلست. نظرت حولها. لا شيء. مكان واسع وغريب، لا جدران واضحة له، ولا سماء حقيقية فوقه. في الأعلى كانت هناك مساحات من الضوء الداكن تتحرك ببطء، مثل سماء ممزقة يظهر خلفها شيء لا يمكن وصفه. وفي الأسفل… كانت الأرض تبدو كأنها من الحجر، لكن عند النظر إليها جيدًا كانت بعض أجزائها شفافة، وتحتها كانت تمر صور غريبة. لقطة لمدينة. ثم غابة. ثم قصر. ثم مكان آخر لم تعرفه. اختفت الصورة. ثم ظهرت أخرى. حدقت إليان فيها. "ما هذا…؟" وفجأة سمعت صوتًا بالقرب منها. "إليان!" استدارت بسرعة. كان أليكس مستلقيًا على الأرض على بعد أمتار قليلة. بدأت إليان بالركض نحوه.

  • عروس القصر لأسود    116

    بعد انتهاء الفطور، بدأت القاعة تفرغ شيئًا فشيئًا. عاد ريفين إلى أجنحة القصر، وذهبت نيكس لتبحث عن كريس، بينما بقي لوسيان مع آريا لبعض الوقت يتحدثان بهدوء. أما إليان… فلم تكن لديها أي رغبة في سماع المزيد عن القلادة. ولا عن الغابة. ولا عن الطرقات الثلاث التي سمعتها في الليلة الماضية. كانت بحاجة إلى شيء يجعل رأسها يهدأ. لذلك اتجهت نحو المكتبة. دفعت الباب ببطء، ودخلت. كان المكان هادئًا. الشمس لم تكن قوية بسبب الغيوم، لذلك بقيت الإضاءة داخل المكتبة ناعمة، تسقط على رفوف الكتب القديمة وتُظهر ذرات الغبار الصغيرة التي تتحرك في الهواء. اختارت إليان كتابًا كبيرًا من أحد الرفوف، ثم جلست على المقعد القريب من النافذة. فتحت الكتاب. وبدأت تقرأ. مرّت الدقائق. ثم ساعة. وكان كل شيء هادئًا. حتى إن صوت المطر البعيد جعلها تنسى القلادة للحظات. لكن فجأة… تحرك شيء قرب الباب. رفعت عينيها. كان أليكس. دخل بهدوء، وأغلق الباب خلفه. نظر إليها. "عرفت أنك هنا." رفعت الكتاب قليلًا. "وأنا عرفت أنك ستجدني." اقترب وجلس على المقعد المقابل. "لماذا هربتِ من القاعة؟" "لم أهرب." رفع حاجبه. "حقًا؟

  • عروس القصر لأسود    115

    بعد وقت قصير، اجتمع الجميع حول طاولة الفطور الطويلة في القاعة الرئيسية. كانت المائدة ممتلئة بالأطباق المختلفة، بينما راحت رائحة القهوة والخبز الدافئ تنتشر في أرجاء المكان. كان المطر لا يزال يهطل خارج النوافذ العالية، لكن صوت قطراته أصبح أكثر هدوءًا من الليل السابق. جلست كريستين في مكانها المعتاد، وإلى جوارها ريفين ونيكس. وكان كريس يجلس بجانب والدته نيكس، محاولًا الوصول إلى طبق موضوع في الجهة الأخرى من الطاولة. كان لا يزال صغيرًا، فهو ابن نيكس وريفين، وكان أليكس أخاه الأكبر. أما أليكس فكان يجلس بالقرب من إليان. ولم يمضِ وقت طويل حتى ظهرت إليان عند مدخل القاعة. كانت قد بدلت ملابسها وجففت شعرها، وارتدت ثوبًا أسود بسيطًا، بينما بقيت قلادتها حول عنقها. وما إن دخلت حتى رفعت آريا رأسها. "أخيرًا." ابتسمت إليان. "قلت لكِ إنني سأبدّل ملابسي." قالت آريا: "وأنا سعيدة لأنكِ فعلتِ." جلس لوسيان أولًا، ثم اقتربت إليان وجلست بجانبه مباشرة. لاحظ كريس الأمر. نظر إلى أليكس. ثم إلى إليان. ثم قال: "أعتقد أن إليان اختارت مكانها." سمعته إليان. "طبعًا." ضحك كريس. "كنت أعرف." قالت آريا:

  • عروس القصر لأسود    114

    انفتح باب غرفة الموسيقى ببطء. دخلت إليان أولًا، وخلفها أليكس. كانت الغرفة مضاءة بمصابيح ذهبية ناعمة، تنعكس أضواؤها على الأرضية الخشبية اللامعة وعلى الآلات الموسيقية المنتشرة في أرجائها. وفي الجهة المقابلة، كانت آريا تجلس أمام البيانو. كان شعرها منسدلًا على كتفيها، وأصابعها تتحرك فوق المفاتيح بهدوء، فتخرج منها نغمات هادئة امتزجت مع صوت المطر في الخارج. لكن ما إن رفعت عينيها ورأت إليان… حتى توقفت أصابعها. توقفت الموسيقى. ساد الصمت. نظرت آريا إلى ابنتها لثانيتين كاملتين. ثم نهضت من مكانها. "إليان!" ابتسمت إليان. "أمي." اقتربت آريا بسرعة، لكنها لم تحتضنها. بل بدأت تنظر إليها من الأعلى إلى الأسفل. شعرها مبلل. فستانها مبلل. أطرافه تقطر ماء. حتى حذاؤها كان يحمل آثار الطين. رفعت آريا يديها إلى رأسها. "ماذا فعلتِ؟!" رمشت إليان. "ماذا؟" "انظري إلى نفسك!" رفعت إليان عينيها إلى ثوبها. ثم قالت ببساطة: "كنت تحت المطر." "أعرف أنكِ كنتِ تحت المطر!" أشارت آريا إلى ملابسها. "لكن لماذا بقيتِ هكذا؟" ضحكت إليان. "لأنني لم أجد وقتًا لتبديل ملابسي." وضعت آريا يدها على جبينها

  • عروس القصر لأسود    113

    بدأ القصر الأسود يلوح بين الأشجار، كتلةً داكنة تتخللها ومضات البرق، بينما كانت إليان ولوسيان يقتربان منه تحت المطر المنهمر. كانت الأغصان المبتلة تنحني فوق رأسيهما، وتترك على كتفيهما قطرات باردة تنساب ببطء، فيما راحت الريح تعصف بأطراف ثيابهما. توقفت إليان لحظة عند البوابة، ومسحت قطرات المطر عن جبينها، ثم ألقت نظرة إلى فستانها المبلل الذي التصق بساقيها. تنهدت. "أمي ستقتلني." نظر إليها لوسيان. "لماذا؟" أشارت إلى فستانها. "لأنني عدت وأنا على هذه الحال." نظر لوسيان إلى نفسه، ثم إليها. "أنا أيضًا مبلل." رفعت حاجبها. "أنت لا يهمك الأمر." ابتسم. "هذا صحيح." انفتحت البوابة بصوت معدني عميق، كأن القصر نفسه كان يرحب بعودتهما. دخلا، وتبعتهما رائحة الحجر الرطب والخشب القديم، بينما ظل هدير المطر يتردد خلفهما في أروقة المدخل. وبمجرد أن خطت إليان خطواتها الأولى داخل الردهة، لمحت ريفين واقفًا قرب إحدى النوافذ العالية، يتفحص شيئًا في يده. كان ضوء البرق يتسلل عبر الزجاج الملون، فيرسم على وجهه ظلالًا متقطعة. تغير وجهها فورًا، وظهرت على شفتيها ابتسامة واسعة. "عمي ريفين!" رفع ريفين رأسه، ث

  • عروس القصر لأسود    112

    كانت الدنيا تمطر بغزارة. تساقطت قطرات المطر بين أغصان الأشجار الكثيفة، وراحت أوراق الغابة تهتز تحت تأثير الرياح الباردة، بينما غطّى الضباب كل شيء من حوله. كان ضبابًا كثيفًا. يتحرك بسرعة بين الأشجار، ويلتف حول الجذوع، ثم يختفي خلف الأغصان قبل أن يظهر في موضع آخر. وفي وسط ذلك الضباب… كانت هناك فتاة تركض. لم تكن خطواتها عادية. كانت أسرع من أن تراها العين البشرية بوضوح. كان شعرها الأسود الطويل يتطاير خلفها مع كل حركة، بينما كان فستانها الداكن يتحرك بفعل الرياح والمطر. كانت إليان. لكن إليان التي اعتادت العائلة رؤيتها في القصر لم تعد تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تركض خلف والدها في الممرات. لقد بلغت العشرين الآن. وأصبحت قدرتها على استخدام قوتها أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. كانت تتحرك بين الأشجار بخفة، فتتوقف للحظة، ثم تختفي من موضعها لتظهر في موضع آخر. كانت تعرف هذه اللعبة جيدًا. لعبة اعتادت أن تخوضها مع لوسيان منذ أن كانت أصغر سنًا. وكانت تصر في كل مرة على أمر واحد… أنها ستفوز. وهذه المرة أيضًا، كانت قد خططت لكل شيء. ابتسمت وهي تقفز فوق جذع شجرة ساقط، ثم هبطت بخفة على الأرض

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status