LOGINالفصل السابع والثلاثون
مرّت ساعات بعد أن تركت نيكس وريفِن آريا ترتاح. كان القصر قد عاد إلى هدوئه المعتاد، ولم يعد يُسمع في الممرات سوى صوت الرياح وهي تمرّ من بين النوافذ القديمة. أما آريا، فكانت غارقة في نوم هادئ. وبعد منتصف الليل بقليل، انفتح باب غرفة الموسيقى ببطء. دخل لوسيان وحده. كانت الغرفة مظلمة إلا من ضوء القمر الذي تسلل عبر النوافذ الطويلة، وانعكس على البيانو الأسود في منتصف المكان. اقترب لوسيان منه، وجلس أمامه بهدوء. رفع يديه فوق المفاتيح للحظة... ثم بدأ يعزف. كان اللحن هادئًا جدًا، يحمل شيئًا من الحزن، لكنه لم يكن حزينًا بالكامل. وكأن الموسيقى كانت تحكي عن شخص عاش سنوات طويلة وحيدًا، ثم دخل إلى حياته شخص لم يكن مستعدًا لوجوده. لم يكن لوسيان يعزف من أجل أحد. هكذا أقنع نفسه. لكن صور آريا بدأت تظهر في ذهنه دون أن يطلبها. ضحكتها. طريقتها في الحديث. وعيناها عندما كانت تحاول إخفاء خوفها منه. ثم تذكر دموعها عندما صرخ عليها. توقفت أصابعه للحظة. أغمض عينيه. "تبًا..." ثم عاد إلى العزف. لكن هذه المرة كان اللحن أكثر دفئًا. على حافة إحدى النوافذ، كان ريفِن واقفًا بهيئة غراب أسود، يراقبه بصمت. مال رأسه إلى الجانب. كان يعرف لوسيان منذ سنوات طويلة، وربما أكثر من أي شخص آخر في القصر. ولهذا... كان يعرف أن شيئًا ما تغير. بعد لحظات، دخلت قطة سوداء من باب الغرفة. كانت عيناها الخضراوان تلمعان في الظلام. اقتربت بهدوء من الأريكة، ثم قفزت إليها واستقرت فوقها. كانت نيكس. رفعت رأسها نحو لوسيان، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة بطريقتها الخاصة. لم تقل شيئًا. فهي تعرف أن لوسيان لا يحب أن يقاطعه أحد أثناء عزفه. أما ريفِن، فظل يراقبه من النافذة. ثم أطلق غرابًا صغيرًا أشبه بالضحكة. توقفت أصابع لوسيان للحظة. رفع عينيه نحوه. "لا تبدأ." حرك ريفِن رأسه وكأنه بريء. نيكس أصدرت صوتًا خافتًا يشبه الضحكة. عاد لوسيان للعزف. وفي مكان آخر من القصر... فتحت آريا عينيها ببطء. لم تعرف ما الذي أيقظها. بقيت مستلقية، تحدق في السقف. ثم سمعته. موسيقى البيانو. كانت ناعمة، تصل إليها من مكان بعيد داخل القصر. ابتسمت دون أن تشعر. "لوسيان..." همست باسمه. ثم أغمضت عينيها من جديد، لكنها لم تنم. بقيت تستمع إلى اللحن. وشعرت براحة غريبة تسري في قلبها. لأول مرة منذ وصلت إلى القصر، لم تفكر في الاتفاق، ولا في مصاصي الدماء، ولا في الغابة. فقط استمعت. وفي غرفة الموسيقى، كان لوسيان يعزف دون أن يعرف أن هناك شخصًا يستمع إليه من خلف جدران القصر. وحين انتهى اللحن، بقيت يداه فوق المفاتيح. ساد الصمت. ثم قال ريفِن بصوته البشري بعد أن عاد إلى هيئته: "كنت تعزف لها." رفع لوسيان عينيه ببطء. "لم أقل شيئًا." ابتسم ريفِن. "لم تكن بحاجة إلى أن تقول." أما نيكس، فبقيت مستلقية على الأريكة وهي تخفي ابتسامتها. ولوسيان؟ عاد إلى صمته... لكنه هذه المرة لم ينكر شيئًا. --- بعد أن خرج لوسيان من غرفة الموسيقى، بقي ريفِن ونيكس وحدهما. كان ريفِن قد عاد إلى هيئته البشرية، وجلس مسترخيًا على الأريكة، بينما كانت نيكس لا تزال بهيئة القطة السوداء، جالسة على طرفها وتراقبه بعينيها الخضراوين. قال ريفِن وهو يحدق في الباب الذي خرج منه لوسيان: "أنتِ تعرفين أنه وقع في حبها، أليس كذلك؟" حركت نيكس أذنيها. "مياو." ضحك. "لا تتظاهري بعدم الفهم." قفزت نيكس إلى الأرض وجلست أمامه. تابع ريفِن: "لو كانت النبوءة مرتبطة فعلًا بآريا... فهذا يعني أن الأمور بدأت تتحرك." اقتربت نيكس منه. "وربما تتحقق النبوءة أخيرًا." تنهد ريفِن وأسند رأسه إلى ظهر الأريكة. "بعد كل هذه السنوات..." ثم أغلق عينيه. "من كان يتوقع أن فتاة بشرية ستدخل هذا القصر وتقلب كل شيء؟" لم تجبه نيكس. وبعد لحظات، شعر ريفِن بثقل خفيف فوقه. فتح عينيه. فتفاجأ بنيكس متكوّرة بهدوء في حضنه. تجمد للحظة. كانت القطة السوداء مستلقية براحة، وعيناها الخضراوان تنظران إليه بهدوء. ابتسم دون أن يشعر. "أنتِ... مرتاحة جدًا، أليس كذلك؟" أغمضت نيكس عينيها. مد ريفِن يده بتردد، ثم مرر أصابعه بلطف فوق فروها. أصدرت نيكس صوت خرخرة هادئًا. توقف ريفِن لحظة، ثم ابتسم. "غريب..." همس. "أنتِ لا تفعلين هذا عادة." فتحت نيكس عينًا واحدة ونظرت إليه. فضحك بصوت خافت. "حسنًا، لن أشتكي." وعاد يربت على فروها بهدوء. وبقي الاثنان هكذا في غرفة الموسيقى الهادئة، بينما كان ضوء القمر يغمر المكان. وفي تلك الليلة... لم يكن لوسيان وحده من بدأ قلبه يتغير.الفصل المئة حلّ الليل أخيرًا على القصر الأسود. كانت أروقته هادئة، والأنوار الخافتة المعلقة على الجدران ترسم ظلالًا طويلة على الأرض. بعد يوم طويل... كان الجميع قد عادوا إلى غرفهم. أما آريا، فكانت لا تزال مستيقظة. جلست على السرير، تنظر إلى طفلتها الصغيرة النائمة في سريرها القريب. كانت إليان هادئة جدًا. وجهها الصغير مسترخٍ، وشعرها الأسود يحيط برأسها، بينما كانت يداها الصغيرتان تتحركان أحيانًا تحت الغطاء. ابتسمت آريا. لم تستطع التوقف عن النظر إليها. دخل لوسيان الغرفة وهو يحمل صينية صغيرة. قال: "أحضرت لكِ شيئًا تأكلينه." التفتت إليه. "لم يكن عليك أن تتعب نفسك." وضع الطعام بالقرب منها. "أنتِ بحاجة إلى الطعام." ثم نظر إلى إليان. ابتسم. "وهي أيضًا بحاجة إلى أن تبقى أمها بخير." ضحكت آريا. "أصبحت شديد الاهتمام." رفع حاجبه. "أصبحتِ أنتِ وطفلتنا أهم شيء عندي." نظرت إليه آريا بابتسامة دافئة. ثم قالت: "هل تستطيع أن تبقى معها قليلًا؟" "بالطبع." لكن قبل أن تتحرك... سمع لوسيان صوتًا خافتًا من الخارج. توقف. قالت آريا: "ماذا؟" نظر نحو الباب. "يبدو أن شيئًا سقط في المم
الفصل التاسع والتسعين ظلّ لوسيان جالسًا بجانب آريا، وعيناه معلقتان بالطفلة الصغيرة التي كانت نائمة بهدوء بالقرب منها. إليان... ابنته. كان لا يزال عاجزًا عن استيعاب الكلمة. ابنته. هو الذي عاش آلاف السنين معتقدًا أن حياته ستبقى كما هي، وجد نفسه الآن ينظر إلى كائن صغير جدًا يستطيع أن يغيّر كل شيء بداخله. مد يده مرة أخرى. تردّد قبل أن يلمسها. كان يخشى أن تكون حركته قوية أكثر من اللازم. لاحظت آريا تردده، فابتسمت رغم تعبها. "لوسيان..." رفع عينيه إليها. "نعم؟" قالت بهدوء: "احملها." نظر إلى الطفلة. ثم إليها. "هل أنتِ متأكدة؟" ابتسمت. "إنها ابنتك." كانت تلك الجملة وحدها كافية. مد لوسيان ذراعيه بحذر شديد. ساعدته آريا على نقل إليان إليه، وبعد لحظات أصبحت الطفلة الصغيرة بين ذراعي والدها للمرة الأولى. توقف لوسيان تمامًا. لم يتحرك. كانت إليان مستلقية بهدوء، رأسها الصغير قريب من صدره، ويداها الصغيرتان مختبئتان داخل الغطاء. نظر إليها وكأنه يرى شيئًا لم يره من قبل. رفع إحدى يديه ووضعها خلف رأسها بحذر. ثم قال بصوت منخفض: "إنها صغيرة جدًا." ضحكت آريا. "طبعًا." ظل ينظر إ
الفصل الثامن والتسعين مع مرور الوقت... بدأ أمر غريب يحدث داخل القصر الأسود. أمر لم يكن أحد يتوقعه. فقد بدأ كريس يقترب من لوسيان. في البداية، كان الأمر بسيطًا. كان يجلس في الغرفة نفسها التي يجلس فيها لوسيان، ثم بدأ يترك ألعابه بالقرب منه، وبعد ذلك صار يذهب إليه كلما أراد شيئًا. حتى إن آريا وقفت بدهشة عندما طلب كريس من لوسيان، للمرة الأولى، أن يحمله. كان لوسيان جالسًا في المكتبة، يقلب صفحات أحد الكتب، عندما اقترب منه كريس. وقف أمامه، وظل ينظر إليه للحظات، ثم مد ذراعيه. "لوسيان." رفع لوسيان عينيه. "نعم؟" "احملني." تجمد لوسيان للحظة، ثم أغلق الكتاب وحمله بين ذراعيه. استقر كريس بسهولة، وأسند رأسه إلى كتفه، وكأنه اعتاد ذلك منذ سنوات. كانت آريا واقفة عند الباب، فابتسمت وقالت: "يبدو أن العم المخيف قد اختفى." نظر لوسيان إليها. "يبدو ذلك." رفع كريس رأسه وقال بجدية: "لوسيان ليس مخيفًا." ضحكت آريا. "حقًا؟" أومأ. "لوسيان صديقي." توقف لوسيان، ونظر إلى كريس، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة حقيقية. "صديقك؟" "نعم." وضم الطفل ذراعيه حول عنقه. ومنذ ذلك اليوم... أصبح الاثنان لا ي
الفصل السابع والتسعين مرت بضعة أيام أخرى... وظلت سرعة نمو كريس تدهش الجميع. في كل مرة كانت آريا تستيقظ فيها وتذهب لرؤيته، كانت تلاحظ فيه أمرًا جديدًا. ففي أحد الأيام، أصبح قادرًا على الوقوف وحده مدة أطول. وفي اليوم التالي، بدأ يركض لمسافات قصيرة. وبعد يومين فقط... بدأ يتحدث أكثر. كانت نيكس جالسة في الحديقة، وكريس إلى جانبها، بينما كان ريفين يحاول ترتيب بعض الأشياء القريبة منهما. قالت نيكس: "كريس، تعال إلى أمك." ركض الطفل إليها فورًا. "أمي!" فتح ريفين ذراعيه. "وماذا عن أبيك؟" توقف كريس. ونظر إليه. ثم ابتسم وركض نحوه. "أبي!" ضحك ريفين بسعادة. "أخيرًا!" حمل ابنه بين ذراعيه ورفعه قليلًا. "هل سمعتما؟ لقد قال: أبي!" قالت نيكس: "سمعتها." ثم ضحكت. "لقد احتجتَ إلى وقت طويل." قال ريفين: "المهم أنه قالها." بدأ كريس يضحك، ثم مد يديه باتجاه نيكس. "أمي!" أنزل ريفين ابنه. ركض كريس نحو نيكس واحتضن ساقها. ابتسمت وهي تمرر يدها على شعره. كان متعلقًا بها كثيرًا... وبريفين أكثر مما توقعا. كان يحب البقاء بالقرب منهما، ومراقبتهما، والذهاب مع ريفين أينما ذهب. لكن مع مرور
الفصل السادس والتسعين مرت الأيام بهدوء داخل القصر الأسود، لكن الهدوء هذه المرة لم يكن يعني أن كل شيء بقي كما هو. فمنذ ولادة كريس، أصبح للقصر صوت جديد. صوت طفل صغير. في البداية، كان كريس لا يفعل سوى النوم. كانت نيكس تجلس قربه لساعات، تراقب حركاته الصغيرة، بينما ريفين يقف بجانبها وكأنه لا يزال غير مصدق أنه أصبح أبًا. كان كل شيء هادئًا... إلى أن مرّت عدة أسابيع. وفي صباح أحد الأيام، دخلت آريا غرفة نيكس، فوجدتها تحمل كريس بين ذراعيها. ابتسمت آريا. "صباح الخير." نظرت إليها نيكس وابتسمت. "صباح الخير." اقتربت آريا من الطفل. "كيف حال صغيرنا؟" قالت نيكس: "إنه بخير." مدت آريا إصبعها نحو يده الصغيرة. لكن فجأة... أمسك كريس بإصبعها بقوة. ضحكت آريا. "انظروا إليه!" اقترب ريفين بفخر. "إنه قوي." نظرت إليه نيكس. "طبعًا قوي." ثم أضافت: "لقد بدأ يكبر بسرعة." رفعت آريا رأسها. "بسرعة؟" أومأت نيكس. "أسرع مما توقعت." لكن آريا لم تفهم معنى كلامها بعد. --- مرت بضعة أسابيع أخرى. وفي أحد الصباحات... كانت آريا تمشي في ممرات القصر برفقة لوسيان. كان لوسيان يسير بجانبها كعادته،
الفصل الخامس والتسعين مرت عدة أيام منذ أن عرف لوسيان أن آريا تحمل طفله. ومنذ ذلك اليوم، تغيّر شيء فيه بشكل واضح. لم يعد يتركها تفعل أي شيء وحدها. إذا نهضت من السرير، كان يسألها فورًا: "إلى أين تذهبين؟" وإذا قالت إنها ستذهب إلى المطبخ، كان يجيب: "سأرافقك." وإذا حاولت حمل أي شيء، حتى لو كان كتابًا صغيرًا، كان يأخذه منها فورًا. في البداية كانت آريا تجد الأمر لطيفًا... لكن بعد عدة أيام بدأت تشعر أن الأمر مبالغ فيه قليلًا. كانت جالسة في إحدى قاعات القصر تقرأ كتابًا، بينما كان لوسيان واقفًا بالقرب من النافذة. وضعت علامة بين صفحات الكتاب ونهضت. في اللحظة نفسها التفت إليها. "إلى أين؟" نظرت إليه بدهشة. "سأجلس هناك فقط." وأشار إلى المقعد القريب منها. "يمكنك الجلوس هنا." ضحكت. "لوسيان، أنا لم أصبح عاجزة." اقترب منها. "أعرف." "إذن لماذا تتصرف وكأنني سأختفي إن ابتعدت عنك ثلاث خطوات؟" صمت لحظة. ثم قال بجدية: "لأنك أنتِ وطفلنا أصبحتما أهم شيء لدي." توقفت آريا. ثم ابتسمت رغمًا عنها. "أنت تعرف كيف تجعلني لا أستطيع الاعتراض." ابتسم لوسيان. "إذن اجلسي." ضحكت وهي تعود إلى







