LOGINالفصل الثامن والثلاثون
في صباح اليوم التالي، استيقظت آريا وهي تشعر أن ساقها أفضل قليلًا. جلست على حافة السرير، ثم نظرت إلى قدمها الملفوفة. "أعتقد أنني أستطيع المشي." وضعت قدمها على الأرض بحذر. تألمت قليلًا، لكنها تحملت. خطت خطوة... ثم ثانية. ابتسمت بانتصار. "أرأيتِ؟" لم يكن هناك أحد في الغرفة، ومع ذلك قالتها وكأنها تتحدى نيكس. خرجت من غرفتها واتجهت نحو الحديقة. لكنها لم تصل بعيدًا. "إلى أين؟" توقفت. كان لوسيان واقفًا في نهاية الممر. نظرت إليه آريا. "إلى الحديقة." "عودي إلى غرفتك." عبست. "لماذا؟" "لأنكِ مصابة." "لكنني أستطيع المشي." "بصعوبة." وضعت يديها على خصرها. "أريد فقط الجلوس في الحديقة." نظر إليها طويلًا. كان يعرف تلك النظرة. نظرة العناد التي أصبحت مألوفة لديه. "آريا." "لن أركض." "هذا ليس ما أخشاه." "إذن دعني أذهب." تنهد لوسيان. ثم سار نحوها. وقبل أن تفهم ما يخطط له، انحنى وحملها بين ذراعيه. شهقت آريا. "لوسيان!" "قلتِ إنك تريدين الحديقة." "كنت أستطيع الذهاب بنفسي!" "أعرف." احمر وجهها. "إذن أنزلني!" "عندما نصل." لم تعرف ماذا تقول. كانت فقط تحدق في وجهه محاولة إخفاء ارتباكها. بعد لحظات، وصلا إلى الحديقة. أنزلها لوسيان بهدوء على المقعد، وتأكد أن قدمها مستقرة. "ها قد نفذت طلبك." ابتسمت آريا. "شكرًا." استدار ليغادر. لكنها أمسكت يده دون تفكير. توقف. نظر إلى يدها التي تمسك يده. ثم إليها. قالت بخجل: "هل يمكنك البقاء قليلًا؟" ظل صامتًا لحظات. ثم جلس بجانبها. بقيا هكذا دون كلام. كانت الحديقة هادئة، والهواء يحرك أوراق الأشجار. وفجأة قالت آريا: "أريد أن أعرف شيئًا." نظر إليها. "ماذا؟" "حياتك." رفع حاجبه. "حياتي؟" أومأت بحماس. "نعم." "لماذا؟" "لأنني لا أعرف عنك شيئًا." صمت قليلًا. ثم قال: "حسنًا." وبدأ يخبرها عن القصر عندما كان أصغر، وعن السنوات الطويلة التي قضاها فيه، وعن الأماكن التي زارها. ثم ذكر شخصًا عرفه منذ زمن بعيد. "كانت لدي صديقة قديمة." تغير وجه آريا قليلًا. "صديقة؟" "نعم." "هل كانت جميلة؟" توقف لوسيان. نظر إليها. "لماذا تسألين؟" "مجرد فضول." أشاحت بوجهها. "أكمِل." قال بهدوء: "كانت جميلة." اتسعت عينا آريا قليلًا. "جميلة إلى أي درجة؟" "آريا." "ماذا؟" "أنتِ تسألين كثيرًا." "فقط أريد أن أعرف." تابع لوسيان، وكأنه يستمتع بإرباكها: "كانت عيناها هادئتين، وشعرها طويل، وكانت—" قاطعته: "يبدو أنها جميلة." ثم رفعت شعرها البني الطويل وأعادته خلف كتفها، وقالت بثقة: "لكنني أبقى أجمل." توقف لوسيان. نظر إليها. بقي صامتًا لثوانٍ. ثم قال: "هل أنتِ تغارين؟" اتسعت عيناها. "أنا؟!" "نعم." "بالطبع لا!" ابتسم لوسيان للمرة الأولى منذ بداية الحديث. "واضح." عبست آريا. "لا تبتسم." "لماذا؟" "لأنك مستفز." ضحك بخفة. أما آريا فأدارت وجهها عنه وهي تتمتم: "أنا فعلًا أجمل على أي حال..." سمعها لوسيان. وبدون أن تشعر، ظهرت ابتسامة أخرى على وجهه. يبدو أن عنادها... لم يكن الشيء الوحيد الذي بدأ يعجبه فيها. --- كان لوسيان لا يزال جالسًا بجانب آريا، بينما كانت هي تنظر إلى الحديقة وكأنها لم تقل شيئًا غريبًا قبل لحظات. لكن فجأة... وصل إلى ذهنه صوتها بوضوح. "إذا كان لديه صديقة جيدة..." رفع لوسيان حاجبه قليلًا. نظر إليها من طرف عينه. آريا كانت هادئة تمامًا. لكن أفكارها لم تكن كذلك. "وما دام كان يملك صديقة... فلماذا لم يتزوج إذًا؟" توقفت لحظة. "أوه... صحيح. هو لا يحب أحدًا." لوسيان كاد يبتسم. لكنها تابعت بسرعة: "لكن ماذا لو كانت جميلة حقًا؟" اتسعت عيناه قليلًا. "هل... هل هو يحبها؟" صمتت آريا للحظة، ثم جاء صوت أفكارها أكثر حدة: "أوه، إن كان يحبها حقًا... فسوف أقضي عليها." تجمد لوسيان. نظر إليها مباشرة. كانت آريا لا تزال تحدق في الورود، وكأنها لم تقل شيئًا. أما هو فبقي صامتًا للحظات. ثم بدأت آريا تدرك بنفسها ما كانت تفكر فيه. "لحظة..." خفضت رأسها قليلًا. "ماذا كنت أفكر للتو؟!" ثم رفعت يديها إلى وجهها. "أوه يا إلهي! آريا، أنتِ تفكرين كثيرًا!" احمر وجهها. "يا إلهي، توقفي! بالتأكيد لديه أصدقاء... فهو عاش آلاف السنين!" كاد لوسيان يضحك. حاول أن يخفي ابتسامته، لكنه لم ينجح تمامًا. انتبهت آريا إليه. "لماذا تبتسم؟" "لا شيء." ضيقت عينيها. "أنت تبتسم." "ربما لأنكِ مضحكة." "أنا؟!" "نعم." رفعت آريا حاجبها. "لم أقل شيئًا مضحكًا." نظر إليها لوسيان بهدوء. "بل قلتِ الكثير." تجمدت. "أنا لم أقل شيئًا أصلًا!" ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه. "أعرف." رمشت آريا باستغراب. ثم تمتمت في نفسها: "غريب... لماذا أشعر أنه يعرف شيئًا؟" وفجأة قال لوسيان: "لا تقلقي." نظرت إليه. "بشأن ماذا؟" اقترب قليلًا وقال بنبرة هادئة: "لا توجد امرأة أخرى يجب أن تقلقي بشأنها." تجمدت آريا. اتسعت عيناها. "ماذا؟" نهض لوسيان من مكانه وكأنه لم يقل شيئًا. "استريحي." ثم ابتعد. أما آريا فبقيت تحدق في ظهره، ووجهها يزداد احمرارًا. "هل... هل كان يقصد ما أظن؟" ومن بعيد، ابتسم لوسيان بخفة. لقد بدأ يكتشف أن قراءة أفكار آريا... قد تكون أخطر من أي نبوءة قديمة.الفصل المئة حلّ الليل أخيرًا على القصر الأسود. كانت أروقته هادئة، والأنوار الخافتة المعلقة على الجدران ترسم ظلالًا طويلة على الأرض. بعد يوم طويل... كان الجميع قد عادوا إلى غرفهم. أما آريا، فكانت لا تزال مستيقظة. جلست على السرير، تنظر إلى طفلتها الصغيرة النائمة في سريرها القريب. كانت إليان هادئة جدًا. وجهها الصغير مسترخٍ، وشعرها الأسود يحيط برأسها، بينما كانت يداها الصغيرتان تتحركان أحيانًا تحت الغطاء. ابتسمت آريا. لم تستطع التوقف عن النظر إليها. دخل لوسيان الغرفة وهو يحمل صينية صغيرة. قال: "أحضرت لكِ شيئًا تأكلينه." التفتت إليه. "لم يكن عليك أن تتعب نفسك." وضع الطعام بالقرب منها. "أنتِ بحاجة إلى الطعام." ثم نظر إلى إليان. ابتسم. "وهي أيضًا بحاجة إلى أن تبقى أمها بخير." ضحكت آريا. "أصبحت شديد الاهتمام." رفع حاجبه. "أصبحتِ أنتِ وطفلتنا أهم شيء عندي." نظرت إليه آريا بابتسامة دافئة. ثم قالت: "هل تستطيع أن تبقى معها قليلًا؟" "بالطبع." لكن قبل أن تتحرك... سمع لوسيان صوتًا خافتًا من الخارج. توقف. قالت آريا: "ماذا؟" نظر نحو الباب. "يبدو أن شيئًا سقط في المم
الفصل التاسع والتسعين ظلّ لوسيان جالسًا بجانب آريا، وعيناه معلقتان بالطفلة الصغيرة التي كانت نائمة بهدوء بالقرب منها. إليان... ابنته. كان لا يزال عاجزًا عن استيعاب الكلمة. ابنته. هو الذي عاش آلاف السنين معتقدًا أن حياته ستبقى كما هي، وجد نفسه الآن ينظر إلى كائن صغير جدًا يستطيع أن يغيّر كل شيء بداخله. مد يده مرة أخرى. تردّد قبل أن يلمسها. كان يخشى أن تكون حركته قوية أكثر من اللازم. لاحظت آريا تردده، فابتسمت رغم تعبها. "لوسيان..." رفع عينيه إليها. "نعم؟" قالت بهدوء: "احملها." نظر إلى الطفلة. ثم إليها. "هل أنتِ متأكدة؟" ابتسمت. "إنها ابنتك." كانت تلك الجملة وحدها كافية. مد لوسيان ذراعيه بحذر شديد. ساعدته آريا على نقل إليان إليه، وبعد لحظات أصبحت الطفلة الصغيرة بين ذراعي والدها للمرة الأولى. توقف لوسيان تمامًا. لم يتحرك. كانت إليان مستلقية بهدوء، رأسها الصغير قريب من صدره، ويداها الصغيرتان مختبئتان داخل الغطاء. نظر إليها وكأنه يرى شيئًا لم يره من قبل. رفع إحدى يديه ووضعها خلف رأسها بحذر. ثم قال بصوت منخفض: "إنها صغيرة جدًا." ضحكت آريا. "طبعًا." ظل ينظر إ
الفصل الثامن والتسعين مع مرور الوقت... بدأ أمر غريب يحدث داخل القصر الأسود. أمر لم يكن أحد يتوقعه. فقد بدأ كريس يقترب من لوسيان. في البداية، كان الأمر بسيطًا. كان يجلس في الغرفة نفسها التي يجلس فيها لوسيان، ثم بدأ يترك ألعابه بالقرب منه، وبعد ذلك صار يذهب إليه كلما أراد شيئًا. حتى إن آريا وقفت بدهشة عندما طلب كريس من لوسيان، للمرة الأولى، أن يحمله. كان لوسيان جالسًا في المكتبة، يقلب صفحات أحد الكتب، عندما اقترب منه كريس. وقف أمامه، وظل ينظر إليه للحظات، ثم مد ذراعيه. "لوسيان." رفع لوسيان عينيه. "نعم؟" "احملني." تجمد لوسيان للحظة، ثم أغلق الكتاب وحمله بين ذراعيه. استقر كريس بسهولة، وأسند رأسه إلى كتفه، وكأنه اعتاد ذلك منذ سنوات. كانت آريا واقفة عند الباب، فابتسمت وقالت: "يبدو أن العم المخيف قد اختفى." نظر لوسيان إليها. "يبدو ذلك." رفع كريس رأسه وقال بجدية: "لوسيان ليس مخيفًا." ضحكت آريا. "حقًا؟" أومأ. "لوسيان صديقي." توقف لوسيان، ونظر إلى كريس، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة حقيقية. "صديقك؟" "نعم." وضم الطفل ذراعيه حول عنقه. ومنذ ذلك اليوم... أصبح الاثنان لا ي
الفصل السابع والتسعين مرت بضعة أيام أخرى... وظلت سرعة نمو كريس تدهش الجميع. في كل مرة كانت آريا تستيقظ فيها وتذهب لرؤيته، كانت تلاحظ فيه أمرًا جديدًا. ففي أحد الأيام، أصبح قادرًا على الوقوف وحده مدة أطول. وفي اليوم التالي، بدأ يركض لمسافات قصيرة. وبعد يومين فقط... بدأ يتحدث أكثر. كانت نيكس جالسة في الحديقة، وكريس إلى جانبها، بينما كان ريفين يحاول ترتيب بعض الأشياء القريبة منهما. قالت نيكس: "كريس، تعال إلى أمك." ركض الطفل إليها فورًا. "أمي!" فتح ريفين ذراعيه. "وماذا عن أبيك؟" توقف كريس. ونظر إليه. ثم ابتسم وركض نحوه. "أبي!" ضحك ريفين بسعادة. "أخيرًا!" حمل ابنه بين ذراعيه ورفعه قليلًا. "هل سمعتما؟ لقد قال: أبي!" قالت نيكس: "سمعتها." ثم ضحكت. "لقد احتجتَ إلى وقت طويل." قال ريفين: "المهم أنه قالها." بدأ كريس يضحك، ثم مد يديه باتجاه نيكس. "أمي!" أنزل ريفين ابنه. ركض كريس نحو نيكس واحتضن ساقها. ابتسمت وهي تمرر يدها على شعره. كان متعلقًا بها كثيرًا... وبريفين أكثر مما توقعا. كان يحب البقاء بالقرب منهما، ومراقبتهما، والذهاب مع ريفين أينما ذهب. لكن مع مرور
الفصل السادس والتسعين مرت الأيام بهدوء داخل القصر الأسود، لكن الهدوء هذه المرة لم يكن يعني أن كل شيء بقي كما هو. فمنذ ولادة كريس، أصبح للقصر صوت جديد. صوت طفل صغير. في البداية، كان كريس لا يفعل سوى النوم. كانت نيكس تجلس قربه لساعات، تراقب حركاته الصغيرة، بينما ريفين يقف بجانبها وكأنه لا يزال غير مصدق أنه أصبح أبًا. كان كل شيء هادئًا... إلى أن مرّت عدة أسابيع. وفي صباح أحد الأيام، دخلت آريا غرفة نيكس، فوجدتها تحمل كريس بين ذراعيها. ابتسمت آريا. "صباح الخير." نظرت إليها نيكس وابتسمت. "صباح الخير." اقتربت آريا من الطفل. "كيف حال صغيرنا؟" قالت نيكس: "إنه بخير." مدت آريا إصبعها نحو يده الصغيرة. لكن فجأة... أمسك كريس بإصبعها بقوة. ضحكت آريا. "انظروا إليه!" اقترب ريفين بفخر. "إنه قوي." نظرت إليه نيكس. "طبعًا قوي." ثم أضافت: "لقد بدأ يكبر بسرعة." رفعت آريا رأسها. "بسرعة؟" أومأت نيكس. "أسرع مما توقعت." لكن آريا لم تفهم معنى كلامها بعد. --- مرت بضعة أسابيع أخرى. وفي أحد الصباحات... كانت آريا تمشي في ممرات القصر برفقة لوسيان. كان لوسيان يسير بجانبها كعادته،
الفصل الخامس والتسعين مرت عدة أيام منذ أن عرف لوسيان أن آريا تحمل طفله. ومنذ ذلك اليوم، تغيّر شيء فيه بشكل واضح. لم يعد يتركها تفعل أي شيء وحدها. إذا نهضت من السرير، كان يسألها فورًا: "إلى أين تذهبين؟" وإذا قالت إنها ستذهب إلى المطبخ، كان يجيب: "سأرافقك." وإذا حاولت حمل أي شيء، حتى لو كان كتابًا صغيرًا، كان يأخذه منها فورًا. في البداية كانت آريا تجد الأمر لطيفًا... لكن بعد عدة أيام بدأت تشعر أن الأمر مبالغ فيه قليلًا. كانت جالسة في إحدى قاعات القصر تقرأ كتابًا، بينما كان لوسيان واقفًا بالقرب من النافذة. وضعت علامة بين صفحات الكتاب ونهضت. في اللحظة نفسها التفت إليها. "إلى أين؟" نظرت إليه بدهشة. "سأجلس هناك فقط." وأشار إلى المقعد القريب منها. "يمكنك الجلوس هنا." ضحكت. "لوسيان، أنا لم أصبح عاجزة." اقترب منها. "أعرف." "إذن لماذا تتصرف وكأنني سأختفي إن ابتعدت عنك ثلاث خطوات؟" صمت لحظة. ثم قال بجدية: "لأنك أنتِ وطفلنا أصبحتما أهم شيء لدي." توقفت آريا. ثم ابتسمت رغمًا عنها. "أنت تعرف كيف تجعلني لا أستطيع الاعتراض." ابتسم لوسيان. "إذن اجلسي." ضحكت وهي تعود إلى







