Share

4

last update publish date: 2026-08-03 16:01:36

الفصل الرابع

منذ اختفاء جاك، لم تعد آريا كما كانت. لم تستطع النوم جيداً في الليلة الماضية، وكانت كلمات سكان القرية وهم يتحدثون عن اختفائه تتردد داخل عقلها باستمرار.

كيف يمكن لشخص كان يضحك معها قبل ساعات قليلة أن يختفي فجأة دون أن يترك وراءه أي أثر؟

رفضت تصديق أن جاك قد هرب أو أنه ضل طريقه في الغابة. لقد كانت تعرفه منذ طفولتها، ولم يكن من النوع الذي يترك عائلته تقلق عليه بهذا الشكل.

"لا يمكنني الجلوس وانتظار الأخبار فقط."

بعد أن أنهت أعمال المنزل، قررت التوجه إلى أطراف الغابة الشمالية على أمل العثور على أي دليل قد يساعدها في معرفة ما حدث له.

كان المكان هادئاً على غير عادته، حتى أصوات العصافير بدت وكأنها اختفت تماماً. أخذت تنظر إلى الأرض بحثاً عن آثار أقدام أو قطعة قماش أو أي شيء قد يدل على مرور جاك من هنا.

"جاك! هل أنت هنا؟"

لكن لم يجبها سوى صوت الرياح الباردة وهي تعبر بين الأشجار.

مرت عدة ساعات وهي تبحث في المكان دون جدوى، إلى أن بدأت تشعر بذلك الإحساس المألوف مجدداً.

ذلك الشعور الذي يخبرها دائماً بأن هناك شخصاً يقف بالقرب منها.

توقفت عن السير ونظرت خلفها بسرعة، لكن لم يكن هناك أحد.

"لقد بدأ هذا الأمر يخيفني حقاً."

وضعت يدها فوق قلبها محاولة تهدئة نفسها قبل أن تتابع طريق عودتها إلى القرية.

وفي أثناء سيرها، بدأت قطرات المطر تتساقط بهدوء من السماء. ابتسمت آريا تلقائياً عندما رفعت وجهها نحو السماء.

لقد كانت تعشق المطر منذ طفولتها.

تنهدت بسعادة وهي تفتح ذراعيها قليلاً، تاركة قطرات المطر تلامس وجهها وشعرها البني.

"كم اشتقت لهذا الشعور."

أغمضت عينيها واستسلمت لصوت المطر الذي لطالما منحها شعوراً غريباً بالراحة.

وفي تلك اللحظة...

شعرت وكأن شخصاً يقف أمامها مباشرة.

لم تكن خائفة هذه المرة، بل كان الأمر أشبه بحضور هادئ وغامض يحيط بها.

وعندما فتحت عينيها ببطء، تجمدت في مكانها.

كان هناك رجل طويل القامة يقف أمامها مرتدياً ملابس سوداء فاخرة. كانت خصلات شعره الأسود الطويل تتحرك مع الرياح، بينما كانت عيناه الحمراوان تتأملان ملامحها بصمت وكأنه ينظر إلى لوحة فنية نادرة.

لم ينطق بكلمة واحدة.

كل ما فعله هو النظر إليها بهدوء بينما كانت قطرات المطر تنساب فوق وجنتيها.

لسبب لا تستطيع تفسيره، لم تستطع إبعاد عينيها عنه.

كان وسيماً بصورة غير طبيعية، بل بدا وكأنه خرج من إحدى القصص الخيالية التي كانت تقرؤها في طفولتها.

لكن...

في اللحظة التي رمشت فيها بعينيها، اختفى تماماً.

اتسعت عيناها بصدمة وهي تنظر حولها بسرعة.

"ماذا؟!"

لم يكن هناك أحد.

هل كانت تتخيل ما رأته للتو؟

هزت رأسها عدة مرات وهي تحاول إقناع نفسها بأن الأمر مجرد وهم سببه الحزن والتعب.

عندما وصلت أخيراً إلى منزلها، لاحظت أن المكان هادئ بشكل غريب.

"أبي؟"

لم يجبها أحد.

لتجد فوق طاولة الطعام ورقة صغيرة كتب عليها بخط والدها:

"عزيزتي آريا، اضطررت للسفر إلى إحدى القرى المجاورة لإنهاء بعض الأعمال. لا تقلقي بشأني، سأعود غداً مساءً. يوجد الطعام داخل المطبخ، لذلك لا تنسي تناول عشائك."

ابتسمت بخفة وهي تقرأ الرسالة قبل أن تجلس فوق الأريكة متأملة قطرات المطر خلف النافذة.

لكن شيئاً واحداً لم يغادر أفكارها تلك الليلة...

من كان ذلك الرجل الذي رأته تحت المطر؟ ولماذا شعرت للحظة وكأنه كان ينظر إليها منذ زمن بعيد؟

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عروس القصر لأسود    30

    الفصل الثلاثين. ساد الصمت في غرفة آريا. كانت مستلقية على السرير، وجهها هادئ رغم أنها فقدت وعيها من شدة التعب والخوف. كانت نيكس تقف بجانبها، تراقب تنفسها بعناية، بينما كان لوسيان واقفًا قرب النافذة. لم يتحرك منذ أن دخل القصر. لم يجلس. لم يسأل عن نفسه. كل تركيزه كان عليها. قالت نيكس بهدوء: "سيدي." لم يرد. أكملت: "آريا بخير." التفت إليها بسرعة. ثم عاد إلى هدوئه. "قلتِ إنها بخير." رفعت نيكس حاجبها. "نعم." ثم نظرت إلى يده التي ما زالت تحمل آثار ما حدث. "لكن أنت لست بخير." خفض نظره إلى يده وكأنه لم يلاحظها. "لا يهم." تنهدت نيكس. "لوسيان." كان استخدام اسمه بهذه الطريقة كافيًا ليعرف أنها جادة. "استخدمت الكثير من طاقتك." بقي صامتًا. تابعت: "وسببت لك الشمس ضعفًا بسبب أنك لم تهتم بنفسك وأنت تنقذها." نظر إليها بنظرة باردة. "كنت سأفعل الأمر نفسه لأي شخص." ابتسمت نيكس قليلًا. "حقًا؟" لم يجب. لأنها تعرفه جيدًا. لو كان شخصًا آخر... لكان فكر قبل أن يندفع. لكن عندما تعلق الأمر بآريا... لم يفكر. قالت نيكس: "تحتاج إلى استعادة

  • عروس القصر لأسود    29

    الفصل التاسع و عشرون. كان لوسيان جالسًا في غرفة المكتب، تحيط به الكتب القديمة والأوراق التي لم ينتهِ من مراجعتها. كان المكان هادئًا كعادته... إلى أن فُتح الباب فجأة. رفع عينيه بهدوء. كانت آريا تقف هناك، تحمل ابتسامة صغيرة على وجهها. "لوسيان." عرف من نبرة صوتها مباشرة أن هناك طلبًا قادمًا. "ماذا تريدين؟" دخلت أكثر. "أريد أن تمشي معي قليلًا." ساد الصمت. نظر إليها لوسيان وكأنه يحاول فهم ما سمعه. "نمشي؟" أومأت بحماس. "نعم." نظر إلى النافذة. كانت الشمس مشرقة في الخارج. ثم عاد ينظر إليها. "آريا..." "نعم؟" "هل نسيتِ أن الشمس في الخارج؟" رمشت. "لا." "أنا مصاص دماء." سكت لحظة ثم أضاف بجدية: "قد أتبخر قبل أن أصل إلى الباب." نظرت إليه آريا لثوانٍ. ثم اقتربت قليلًا، ونظرت إليه بعينيها الواسعتين. "لكنني أريد أن أريك شيئًا." توقف. كان يعرف هذه النظرة. نظرة آريا التي تجعل من الصعب عليه الرفض. تنهد بهدوء. "أنتِ تستغلين ذلك." ابتسمت. "ماذا؟" "نظرة البراءة." ضحكت. "هل تنجح؟" نظر بعيدًا. "...للأسف." ... بعد دقائق، خرج الاثنان من القصر. كانت آريا تحمل مظلة كبير

  • عروس القصر لأسود    28

    الفصل الثامن وعشرون. كان القصر الأسود أكثر هدوءًا من المعتاد ذلك الصباح. كانت آريا تمشي في أحد الممرات الطويلة وهي تحمل بين يديها بعض أدوات التنظيف، بينما كان شعرها البني مربوطًا خلف ظهرها بطريقة بسيطة. كانت تنظر حولها بابتسامة صغيرة. منذ أيام فقط... كانت هذه الممرات تجعلها تشعر بالخوف. أما الآن، أصبحت تعرف كل زاوية فيها. كل نافذة. كل لوحة قديمة. وحتى الأصوات الغريبة التي تصدر أحيانًا من القصر لم تعد ترعبها كما في السابق. "بقي فقط هذا الجزء..." همست وهي تقترب من نهاية الممر. لكن فجأة... تغير شيء. شعرت آريا ببرودة غريبة تمر بجانبها. وقبل أن تفهم ما يحدث... شعرت وكأن قوة غير مرئية دفعتها إلى الخلف. اتسعت عيناها. سقطت الأدوات من يدها. ولم يكن هناك وقت حتى تصرخ. لكن قبل أن تلامس الأرض... وجدت نفسها بين ذراعي شخص آخر. فتحت عينيها بسرعة. كان لوسيان. نظر إليها بملامح جادة، وذراعه كانت تمسك بها بثبات. للحظة... لم تستوعب كيف وصل إليها بهذه السرعة. همست: "لوسيان..." نظر إلى المكان الذي كانت تقف فيه قبل لحظات. ثم عاد ينظر إليها. "هل أنتِ بخير؟" أومأت ببطء. "نعم..

  • عروس القصر لأسود    27

    الفصل السابع وعشرون. عادت آريا إلى غرفتها وهي تحمل مجموعة من الكتب بين ذراعيها. كان بعضها عن تاريخ القصر، وبعضها عن النباتات القديمة، وبعضها مجرد كتب اختارتها لأنها أعجبتها أغلفتها. لكن بين كل تلك الكتب... كان هناك كتاب واحد لم تستطع تجاهله. الكتاب الأسود القديم. منذ أن رأته في المكتبة، شعرت بشيء غريب تجاهه. لم يكن مجرد كتاب مهمل بين الرفوف. كان وكأنه... ينتظر أن يفتحه أحد. وضعته فوق الطاولة بعناية، ثم جلست أمامه. مررت أصابعها فوق الغلاف. كان باردًا بشكل غير طبيعي. "غريب..." همست. لماذا شعرت وكأنها رأته من قبل؟ فتحت الصفحة الأولى ببطء. في البداية، لم تجد سوى كلمات قديمة مكتوبة بحبر داكن. لكن عندما قربت الكتاب من الضوء، لاحظت شيئًا لم تنتبه له سابقًا. كانت هناك جملة صغيرة مخفية بين الزخارف الموجودة على الصفحة. اقتربت أكثر. حاولت قراءتها. لكن الكلمات لم تكن مثل أي لغة تعرفها. كانت حروفًا غريبة، ملتوية، وكأنها كتبت بطريقة مختلفة عن كل الكتب الموجودة في القصر. عبست آريا. "ما هذا؟" قلبت الصفحة. ثم أخرى. لكن كل ما وجدته كان نفس الكتابة الغريبة. لم تفهم حرفًا واح

  • عروس القصر لأسود    26

    الفصل السادس وعشرون. منذ الصباح الباكر، تحولت أروقة القصر الأسود إلى ورشة عمل حقيقية. كانت آريا تحمل سلّة صغيرة مليئة بأقمشة التنظيف، بينما كانت نيكس تمشي بجانبها وهي ترفع كميّ قميصها. قالت نيكس وهي تنظر إلى السقف المرتفع: "أظن أننا سنحتاج أسبوعًا كاملًا." ابتسمت آريا بحماس. "إذن لنبدأ من اليوم." بدأتا أولًا بتنظيف النوافذ الطويلة، ثم الممرات، وبعدها نقلتا بعض المزهريات القديمة إلى أماكن يصلها ضوء الشمس. ولأول مرة منذ سنوات... دخل الضوء إلى أرجاء القصر بوضوح. حتى ريفِن، الذي كان يراقبهما من فوق إحدى الثريات، تمتم باستغراب: "القصر... صار أفتح." ضحكت نيكس وهي تشير إليه بالمكنسة. "بدل أن تراقب، انزل وساعد." تحول ريفِن إلى هيئته البشرية وهبط بخفة. "أنا غراب، ولست عامل نظافة." ابتسمت نيكس بخبث. "إذن سأخبر آريا أنك ترفض مساعدتها." تجمد مكانه. "...أين المكنسة؟" انفجرت آريا ضاحكة. وبعد ساعة... وصلوا إلى المكتبة. كان الغبار يملأ الرفوف القديمة. وقفت آريا على السلم الصغير، تمرر قطعة القماش فوق الكتب. وفجأة... شد انتباهها كتاب سميك للغاية، مغطى بطبقة كثيفة من الغبار. ك

  • عروس القصر لأسود    25

    الفصل الخامس وعشرون. تسللت خيوط الشمس الذهبية من بين ستائر غرفة آريا، لترسم خطوطًا دافئة فوق أرضية الغرفة الخشبية. تحركت آريا ببطء تحت الغطاء، ثم فتحت عينيها بتثاقل. حدقت بالسقف لثوانٍ. الغريب... أنها شعرت براحة لم تشعر بها منذ أن وصلت إلى القصر. وضعت يدها فوق صدرها وهمست لنفسها: "متى... توقفت عن الخوف؟" لم تكن تعرف الإجابة. لكنها كانت تشعر أن القصر، الذي بدا لها في البداية كأنه سجن مظلم، أصبح يحمل شيئًا مختلفًا... شيئًا يشبه الدفء. ابتسمت بخفة وهي نهضت من السرير، رتبت شعرها البني الطويل الذي انسدل على كتفيها كالشلال، ثم ارتدت فستانًا بسيطًا بلون أخضر فاتح. فتحت نافذة الغرفة. دخل الهواء البارد محملًا برائحة الأشجار والندى. تنهدت براحة. "اليوم... سأبدأ." خرجت من الغرفة بخطوات هادئة، بينما كانت أروقة القصر لا تزال ساكنة. وصلت إلى الصالة الرئيسية. كان المكان صامتًا... إلا من صوت خفيف يشبه الخرير. نظرت حولها باستغراب. ثم وقعت عيناها على الأريكة الكبيرة قرب المدفأة. ابتسمت فورًا. كانت نيكس نائمة بهيئة قطة سوداء صغيرة، وقد لفت ذيلها حول جسدها، بينما كانت أذناها تتحركا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status