مشاركة

5

last update تاريخ النشر: 2026-08-03 16:01:41

الفصل الخامس.

عادت آريا إلى غرفتها بعدما قرأت رسالة والدها للمرة الثالثة. كان من النادر أن يضطر إلى المبيت خارج المنزل، لذلك شعرت بوحدة غريبة تسللت إلى قلبها.

وضعت الرسالة فوق الطاولة وجلست أمام نافذتها الخشبية وهي تتأمل المطر الذي ما يزال يهطل بهدوء فوق أسطح منازل قرية إيفرهيل. كان هذا النوع من الليالي هو المفضل لديها، فلطالما أحبت رائحة المطر وصوته الذي يمنحها شعوراً بالراحة.

لكن هذه الليلة كانت مختلفة.

اختفى جاك بشكل غامض، والوردة الحمراء التي ظهرت في شعرها ما تزال موضوعة فوق مكتبها، وذلك الرجل الذي رأته تحت المطر لم يفارق أفكارها منذ عودتها إلى المنزل.

أغمضت عينيها وهي تتذكر ملامحه للحظة.

"هل كنت أتخيل الأمر حقاً؟"

لم تكن تؤمن بالأشباح أو الأرواح، لكنها أصبحت تشك حتى في عقلها بعد كل ما حدث خلال الأيام الماضية.

نهضت من مكانها واتجهت نحو المرآة لتجفف خصلات شعرها البني التي ما تزال رطبة قليلاً من المطر، قبل أن تلتقط الوردة الحمراء بين يديها.

"من أنت بحق السماء؟"

سألت نفسها وهي تحدق في الوردة. كانت جميلة بصورة غريبة، حتى إنها بدت وكأنها لم تُقطف من أي مكان في هذه الغابة.

وفجأة، سمعت صوت طرقات خفيفة على نافذتها.

تجمدت في مكانها لثوانٍ قبل أن تلتفت بسرعة نحو النافذة.

لم يكن هناك سوى الغراب الأسود الذي اعتادت رؤيته خلال الأيام الأخيرة. كان يقف بهدوء فوق حافة النافذة وكأنه جاء للاطمئنان عليها.

تنهدت آريا براحة وهي تفتح النافذة قليلاً.

"لقد أخفتني."

مال الغراب رأسه نحوها قبل أن يطلق صوتاً خافتاً، الأمر الذي جعلها تضحك بخفة.

"أتعلم؟ أظن أنك الوحيد الذي يزورني هذه الأيام."

جلس الغراب بهدوء بينما أخذت هي تحدثه وكأنه يفهم كل كلمة تقولها.

"أنا خائفة قليلاً، لا أعرف لماذا أشعر بأن حياتي أصبحت غريبة فجأة."

صمتت للحظة قبل أن تنظر إلى الغابة البعيدة من نافذتها.

"ما يزال الجميع يتحدثون عن القصر الأسود. بصراحة، أنا أخاف منه أيضاً. يكفي النظر إليه من بعيد ليشعر المرء بالقشعريرة."

ابتسمت بخجل وهي تكمل حديثها:

"لكن فضولي دائماً ما يتغلب على خوفي."

وفي تلك اللحظة، كان شخص ما يستمع إلى حديثها كاملاً.

داخل القصر الأسود، جلس لوسيان أمام نافذة ضخمة مطلة على الغابة وهو يرتشف كوباً من الشاي الأسود بهدوء. ارتسمت ابتسامة خافتة على شفتيه عندما سمع كلماتها الأخيرة.

"إذن أنتِ تخافين مني."

أغمض عينيه للحظة قبل أن يضيف بصوت هادئ:

"هذا أفضل في الوقت الحالي."

لم يكن يرغب في أن تراه آريا أو أن تعرف هويته بهذه السرعة. لقد استمتع كثيراً بمراقبة تعابير وجهها وفضولها الذي لا ينتهي.

أما الغراب، فقد أخذ يحدق به باستغراب قبل أن يقول ساخراً:

"أنت تراقبها منذ أيام، وتعرف ما تحب وما تخاف منه. لا تقل لي إنك أصبحت مهووساً بها بالفعل."

ابتسم لوسيان ابتسامة غامضة دون أن يجيب.

في تلك الليلة، نامت آريا وهي لا تعلم أن سيد القصر الأسود كان يتمنى لها أحلاماً هادئة من مكان بعيد، بينما كان القدر يقترب أكثر فأكثر من جمعهما تحت سقف واحد.

في الوقت نفسه، كان القصر الأسود غارقاً في هدوء الليل المعتاد. لم يكن يُسمع داخله سوى صوت احتراق الحطب داخل المدفأة وارتطام قطرات المطر بنوافذه الزجاجية الطويلة.

جلس لوسيان فوق أريكته السوداء الفاخرة واضعاً ساقاً فوق الأخرى، بينما كان ينظر من نافذته الضخمة نحو الغابة المظلمة. كان القمر المكتمل ينعكس فوق عينيه الحمراوين مانحاً إياهما بريقاً غريباً.

كان القصر بأكمله هادئاً إلى درجة مخيفة، حتى إن المرء قد يظن أنه مهجور منذ مئات السنين، لكن الحقيقة أن سيده كان يفضل العزلة منذ زمن طويل.

وفجأة، حط الغراب الأسود فوق كتفه وهو يقول بنبرة ساخرة:

"لقد أخبرتني بأنها قالت إنها تخاف منك."

ابتسم لوسيان ابتسامة خفيفة قبل أن يرتشف قليلاً من كأس النبيذ الموضوع أمامه.

"هذا أمر طبيعي."

"هل أنت حزين لذلك؟"

رفع حاجبه الأيسر باستغراب قبل أن يجيب بهدوء:

"ولماذا سأحزن؟"

قفز الغراب فوق الطاولة وأخذ يحدق في وجه سيده لعدة ثوانٍ قبل أن يقول:

"لأنها خائفة منك رغم أنك تراقبها منذ أيام، وأرسلت لها وردة نادرة لا تنمو إلا داخل حديقة هذا القصر."

ساد الصمت للحظات داخل الغرفة قبل أن يبتسم لوسيان ابتسامة غامضة.

"أنا لا أهتم إن كانت تخاف مني الآن."

ثم أدار نظره نحو القمر المكتمل وأكمل حديثه بصوت هادئ:

"لدي الكثير من الوقت."

"تقصد عشرات السنوات؟"

"بل مئات السنوات إن اضطررت لذلك."

اتسعت عينا الغراب بصدمة وهو يحدق في سيده.

"أنت مخيف أحياناً يا سيدي."

أما لوسيان، فقد نهض من مكانه متجهاً نحو الشرفة الخارجية للقصر. كانت الرياح الباردة تعبث بخصلات شعره الأسود الطويل بينما كانت عيناه مثبتتين على الاتجاه الذي تقع فيه قرية إيفرهيل.

"لقد مرت مئات السنين منذ أن أثار أحدهم فضولي بهذا الشكل."

خفض نظره قليلاً قبل أن يبتسم ابتسامة خافتة وهو يتذكر كيف كانت تقف تحت المطر قبل ساعات.

"إنها جميلة أكثر مما توقعت."

لم يكن يعلم إن كان ما يشعر به مجرد فضول تجاه فتاة بشرية مختلفة عن بقية سكان القرية، أم أن القدر بدأ ينسج له قصة لم يكن يتوقعها يوماً.

لكن هناك أمراً واحداً كان متأكداً منه...

لن يسمح لها بالابتعاد عن حياته بعد الآن.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • عروس القصر لأسود    30

    الفصل الثلاثين. ساد الصمت في غرفة آريا. كانت مستلقية على السرير، وجهها هادئ رغم أنها فقدت وعيها من شدة التعب والخوف. كانت نيكس تقف بجانبها، تراقب تنفسها بعناية، بينما كان لوسيان واقفًا قرب النافذة. لم يتحرك منذ أن دخل القصر. لم يجلس. لم يسأل عن نفسه. كل تركيزه كان عليها. قالت نيكس بهدوء: "سيدي." لم يرد. أكملت: "آريا بخير." التفت إليها بسرعة. ثم عاد إلى هدوئه. "قلتِ إنها بخير." رفعت نيكس حاجبها. "نعم." ثم نظرت إلى يده التي ما زالت تحمل آثار ما حدث. "لكن أنت لست بخير." خفض نظره إلى يده وكأنه لم يلاحظها. "لا يهم." تنهدت نيكس. "لوسيان." كان استخدام اسمه بهذه الطريقة كافيًا ليعرف أنها جادة. "استخدمت الكثير من طاقتك." بقي صامتًا. تابعت: "وسببت لك الشمس ضعفًا بسبب أنك لم تهتم بنفسك وأنت تنقذها." نظر إليها بنظرة باردة. "كنت سأفعل الأمر نفسه لأي شخص." ابتسمت نيكس قليلًا. "حقًا؟" لم يجب. لأنها تعرفه جيدًا. لو كان شخصًا آخر... لكان فكر قبل أن يندفع. لكن عندما تعلق الأمر بآريا... لم يفكر. قالت نيكس: "تحتاج إلى استعادة

  • عروس القصر لأسود    29

    الفصل التاسع و عشرون. كان لوسيان جالسًا في غرفة المكتب، تحيط به الكتب القديمة والأوراق التي لم ينتهِ من مراجعتها. كان المكان هادئًا كعادته... إلى أن فُتح الباب فجأة. رفع عينيه بهدوء. كانت آريا تقف هناك، تحمل ابتسامة صغيرة على وجهها. "لوسيان." عرف من نبرة صوتها مباشرة أن هناك طلبًا قادمًا. "ماذا تريدين؟" دخلت أكثر. "أريد أن تمشي معي قليلًا." ساد الصمت. نظر إليها لوسيان وكأنه يحاول فهم ما سمعه. "نمشي؟" أومأت بحماس. "نعم." نظر إلى النافذة. كانت الشمس مشرقة في الخارج. ثم عاد ينظر إليها. "آريا..." "نعم؟" "هل نسيتِ أن الشمس في الخارج؟" رمشت. "لا." "أنا مصاص دماء." سكت لحظة ثم أضاف بجدية: "قد أتبخر قبل أن أصل إلى الباب." نظرت إليه آريا لثوانٍ. ثم اقتربت قليلًا، ونظرت إليه بعينيها الواسعتين. "لكنني أريد أن أريك شيئًا." توقف. كان يعرف هذه النظرة. نظرة آريا التي تجعل من الصعب عليه الرفض. تنهد بهدوء. "أنتِ تستغلين ذلك." ابتسمت. "ماذا؟" "نظرة البراءة." ضحكت. "هل تنجح؟" نظر بعيدًا. "...للأسف." ... بعد دقائق، خرج الاثنان من القصر. كانت آريا تحمل مظلة كبير

  • عروس القصر لأسود    28

    الفصل الثامن وعشرون. كان القصر الأسود أكثر هدوءًا من المعتاد ذلك الصباح. كانت آريا تمشي في أحد الممرات الطويلة وهي تحمل بين يديها بعض أدوات التنظيف، بينما كان شعرها البني مربوطًا خلف ظهرها بطريقة بسيطة. كانت تنظر حولها بابتسامة صغيرة. منذ أيام فقط... كانت هذه الممرات تجعلها تشعر بالخوف. أما الآن، أصبحت تعرف كل زاوية فيها. كل نافذة. كل لوحة قديمة. وحتى الأصوات الغريبة التي تصدر أحيانًا من القصر لم تعد ترعبها كما في السابق. "بقي فقط هذا الجزء..." همست وهي تقترب من نهاية الممر. لكن فجأة... تغير شيء. شعرت آريا ببرودة غريبة تمر بجانبها. وقبل أن تفهم ما يحدث... شعرت وكأن قوة غير مرئية دفعتها إلى الخلف. اتسعت عيناها. سقطت الأدوات من يدها. ولم يكن هناك وقت حتى تصرخ. لكن قبل أن تلامس الأرض... وجدت نفسها بين ذراعي شخص آخر. فتحت عينيها بسرعة. كان لوسيان. نظر إليها بملامح جادة، وذراعه كانت تمسك بها بثبات. للحظة... لم تستوعب كيف وصل إليها بهذه السرعة. همست: "لوسيان..." نظر إلى المكان الذي كانت تقف فيه قبل لحظات. ثم عاد ينظر إليها. "هل أنتِ بخير؟" أومأت ببطء. "نعم..

  • عروس القصر لأسود    27

    الفصل السابع وعشرون. عادت آريا إلى غرفتها وهي تحمل مجموعة من الكتب بين ذراعيها. كان بعضها عن تاريخ القصر، وبعضها عن النباتات القديمة، وبعضها مجرد كتب اختارتها لأنها أعجبتها أغلفتها. لكن بين كل تلك الكتب... كان هناك كتاب واحد لم تستطع تجاهله. الكتاب الأسود القديم. منذ أن رأته في المكتبة، شعرت بشيء غريب تجاهه. لم يكن مجرد كتاب مهمل بين الرفوف. كان وكأنه... ينتظر أن يفتحه أحد. وضعته فوق الطاولة بعناية، ثم جلست أمامه. مررت أصابعها فوق الغلاف. كان باردًا بشكل غير طبيعي. "غريب..." همست. لماذا شعرت وكأنها رأته من قبل؟ فتحت الصفحة الأولى ببطء. في البداية، لم تجد سوى كلمات قديمة مكتوبة بحبر داكن. لكن عندما قربت الكتاب من الضوء، لاحظت شيئًا لم تنتبه له سابقًا. كانت هناك جملة صغيرة مخفية بين الزخارف الموجودة على الصفحة. اقتربت أكثر. حاولت قراءتها. لكن الكلمات لم تكن مثل أي لغة تعرفها. كانت حروفًا غريبة، ملتوية، وكأنها كتبت بطريقة مختلفة عن كل الكتب الموجودة في القصر. عبست آريا. "ما هذا؟" قلبت الصفحة. ثم أخرى. لكن كل ما وجدته كان نفس الكتابة الغريبة. لم تفهم حرفًا واح

  • عروس القصر لأسود    26

    الفصل السادس وعشرون. منذ الصباح الباكر، تحولت أروقة القصر الأسود إلى ورشة عمل حقيقية. كانت آريا تحمل سلّة صغيرة مليئة بأقمشة التنظيف، بينما كانت نيكس تمشي بجانبها وهي ترفع كميّ قميصها. قالت نيكس وهي تنظر إلى السقف المرتفع: "أظن أننا سنحتاج أسبوعًا كاملًا." ابتسمت آريا بحماس. "إذن لنبدأ من اليوم." بدأتا أولًا بتنظيف النوافذ الطويلة، ثم الممرات، وبعدها نقلتا بعض المزهريات القديمة إلى أماكن يصلها ضوء الشمس. ولأول مرة منذ سنوات... دخل الضوء إلى أرجاء القصر بوضوح. حتى ريفِن، الذي كان يراقبهما من فوق إحدى الثريات، تمتم باستغراب: "القصر... صار أفتح." ضحكت نيكس وهي تشير إليه بالمكنسة. "بدل أن تراقب، انزل وساعد." تحول ريفِن إلى هيئته البشرية وهبط بخفة. "أنا غراب، ولست عامل نظافة." ابتسمت نيكس بخبث. "إذن سأخبر آريا أنك ترفض مساعدتها." تجمد مكانه. "...أين المكنسة؟" انفجرت آريا ضاحكة. وبعد ساعة... وصلوا إلى المكتبة. كان الغبار يملأ الرفوف القديمة. وقفت آريا على السلم الصغير، تمرر قطعة القماش فوق الكتب. وفجأة... شد انتباهها كتاب سميك للغاية، مغطى بطبقة كثيفة من الغبار. ك

  • عروس القصر لأسود    25

    الفصل الخامس وعشرون. تسللت خيوط الشمس الذهبية من بين ستائر غرفة آريا، لترسم خطوطًا دافئة فوق أرضية الغرفة الخشبية. تحركت آريا ببطء تحت الغطاء، ثم فتحت عينيها بتثاقل. حدقت بالسقف لثوانٍ. الغريب... أنها شعرت براحة لم تشعر بها منذ أن وصلت إلى القصر. وضعت يدها فوق صدرها وهمست لنفسها: "متى... توقفت عن الخوف؟" لم تكن تعرف الإجابة. لكنها كانت تشعر أن القصر، الذي بدا لها في البداية كأنه سجن مظلم، أصبح يحمل شيئًا مختلفًا... شيئًا يشبه الدفء. ابتسمت بخفة وهي نهضت من السرير، رتبت شعرها البني الطويل الذي انسدل على كتفيها كالشلال، ثم ارتدت فستانًا بسيطًا بلون أخضر فاتح. فتحت نافذة الغرفة. دخل الهواء البارد محملًا برائحة الأشجار والندى. تنهدت براحة. "اليوم... سأبدأ." خرجت من الغرفة بخطوات هادئة، بينما كانت أروقة القصر لا تزال ساكنة. وصلت إلى الصالة الرئيسية. كان المكان صامتًا... إلا من صوت خفيف يشبه الخرير. نظرت حولها باستغراب. ثم وقعت عيناها على الأريكة الكبيرة قرب المدفأة. ابتسمت فورًا. كانت نيكس نائمة بهيئة قطة سوداء صغيرة، وقد لفت ذيلها حول جسدها، بينما كانت أذناها تتحركا

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status