LOGINالفصل الثالث.
حلَّ الليل أخيراً على قرية إيفرهيل، واكتست السماء بلونها الأزرق الداكن بينما بدأت النجوم تزينها بهدوء. جلست آريا بالقرب من نافذة غرفتها وهي تحمل الوردة الحمراء بين يديها، ما تزال غير قادرة على استيعاب كيف وصلت إلى شعرها دون أن تشعر بذلك. كانت الوردة مختلفة عن أي وردة رأتها من قبل، فبتلاتها الحمراء الداكنة بدت وكأنها صُنعت بعناية فائقة، كما أن رائحتها كانت تشبه رائحة المطر في الليالي الباردة. تنهدت وهي تتمتم لنفسها: "هل يعقل أن أحدهم وضعها في شعري حقاً؟" وقبل أن تتمكن من التفكير أكثر، سمعت صوت رفرفة أجنحة بالقرب من نافذتها. التفتت بسرعة لتجد الغراب الأسود يقف أمامها بكل هدوء، محدقاً بها بعينيه الذكيتين. شهقت بخفة وهي تبتعد قليلاً. "أنت مجدداً؟!" مال الغراب رأسه إلى الجانب وكأنه يحاول فهم كلماتها، الأمر الذي جعلها تحدق فيه باستغراب. "أتعلم؟ لقد بدأت أشعر أنك تراقبني منذ فترة." اقتربت منه بحذر قبل أن تجلس بجانب النافذة وتقول مبتسمة: "الجميع في القرية يخافون من هذه الغابة ومن القصر الأسود، لكنني لا أفهم السبب. أعني، أنا ذهبت إلى هناك أكثر من مرة ولم يحدث لي شيء." أخذت تتأمل الوردة بين يديها وأكملت حديثها: "ربما تكون كل تلك القصص مجرد خرافات." أطلق الغراب صوتاً خافتاً وكأنه يعترض على كلامها، مما جعلها تضحك. "لا تخبرني أنك تدافع عن سيد القصر!" وفجأة، فرد جناحيه وطار مبتعداً نحو الغابة الشمالية، لكنه توقف بعد عدة أمتار وكأنه يطلب منها أن تتبعه. "هل تريد مني القدوم معك؟" كانت على وشك اللحاق به، لكنها توقفت عندما سمعت صوتاً مألوفاً يناديها. "آريا!" التفتت لتجد صديق طفولتها يقترب منها مبتسماً. كان يحمل بعض الفواكه التي اشتراها من السوق، وقد بدا سعيداً برؤيتها. جلس بجانبها وأخذ يتحدث معها عن أحداث يومه كعادته، بينما كان الغراب يراقبهما من بعيد قبل أن يختفي بين الأشجار. في تلك الأثناء، كان لوسيان يقف فوق إحدى أغصان الأشجار العالية، يتابع المشهد بصمت وعيناه الحمراوان مثبتتان على الفتاة التي شغلت أفكاره طوال الأيام الماضية. ابتسم ابتسامة خافتة وهو يراقبها تضحك، إلى أن تغيرت ملامحه عندما رفع الشاب يده ووضعها بلطف على وجنتها قائلاً: "لقد كنت قلقاً عليك اليوم." احمر وجه آريا قليلاً من تصرفه المفاجئ، بينما اتسعت عينا لوسيان للحظة. أمال رأسه إلى الجانب وهو يراقب المشهد بصمت مخيف، ولمعت عيناه ببرود لم يظهره من قبل. بعد انتهاء حديثهما، ودعها الشاب مبتسماً وبدأ بالسير نحو منزله عبر الطريق المؤدي إلى أطراف الغابة. كان الليل قد حل تماماً عندما شعر فجأة بأن أحداً يقف خلفه. توقف عن السير ونظر حوله بتوتر. "من هناك؟" لكن لم يجبه أحد. وفي لحظة خاطفة، شعر بألم حاد في عنقه قبل أن يفقد القدرة على الحركة. لم يستطع رؤية ملامح الشخص الذي هاجمه، وكل ما رآه كان عينين حمراوين تلمعان وسط الظلام. وبعد دقائق قليلة، سقط جسده بلا حراك على الأرض. أما في مكان آخر، فقد وقف لوسيان ينظر إلى القمر بهدوء قبل أن يقول بصوت منخفض: "لا أحب أن يلمس أحد ما هو لي." لم تكن آريا تعلم أن حياتها بدأت تتغير منذ اللحظة التي خطت فيها داخل الغابة الشمالية. ....... استيقظت قرية إيفرهيل في صباح اليوم التالي على خبرٍ لم يكن أحد يتوقعه. "لقد اختفى!" كانت تلك الكلمة تتردد في جميع أنحاء القرية منذ ساعات الفجر الأولى. خرج السكان من منازلهم يتساءلون عما حدث، بينما كانت مجموعات البحث تتجه نحو أطراف الغابة على أمل العثور على أي أثر للشاب الذي لم يعد إلى منزله الليلة الماضية. وقفت آريا وسط الحشود وهي تنظر إلى والدة صديقها التي كانت تبكي بحرقة، بينما كان والدها يحاول تهدئتها. شعرت بانقباض في قلبها. فقد كان الشاب يجلس معها قبل ساعات قليلة فقط، وكان يضحك معها كعادته، فكيف يمكن أن يختفي بهذه البساطة؟ "ربما يكون قد ضل طريقه فقط!" قالت إحدى النساء محاولة بث الأمل في قلوب الجميع. لكن أحد كبار السن هز رأسه قائلاً بصوت خافت: "لقد حدث الأمر بالقرب من الغابة الشمالية." ساد الصمت في المكان فور سماع تلك الكلمات. "ألا تظنون أن سيد القصر الأسود قد عاد مجدداً؟" ارتجفت النساء فور سماع ذلك الاسم، بينما بدأت الهمسات تنتشر بين سكان القرية. أما آريا فلم تستطع منع نفسها من التفكير في أحداث الأمس؛ الوردة الحمراء التي ظهرت فجأة في شعرها، والغراب الأسود الذي أصبح يزورها باستمرار، وذلك الشعور الغريب الذي يرافقها كلما اقتربت من الغابة. هزت رأسها بسرعة محاولة طرد تلك الأفكار من عقلها. "هذا مستحيل." لكن شيئاً في داخلها كان يخبرها بأن الأمر ليس مجرد صدفة. في تلك الليلة، لم تستطع النوم على الإطلاق. جلست أمام نافذتها تنظر إلى القمر المكتمل وهي تضم قدميها إلى صدرها. كانت تشعر بأن حياتها الهادئة بدأت تتغير بطريقة لا تستطيع فهمها. "هل حقاً يوجد مصاص دماء يعيش هناك؟" وكأن الغابة كانت تنتظر سؤالها، سمعت صوت رفرفة أجنحة مألوفاً. ابتسمت بخفة عندما رأت الغراب الأسود يحط على حافة نافذتها مجدداً. "هل أتيت لزيارتي مرة أخرى؟" اقترب منها الغراب هذه المرة أكثر من المعتاد قبل أن يضع شيئاً صغيراً أمامها. اتسعت عيناها بدهشة. كان عقداً فضياً جميلاً تتوسطه قطعة حجر حمراء تشبه الياقوت، وقد نُحت عليه رمز غريب لم تره من قبل. رفعت العقد بين يديها وهي تتمتم: "لمن هذا؟" مال الغراب رأسه وكأنه ينتظر منها ارتداءه. ضحكت بخفة وهي تنظر إليه. "لا تقل لي إنه هدية مني... أو بالأحرى من سيدك؟" في تلك اللحظة، وعلى بعد عدة كيلومترات داخل القصر الأسود، كان لوسيان يجلس أمام المدفأة واضعاً رأسه فوق راحة يده بينما يشاهد انعكاس صورتها داخل مرآة سحرية قديمة. ابتسم عندما رآها تمسك بالعقد. "لقد أعجبها." أما غرابه الأسود فقال ساخراً: "أنت تهديها الورود والعقود الثمينة وتقتل كل من يقترب منها، هل أنت متأكد أنك لست مهووساً بها يا سيدي؟" رفع لوسيان حاجبه قليلاً قبل أن يجيب بهدوء مخيف: "أنا فقط لا أحب أن يسرق أحد ما أصبح يثير اهتمامي." لكن ما لم يعلمه حتى هو نفسه... أن اهتمامه بآريا بدأ يتحول شيئاً فشيئاً إلى هوس لن يستطيع التخلص منه مهما حاول.الفصل الثلاثين. ساد الصمت في غرفة آريا. كانت مستلقية على السرير، وجهها هادئ رغم أنها فقدت وعيها من شدة التعب والخوف. كانت نيكس تقف بجانبها، تراقب تنفسها بعناية، بينما كان لوسيان واقفًا قرب النافذة. لم يتحرك منذ أن دخل القصر. لم يجلس. لم يسأل عن نفسه. كل تركيزه كان عليها. قالت نيكس بهدوء: "سيدي." لم يرد. أكملت: "آريا بخير." التفت إليها بسرعة. ثم عاد إلى هدوئه. "قلتِ إنها بخير." رفعت نيكس حاجبها. "نعم." ثم نظرت إلى يده التي ما زالت تحمل آثار ما حدث. "لكن أنت لست بخير." خفض نظره إلى يده وكأنه لم يلاحظها. "لا يهم." تنهدت نيكس. "لوسيان." كان استخدام اسمه بهذه الطريقة كافيًا ليعرف أنها جادة. "استخدمت الكثير من طاقتك." بقي صامتًا. تابعت: "وسببت لك الشمس ضعفًا بسبب أنك لم تهتم بنفسك وأنت تنقذها." نظر إليها بنظرة باردة. "كنت سأفعل الأمر نفسه لأي شخص." ابتسمت نيكس قليلًا. "حقًا؟" لم يجب. لأنها تعرفه جيدًا. لو كان شخصًا آخر... لكان فكر قبل أن يندفع. لكن عندما تعلق الأمر بآريا... لم يفكر. قالت نيكس: "تحتاج إلى استعادة
الفصل التاسع و عشرون. كان لوسيان جالسًا في غرفة المكتب، تحيط به الكتب القديمة والأوراق التي لم ينتهِ من مراجعتها. كان المكان هادئًا كعادته... إلى أن فُتح الباب فجأة. رفع عينيه بهدوء. كانت آريا تقف هناك، تحمل ابتسامة صغيرة على وجهها. "لوسيان." عرف من نبرة صوتها مباشرة أن هناك طلبًا قادمًا. "ماذا تريدين؟" دخلت أكثر. "أريد أن تمشي معي قليلًا." ساد الصمت. نظر إليها لوسيان وكأنه يحاول فهم ما سمعه. "نمشي؟" أومأت بحماس. "نعم." نظر إلى النافذة. كانت الشمس مشرقة في الخارج. ثم عاد ينظر إليها. "آريا..." "نعم؟" "هل نسيتِ أن الشمس في الخارج؟" رمشت. "لا." "أنا مصاص دماء." سكت لحظة ثم أضاف بجدية: "قد أتبخر قبل أن أصل إلى الباب." نظرت إليه آريا لثوانٍ. ثم اقتربت قليلًا، ونظرت إليه بعينيها الواسعتين. "لكنني أريد أن أريك شيئًا." توقف. كان يعرف هذه النظرة. نظرة آريا التي تجعل من الصعب عليه الرفض. تنهد بهدوء. "أنتِ تستغلين ذلك." ابتسمت. "ماذا؟" "نظرة البراءة." ضحكت. "هل تنجح؟" نظر بعيدًا. "...للأسف." ... بعد دقائق، خرج الاثنان من القصر. كانت آريا تحمل مظلة كبير
الفصل الثامن وعشرون. كان القصر الأسود أكثر هدوءًا من المعتاد ذلك الصباح. كانت آريا تمشي في أحد الممرات الطويلة وهي تحمل بين يديها بعض أدوات التنظيف، بينما كان شعرها البني مربوطًا خلف ظهرها بطريقة بسيطة. كانت تنظر حولها بابتسامة صغيرة. منذ أيام فقط... كانت هذه الممرات تجعلها تشعر بالخوف. أما الآن، أصبحت تعرف كل زاوية فيها. كل نافذة. كل لوحة قديمة. وحتى الأصوات الغريبة التي تصدر أحيانًا من القصر لم تعد ترعبها كما في السابق. "بقي فقط هذا الجزء..." همست وهي تقترب من نهاية الممر. لكن فجأة... تغير شيء. شعرت آريا ببرودة غريبة تمر بجانبها. وقبل أن تفهم ما يحدث... شعرت وكأن قوة غير مرئية دفعتها إلى الخلف. اتسعت عيناها. سقطت الأدوات من يدها. ولم يكن هناك وقت حتى تصرخ. لكن قبل أن تلامس الأرض... وجدت نفسها بين ذراعي شخص آخر. فتحت عينيها بسرعة. كان لوسيان. نظر إليها بملامح جادة، وذراعه كانت تمسك بها بثبات. للحظة... لم تستوعب كيف وصل إليها بهذه السرعة. همست: "لوسيان..." نظر إلى المكان الذي كانت تقف فيه قبل لحظات. ثم عاد ينظر إليها. "هل أنتِ بخير؟" أومأت ببطء. "نعم..
الفصل السابع وعشرون. عادت آريا إلى غرفتها وهي تحمل مجموعة من الكتب بين ذراعيها. كان بعضها عن تاريخ القصر، وبعضها عن النباتات القديمة، وبعضها مجرد كتب اختارتها لأنها أعجبتها أغلفتها. لكن بين كل تلك الكتب... كان هناك كتاب واحد لم تستطع تجاهله. الكتاب الأسود القديم. منذ أن رأته في المكتبة، شعرت بشيء غريب تجاهه. لم يكن مجرد كتاب مهمل بين الرفوف. كان وكأنه... ينتظر أن يفتحه أحد. وضعته فوق الطاولة بعناية، ثم جلست أمامه. مررت أصابعها فوق الغلاف. كان باردًا بشكل غير طبيعي. "غريب..." همست. لماذا شعرت وكأنها رأته من قبل؟ فتحت الصفحة الأولى ببطء. في البداية، لم تجد سوى كلمات قديمة مكتوبة بحبر داكن. لكن عندما قربت الكتاب من الضوء، لاحظت شيئًا لم تنتبه له سابقًا. كانت هناك جملة صغيرة مخفية بين الزخارف الموجودة على الصفحة. اقتربت أكثر. حاولت قراءتها. لكن الكلمات لم تكن مثل أي لغة تعرفها. كانت حروفًا غريبة، ملتوية، وكأنها كتبت بطريقة مختلفة عن كل الكتب الموجودة في القصر. عبست آريا. "ما هذا؟" قلبت الصفحة. ثم أخرى. لكن كل ما وجدته كان نفس الكتابة الغريبة. لم تفهم حرفًا واح
الفصل السادس وعشرون. منذ الصباح الباكر، تحولت أروقة القصر الأسود إلى ورشة عمل حقيقية. كانت آريا تحمل سلّة صغيرة مليئة بأقمشة التنظيف، بينما كانت نيكس تمشي بجانبها وهي ترفع كميّ قميصها. قالت نيكس وهي تنظر إلى السقف المرتفع: "أظن أننا سنحتاج أسبوعًا كاملًا." ابتسمت آريا بحماس. "إذن لنبدأ من اليوم." بدأتا أولًا بتنظيف النوافذ الطويلة، ثم الممرات، وبعدها نقلتا بعض المزهريات القديمة إلى أماكن يصلها ضوء الشمس. ولأول مرة منذ سنوات... دخل الضوء إلى أرجاء القصر بوضوح. حتى ريفِن، الذي كان يراقبهما من فوق إحدى الثريات، تمتم باستغراب: "القصر... صار أفتح." ضحكت نيكس وهي تشير إليه بالمكنسة. "بدل أن تراقب، انزل وساعد." تحول ريفِن إلى هيئته البشرية وهبط بخفة. "أنا غراب، ولست عامل نظافة." ابتسمت نيكس بخبث. "إذن سأخبر آريا أنك ترفض مساعدتها." تجمد مكانه. "...أين المكنسة؟" انفجرت آريا ضاحكة. وبعد ساعة... وصلوا إلى المكتبة. كان الغبار يملأ الرفوف القديمة. وقفت آريا على السلم الصغير، تمرر قطعة القماش فوق الكتب. وفجأة... شد انتباهها كتاب سميك للغاية، مغطى بطبقة كثيفة من الغبار. ك
الفصل الخامس وعشرون. تسللت خيوط الشمس الذهبية من بين ستائر غرفة آريا، لترسم خطوطًا دافئة فوق أرضية الغرفة الخشبية. تحركت آريا ببطء تحت الغطاء، ثم فتحت عينيها بتثاقل. حدقت بالسقف لثوانٍ. الغريب... أنها شعرت براحة لم تشعر بها منذ أن وصلت إلى القصر. وضعت يدها فوق صدرها وهمست لنفسها: "متى... توقفت عن الخوف؟" لم تكن تعرف الإجابة. لكنها كانت تشعر أن القصر، الذي بدا لها في البداية كأنه سجن مظلم، أصبح يحمل شيئًا مختلفًا... شيئًا يشبه الدفء. ابتسمت بخفة وهي نهضت من السرير، رتبت شعرها البني الطويل الذي انسدل على كتفيها كالشلال، ثم ارتدت فستانًا بسيطًا بلون أخضر فاتح. فتحت نافذة الغرفة. دخل الهواء البارد محملًا برائحة الأشجار والندى. تنهدت براحة. "اليوم... سأبدأ." خرجت من الغرفة بخطوات هادئة، بينما كانت أروقة القصر لا تزال ساكنة. وصلت إلى الصالة الرئيسية. كان المكان صامتًا... إلا من صوت خفيف يشبه الخرير. نظرت حولها باستغراب. ثم وقعت عيناها على الأريكة الكبيرة قرب المدفأة. ابتسمت فورًا. كانت نيكس نائمة بهيئة قطة سوداء صغيرة، وقد لفت ذيلها حول جسدها، بينما كانت أذناها تتحركا







