LOGINالفصل الواحد والستون
مرّت عدة أيام منذ عودة آريا إلى القرية. وفي البداية، ظنت أن لقاءها بأنتوني في السوق كان مجرد صدفة. لكن الصدف بدأت تتكرر. في اليوم التالي، رأته عند أحد الأكشاك. وفي اليوم الذي يليه، وجدته أمام متجر كانت تمر بجانبه. ثم مرة أخرى بالقرب من منزلها. وفي صباح آخر، كان يقف على مسافة من شرفة منزلها، وعندما لمحها ابتسم ورفع يده. وفي كل مرة... كان يحمل وردة. في البداية كانت وردة بيضاء. وفي اليوم التالي حمراء. ثم وردة بنفسجية صغيرة. وفي مرة أخرى، أحضر لها باقة صغيرة. قالت له آريا وهي تأخذ الوردة: "أنت تفعل هذا كل يوم." ابتسم أنتوني. "هل يزعجك؟" نظرت إلى الوردة. "لا... لكنني لا أفهم السبب." قال بهدوء: "لأنها تذكّرني بك." احمر وجه آريا قليلًا. "أنا؟" "نعم." ثم أضاف: "وكنتِ تحبين الورود منذ طفولتك." ابتسمت آريا. "ما زلت أحبها." "إذن سأستمر." ضحكت. "أنت عنيد." "تعلمت ذلك منك." هزت رأسها وهي تبتسم. لكن في داخلها كان هناك شيء يجعلها مترددة. لم تكن تريد أن تعطيه أملًا بشيء. فقلبها... كان لا يزال في مكان آخر. --- وفي الوقت نفسه، خلف الغابة... كان القصر الأسود هادئًا. جلس لوسيان في غرفته أمام مكتبه. كان أمامه ورق أبيض وقلم. ظل ينظر إلى الصفحة طويلًا. ثم بدأ يرسم. خطًا بعد خط. ملامح وجه. شعرًا بنيًا طويلًا. عينين واسعتين. ابتسامة صغيرة يعرفها جيدًا. توقف للحظة. ثم نظر إلى الرسم. كانت آريا. لم تكن الصورة مثالية، لكنها كانت قريبة منها بشكل غريب. مرر إصبعه على طرف الورقة. ثم ابتسم ابتسامة حزينة. "حتى الآن..." قال بصوت منخفض: "ما زلت أتذكر كل تفاصيلك." طوى الورقة بعناية، لكنه لم يضعها بين بقية الأوراق. فتح درجًا صغيرًا في مكتبه. ووضع الرسم داخله. ثم أغلقه. وكأنه يخشى أن يراه أحد. لكن بعد لحظات... فتح الدرج مرة أخرى. وأخرج الرسم. نظر إليه مجددًا. ثم قال: "هذا سخيف." لكنه لم يستطع أن يعيده إلى الدرج. وضعه بجانب سريره بدلًا من ذلك. --- في المساء، كانت آريا تقف في شرفتها، والوردة التي أعطاها لها أنتوني موضوعة في كأس ماء صغير. نظرت إليها. ثم أغمضت عينيها. ولم تتذكر أنتوني. بل تذكرت لوسيان. طريقته في النظر إليها. صوته. وضحتها معه. وحتى تلك الليلة التي حملها فيها بين ذراعيه وهي مصابة. وضعت يدها على قلبها. "لماذا ما زلت أفتقدك؟" وفي القصر الأسود، كان لوسيان جالسًا قرب النافذة، ينظر إلى الرسم أمامه. رفع عينيه نحو القرية. وكأنه يستطيع رؤيتها من خلف كل تلك المسافة. وفي تلك اللحظة... لم يكن يعرف شيئًا عن الورود التي تصل إلى آريا كل يوم. لكن شيئًا داخله كان يخبره أن هناك شيئًا يتغير في حياتها بعيدًا عنه. ولأول مرة... شعر بالغيرة من شيء لا يستطيع حتى رؤيته. --- في صباح اليوم التالي، خرجت آريا من منزلها وهي تحمل سلة صغيرة، وما إن أغلقت الباب خلفها حتى توقفت. كان أنتوني واقفًا أمام المنزل. وفي يده، كالعادة، وردة. نظرت إليه باستغراب. "أنتوني؟ ماذا تفعل هنا؟" ابتسم. "كنت مارًّا من هنا." نظرت إلى الطريق خلفه، ثم عادت لتنظر إليه. "مارًّا من هنا كل يوم؟" ضحك. "يبدو أن طريقي أصبح يحب هذا المكان." هزت آريا رأسها وهي تبتسم. "أنت لا تتغير." مدّ لها الوردة. "وهذه لكِ." أخذتها منه. "شكرًا." ثم نظرت إليها وقالت: "أنت تعرف أنني بدأت أجمع ورودًا منك، أليس كذلك؟" "إذن سأحتاج إلى أن أجد لكِ مزهرية أكبر." ضحكت آريا. لكنها لم تلاحظ أن أنتوني ظل ينظر إليها للحظات بصمت. ثم قال: "آريا..." رفعت عينيها. "نعم؟" تردد قليلًا، ثم ابتسم. "لا شيء." وفي اللحظة نفسها، مرت نسمة خفيفة حرّكت شعرها. رفعت آريا يدها لتبعده عن وجهها، بينما بقيت الوردة بين أصابعها. ولسبب لم تفهمه... شعرت بأن الأيام القادمة لن تكون عادية أبدًا.الفصل المئة حلّ الليل أخيرًا على القصر الأسود. كانت أروقته هادئة، والأنوار الخافتة المعلقة على الجدران ترسم ظلالًا طويلة على الأرض. بعد يوم طويل... كان الجميع قد عادوا إلى غرفهم. أما آريا، فكانت لا تزال مستيقظة. جلست على السرير، تنظر إلى طفلتها الصغيرة النائمة في سريرها القريب. كانت إليان هادئة جدًا. وجهها الصغير مسترخٍ، وشعرها الأسود يحيط برأسها، بينما كانت يداها الصغيرتان تتحركان أحيانًا تحت الغطاء. ابتسمت آريا. لم تستطع التوقف عن النظر إليها. دخل لوسيان الغرفة وهو يحمل صينية صغيرة. قال: "أحضرت لكِ شيئًا تأكلينه." التفتت إليه. "لم يكن عليك أن تتعب نفسك." وضع الطعام بالقرب منها. "أنتِ بحاجة إلى الطعام." ثم نظر إلى إليان. ابتسم. "وهي أيضًا بحاجة إلى أن تبقى أمها بخير." ضحكت آريا. "أصبحت شديد الاهتمام." رفع حاجبه. "أصبحتِ أنتِ وطفلتنا أهم شيء عندي." نظرت إليه آريا بابتسامة دافئة. ثم قالت: "هل تستطيع أن تبقى معها قليلًا؟" "بالطبع." لكن قبل أن تتحرك... سمع لوسيان صوتًا خافتًا من الخارج. توقف. قالت آريا: "ماذا؟" نظر نحو الباب. "يبدو أن شيئًا سقط في المم
الفصل التاسع والتسعين ظلّ لوسيان جالسًا بجانب آريا، وعيناه معلقتان بالطفلة الصغيرة التي كانت نائمة بهدوء بالقرب منها. إليان... ابنته. كان لا يزال عاجزًا عن استيعاب الكلمة. ابنته. هو الذي عاش آلاف السنين معتقدًا أن حياته ستبقى كما هي، وجد نفسه الآن ينظر إلى كائن صغير جدًا يستطيع أن يغيّر كل شيء بداخله. مد يده مرة أخرى. تردّد قبل أن يلمسها. كان يخشى أن تكون حركته قوية أكثر من اللازم. لاحظت آريا تردده، فابتسمت رغم تعبها. "لوسيان..." رفع عينيه إليها. "نعم؟" قالت بهدوء: "احملها." نظر إلى الطفلة. ثم إليها. "هل أنتِ متأكدة؟" ابتسمت. "إنها ابنتك." كانت تلك الجملة وحدها كافية. مد لوسيان ذراعيه بحذر شديد. ساعدته آريا على نقل إليان إليه، وبعد لحظات أصبحت الطفلة الصغيرة بين ذراعي والدها للمرة الأولى. توقف لوسيان تمامًا. لم يتحرك. كانت إليان مستلقية بهدوء، رأسها الصغير قريب من صدره، ويداها الصغيرتان مختبئتان داخل الغطاء. نظر إليها وكأنه يرى شيئًا لم يره من قبل. رفع إحدى يديه ووضعها خلف رأسها بحذر. ثم قال بصوت منخفض: "إنها صغيرة جدًا." ضحكت آريا. "طبعًا." ظل ينظر إ
الفصل الثامن والتسعين مع مرور الوقت... بدأ أمر غريب يحدث داخل القصر الأسود. أمر لم يكن أحد يتوقعه. فقد بدأ كريس يقترب من لوسيان. في البداية، كان الأمر بسيطًا. كان يجلس في الغرفة نفسها التي يجلس فيها لوسيان، ثم بدأ يترك ألعابه بالقرب منه، وبعد ذلك صار يذهب إليه كلما أراد شيئًا. حتى إن آريا وقفت بدهشة عندما طلب كريس من لوسيان، للمرة الأولى، أن يحمله. كان لوسيان جالسًا في المكتبة، يقلب صفحات أحد الكتب، عندما اقترب منه كريس. وقف أمامه، وظل ينظر إليه للحظات، ثم مد ذراعيه. "لوسيان." رفع لوسيان عينيه. "نعم؟" "احملني." تجمد لوسيان للحظة، ثم أغلق الكتاب وحمله بين ذراعيه. استقر كريس بسهولة، وأسند رأسه إلى كتفه، وكأنه اعتاد ذلك منذ سنوات. كانت آريا واقفة عند الباب، فابتسمت وقالت: "يبدو أن العم المخيف قد اختفى." نظر لوسيان إليها. "يبدو ذلك." رفع كريس رأسه وقال بجدية: "لوسيان ليس مخيفًا." ضحكت آريا. "حقًا؟" أومأ. "لوسيان صديقي." توقف لوسيان، ونظر إلى كريس، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة حقيقية. "صديقك؟" "نعم." وضم الطفل ذراعيه حول عنقه. ومنذ ذلك اليوم... أصبح الاثنان لا ي
الفصل السابع والتسعين مرت بضعة أيام أخرى... وظلت سرعة نمو كريس تدهش الجميع. في كل مرة كانت آريا تستيقظ فيها وتذهب لرؤيته، كانت تلاحظ فيه أمرًا جديدًا. ففي أحد الأيام، أصبح قادرًا على الوقوف وحده مدة أطول. وفي اليوم التالي، بدأ يركض لمسافات قصيرة. وبعد يومين فقط... بدأ يتحدث أكثر. كانت نيكس جالسة في الحديقة، وكريس إلى جانبها، بينما كان ريفين يحاول ترتيب بعض الأشياء القريبة منهما. قالت نيكس: "كريس، تعال إلى أمك." ركض الطفل إليها فورًا. "أمي!" فتح ريفين ذراعيه. "وماذا عن أبيك؟" توقف كريس. ونظر إليه. ثم ابتسم وركض نحوه. "أبي!" ضحك ريفين بسعادة. "أخيرًا!" حمل ابنه بين ذراعيه ورفعه قليلًا. "هل سمعتما؟ لقد قال: أبي!" قالت نيكس: "سمعتها." ثم ضحكت. "لقد احتجتَ إلى وقت طويل." قال ريفين: "المهم أنه قالها." بدأ كريس يضحك، ثم مد يديه باتجاه نيكس. "أمي!" أنزل ريفين ابنه. ركض كريس نحو نيكس واحتضن ساقها. ابتسمت وهي تمرر يدها على شعره. كان متعلقًا بها كثيرًا... وبريفين أكثر مما توقعا. كان يحب البقاء بالقرب منهما، ومراقبتهما، والذهاب مع ريفين أينما ذهب. لكن مع مرور
الفصل السادس والتسعين مرت الأيام بهدوء داخل القصر الأسود، لكن الهدوء هذه المرة لم يكن يعني أن كل شيء بقي كما هو. فمنذ ولادة كريس، أصبح للقصر صوت جديد. صوت طفل صغير. في البداية، كان كريس لا يفعل سوى النوم. كانت نيكس تجلس قربه لساعات، تراقب حركاته الصغيرة، بينما ريفين يقف بجانبها وكأنه لا يزال غير مصدق أنه أصبح أبًا. كان كل شيء هادئًا... إلى أن مرّت عدة أسابيع. وفي صباح أحد الأيام، دخلت آريا غرفة نيكس، فوجدتها تحمل كريس بين ذراعيها. ابتسمت آريا. "صباح الخير." نظرت إليها نيكس وابتسمت. "صباح الخير." اقتربت آريا من الطفل. "كيف حال صغيرنا؟" قالت نيكس: "إنه بخير." مدت آريا إصبعها نحو يده الصغيرة. لكن فجأة... أمسك كريس بإصبعها بقوة. ضحكت آريا. "انظروا إليه!" اقترب ريفين بفخر. "إنه قوي." نظرت إليه نيكس. "طبعًا قوي." ثم أضافت: "لقد بدأ يكبر بسرعة." رفعت آريا رأسها. "بسرعة؟" أومأت نيكس. "أسرع مما توقعت." لكن آريا لم تفهم معنى كلامها بعد. --- مرت بضعة أسابيع أخرى. وفي أحد الصباحات... كانت آريا تمشي في ممرات القصر برفقة لوسيان. كان لوسيان يسير بجانبها كعادته،
الفصل الخامس والتسعين مرت عدة أيام منذ أن عرف لوسيان أن آريا تحمل طفله. ومنذ ذلك اليوم، تغيّر شيء فيه بشكل واضح. لم يعد يتركها تفعل أي شيء وحدها. إذا نهضت من السرير، كان يسألها فورًا: "إلى أين تذهبين؟" وإذا قالت إنها ستذهب إلى المطبخ، كان يجيب: "سأرافقك." وإذا حاولت حمل أي شيء، حتى لو كان كتابًا صغيرًا، كان يأخذه منها فورًا. في البداية كانت آريا تجد الأمر لطيفًا... لكن بعد عدة أيام بدأت تشعر أن الأمر مبالغ فيه قليلًا. كانت جالسة في إحدى قاعات القصر تقرأ كتابًا، بينما كان لوسيان واقفًا بالقرب من النافذة. وضعت علامة بين صفحات الكتاب ونهضت. في اللحظة نفسها التفت إليها. "إلى أين؟" نظرت إليه بدهشة. "سأجلس هناك فقط." وأشار إلى المقعد القريب منها. "يمكنك الجلوس هنا." ضحكت. "لوسيان، أنا لم أصبح عاجزة." اقترب منها. "أعرف." "إذن لماذا تتصرف وكأنني سأختفي إن ابتعدت عنك ثلاث خطوات؟" صمت لحظة. ثم قال بجدية: "لأنك أنتِ وطفلنا أصبحتما أهم شيء لدي." توقفت آريا. ثم ابتسمت رغمًا عنها. "أنت تعرف كيف تجعلني لا أستطيع الاعتراض." ابتسم لوسيان. "إذن اجلسي." ضحكت وهي تعود إلى







