Share

62

last update publish date: 2026-08-30 19:19:22

الفصل الثاني والستون

مرّ شهر كامل منذ رحيل آريا عن القصر الأسود.

شهرٌ بدا طويلًا على الجميع...

لكن على لوسيان كان أشبه بسنوات.

منذ أن غادرت، أصبح قليل الكلام أكثر من المعتاد، ولم يعد يجلس مع كريستين طويلًا، وحتى طعامه الذي كانت آريا تطبخه له لم يعد يلمسه.

كانت كريستين تراقبه بقلق.

وفي إحدى الليالي، دخلت إلى الصالة فوجدته جالسًا قرب النافذة، والطبق أمامه لم يُمس.

قالت:

"لوسيان، عليك أن تأكل."

لم يجب.

اقتربت منه.

"لقد مر وقت طويل."

رفع عينيه إليها.

"لا أشعر بالجوع."

تنهدت كريستين.

ثم خرجت من الغرفة ووجدت ريفن ونيكس.

قالت لريفن:

"اذهب إلى القرية."

رفع ريفن حاجبه.

"لماذا؟"

"أريدك أن تطلب من آريا أن تعود... ولو ليوم واحد فقط."

تدخلت نيكس بقلق:

"ربما عندما تراها حالته تتحسن."

لكن صوتًا هادئًا جاء من خلفهم:

"لا."

التفتوا جميعًا.

كان لوسيان واقفًا هناك.

قال ريفن:

"سيدي..."

قاطعه:

"لن تذهب."

ثم نظر نحو كريستين.

"أنا من سأذهب."

"لكن—"

"سأعتذر لها بنفسي."

ساد الصمت.

ثم قال:

"لقد أخطأت بحقها، وأنا من يجب أن يصلح الأمر."

---

في القرية، كانت آريا تقف في شرفة منزلها.

نظرت إلى السماء طويلًا.

مر شهر.

شهر كامل دون أن ترى لوسيان.

وضعت يدها على قلبها.

"اشتقت إليك..."

ثم تنهدت.

في تلك اللحظة سمعت صوتًا من الأسفل.

"آريا!"

نظرت إلى الأسفل.

كان أنتوني يقف أمام المنزل.

قال مبتسمًا:

"هل تريدين أن تتمشي قليلًا؟"

ترددت آريا.

ثم قالت:

"ربما... أحتاج فعلًا إلى أن أصفّي ذهني."

نزلت إليه.

وسارا معًا باتجاه أطراف الغابة.

---

كان الطريق هادئًا.

تحدثا عن القرية، وعن الأيام الماضية، وعن أشياء بسيطة.

وبعد فترة، توقف أنتوني.

نظرت إليه آريا باستغراب.

"ماذا هناك؟"

نظر إليها بجدية.

"آريا، هناك شيء أريد قوله منذ فترة."

شعرت بالتوتر.

"ماذا؟"

قال:

"أنا لم أنسك."

صمت قليلًا.

"عندما غادرت القرية، ظننت أن الوقت سيجعلني أتجاوز مشاعري."

خفض عينيه.

"لكنه لم يفعل."

نظرت آريا إليه بحيرة.

"أنتوني..."

"أنا أحبك."

تجمدت آريا.

وقبل أن تتمكن من الرد، اقترب منها وقبّلها فجأة.

اتسعت عيناها من الصدمة، وسرعان ما ابتعدت عنه.

لكنها لم تنتبه إلى الشخص الذي كان يقف خلفه.

لوسيان.

كان واقفًا بين الأشجار.

لم يتحرك.

لم يتكلم.

فقط نظر إليهما.

ثم التقت عيناه بعيني آريا.

اتسعت عيناها.

"لوسيان..."

لكن في اللحظة التالية اختفى.

تحول إلى ضباب شفاف، وتلاشى بين الأشجار.

---

نظر أنتوني إليها.

"آريا... ماذا عنك؟ هل تشعرين نحوي بالشيء نفسه؟"

خفضت آريا عينيها.

ثم هزت رأسها.

"لا."

تغير وجهه.

"لماذا؟"

رفعت عينيها إليه.

"لأن قلبي ينتمي لشخص آخر."

ثم استدارت وركضت.

كانت تعرف إلى أين يجب أن تذهب.

إلى القصر.

إلى لوسيان.

"يجب أن أشرح له!"

---

كانت تركض بين الأشجار، لكن صوت أنتوني لحق بها.

"آريا، انتظري!"

توقفت.

استدارت.

"ارجع، أنتوني."

لكنه اقترب.

"دعيني أشرح—"

وفجأة...

صدر صوت فحيح حاد.

تجمد الاثنان.

وفي اللحظة التالية اندفع أنتوني بعيدًا وسقط قرب إحدى الأشجار.

رفعت آريا رأسها.

كان لوسيان واقفًا أمامها.

ملامحه هادئة...

لكن عينيه كانتا تحملان ألمًا واضحًا.

قال بصوت منخفض:

"قلت لكِ إنني سأعود."

اقتربت آريا خطوة.

"لوسيان، اسمعني—"

قاطعها:

"جئت لأعتذر."

سكت لحظة.

"كنت مستعدًا للاعتذار عن كل شيء."

ثم نظر نحو أنتوني.

"لكن يبدو أنني وصلت متأخرًا."

"لا! الأمر ليس كما تظن!"

هز رأسه.

"لا تشرحي."

"لكن—"

"رأيتك."

كانت كلماته هادئة، وهذا جعلها أشد قسوة.

"رأيت ما حدث."

تجمعت الدموع في عيني آريا.

"لم يكن بإرادتي..."

أغمض لوسيان عينيه للحظة.

ثم قال:

"كنت أظن أنك غاضبة مني."

فتح عينيه.

"لم أتخيل أنني سأجدك مع شخص آخر."

اقتربت منه آريا، لكن لوسيان تراجع خطوة.

"لا."

توقفت.

قال:

"لا أريد أن أسمع شيئًا الآن."

ارتجف صوتها:

"لوسيان..."

نظر إليها للمرة الأخيرة.

"أتمنى أن تكوني سعيدة."

ثم تحول إلى ضباب، وبدأ يبتعد.

صرخت آريا:

"لوسيان!"

لكن الضباب اختفى بين الأشجار.

بقيت واقفة مكانها.

ثم ضعفت قدماها، وجلست على الأرض.

بدأت دموعها تنزل بلا توقف.

وضعت يديها على وجهها وهمست:

"لم يكن الأمر هكذا..."

ثم نظرت إلى المكان الذي اختفى فيه.

"كنت أركض إليك..."

وانهار صوتها.

"كنت أركض إليك لأشرح لك..."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عروس القصر لأسود    100

    الفصل المئة حلّ الليل أخيرًا على القصر الأسود. كانت أروقته هادئة، والأنوار الخافتة المعلقة على الجدران ترسم ظلالًا طويلة على الأرض. بعد يوم طويل... كان الجميع قد عادوا إلى غرفهم. أما آريا، فكانت لا تزال مستيقظة. جلست على السرير، تنظر إلى طفلتها الصغيرة النائمة في سريرها القريب. كانت إليان هادئة جدًا. وجهها الصغير مسترخٍ، وشعرها الأسود يحيط برأسها، بينما كانت يداها الصغيرتان تتحركان أحيانًا تحت الغطاء. ابتسمت آريا. لم تستطع التوقف عن النظر إليها. دخل لوسيان الغرفة وهو يحمل صينية صغيرة. قال: "أحضرت لكِ شيئًا تأكلينه." التفتت إليه. "لم يكن عليك أن تتعب نفسك." وضع الطعام بالقرب منها. "أنتِ بحاجة إلى الطعام." ثم نظر إلى إليان. ابتسم. "وهي أيضًا بحاجة إلى أن تبقى أمها بخير." ضحكت آريا. "أصبحت شديد الاهتمام." رفع حاجبه. "أصبحتِ أنتِ وطفلتنا أهم شيء عندي." نظرت إليه آريا بابتسامة دافئة. ثم قالت: "هل تستطيع أن تبقى معها قليلًا؟" "بالطبع." لكن قبل أن تتحرك... سمع لوسيان صوتًا خافتًا من الخارج. توقف. قالت آريا: "ماذا؟" نظر نحو الباب. "يبدو أن شيئًا سقط في المم

  • عروس القصر لأسود    99

    الفصل التاسع والتسعين ظلّ لوسيان جالسًا بجانب آريا، وعيناه معلقتان بالطفلة الصغيرة التي كانت نائمة بهدوء بالقرب منها. إليان... ابنته. كان لا يزال عاجزًا عن استيعاب الكلمة. ابنته. هو الذي عاش آلاف السنين معتقدًا أن حياته ستبقى كما هي، وجد نفسه الآن ينظر إلى كائن صغير جدًا يستطيع أن يغيّر كل شيء بداخله. مد يده مرة أخرى. تردّد قبل أن يلمسها. كان يخشى أن تكون حركته قوية أكثر من اللازم. لاحظت آريا تردده، فابتسمت رغم تعبها. "لوسيان..." رفع عينيه إليها. "نعم؟" قالت بهدوء: "احملها." نظر إلى الطفلة. ثم إليها. "هل أنتِ متأكدة؟" ابتسمت. "إنها ابنتك." كانت تلك الجملة وحدها كافية. مد لوسيان ذراعيه بحذر شديد. ساعدته آريا على نقل إليان إليه، وبعد لحظات أصبحت الطفلة الصغيرة بين ذراعي والدها للمرة الأولى. توقف لوسيان تمامًا. لم يتحرك. كانت إليان مستلقية بهدوء، رأسها الصغير قريب من صدره، ويداها الصغيرتان مختبئتان داخل الغطاء. نظر إليها وكأنه يرى شيئًا لم يره من قبل. رفع إحدى يديه ووضعها خلف رأسها بحذر. ثم قال بصوت منخفض: "إنها صغيرة جدًا." ضحكت آريا. "طبعًا." ظل ينظر إ

  • عروس القصر لأسود    98

    الفصل الثامن والتسعين مع مرور الوقت... بدأ أمر غريب يحدث داخل القصر الأسود. أمر لم يكن أحد يتوقعه. فقد بدأ كريس يقترب من لوسيان. في البداية، كان الأمر بسيطًا. كان يجلس في الغرفة نفسها التي يجلس فيها لوسيان، ثم بدأ يترك ألعابه بالقرب منه، وبعد ذلك صار يذهب إليه كلما أراد شيئًا. حتى إن آريا وقفت بدهشة عندما طلب كريس من لوسيان، للمرة الأولى، أن يحمله. كان لوسيان جالسًا في المكتبة، يقلب صفحات أحد الكتب، عندما اقترب منه كريس. وقف أمامه، وظل ينظر إليه للحظات، ثم مد ذراعيه. "لوسيان." رفع لوسيان عينيه. "نعم؟" "احملني." تجمد لوسيان للحظة، ثم أغلق الكتاب وحمله بين ذراعيه. استقر كريس بسهولة، وأسند رأسه إلى كتفه، وكأنه اعتاد ذلك منذ سنوات. كانت آريا واقفة عند الباب، فابتسمت وقالت: "يبدو أن العم المخيف قد اختفى." نظر لوسيان إليها. "يبدو ذلك." رفع كريس رأسه وقال بجدية: "لوسيان ليس مخيفًا." ضحكت آريا. "حقًا؟" أومأ. "لوسيان صديقي." توقف لوسيان، ونظر إلى كريس، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة حقيقية. "صديقك؟" "نعم." وضم الطفل ذراعيه حول عنقه. ومنذ ذلك اليوم... أصبح الاثنان لا ي

  • عروس القصر لأسود    97

    الفصل السابع والتسعين مرت بضعة أيام أخرى... وظلت سرعة نمو كريس تدهش الجميع. في كل مرة كانت آريا تستيقظ فيها وتذهب لرؤيته، كانت تلاحظ فيه أمرًا جديدًا. ففي أحد الأيام، أصبح قادرًا على الوقوف وحده مدة أطول. وفي اليوم التالي، بدأ يركض لمسافات قصيرة. وبعد يومين فقط... بدأ يتحدث أكثر. كانت نيكس جالسة في الحديقة، وكريس إلى جانبها، بينما كان ريفين يحاول ترتيب بعض الأشياء القريبة منهما. قالت نيكس: "كريس، تعال إلى أمك." ركض الطفل إليها فورًا. "أمي!" فتح ريفين ذراعيه. "وماذا عن أبيك؟" توقف كريس. ونظر إليه. ثم ابتسم وركض نحوه. "أبي!" ضحك ريفين بسعادة. "أخيرًا!" حمل ابنه بين ذراعيه ورفعه قليلًا. "هل سمعتما؟ لقد قال: أبي!" قالت نيكس: "سمعتها." ثم ضحكت. "لقد احتجتَ إلى وقت طويل." قال ريفين: "المهم أنه قالها." بدأ كريس يضحك، ثم مد يديه باتجاه نيكس. "أمي!" أنزل ريفين ابنه. ركض كريس نحو نيكس واحتضن ساقها. ابتسمت وهي تمرر يدها على شعره. كان متعلقًا بها كثيرًا... وبريفين أكثر مما توقعا. كان يحب البقاء بالقرب منهما، ومراقبتهما، والذهاب مع ريفين أينما ذهب. لكن مع مرور

  • عروس القصر لأسود    96

    الفصل السادس والتسعين مرت الأيام بهدوء داخل القصر الأسود، لكن الهدوء هذه المرة لم يكن يعني أن كل شيء بقي كما هو. فمنذ ولادة كريس، أصبح للقصر صوت جديد. صوت طفل صغير. في البداية، كان كريس لا يفعل سوى النوم. كانت نيكس تجلس قربه لساعات، تراقب حركاته الصغيرة، بينما ريفين يقف بجانبها وكأنه لا يزال غير مصدق أنه أصبح أبًا. كان كل شيء هادئًا... إلى أن مرّت عدة أسابيع. وفي صباح أحد الأيام، دخلت آريا غرفة نيكس، فوجدتها تحمل كريس بين ذراعيها. ابتسمت آريا. "صباح الخير." نظرت إليها نيكس وابتسمت. "صباح الخير." اقتربت آريا من الطفل. "كيف حال صغيرنا؟" قالت نيكس: "إنه بخير." مدت آريا إصبعها نحو يده الصغيرة. لكن فجأة... أمسك كريس بإصبعها بقوة. ضحكت آريا. "انظروا إليه!" اقترب ريفين بفخر. "إنه قوي." نظرت إليه نيكس. "طبعًا قوي." ثم أضافت: "لقد بدأ يكبر بسرعة." رفعت آريا رأسها. "بسرعة؟" أومأت نيكس. "أسرع مما توقعت." لكن آريا لم تفهم معنى كلامها بعد. --- مرت بضعة أسابيع أخرى. وفي أحد الصباحات... كانت آريا تمشي في ممرات القصر برفقة لوسيان. كان لوسيان يسير بجانبها كعادته،

  • عروس القصر لأسود    95

    الفصل الخامس والتسعين مرت عدة أيام منذ أن عرف لوسيان أن آريا تحمل طفله. ومنذ ذلك اليوم، تغيّر شيء فيه بشكل واضح. لم يعد يتركها تفعل أي شيء وحدها. إذا نهضت من السرير، كان يسألها فورًا: "إلى أين تذهبين؟" وإذا قالت إنها ستذهب إلى المطبخ، كان يجيب: "سأرافقك." وإذا حاولت حمل أي شيء، حتى لو كان كتابًا صغيرًا، كان يأخذه منها فورًا. في البداية كانت آريا تجد الأمر لطيفًا... لكن بعد عدة أيام بدأت تشعر أن الأمر مبالغ فيه قليلًا. كانت جالسة في إحدى قاعات القصر تقرأ كتابًا، بينما كان لوسيان واقفًا بالقرب من النافذة. وضعت علامة بين صفحات الكتاب ونهضت. في اللحظة نفسها التفت إليها. "إلى أين؟" نظرت إليه بدهشة. "سأجلس هناك فقط." وأشار إلى المقعد القريب منها. "يمكنك الجلوس هنا." ضحكت. "لوسيان، أنا لم أصبح عاجزة." اقترب منها. "أعرف." "إذن لماذا تتصرف وكأنني سأختفي إن ابتعدت عنك ثلاث خطوات؟" صمت لحظة. ثم قال بجدية: "لأنك أنتِ وطفلنا أصبحتما أهم شيء لدي." توقفت آريا. ثم ابتسمت رغمًا عنها. "أنت تعرف كيف تجعلني لا أستطيع الاعتراض." ابتسم لوسيان. "إذن اجلسي." ضحكت وهي تعود إلى

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status