LOGINالفصل الثامن والثمانون
بعد أن خفت الضوء الأحمر، وتلاشى بريق العلامة الغريبة، ظلّ لوسيان وآريا صامتين للحظات، يحاول كلٌّ منهما استيعاب ما حدث. كانت آريا لا تزال قلقة عليه. نظرت إلى عينيه وقالت: "هل أنت متأكد من أنك بخير؟" ابتسم لوسيان. "نعم، لا تقلقي." "حتى إن قلت لي ألّا أقلق، فسأظل قلقة." ضحك بخفة. "أعلم." ثم جلس على حافة السرير، وجلست آريا إلى جواره. مرّت لحظات هادئة، وتحدّثا عن أمور كثيرة؛ عن الزفاف، والكنيسة، ونظرات مصاصي الدماء، وحتى عن الهيكل العظمي الذي جعل آريا تتشبث بذراعه طوال الطريق. 😂 ومع مرور الوقت، بدأ التعب يظهر على ملامحهما. استلقى لوسيان على السرير، ثم نظر إلى آريا. "تعالي، واستريحي." استلقت آريا إلى جواره. كانت الغرفة هادئة للغاية، ولا يُسمع فيها سوى صوت الريح خلف النافذة. ترددت آريا للحظة، ثم اقتربت منه أكثر. وضعت رأسها على صدره، وأحاطت بذراعه بذراعيها. ابتسم لوسيان. "هل تشعرين بالراحة هكذا؟" أغمضت عينيها. "كثيرًا." قال بهدوء: "إذن ابقي هكذا." شدّت آريا ذراعيها حوله قليلًا، ثم تمتمت بصوت ناعس: "تصبح على خير، لوسيان." مرّر يده برفق على شعرها. "وأنتِ من أهله." بعد دقائق قليلة، أصبح تنفّس آريا منتظمًا. لقد نامت وهي تعانقه، ورأسها لا يزال مستقرًّا على صدره. ظلّ لوسيان مستيقظًا لبعض الوقت، ينظر إليها بابتسامة هادئة. لم يكن يصدّق أن الفتاة التي دخلت حياته مصادفة أصبحت الآن إلى جواره، وأن القصر الذي عاش فيه وحيدًا لآلاف السنين أصبح أخيرًا يبدو له كأنه منزل. خفض عينيه نحو آريا وقال بصوت خافت: "نامي بسلام..." ثم أغمض عينيه هو الآخر. وخارج الغرفة، كان ضوء القمر ينساب عبر النافذة الكبيرة، بينما ظلّ القصر الأسود ساكنًا... وكأن هذه الليلة الهادئة لم تكن سوى استراحة قصيرة قبل أن تبدأ الأسرار الجديدة بالظهور. ------ كان القصر الأسود غارقًا في صمت عميق. حلّ منتصف الليل، وخفتت أضواء الممرات حتى لم يبقَ سوى ضوء القمر المتسلل من النوافذ العالية. في الغرفة، كان لوسيان وآريا نائمين بهدوء. كانت آريا لا تزال قريبة منه، تعانقه بذراعيها، بينما بقيت ملامح لوسيان هادئة على غير عادته. لكن... فجأة، بدأ شيء غريب يتسلل إلى الغرفة. خيط رفيع من الدخان ظهر عند أسفل الباب. ثم ازداد تدريجيًا. انتشر الدخان في الهواء بصمت، والتفّ حول أطراف الغرفة، قبل أن يتجمع في مكان واحد. وببطء... بدأت هيئة شخص بالظهور داخله. شعر أسود، وملامح باردة، وعينان ثابتتان. كاسيان. وقف للحظات دون أن يصدر صوتًا. ثم تحرك بهدوء شديد. خطوة... ثم أخرى... حتى أصبح أمام السرير. توقف، وراح يتأمل آريا. كانت نائمة بسلام، لا تعرف أن شخصًا غريبًا يقف على بعد خطوات منها. ثم رفع كاسيان عينيه إلى لوسيان. كانت ذراعه تحيط بآريا بطريقة جعلتها تبدو وكأنها أغلى شيء يحاول حمايته. ارتسمت على وجه كاسيان ابتسامة صغيرة. "حتى وأنت نائم..." همس: "لا تتركها." عاد بنظره إلى آريا. كانت خصلة من شعرها قد انسابت على جانب وجهها. مدّ يده ببطء، وأبعد الخصلة عن وجهها، ثم توقف قبل أن يلامسها. لكن لحظة تردده لم تستمر طويلًا. لامست أطراف أصابعه خدها برفق. وفي اللحظة نفسها... فتح لوسيان عينيه. لم يتحرك. فقط ثبت نظره على كاسيان. قال بصوت هادئ بشكل مخيف: "إلى أين؟" تجمّد كاسيان. ثم التفت إليه ببطء. كانت ابتسامته لا تزال موجودة. "استيقظت." جلس لوسيان ببطء، دون أن يبعد آريا عنه. "كنتَ تتوقع أن أتركك تقترب منها دون أن أشعر؟" ضحك كاسيان بخفة. "كنت أريد أن أراها فقط." تغيرت نظرة لوسيان. "لقد رأيتها." ثم نهض. "والآن ابتعد عنها." استدار كاسيان وكأنه يستعد للمغادرة. لكن في اللحظة التالية، اندفع لوسيان نحوه بسرعة، وأمسكه من عنقه وثبته على الحائط. ارتجّت اللوحة المعلقة على الجدار من قوة الحركة. فتح كاسيان عينيه للحظة، ثم ابتسم بدلًا من أن يخاف. قال لوسيان بصوت منخفض وحازم: "لا تتجرأ." ثم اقترب أكثر. "لا تتجرأ على الاقتراب من آريا مرة أخرى." حاول كاسيان الحفاظ على هدوئه. "يبدو أنك أصبحت شديد الحماية." أجابه لوسيان: "هي ليست جزءًا من لعبتك." "وأنت تظن أنك قادر على إيقافي؟" شدّ لوسيان قبضته للحظة، ثم قال: "أنا لا أظن." صمت. "أنا متأكد." كان الجو بينهما مشحونًا بالتوتر. ثم ظهرت ابتسامة غامضة على وجه كاسيان. "أنت لا تعرف حتى الآن لماذا كنت هنا." تضيق عينا لوسيان. "ولا أحتاج إلى معرفة السبب لأعرف أن وجودك بجانبها مرفوض." تلاشت ابتسامة كاسيان قليلًا. ثم قال: "ستعرف." وفجأة، بدأ جسده يتحول إلى دخان أسود بين يدي لوسيان. حاول لوسيان الإمساك به، لكن الدخان انساب من بين أصابعه. اختفى كاسيان في لحظات. وبقيت الغرفة ساكنة. نظر لوسيان نحو المكان الذي اختفى فيه. ثم عاد فورًا إلى السرير. كانت آريا لا تزال نائمة. اقترب منها، وتأكد أنها بخير، ثم جلس بجانبها. فتحت عينيها قليلًا بسبب الحركة. "لوسيان...؟" نظر إليها. "نامي." "ماذا حدث؟" ابتسم بهدوء رغم التوتر الذي ما زال في عينيه. "لا شيء." أغمضت آريا عينيها من جديد، وعادت إلى النوم. أما لوسيان... فلم يغلق عينيه هذه المرة. ظلّ مستيقظًا، يراقب الغرفة بصمت. لأنه أدرك شيئًا واحدًا بوضوح: كاسيان لم يأتِ هذه الليلة ليخيفه. لقد جاء ليرى آريا عن قرب. وهذا يعني أن الخطر أصبح أقرب إليهما من أي وقت مضى.الفصل المئة حلّ الليل أخيرًا على القصر الأسود. كانت أروقته هادئة، والأنوار الخافتة المعلقة على الجدران ترسم ظلالًا طويلة على الأرض. بعد يوم طويل... كان الجميع قد عادوا إلى غرفهم. أما آريا، فكانت لا تزال مستيقظة. جلست على السرير، تنظر إلى طفلتها الصغيرة النائمة في سريرها القريب. كانت إليان هادئة جدًا. وجهها الصغير مسترخٍ، وشعرها الأسود يحيط برأسها، بينما كانت يداها الصغيرتان تتحركان أحيانًا تحت الغطاء. ابتسمت آريا. لم تستطع التوقف عن النظر إليها. دخل لوسيان الغرفة وهو يحمل صينية صغيرة. قال: "أحضرت لكِ شيئًا تأكلينه." التفتت إليه. "لم يكن عليك أن تتعب نفسك." وضع الطعام بالقرب منها. "أنتِ بحاجة إلى الطعام." ثم نظر إلى إليان. ابتسم. "وهي أيضًا بحاجة إلى أن تبقى أمها بخير." ضحكت آريا. "أصبحت شديد الاهتمام." رفع حاجبه. "أصبحتِ أنتِ وطفلتنا أهم شيء عندي." نظرت إليه آريا بابتسامة دافئة. ثم قالت: "هل تستطيع أن تبقى معها قليلًا؟" "بالطبع." لكن قبل أن تتحرك... سمع لوسيان صوتًا خافتًا من الخارج. توقف. قالت آريا: "ماذا؟" نظر نحو الباب. "يبدو أن شيئًا سقط في المم
الفصل التاسع والتسعين ظلّ لوسيان جالسًا بجانب آريا، وعيناه معلقتان بالطفلة الصغيرة التي كانت نائمة بهدوء بالقرب منها. إليان... ابنته. كان لا يزال عاجزًا عن استيعاب الكلمة. ابنته. هو الذي عاش آلاف السنين معتقدًا أن حياته ستبقى كما هي، وجد نفسه الآن ينظر إلى كائن صغير جدًا يستطيع أن يغيّر كل شيء بداخله. مد يده مرة أخرى. تردّد قبل أن يلمسها. كان يخشى أن تكون حركته قوية أكثر من اللازم. لاحظت آريا تردده، فابتسمت رغم تعبها. "لوسيان..." رفع عينيه إليها. "نعم؟" قالت بهدوء: "احملها." نظر إلى الطفلة. ثم إليها. "هل أنتِ متأكدة؟" ابتسمت. "إنها ابنتك." كانت تلك الجملة وحدها كافية. مد لوسيان ذراعيه بحذر شديد. ساعدته آريا على نقل إليان إليه، وبعد لحظات أصبحت الطفلة الصغيرة بين ذراعي والدها للمرة الأولى. توقف لوسيان تمامًا. لم يتحرك. كانت إليان مستلقية بهدوء، رأسها الصغير قريب من صدره، ويداها الصغيرتان مختبئتان داخل الغطاء. نظر إليها وكأنه يرى شيئًا لم يره من قبل. رفع إحدى يديه ووضعها خلف رأسها بحذر. ثم قال بصوت منخفض: "إنها صغيرة جدًا." ضحكت آريا. "طبعًا." ظل ينظر إ
الفصل الثامن والتسعين مع مرور الوقت... بدأ أمر غريب يحدث داخل القصر الأسود. أمر لم يكن أحد يتوقعه. فقد بدأ كريس يقترب من لوسيان. في البداية، كان الأمر بسيطًا. كان يجلس في الغرفة نفسها التي يجلس فيها لوسيان، ثم بدأ يترك ألعابه بالقرب منه، وبعد ذلك صار يذهب إليه كلما أراد شيئًا. حتى إن آريا وقفت بدهشة عندما طلب كريس من لوسيان، للمرة الأولى، أن يحمله. كان لوسيان جالسًا في المكتبة، يقلب صفحات أحد الكتب، عندما اقترب منه كريس. وقف أمامه، وظل ينظر إليه للحظات، ثم مد ذراعيه. "لوسيان." رفع لوسيان عينيه. "نعم؟" "احملني." تجمد لوسيان للحظة، ثم أغلق الكتاب وحمله بين ذراعيه. استقر كريس بسهولة، وأسند رأسه إلى كتفه، وكأنه اعتاد ذلك منذ سنوات. كانت آريا واقفة عند الباب، فابتسمت وقالت: "يبدو أن العم المخيف قد اختفى." نظر لوسيان إليها. "يبدو ذلك." رفع كريس رأسه وقال بجدية: "لوسيان ليس مخيفًا." ضحكت آريا. "حقًا؟" أومأ. "لوسيان صديقي." توقف لوسيان، ونظر إلى كريس، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة حقيقية. "صديقك؟" "نعم." وضم الطفل ذراعيه حول عنقه. ومنذ ذلك اليوم... أصبح الاثنان لا ي
الفصل السابع والتسعين مرت بضعة أيام أخرى... وظلت سرعة نمو كريس تدهش الجميع. في كل مرة كانت آريا تستيقظ فيها وتذهب لرؤيته، كانت تلاحظ فيه أمرًا جديدًا. ففي أحد الأيام، أصبح قادرًا على الوقوف وحده مدة أطول. وفي اليوم التالي، بدأ يركض لمسافات قصيرة. وبعد يومين فقط... بدأ يتحدث أكثر. كانت نيكس جالسة في الحديقة، وكريس إلى جانبها، بينما كان ريفين يحاول ترتيب بعض الأشياء القريبة منهما. قالت نيكس: "كريس، تعال إلى أمك." ركض الطفل إليها فورًا. "أمي!" فتح ريفين ذراعيه. "وماذا عن أبيك؟" توقف كريس. ونظر إليه. ثم ابتسم وركض نحوه. "أبي!" ضحك ريفين بسعادة. "أخيرًا!" حمل ابنه بين ذراعيه ورفعه قليلًا. "هل سمعتما؟ لقد قال: أبي!" قالت نيكس: "سمعتها." ثم ضحكت. "لقد احتجتَ إلى وقت طويل." قال ريفين: "المهم أنه قالها." بدأ كريس يضحك، ثم مد يديه باتجاه نيكس. "أمي!" أنزل ريفين ابنه. ركض كريس نحو نيكس واحتضن ساقها. ابتسمت وهي تمرر يدها على شعره. كان متعلقًا بها كثيرًا... وبريفين أكثر مما توقعا. كان يحب البقاء بالقرب منهما، ومراقبتهما، والذهاب مع ريفين أينما ذهب. لكن مع مرور
الفصل السادس والتسعين مرت الأيام بهدوء داخل القصر الأسود، لكن الهدوء هذه المرة لم يكن يعني أن كل شيء بقي كما هو. فمنذ ولادة كريس، أصبح للقصر صوت جديد. صوت طفل صغير. في البداية، كان كريس لا يفعل سوى النوم. كانت نيكس تجلس قربه لساعات، تراقب حركاته الصغيرة، بينما ريفين يقف بجانبها وكأنه لا يزال غير مصدق أنه أصبح أبًا. كان كل شيء هادئًا... إلى أن مرّت عدة أسابيع. وفي صباح أحد الأيام، دخلت آريا غرفة نيكس، فوجدتها تحمل كريس بين ذراعيها. ابتسمت آريا. "صباح الخير." نظرت إليها نيكس وابتسمت. "صباح الخير." اقتربت آريا من الطفل. "كيف حال صغيرنا؟" قالت نيكس: "إنه بخير." مدت آريا إصبعها نحو يده الصغيرة. لكن فجأة... أمسك كريس بإصبعها بقوة. ضحكت آريا. "انظروا إليه!" اقترب ريفين بفخر. "إنه قوي." نظرت إليه نيكس. "طبعًا قوي." ثم أضافت: "لقد بدأ يكبر بسرعة." رفعت آريا رأسها. "بسرعة؟" أومأت نيكس. "أسرع مما توقعت." لكن آريا لم تفهم معنى كلامها بعد. --- مرت بضعة أسابيع أخرى. وفي أحد الصباحات... كانت آريا تمشي في ممرات القصر برفقة لوسيان. كان لوسيان يسير بجانبها كعادته،
الفصل الخامس والتسعين مرت عدة أيام منذ أن عرف لوسيان أن آريا تحمل طفله. ومنذ ذلك اليوم، تغيّر شيء فيه بشكل واضح. لم يعد يتركها تفعل أي شيء وحدها. إذا نهضت من السرير، كان يسألها فورًا: "إلى أين تذهبين؟" وإذا قالت إنها ستذهب إلى المطبخ، كان يجيب: "سأرافقك." وإذا حاولت حمل أي شيء، حتى لو كان كتابًا صغيرًا، كان يأخذه منها فورًا. في البداية كانت آريا تجد الأمر لطيفًا... لكن بعد عدة أيام بدأت تشعر أن الأمر مبالغ فيه قليلًا. كانت جالسة في إحدى قاعات القصر تقرأ كتابًا، بينما كان لوسيان واقفًا بالقرب من النافذة. وضعت علامة بين صفحات الكتاب ونهضت. في اللحظة نفسها التفت إليها. "إلى أين؟" نظرت إليه بدهشة. "سأجلس هناك فقط." وأشار إلى المقعد القريب منها. "يمكنك الجلوس هنا." ضحكت. "لوسيان، أنا لم أصبح عاجزة." اقترب منها. "أعرف." "إذن لماذا تتصرف وكأنني سأختفي إن ابتعدت عنك ثلاث خطوات؟" صمت لحظة. ثم قال بجدية: "لأنك أنتِ وطفلنا أصبحتما أهم شيء لدي." توقفت آريا. ثم ابتسمت رغمًا عنها. "أنت تعرف كيف تجعلني لا أستطيع الاعتراض." ابتسم لوسيان. "إذن اجلسي." ضحكت وهي تعود إلى