تسجيل الدخولالفصل التاسع والثمانون
بدأ خيط رفيع من ضوء الصباح يتسلّل من بين ستائر الغرفة. كانت الشمس قد بدأت تشرق فوق القصر الأسود، غير أنّ الغرفة ظلّت هادئة ودافئة. فتح لوسيان عينيه ببطء. ولأول مرة منذ وقت طويل، لم يكن أوّل ما يراه سقف الغرفة الفارغ أو الظلام المحيط به. كانت آريا هناك. نائمة إلى جواره، وشعرها البني مبعثر قليلًا على الوسادة، وملامحها هادئة تمامًا. ظلّ لوسيان ينظر إليها دون أن يتكلم. كانت أحداث الليلة الماضية لا تزال عالقة في ذهنه. كاسيان. الدخان. والعلامة الغريبة التي ظهرت على صدره. ثم نظر إلى آريا من جديد. تنفّس بهدوء، ومدّ يده فأبعد خصلة صغيرة من شعرها عن وجهها. ثم انحنى وطبع قبلة هادئة على جبينها. تحرّكت آريا قليلًا. ورمشت عدّة مرات، وهي لا تزال غارقة في النعاس. فتحت عينيها بصعوبة ونظرت إليه. "صباح الخير..." ابتسم لوسيان. "صباح الخير." حدّقت فيه لثوانٍ، وكأنها تحاول تذكّر مكانها. ثم أغلقت عينيها من جديد، واقتربت منه ودفنت وجهها في صدره. "لا..." ضحك لوسيان بخفّة. "ماذا؟" قالت بصوت ناعس: "لا أريد أن أستيقظ." "لقد حلّ الصباح." "لا يهمّني." ثم شدّت ذراعيها حوله أكثر. "أريد أن أنام قليلًا أيضًا." وضع لوسيان يده برفق على شعرها. "نامي إذًا." تمتمت: "لكن لا تذهب." نظر إليها بابتسامة. "لن أذهب." وبعد لحظات، عاد تنفّسها إلى هدوئه. بقي لوسيان صامتًا، ينظر إليها للحظات أخرى، قبل أن تبدأ آريا بالاستيقاظ مجددًا بعد فترة قصيرة. --- بعد أن استعدّا، خرجا معًا من الغرفة. كان القصر قد بدأ يستعيد حركته المعتادة. كان الخدم يتنقّلون في الممرّات، والشموع التي أُشعلت في الليلة الماضية بدأت تنطفئ واحدة تلو الأخرى. سارت آريا إلى جانب لوسيان، وهي لا تزال تبدو ناعسة. وصل الاثنان إلى المكتبة. كانت كريستين جالسة خلف مكتب كبير، تتصفّح أحد الكتب القديمة. رفعت رأسها عندما دخل الاثنان. وابتسمت. "صباح الخير." قالت آريا: "صباح الخير، كريستين." ثم جلست بالقرب منها. أما لوسيان، فبقي واقفًا للحظة. كان يبدو وكأنّه يفكّر في أمر مهم. لاحظت كريستين ذلك. "ما بك؟" نظر إليها. "أريد أن أسألك عن أمر حدث الليلة الماضية." توقّفت يد كريستين فوق الكتاب. "ماذا حدث؟" قال: "العلامة." اتّسعت عيناها قليلًا. "أيّ علامة؟" أجابها لوسيان: "التي ظهرت على صدري." ساد الصمت. التفتت آريا، التي كانت جالسة بالقرب منهما، إلى كريستين باهتمام. أما كريستين... فأغلقت الكتاب ببطء. ثم أطلقت ضحكة صغيرة متوتّرة. نظر إليها لوسيان باستغراب. "لماذا تضحكين؟" قالت: "لأنني..." توقّفت. "نسيت." رفع لوسيان حاجبه. "نسيتِ ماذا؟" وضعت كريستين يدها على جبينها. "نسيت أن أخبرك بهذا قبل الزواج." نظرت آريا بينها وبين لوسيان. "تخبريننا بماذا؟" تنهدت كريستين. "هناك تقليد قديم جدًا في سلالتنا." جلس لوسيان. "أيّ تقليد؟" قالت كريستين: "عندما يتزوّج أحد أفراد سلالتنا من شريكته، يحدث ارتباط سحري بينهما." نظرت إلى آريا. "وقد يستجيب هذا الارتباط للزواج الحقيقي والمشاعر الصادقة." قالت آريا: "والعلامة؟" أشارت كريستين إلى صدر لوسيان. "الاسم الذي ظهر هناك علامة على هذا الارتباط." حدّق لوسيان بها. "وماذا يعني ذلك تحديدًا؟" أجابت كريستين: "يعني أنّها أصبحت شريكتك المرتبطة بسحرك." ثم أضافت: "منذ هذه اللحظة، يصبح سحركما مرتبطًا بعضه ببعض بطريقة خاصة، وتشعر سلالتنا بهذا الرابط عندما يكون حقيقيًا." نظرت آريا إلى لوسيان بدهشة. "أيعني هذا أنّ اسمي ظهر فعلًا بسبب زواجنا؟" ابتسمت كريستين. "نعم." ثم رفعت إصبعها. "لكن هناك أمرًا أهم." نظر الاثنان إليها. قالت: "يستمر هذا الارتباط طوال حياة الشريكين." ساد صمت قصير. ثم سأل لوسيان: "حتى نهاية حياتنا؟" أومأت كريستين. "نعم." قالت آريا بهدوء: "وهل حدث هذا مع أحد قبله؟" نظرت كريستين إلى لوسيان. وابتسمت. "حدث مع والده." تغيّرت ملامح لوسيان. "أبي؟" "نعم." فتحت كريستين أحد الأدراج، وأخرجت صندوقًا صغيرًا قديمًا. ووضعته أمامهما. "عندما تزوّجت أرون..." فتحت الصندوق. كانت هناك صورة قديمة لهما. ثم أشارت إلى أرون. "ظهر اسمكِ أنتِ على صدره." اتّسعت عينا آريا. "حقًا؟!" ضحكت كريستين. "نعم." نظر لوسيان إلى الصورة، ثم عاد بنظره إلى أمّه. "ولماذا لم تخبريني بهذا من قبل؟" ابتسمت كريستين بحرج. "قلت لك... نسيت." نظر إليها لوسيان طويلًا. قالت آريا فجأة: "كريستين..." "نعم؟" "لقد نسيتِ أن تخبريه بأمر يجعل اسم زوجته يظهر على صدره بعد الزواج؟" هزّت كريستين رأسها. "...عندما تقولينها بهذه الطريقة، يبدو الأمر سيئًا." ضحكت آريا. حتى لوسيان اضطرّ إلى الابتسام. ثم نظرت كريستين إليهما وقالت: "لكن لا تخافا." اقتربت من آريا. "هذه العلامة ليست لعنة." ثم نظرت إلى لوسيان. "وليست شيئًا ينبغي لكما أن تخشاه." وأردفت: "إنّها ببساطة الطريقة التي كانت سلالتنا القديمة تعبّر بها عن رابطة الزواج الحقيقية." نظر لوسيان نحو آريا. وضعت آريا يدها فوق يده. وابتسم لها. ثم قالت: "إذن... سيبقى اسمي هناك؟" أومأت كريستين. "نعم." خفضت آريا عينيها بخجل. "غريب..." ابتسم لوسيان. "لكنّه جميل." رفعت عينيها إليه. "أيعجبك؟" نظر إلى العلامة للحظة. ثم عاد بنظره إليها. "إنّه اسمك." ضحكت آريا بخجل. "إذن فإجابتك نعم." "بالتأكيد." ابتسمت كريستين وهي تنظر إليهما. لكن بعد لحظات... تغيّرت ملامحها قليلًا. وقالت بهدوء: "هناك أمر واحد فقط يقلقني." سألها لوسيان: "ماذا؟" نظرت نحو النافذة. "ظهور العلامة بهذه السرعة..." ثم سكتت. "لم يحدث مع أرون بهذه الطريقة." اختفت الابتسامة من وجه لوسيان. "ماذا تقصدين؟" أجابت كريستين: "علامتك أقوى." نظرت إلى آريا. "وهذا يعني أنّ الرابط بينكما ليس عاديًا." تبادلا النظرات. وفي مكان بعيد... داخل ظلّ لا يصل إليه ضوء الشمس... كان شيء آخر قد بدأ يستجيب أيضًا لذلك الرابط. وكأن ظهور اسم آريا على صدر لوسيان لم يكن مجرّد علامة زواج... بل كان إشارة إلى أنّ سرًّا قديمًا بدأ يستيقظ من جديد.الفصل المئة حلّ الليل أخيرًا على القصر الأسود. كانت أروقته هادئة، والأنوار الخافتة المعلقة على الجدران ترسم ظلالًا طويلة على الأرض. بعد يوم طويل... كان الجميع قد عادوا إلى غرفهم. أما آريا، فكانت لا تزال مستيقظة. جلست على السرير، تنظر إلى طفلتها الصغيرة النائمة في سريرها القريب. كانت إليان هادئة جدًا. وجهها الصغير مسترخٍ، وشعرها الأسود يحيط برأسها، بينما كانت يداها الصغيرتان تتحركان أحيانًا تحت الغطاء. ابتسمت آريا. لم تستطع التوقف عن النظر إليها. دخل لوسيان الغرفة وهو يحمل صينية صغيرة. قال: "أحضرت لكِ شيئًا تأكلينه." التفتت إليه. "لم يكن عليك أن تتعب نفسك." وضع الطعام بالقرب منها. "أنتِ بحاجة إلى الطعام." ثم نظر إلى إليان. ابتسم. "وهي أيضًا بحاجة إلى أن تبقى أمها بخير." ضحكت آريا. "أصبحت شديد الاهتمام." رفع حاجبه. "أصبحتِ أنتِ وطفلتنا أهم شيء عندي." نظرت إليه آريا بابتسامة دافئة. ثم قالت: "هل تستطيع أن تبقى معها قليلًا؟" "بالطبع." لكن قبل أن تتحرك... سمع لوسيان صوتًا خافتًا من الخارج. توقف. قالت آريا: "ماذا؟" نظر نحو الباب. "يبدو أن شيئًا سقط في المم
الفصل التاسع والتسعين ظلّ لوسيان جالسًا بجانب آريا، وعيناه معلقتان بالطفلة الصغيرة التي كانت نائمة بهدوء بالقرب منها. إليان... ابنته. كان لا يزال عاجزًا عن استيعاب الكلمة. ابنته. هو الذي عاش آلاف السنين معتقدًا أن حياته ستبقى كما هي، وجد نفسه الآن ينظر إلى كائن صغير جدًا يستطيع أن يغيّر كل شيء بداخله. مد يده مرة أخرى. تردّد قبل أن يلمسها. كان يخشى أن تكون حركته قوية أكثر من اللازم. لاحظت آريا تردده، فابتسمت رغم تعبها. "لوسيان..." رفع عينيه إليها. "نعم؟" قالت بهدوء: "احملها." نظر إلى الطفلة. ثم إليها. "هل أنتِ متأكدة؟" ابتسمت. "إنها ابنتك." كانت تلك الجملة وحدها كافية. مد لوسيان ذراعيه بحذر شديد. ساعدته آريا على نقل إليان إليه، وبعد لحظات أصبحت الطفلة الصغيرة بين ذراعي والدها للمرة الأولى. توقف لوسيان تمامًا. لم يتحرك. كانت إليان مستلقية بهدوء، رأسها الصغير قريب من صدره، ويداها الصغيرتان مختبئتان داخل الغطاء. نظر إليها وكأنه يرى شيئًا لم يره من قبل. رفع إحدى يديه ووضعها خلف رأسها بحذر. ثم قال بصوت منخفض: "إنها صغيرة جدًا." ضحكت آريا. "طبعًا." ظل ينظر إ
الفصل الثامن والتسعين مع مرور الوقت... بدأ أمر غريب يحدث داخل القصر الأسود. أمر لم يكن أحد يتوقعه. فقد بدأ كريس يقترب من لوسيان. في البداية، كان الأمر بسيطًا. كان يجلس في الغرفة نفسها التي يجلس فيها لوسيان، ثم بدأ يترك ألعابه بالقرب منه، وبعد ذلك صار يذهب إليه كلما أراد شيئًا. حتى إن آريا وقفت بدهشة عندما طلب كريس من لوسيان، للمرة الأولى، أن يحمله. كان لوسيان جالسًا في المكتبة، يقلب صفحات أحد الكتب، عندما اقترب منه كريس. وقف أمامه، وظل ينظر إليه للحظات، ثم مد ذراعيه. "لوسيان." رفع لوسيان عينيه. "نعم؟" "احملني." تجمد لوسيان للحظة، ثم أغلق الكتاب وحمله بين ذراعيه. استقر كريس بسهولة، وأسند رأسه إلى كتفه، وكأنه اعتاد ذلك منذ سنوات. كانت آريا واقفة عند الباب، فابتسمت وقالت: "يبدو أن العم المخيف قد اختفى." نظر لوسيان إليها. "يبدو ذلك." رفع كريس رأسه وقال بجدية: "لوسيان ليس مخيفًا." ضحكت آريا. "حقًا؟" أومأ. "لوسيان صديقي." توقف لوسيان، ونظر إلى كريس، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة حقيقية. "صديقك؟" "نعم." وضم الطفل ذراعيه حول عنقه. ومنذ ذلك اليوم... أصبح الاثنان لا ي
الفصل السابع والتسعين مرت بضعة أيام أخرى... وظلت سرعة نمو كريس تدهش الجميع. في كل مرة كانت آريا تستيقظ فيها وتذهب لرؤيته، كانت تلاحظ فيه أمرًا جديدًا. ففي أحد الأيام، أصبح قادرًا على الوقوف وحده مدة أطول. وفي اليوم التالي، بدأ يركض لمسافات قصيرة. وبعد يومين فقط... بدأ يتحدث أكثر. كانت نيكس جالسة في الحديقة، وكريس إلى جانبها، بينما كان ريفين يحاول ترتيب بعض الأشياء القريبة منهما. قالت نيكس: "كريس، تعال إلى أمك." ركض الطفل إليها فورًا. "أمي!" فتح ريفين ذراعيه. "وماذا عن أبيك؟" توقف كريس. ونظر إليه. ثم ابتسم وركض نحوه. "أبي!" ضحك ريفين بسعادة. "أخيرًا!" حمل ابنه بين ذراعيه ورفعه قليلًا. "هل سمعتما؟ لقد قال: أبي!" قالت نيكس: "سمعتها." ثم ضحكت. "لقد احتجتَ إلى وقت طويل." قال ريفين: "المهم أنه قالها." بدأ كريس يضحك، ثم مد يديه باتجاه نيكس. "أمي!" أنزل ريفين ابنه. ركض كريس نحو نيكس واحتضن ساقها. ابتسمت وهي تمرر يدها على شعره. كان متعلقًا بها كثيرًا... وبريفين أكثر مما توقعا. كان يحب البقاء بالقرب منهما، ومراقبتهما، والذهاب مع ريفين أينما ذهب. لكن مع مرور
الفصل السادس والتسعين مرت الأيام بهدوء داخل القصر الأسود، لكن الهدوء هذه المرة لم يكن يعني أن كل شيء بقي كما هو. فمنذ ولادة كريس، أصبح للقصر صوت جديد. صوت طفل صغير. في البداية، كان كريس لا يفعل سوى النوم. كانت نيكس تجلس قربه لساعات، تراقب حركاته الصغيرة، بينما ريفين يقف بجانبها وكأنه لا يزال غير مصدق أنه أصبح أبًا. كان كل شيء هادئًا... إلى أن مرّت عدة أسابيع. وفي صباح أحد الأيام، دخلت آريا غرفة نيكس، فوجدتها تحمل كريس بين ذراعيها. ابتسمت آريا. "صباح الخير." نظرت إليها نيكس وابتسمت. "صباح الخير." اقتربت آريا من الطفل. "كيف حال صغيرنا؟" قالت نيكس: "إنه بخير." مدت آريا إصبعها نحو يده الصغيرة. لكن فجأة... أمسك كريس بإصبعها بقوة. ضحكت آريا. "انظروا إليه!" اقترب ريفين بفخر. "إنه قوي." نظرت إليه نيكس. "طبعًا قوي." ثم أضافت: "لقد بدأ يكبر بسرعة." رفعت آريا رأسها. "بسرعة؟" أومأت نيكس. "أسرع مما توقعت." لكن آريا لم تفهم معنى كلامها بعد. --- مرت بضعة أسابيع أخرى. وفي أحد الصباحات... كانت آريا تمشي في ممرات القصر برفقة لوسيان. كان لوسيان يسير بجانبها كعادته،
الفصل الخامس والتسعين مرت عدة أيام منذ أن عرف لوسيان أن آريا تحمل طفله. ومنذ ذلك اليوم، تغيّر شيء فيه بشكل واضح. لم يعد يتركها تفعل أي شيء وحدها. إذا نهضت من السرير، كان يسألها فورًا: "إلى أين تذهبين؟" وإذا قالت إنها ستذهب إلى المطبخ، كان يجيب: "سأرافقك." وإذا حاولت حمل أي شيء، حتى لو كان كتابًا صغيرًا، كان يأخذه منها فورًا. في البداية كانت آريا تجد الأمر لطيفًا... لكن بعد عدة أيام بدأت تشعر أن الأمر مبالغ فيه قليلًا. كانت جالسة في إحدى قاعات القصر تقرأ كتابًا، بينما كان لوسيان واقفًا بالقرب من النافذة. وضعت علامة بين صفحات الكتاب ونهضت. في اللحظة نفسها التفت إليها. "إلى أين؟" نظرت إليه بدهشة. "سأجلس هناك فقط." وأشار إلى المقعد القريب منها. "يمكنك الجلوس هنا." ضحكت. "لوسيان، أنا لم أصبح عاجزة." اقترب منها. "أعرف." "إذن لماذا تتصرف وكأنني سأختفي إن ابتعدت عنك ثلاث خطوات؟" صمت لحظة. ثم قال بجدية: "لأنك أنتِ وطفلنا أصبحتما أهم شيء لدي." توقفت آريا. ثم ابتسمت رغمًا عنها. "أنت تعرف كيف تجعلني لا أستطيع الاعتراض." ابتسم لوسيان. "إذن اجلسي." ضحكت وهي تعود إلى







