LOGINالفصل الثامن
تسمرت الكلمات في الهواء بعد أن باحت "غسق" بما يختلج في صدرها، أو هكذا بدا الأمر لـ "داغر". للحظة، شعر وكأن نسمة هواء باردة تسللت إلى قلبه الذي لم يعرف سوى القسوة، أطفأت نيرانه وأنعشت روحه. كانت فرحته بحديثها تتراقص بداخله، لكن كعادته، كان رد فعله أبعد ما يكون عن المتوقع. بدلًا من أن يجيبها، نهض من مكانه بخطوات بطيئة، واقترب منها بشدة حتى لفح أنفاسه وجهها. بدأ يدور حولها كفهد يدرس فريسته، يتأملها من قمة رأسها حتى أخمص قدميها، يفرز كل تفصيلة فيها بنظرات حادة ومربكة. تجمدت "غسق" في مكانها، لم تعرف كيف تتصرف، فقد وضعت نفسها في هذا الموقف ولم تعد تملك طريقًا للتراجع. فجأة، توقف خلفها، وانحنى ليهمس في أذنها بنبرة خشنة ومفاجئة: "بجد؟" من فرط فزعتها وارتباكها، تراجعت خطوة لتتعثر وتفقد توازنها، كادت أن تسقط أرضًا، لولا ذراعاه القويتان اللتان التقطتاها في اللحظة المناسبة، ليسحبها بقوة وعمق إلى أحضانه. تلاقت الأعين، وبدأت أصابعه تتخلل خصلات شعرها بنعومة لا تليق بشراسته المعهودة. كان ينظر إلى كل تفصيلة في وجهها بنظرات عاشق متيم، قبل أن يهمس وهو يتلاعب بأعصابها المنهارة: "يعني إنتِ بتحبيني قد ما أنا بحبك؟" اشتعلت النيران في وجنتي "غسق" حتى توردت كحبة فراولة ناضجة. حاولت أن تقاوم سحره، ودفعت صدره بيديها المرتجفتين محاولة النهوض، لكنه كان المسيطر تمامًا على الموقف. أحكم قبضته عليها وهمس بصرامة محببة: "هشششش... ماتتحركيش، كملي.. كنتي بتقولي إيه وإنتِ كده؟" هتفت به بعصبية تخفي خلفها خجلها الطاغي: "أنت قليل أدب ومتردتش عليك تربية أصلاً!" أجابها ببرود مستفز، وكأنه يقر بحقيقة علمية: "حصل..." ثم عقد حاجبيه مكملًا باستغراب مصطنع: "بس عرفتي إزاي؟" رغم انزعاجها من وقاحته وموقفها الضعيف بين يديه، لم تستطع أن تكتم ضحكتها التي رنت في المكان. أسندت رأسها على كتفه للحظات وهي تضحك بصفاء، قبل أن تدفعه برفق وتنهض. هذه المرة تركها تبتعد، لكن عينيه ظلتا معلقتين بها، سارحًا في ضحكتها التي يراها وتطرب أذنيه لأول مرة. وقفت تلتقط أنفاسها وقالت بمشاكسة: "لأ بجد أنت مشكلة! أول مرة أشوف حد بيعترف على نفسه.. ثم إن في حاجة، أنا محبتكش يا لذيذ زي ما أنت نفسك في كده، أنا بس حاسة إني أعرفك من زمان.. وده كان كل قصدي، بس أنت دماغك شمال!" ابتسم بمكر وغمز لها بعينه بوقاحة صريحة: "والله؟ أومال مين اللي كانت دايبة بين إيديا من شوية؟" فتحت فمها لتكيل له السباب، لكن رنين هاتفه الحاد قاطع اللحظة. نظر إلى الشاشة، فتغيرت ملامحه بالكامل لتكتسي بالجمود والقسوة. إنه "الزعيم". فتح الخط، ليأتيه صوت الزعيم الغاضب: "إيه يا وحش؟ مختفي ليه؟ لازم أتصل بيك أنا مخصوص عشان ترد؟ رجالتي مش قادرين يوصلولك ليه، أنت فين؟" أجاب "داغر" بثبات وصوت خالٍ من المشاعر: "ولا أي حاجة، بس بظبط صفقة السلاح الجديدة فمشغول شوية." قاطعه الزعيم بحسم: "سيبك من أي سلاح دلوقتي وكلام فاضي، أنا عايزك في عملية مهمة." "أوامرك يا زعيم." "تروح المستشفى، وتخلصلي على الظابط ده قبل ما يفوق.. أنت فاهم؟" كظم "داغر" غيظه، وبرزت عروق رقبته من شدة الغضب، لكنه أجاب بطاعة عمياء مزيفة: "ماشي يا باشا.. أوامرك." "المهمة تتنفذ النهاردة، تمام؟" "تمام يا باشا." أغلق الهاتف وهو يضغط عليه حتى كاد أن يهشم شاشته. لاحظت "غسق" التحول المرعب في ملامحه، فسألته بشك وخوف تسلل إلى قلبها: "الزعيم كان عايز منك إيه؟" التفت إليها، ونظر لها بخبث شديد ونظرة لا تقرأ، وقال بأمر قاطع: "اجهزي عشان هتروحي معايا.. بس غيريلي شكلك ده خالص، وحطي كمامة عشان محدش يعرفك." سألته برعب وهي تتراجع خطوة: "هنروح فين؟" أجابها ببرود جمد الدم في عروقها: "نخلص على أخوكي." في مكان آخر، وتحديدًا في شقة "زين"، كان الجو مشحونًا بنوع آخر من التوتر. وصل "زين" و"شغف" إلى شقته، وصعد بها لتستقر في مكتبه الخاص. كان يجلس وعيناه تجولان في كل زاوية من زوايا الغرفة، يتحاشى النظر إليها بأي ثمن. هو يعلم جيدًا من هو الشيطان، ويدرك تمامًا أن قربها منه في هذا المكان المغلق قد يعصف بكل حصونه. أما "شغف"، فكانت تتأمل المكتب بانبهار طفولي، وعيناها تدوران في المكان قبل أن تسأله بفضول: "إحنا بنعمل إيه هنا يا أبيه؟" أجابها متهربًا من نظراتها: "ثواني هجيب حاجة وأرجع." غاب لدقائق وعاد يحمل في يده ملفًا يضم بعض الأوراق، وفي اليد الأخرى كوبًا من عصير المانجو وضعه أمامها. جلس على مقعده، وتنحنح ليضفي على صوته نبرة في غاية الجدية: "بصي بقى يا شغف.. الموضوع خطير ومحتاجك تركزي معايا." حاولت "شغف" أن تتصنع الجدية لتجاريه، فعقدت حاجبيها وزمّت شفتيها بطريقة جعلت مظهرها مضحكًا للغاية، وقالت بحماس: "تمام.. قول، كلي آذان صاغية." كتم "زين" ضحكته بصعوبة بالغة، وأخفى ابتسامته خلف قناع الصرامة مجددًا، ثم قال بصوت عميق: "أنا مش هتكلم كتير.. بس عايز أقولك إن والدتك مش زي ما إنتِ شايفاها أو عارفاها... وده الورق اللي فيه كل حاجة محتاجة تعرفيها في الوقت الحالي." امتدت يد "شغف" لتلتقط منه الملف، وبمجرد أن لامست أصابعها الورق، بدأت ترتجف بشكل خفيف. فتحت الملف، ومع أول ورقة قرأتها، زادت رجفتها. توالت الأوراق، ومع كل سطر، كانت عيناها تتسعان بذهول قاتل. بدأت الدموع تتجمع في مقلتيها قبل أن تنهمر كالسيل على وجنتيها بلا توقف. كانت تقرأ حقائق تهدم عالمها بأكمله. لم يتحمل عقلها ولا جسدها حجم الصدمة؛ في لحظة واحدة، انهارت أعصابها تمامًا، فقدت الوعي، وسقطت بجسدها المرتخي مع الكرسي الذي كانت تجلس عليه لترتطم بقوة على الأرض.كان الصمت مميتًا، لا يقطعه سوى نظرات "الزعيم" الحادة المثبتة على خيال الرجل المقتول أمامه.قال بصوتٍ جهوري هزّ أركان المكان بقوة: "دي آخرة أي حد يشكك في اختياراتي!"التمعت عيناه بقسوة وصرامة وهو يتابع تحذيره: "داغر ده ابني.. ولو أي حد فكر يقول عليه أي كلمة، حتى بينه وبين نفسه، يبقى ميلومش إلا نفسه."قطع هذا الجو المشحون صوت خطوات راكضة تقترب بسرعة جنونية.اقتحم أحد رجاله المكان، يلهث بشدة وأنفاسه تكاد تنقطع، ليصرخ برعب: "الحقنا يا زعيم.. كارثة حصلت.. كارثة!"في مكان آخر، كان التوتر سيد الموقف. وقف "ليث" يطالع غسق بملامح يكسوها الاستغراب والغضب المكتوم.قال بنبرة حادة: "أنا مش فاهم شرط إيه ده اللي أنقذ حياتي! أنا لازم أعرف كل حاجة دلوقتي، لازم تحكيلي كل حاجة."نظرت إليه "غسق" بعينين تملؤهما الشفقة والحنان، واقتربت منه بخطوات مهزوزة.قالت بصوت مكسور: "متخافش يا أخويا، أنا اشتريت حياتنا.. بس الأول عايزاك تهدى وأنا هحكيلك كل حاجة."أغمضت عينيها بألم، وعادت بذاكرتها إلى الوراء.. إلى تلك اللحظة التي قلبت حياتها رأسًا على عقب.(فلاش باك)وقف "داغر" أمامها ببرود تام، برود كان يخفي خلفه بركانً
الفصل العاشر كان جسد "شغف" ينتفض بخفة داخل أحضان والدتها "ماريا". عينيها كانت مفتوحة، لكن عقلها لم يكن في الحاضر أبدًا. انسحبت روحها في ومضة سريعة إلى الماضي القريب، إلى تلك اللحظة التي فقدت فيها وعيها، وسقطت في بئر من الظلام. تذكرت كيف التقطها "زين" قبل أن يرتطم جسدها بالأرض. ضمها بين ذراعيه بقوة، وكأنها أثمن ما يملك في هذه الحياة. رغم فارق العمر بينهما، فهو في الثلاثين وهي في الحادية والعشرين، إلا أنه لم يرها يومًا سوى طفلته الصغيرة. لم تكن بالنسبة له مجرد صديقة أخته، أو ابنة خاله التي ائتمنته والدتها عليها، بل كانت شيئًا أعمق بكثير. وضعها على الفراش برفق شديد. كانت تشعر بكل حركة، بكل همسة، لكن جسدها كان يخونها، يرفض الاستجابة لأي أمر. أعصابها انهارت تمامًا بعد ذلك المشهد البشع، وضغط دماءها هبط إلى أدنى مستوياته. لكن وسط كل هذا الانهيار، شعرت بدفء غريب يتسرب إليها من حضنه. شعرت بخوفه الحقيقي عليها، وهو ما جعلها ترتعب من نفسها ومن مشاعرها. كيف تشعر بكل هذا الأمان معه، وهي تعتبره بمثابة شقيقها الأكبر؟ كيف تتجاهل تحذيرات والدتها المستمرة من الوقوع في حبه؟ ب
الفصل التاسعارتجت جدران القصر الغارق في الفخامة مع عودة "ماريا". صعدت بخطوات حثيثة متجهة إلى غرفة ابنتها، لكنها صادفت فراغًا قاتلًا. قطعت الممرات بعصبية حادة، حتى تصادفت بإحدى الخادمات، فهتفت بحدة وصوت جهوري:"أنتوا ياللي هنا! مش شايفيني بدور على الهانم الصغيرة؟! نادوها، تلاقوها في الجنينة بترسم أكيد!"ارتعدت الخادمة، وأحنت رأسها باعتذار خائف:"آسفة يا ستي.. بس الهانم الصغيرة خرجت ورا حضرتك على طول، كانت عايزاكي في حاجة ولحد دلوقت مرجعتش."تسلل الخوف كالأفعى إلى قلب "ماريا"، لكن كبرياءها القاسي لم يمنعها من أن تنظر إلى الخادمة بنظرات اشمئزاز وقرف، وهتفت بغضب:"ستي؟! آخرتي يتقاللي ستي؟! غوري من وشي مش ناقصاكي!"دفتها بقلة صبر، وسحبت هاتفها تطلب رقم رئيس حراسها. وما إن جاءها الرد حتى قالت بجمود ومزيج من القلق المكتوم:"ألو.. تروح دلوقتي تسأل الرجالة عن البنت اللي قتلوها.. شافوا وشها ولا لأ؟"رد الحارس بفضول:"أوامرك يا هانم.. بس هو في حاجة؟""ميخصكش! أنت تنفذ من سكات ومن غير أسئلة كتير!"أغلقت الهاتف في وجهه، وسحبت مفاتيح سيارتها وانطلقت بها كالمجنونة في شوارع المدينة، تجوب الطرقات بحث
الفصل الثامنتسمرت الكلمات في الهواء بعد أن باحت "غسق" بما يختلج في صدرها، أو هكذا بدا الأمر لـ "داغر". للحظة، شعر وكأن نسمة هواء باردة تسللت إلى قلبه الذي لم يعرف سوى القسوة، أطفأت نيرانه وأنعشت روحه. كانت فرحته بحديثها تتراقص بداخله، لكن كعادته، كان رد فعله أبعد ما يكون عن المتوقع.بدلًا من أن يجيبها، نهض من مكانه بخطوات بطيئة، واقترب منها بشدة حتى لفح أنفاسه وجهها. بدأ يدور حولها كفهد يدرس فريسته، يتأملها من قمة رأسها حتى أخمص قدميها، يفرز كل تفصيلة فيها بنظرات حادة ومربكة. تجمدت "غسق" في مكانها، لم تعرف كيف تتصرف، فقد وضعت نفسها في هذا الموقف ولم تعد تملك طريقًا للتراجع.فجأة، توقف خلفها، وانحنى ليهمس في أذنها بنبرة خشنة ومفاجئة:"بجد؟"من فرط فزعتها وارتباكها، تراجعت خطوة لتتعثر وتفقد توازنها، كادت أن تسقط أرضًا، لولا ذراعاه القويتان اللتان التقطتاها في اللحظة المناسبة، ليسحبها بقوة وعمق إلى أحضانه.تلاقت الأعين، وبدأت أصابعه تتخلل خصلات شعرها بنعومة لا تليق بشراسته المعهودة. كان ينظر إلى كل تفصيلة في وجهها بنظرات عاشق متيم، قبل أن يهمس وهو يتلاعب بأعصابها المنهارة:"يعني إنتِ بت
داخل السيارة التي تشق طريقها في قلب العتمة، كانت شغف تجلس بجوار الضابط، تتحدث بلا توقف كطفلة صغيرة أضاعت لعبتها. كلماتها تسبق أفكارها، وتتذمر من كل شيء، حتى طفح كيله. خفف من سرعة السيارة فجأة، والتفت إليها بنظرة حادة تحمل تحذيراً مبطناً: "اسكتي أحسنلك... بدل ما أسكتك أنا بطريقتي." نبرته الجادة، رغم هدوئها، جعلت شفتيها ترتجفان. وفي لحظة ضعف مفاجئة، تجمعت الدموع في عينيها وانفجرت في البكاء مثل طفلة تائهة قائلة بشهقات متقطعة: "أنا عايزة ماما!" ابتلع الضابط تنهيدة طويلة، واختفت قسوته المصطنعة. راقب ملامحها البريئة المبللة بالدموع، وحدث نفسه في دهشة: "إزاي الملاك والطفلة دي.. تبقى بنت الحية الشريرة دي؟!" لم يحتمل رؤيتها هكذا؛ أوقف السيارة تماماً على جانب الطريق، ومال نحوها ليربت على رأسها بحنان أذاب خوفها في ثوانٍ. تحدث بصوت دافئ ومطمئن: "اهدي... أنا عمري ما اتخليت عنك، وعمري ما خلفت وعدي معاكي، صح؟" نظرت إليه بعينيها الدامعتين، وهزت رأسها ببطء، فسألها محاولاً سحبها من نوبة بكائها: "أنتي تعرفيني من إمتى؟" أجابته ببراءة وصوت متحشرج: "من زمان...." ابتسم ابتسامة خفيفة وأردف: "طيب
كانت الغرفة غارقة في صمت خانق لا يقطعه سوى صوت أنفاس غسق المتسارعة. وقفت أمامه وعيناها محمرتان، لم يكن حزنها على أخيها الراقد في المشفى هو فقط ما يمزقها، بل تلك الكلمات التي ألقاها داغر للتو كحكم إعدام: "جاتني أوامر بتصفيتك".ابتلعت غسق غصتها، ورغم انهيارها الداخلي، حافظت على ما تبقى من تماسكها وقالت بصوت مكسور ولكنه حازم:"كنت عارفة إن النهاية هتكون كده... ده طبيعي في العالم بتاعكم. بس ممكن أعرف حتى إيه السبب؟"أشاح داغر بوجهه بعيداً متجنباً النظر في عينيها، وأجاب ببرود مصطنع:"مش عارف إيه السبب... بس دي الأوامر."هنا، انقطع آخر خيط من ضبط النفس لدى غسق. صرخت في وجهه ودموعها تنهمر:"وأنت إيه؟ مالكش أي لازمة؟! عامل زي الآلة... يقولك يمين تقول حاضر، يقولك شمال تقول حاضر! أنت ليه بتعمل في نفسك كده؟!"كلماتها ضربت وتراً حساساً داخله، جرحت كبرياءه ورجولته التي يختبئ خلفها. اقترب منها بخطوات غاضبة، وعيناه تشتعلان بانفعال غير معتاد:"أنتي شفتيني قتلتك؟! أنا مستحيل أقتل حد من غير وجه حق! بس أنتي عارفة الزعيم وأوامره، وعارفة إن محدش يقدر يقوله لأ... وإلا التمن هيكون حياته!"تراجعت خطوة للخلف،







