تسجيل الدخولسارة
تقدمتُ وجلستُ على الطاولة، وقبل أن تجلس تيا بجانبي لتستأنف حصارها، احتل شقيقها سام المقعد المجاور لي فورًا. لم أستطع إخفاء زفرة الارتياح التي خرجت من صدري بصوت مسموع. لكن تيا جلست قبالتي تمامًا، وظلت تثرثر بنرجسية لا تنتهي عن الثياب والقصات الملائمة لجسدي. بدا وكأن كل من على الطاولة يعتاد تركها لدائرتها المغلقة وتجاهل شطحاتها، وكم شعرتُ بالكره والاشمئزاز تجاه ذلك التصرف! لقد جربتُ هذا الإحساس مرارًا وهو سخيف للغاية؛ ألا تهتموا بأحد، هذا شأنكم، لكن لا تتظاهروا بالاهتمام بصمت مزيف! التفتُّ نحو تيا، وابتسمتُ بهدوء مشحون بالتلميح والذكاء الحاد، معلقة قبالة الجميع: "تعرفين يا تيا.. أظنني كنتُ سأحب جدًا أن أجرب تلك المجموعة من تصميماتكِ، وربما ترتدينني إياها وتأخذين لي الصور.. ولكنكِ تتذكرين حتمًا المكالمة الهاتفية التي جرت بيننا منذ فترة قريبة، أليس كذلك؟ حين طلبتِ مني ذلك تحديدًا، ورجوتِني أن أرتدي فساتينكِ وأتصور بها للتسويق لمجموعتكِ، ولكنني رفضتُ طلبكِ بشكل حاد وقاطع، وحذرتُكِ من استغلال اسمي في تلك الظروف!" تجمّدت ملامح تيا على الطاولة، وسقطت ابتسامتها النرجسية فورًا ليحل محلها ارتباك فاضح ووجوم شديد أمام عائلتها. اتسعت عينا الأم سوزان كوران بفضول حاد وجريء، ونظرت بين ابنتها وبيني بنبرة لم تخْلُ من السخرية والأناقة الأرستقراطية الصارمة، متدخلة بتساؤل مباشر لا يرحم: "حقًّا؟ مكالمة هاتفية؟ ولماذا بربكِ رفضتِ طلبها بكل ذلك الحدة يا سارة؟ أليست الفساتين جميلة أم أن هناك سببًا أعمق للرفض تجنبتِ ذكره؟" اشتعل التوتر على الطاولة كالفتيل المشتعل. نظر سام إليّ بتحذير مكتوم، بينما كان والده آدم ينصت باهتمام بالغة وعينين تقيمان كل كلمة. ابتلعت تيا ريقها برعب، فنظرتُ للسيدة سوزان كوران بابتسامة هادئة وواثقة، ونبرة صريحة لا تهاب مواجهة كبرياء عائلتهم: "رفضتُ بشكل حاد يا سيدة كوران لأن الأوقات والمناسبات لها احترامها وقيمتها؛ لم أكن ولن أكون أداة تسويق أو واجهة استغلال إعلاميّ لأي خط أزياء، حتى لو كان يحمل اسم عائلتكم. رفضتُ لأنني لا أسمح لأحد بأن يستغل اسمي أو الظروف المحيطة بي لصنع مجد شخصيّ خاطف على حسابي." ساد صمتٌ مطبق ومحمل بالرهبة على الطاولة. احمرّ وجه تيا بخزي مكتوم وزفرت بارتباك، بينما نظر السيد آدم كوران إليّ بإعجاب شديد واحترام ناضج لم يتوقع وجوده في فتاة بعمري. أما السيدة سوزان كوران، فقد هزت رأسها باستنكار حاد لابنتها تيا، موجهة إليها نظرة صارمة جعلت الأخيرة تطأطئ رأسها في طبقها دون أن تنطق بكلمة واحدة أخرى طوال العشاء. وضِعت الأطباق الكثيرة والفاخرة على الطاولة، وجلس الجميع في ترتيب منظم؛ آدم كوران على رأس الطاولة، وزوجته سوزان على جانبه الأيمن وبجانبها ابنتها تيا، بينما جلس سام على الجانب الأيسر مجاورًا لي تمامًا. بدأتُ آكل ببطء شديد، ولاحظتُ أن السيدة كوران استعادت هدوءها الأرستقراطيّ، وكم أحببتُ هذا الثبات الذي يمنح التوازن لهذه الأسرة. لكن ذلك الهدوء لم يدم طويلاً؛ إذ أردفت السيدة سوزان كوران بنبرة حادة، جريئة، ومفاجئة للغاية، وهي تضع شوكتها بوقار وتنظر إليّ مباشرة: "آمل أنكِ لم تنزعجي كثيرًا من ثرثرة عائلتي يا عزيزتي.. ولكن، دعيني أسألكِ بصراحة تامة؛ كيف لفتاة في عمركِ أن تخوض مشروعًا إنسانيًّا وضخمًا بهذه الجرأة، بينما تبدو على ملامحكِ وتصرفاتكِ ظلال غربة جافة؟ لماذا عزيزتي؟ ألا تعيشين مع أسرتكِ الحقيقية، أم أنكِ هربتِ بعيدًا عنهم؟" أجفلتُ فورًا على صوتها والحدّة الكامنة خلف السؤال. نظرتُ إليها بابتسامة هادئة أهز رأسي محاولةً امتصاص الهجوم: "لستُ منزعجة أبدًا، فقط غير معتادة على هذا الجو.. في الواقع أعيش مع ابنة عمتي، ونحن نوعًا ما بعيدتان جدًا عن هذا الجو العائليّ المتشابك." رأيتُ ابتسامة طفيفة وقاسية ترتسم على وجه الأم، وقبل أن ألتف، باغتتني بسؤال أكثر حدة وجرأة، ينبش بقسوة في نسبي وجذوري: "لا تبدين لي إنجليزية خالصة على الإطلاق يا سارة؛ الملامح، العيون، والشعر.. هل أنا مخطئة إن قلتُ إن في دمائكِ أصولاً شرقية لم تتحدثي عنها؟" اجتاحني التوتر الشديد فورًا، ورفرفت الوطاويط في معدتي بقوة أدمت جدرانها. عبثتُ بالشوكة في طبقي باضطراب، بينما أجبرتُ وجهي على ابتسامة مجيبة بعصبية مكتومة: "لا." إجابة مقتضبة، سريعة، وغاضبة. ازداد تنفسي اضطرابًا، وشعرتُ بتصلب جسد سام بجانبي كالصخر، كما لمحتُ توقف والده آدم عن قطع لحمه والثرثرة مع ابنه، متطلعًا إليّ بعينين صلبين تقرآن كل اهتزاز في ملامحي. لكن السيدة سوزان كوران لم تتوقف، بل خمنت بنبرة حادة واثقة ضربت عمق صمتي: "مصرية.. أليس كذلك؟ أنتِ مصرية الأصول!" ما اللعبة الخبيثة التي تلعبينها معي يا سيدتي الهادئة؟ تلك الأسئلة الجريئة والحادة لا تناسب حياتي المغلقة، ولا أحمل طاقة لنبش المقابر هنا! تلاعبتُ بالشوكة في طبقي بغضب، لا أعرف ما الذي تبحث عنه هذه السيدة بضغطها المتواصل، لكن زوجها السيد آدم كوران تدخل بحكمة وذكاء حاد لتورية الأزمة وتخفيف حدة الاستجواب: "سوزان، دعكِ من الاستجوابات الآن.. أتعلمين يا سارة لماذا ربطتُ الهندسة المعمارية بمشروعكِ الإنسانيّ هذا فور قراءتي له؟" عاد الهدوء النسبيّ إلى الطاولة. كان يتحدث في الملعب الوحيد الذي أجيد اللعب فيه بقوة واقتدار. نظرتُ تجاهه، واستعادت نبرتي هدوءها وثقتها الجبارة: "لأن المعمار الهندسيّ يملك قدرة هائلة على تصويب المجتمع وتقويمه سيد كوران؛ فالنوادي الاجتماعية في الأحياء البسيطة، وتوفير النشاطات الكافية داخل مبانٍ صُممت بنظام لتقويم السلوك الاجتماعيّ والنفسيّ، هي الطريقة الصحيحة والصحية لبناء البشر قبل المنازل. المنظر الذي تراه كل يوم من نافذة غرفتكَ يؤثر بشكل مباشر في أحداث يومك، وبالتالي يشكل نشأتكَ وسلوكك الكليّ." إعجابه الشديد بحديثي جعلني أسترخي قليلًا، واستعدتُ هدوئي وثقتي ظاهريًّا أمام استجوابهم الشرس. شعرتُ بلمسة دافئة من سام على رسغ يدي أسفل الطاولة؛ لابد أنه كان يعنف نفسه ويحترق خجلًا مما فعلته أمه وشقيقته.سارة تقدمتُ وجلستُ على الطاولة، وقبل أن تجلس تيا بجانبي لتستأنف حصارها، احتل شقيقها سام المقعد المجاور لي فورًا. لم أستطع إخفاء زفرة الارتياح التي خرجت من صدري بصوت مسموع. لكن تيا جلست قبالتي تمامًا، وظلت تثرثر بنرجسية لا تنتهي عن الثياب والقصات الملائمة لجسدي. بدا وكأن كل من على الطاولة يعتاد تركها لدائرتها المغلقة وتجاهل شطحاتها، وكم شعرتُ بالكره والاشمئزاز تجاه ذلك التصرف! لقد جربتُ هذا الإحساس مرارًا وهو سخيف للغاية؛ ألا تهتموا بأحد، هذا شأنكم، لكن لا تتظاهروا بالاهتمام بصمت مزيف! التفتُّ نحو تيا، وابتسمتُ بهدوء مشحون بالتلميح والذكاء الحاد، معلقة قبالة الجميع: "تعرفين يا تيا.. أظنني كنتُ سأحب جدًا أن أجرب تلك المجموعة من تصميماتكِ، وربما ترتدينني إياها وتأخذين لي الصور.. ولكنكِ تتذكرين حتمًا المكالمة الهاتفية التي جرت بيننا منذ فترة قريبة، أليس كذلك؟ حين طلبتِ مني ذلك تحديدًا، ورجوتِني أن أرتدي فساتينكِ وأتصور بها للتسويق لمجموعتكِ، ولكنني رفضتُ طلبكِ بشكل حاد وقاطع، وحذرتُكِ من استغلال اسمي في تلك الظروف!" تجمّدت ملامح تيا على الطاولة، وسقطت ابتسامتها النرجسية ف
سارة استدار تحت أنظاري ناحية البيت، فركضتُ محاولةً اللحاق بخطواته الواسعة السريعة. غمغمتُ باللعنات في سري لأنه كان سيتسبب حتمًا في كسر ساقي بسباقات سرعته المجنونة. حين وصلنا أخيرًا أمام الباب الرئيسيّ، تجاهل وجودي تمامًا خلفه كعادته الجافة. ثوانٍ معدودة حتى فتحت الباب خادمة جميلة ترتدي ثوب عمل كحليًّا أنيقًا. عبر سام مسرعًا وتركني خلفه أعالج دهشتي، فعبستُ وغمغمتُ بمزيد من اللعنات المحشوة بغضب مكتوم. إنه يبدو كمريض نفسي مستعصي العلاج؛ كيف يتركني عند مدخل بيتهم دون دعوة أو كلمة ترحيب؟ أشارت لي الخادمة بابتسامة لطيفة للداخل، فعلقتُ بتهكم وأنا أعبر العتبة: "لم يفعلها مالك المنزل الأحمق ذاك." نظرت لي الخادمة بطرف عينها باندهاش خاطف، وهرب بؤبؤ عينها سريعًا نحو اتجاه معين في البهو. نظرتُ لنفس المكان بسرعة لأستكشف ما أفزعها، فوجدتُ رجلًا أشيبَ لم أره من قبل قط. لكن من عساه أن يكون ذلك الرجل الذي يقارب الستين من عمره، ويجلس على مقعد وثير منتظرًا أن تنتهي امرأة راقية من تقبيل وجنتي ابنها الأحمق الذي تركني عند الباب.. سوى والده؟ نظرتُ بسرعة إلى الخادمة بابتسامة عصبية محاولةً ترقيع
سارة لقبعة فوق رأسي لكنه أوقفني وجذبه مني: "لا، أتركِ شعرك هكذا، هذا الشعر الجميل لا يجب أن يحرم من الشمس." الحرارة صعدت لوجنتي الوردية، الآن كانت حمراء وما كنت أستطيع الإجابة، ابتسم ورفع القبعة الرياضية فوق رأسه، سار أمامي قليلًا، كان اللون الأحمر على رأسه جذاب ويجعله أصغر مما هو علىه، مستمتع بتوردي وصمتي. فتح باب السيارة الخلفي لكنني تجاهلته و صعدت نحو الأمام، قهقه و هو يغلق الباب خلفي ويلتف ليدلف إليها، جلس وأشعل الموتور لكنه لم يتوقف عن الضحك فزمجرت مقتضبة: "توقف عن الضحك الآن، ولا تنظر إلى إلا حينما نصل." قهقهته لم تتوقف، قضم شفتاه وعيناه تشملني: “رسميًا أنا واقع في غرام توردكِ وارتباككِ." ارتفع حاجبي صارخ والخجل يتآكلني: "سام." هز حاجبيه بإغاظة واختر أغنية هادئة لم أعرفها، مبتسم وسعيد ومنتشي، تحرك بالسيارة يديدن اللحن، بينما أنا متوردة مشوشة ولا أعرف بالضبط ما الذي أفعله بنفسي بحق السماء؟ لكنني كنتُ سعيدة للحظة هناك، قدمي لا تلامس الأرض، عقلي خاوي وروحي خفيفة، لم أكن أعرف السعادة لكن هذا لا يمكن ألا أن يكون سعادة. لكن مجددًا؛ ما الذي أفعله بنفسي وإلى أين سوف يأخذني
سارة حاولتُ طرد كل هذه الأفكار السوداوية من تفكيري والعودة إلى التخطيط لخطواتي القادمة فقط، لكنني للأسف فقدتُ حتى قدرتي الذهنية على التخطيط المستقبلي. "أنا سيئ الحظ كثيرًا اليوم." سمعتُ تعليقه المنبعث من الأمام، فأغلقتُ الحاسوب وأعدته إلى الحقيبة، وهمهمتُ باستفهام وأنا أتابع مشاهد الطريق الخارجي من النافذة: "ماذا؟" "حظي التعس أوقعني في رحلة مع فتاة جميلة، لكنها غير رومانسية بالمرة!" "أنا لستُ رومانسية؟!" هتفتُ باستنكار ورأيتُ ابتسامة منتصرة تلمع في عينيه عبر المرآة؛ لابد أنه كان يفكر طوال ذلك الوقت في طريقة تجعلني أنتبه إليه وأترك الحاسوب، لكن هذا لم يمنعني من المواصلة باستنكار: "أتقول إنني لا أملك مشاعر؟" "بل لديكِ مشاعر جياشة ومكرسة فقط للوحوش ومصاصي الدماء والقتلة المتسلسلين الذين يعشقون الدماء!" "أنت شخص سخيف يا سام." صمتُّ لحظة، ثم انفعلتُ في اللحظة التالية بحدة مفاجئة: "كل هذه القصص التي تسخر منها تحتوي على قصص حب رومانسية عميقة!" ابتسم بلا مبالاة ورفع كتفيه بلا اهتمام وهو يمسك بمقود السيارة: "ومع ذلك، هي ليست رومانسية حقيقية.. أنتِ لم تتعلمي من تلك القص
سارة رد التحية بنبرة خفيضة، ثم صمت لحظة وهو ينظر إلى الحقيبة الضخمة المعلقة خلف ظهري. ضيق عينيه بتوجس مستفهم وقال: "هل تنوين الهروب معي؟" من شدة ما كانت نبرته جادة، كدتُ أصدقه لبرهة! قهقهتُ بصوت خفيض وهززتُ رأسي مجيبة بأنفاس متقطعة: "إن كنتُ كذلك، فيبدو أن الأمر قد صدمك لأقصى حد!" "بالتأكيد؛ فأنا لم أهرب قط مع فتاة من قبل، ولذلك لا أعلم ما الذي يتوجب عليّ فعله في موقف كهذا." مططتُ شفتيّ مصطنعة التفهم والرزانة: "لا تقلق، لن أورطك في أمر كهذا قبل أن أخبرك مسبقًا لتتخذ احتياطاتك." تنفس الصعداء باصطناع، فاستقمتُ في وقفتي محاولة أن أوازيه في الطول، إذ كان يفوقني طولًا بكثير. أشرتُ إلى حقيبتي الثقيلة وقلت: "هذه الحقيبة تحتوي على حاسوبي وبعض الكتب كي أتسلى بها في الطريق، لا شيء فيها له علاقة بالهروب." رفع جانب فكه المغلق، ضاغطًا على حروفه بتسلٍّ: "اعترفي.. لقد فضلتِ فكرة الهروب أكثر." "بل اعترف أنت.. أُفضل الجلوس داخل السيارة الآن أكثر من أي شيء." زفر بخنق مصطنع، واستدار ليفتح باب السيارة المجاور لي. صعدتُ للداخل وأنا أخلع حقيبتي لأضعها فوق قدمي. راقبته بلمحات خاطفة وهو
سارة كيف يستمر المرء في حالة الحزن والكآبة؟ والأهم من ذلك: كيف يتخلص منهما حين يستبدان به؟ داعبني هذا السؤال الفلسفي المباغت بينما كنتُ أغسل أسناني أمام المرآة في ذلك الصباح الباكر. كنتُ أنظر إلى نسخة باهتة مني كالعادة؛ دائمًا باهتة لأنني ببساطة لا أملك رفاهية الاهتمام بنفسي كثيرًا، ولا تستهويني أدوات التجميل ووضع المرطبات وما شابه. غير أن تلك النسخة الباهتة كانت تحمل اليوم وجنتين مشبعتين بالاحمرار؛ ليس بفعل مساحيق التجميل، بل من كثرة الضحك المتواصل. فعقب استيقاظي المبكر جدًا عن موعد قدوم سام، قررتُ مشاهدة مسلسل كوميدي قصير على هاتفي، أفرض فيه على نفسي الضحك حينًا، وينجح هو في اقتناصه من قلبي رغمًا عني في أحيان أخرى، كأنني أحاول استجداء البهجة من الشاشة الصامتة. أنهيتُ تنظيف أسناني وترطيب وجهي بالماء البارد، ثم عدتُ أدراجي إلى غرفتي يصحبني الصوت المنبعث من جهاز التلفاز، والذي تعمدتُ إدارته لكسر حدة الصمت الثقيل الغارق فيه البيت. بيتٌ خاوي الأركان عقب شجار حاد اندلع بين جان وإيفا قبيل ليلة واحدة؛ شجارٌ لم أتدخل فيه ولم أراقب تفاصيله، بل اكتفيتُ بما أخبرتني به ابنة عمتي عن نتائجه
سارة تشاغل "سام"بالقيادة فشوارع لندن مساء الجمعة مزدحمة جدًا، خطط نهاية الأسبوع هنا وهناك، كان يقود بسرعة كافية ليتخطى الزحام، ساعدته السيارة المختلفة عن السيارة السابقة التي أوصلني بها في منتصف الأسبوع، أصغر حجمًا و أكثر جموحًا وشبابية أكثر، تناسب من تخطى الستون عامًا وتقاعد عن شركة رأسها مالها
سارة لا تصدق رجل يتكلم عن نفسه، لأن ما أن يبدأ الرجل في الحديث عن نفسه، مدحها وتفخيمها وسرد أساطيره الأسطورية يعني أنه كاذب. "سام"لم يتكلم عن نفسه أمامي، لم يعد لي مميزاته ولم يخيفني من عيوبه في بادرة باتت رومانسية مظلمة شهيرة، لكنني لازلت في حيرة تصديقه أو لا في رغبته لمساعدتي دون توقع مني شي
جايسون لارج الصدى الرتيب لضربات قبضتي المتلاحقة والعنيفة على كيس الملاكمة الجلديِّ الضخم كان الصوت الوحيد الذي يكسر سكون هذه الصالة الرياضية المغلقة والخاصة في قلب لندن. الوقت تجاوز الثامنة مساءًا، والأضواء النيون البيضاء المسلطة من السقف العالي كانت تمنح المكان طابعًا إسمنتيًّا باردًا يشبه تمام
سام أنا لا أعتقد أن الشراب يناسبني لأعود له، كان جموح الجامعة و بعده فشل اختيار العلاقات والتحطم السيء، ومن ثم جنون العمل الذي من شأنه جعلك لا تلتفت حولك لتصل إلى ما تصبو إليه في وقت قصير، بعد أن تصل تتراجع قليلًا لتكتشف أنك يجب أن تحظى بحياة، كنت محظوظ كفاية لأنني اكتشفت هذا مبكرًا في العشرينات







