بيت / الرومانسية / عقد وأكاذيب / الفصل الثامن والثمانون

مشاركة

الفصل الثامن والثمانون

last update تاريخ النشر: 2026-07-27 23:47:06

سارة

استدار تحت أنظاري ناحية البيت، فركضتُ محاولةً اللحاق بخطواته الواسعة السريعة. غمغمتُ باللعنات في سري لأنه كان سيتسبب حتمًا في كسر ساقي بسباقات سرعته المجنونة.

حين وصلنا أخيرًا أمام الباب الرئيسيّ، تجاهل وجودي تمامًا خلفه كعادته الجافة. ثوانٍ معدودة حتى فتحت الباب خادمة جميلة ترتدي ثوب عمل كحليًّا أنيقًا.

عبر سام مسرعًا وتركني خلفه أعالج دهشتي، فعبستُ وغمغمتُ بمزيد من اللعنات المحشوة بغضب مكتوم.

إنه يبدو كمريض نفسي مستعصي العلاج؛ كيف يتركني عند مدخل بيتهم دون دعوة أو كلمة ترحيب؟ أشارت لي الخادمة بابتسامة لطيفة للداخل، فعلقتُ بتهكم وأنا أعبر العتبة:

"لم يفعلها مالك المنزل الأحمق ذاك."

نظرت لي الخادمة بطرف عينها باندهاش خاطف، وهرب بؤبؤ عينها سريعًا نحو اتجاه معين في البهو. نظرتُ لنفس المكان بسرعة لأستكشف ما أفزعها، فوجدتُ رجلًا أشيبَ لم أره من قبل قط. لكن من عساه أن يكون ذلك الرجل الذي يقارب الستين من عمره، ويجلس على مقعد وثير منتظرًا أن تنتهي امرأة راقية من تقبيل وجنتي ابنها الأحمق الذي تركني عند الباب.. سوى والده؟ نظرتُ بسرعة إلى الخادمة بابتسامة عصبية محاولةً ترقيع زلتي:

"بالطبع لم أكن أقصد السيد كوران، بل قصدتُ سام.. فهو أحمق تمامًا."

لم تجب الخادمة أيضًا، بل اكتفت بابتسامة صامتة بدت فيها مرتاحة لهذا الخيار التحفظي. تقدمت مني السيدة والسيد كوران بخطوات مستقيمة، واثقة، وتحمل الهيبة الأرستقراطية الذاتية. تقدمتُ خطوتين نحوهم ووقفتُ بثبات مصطنع، فمدت السيدة أناملها بابتسامة واسعة:

"سوزان كوران؛ والدة سام."

"يسعدني لقاؤكِ سيدة كوران."

كانت منها إيماءة وابتسامة لطيفة؛ ملامح إنجليزية خالصة تتجلى في وجنتين مرتفعتين، شعر أسود قصير، وعينين تطابقان لون عيني سام كليًّا. كانت هناك ابتسامة دافئة على محياها، بادلتها بابتسامة متوسطة على شفتيّ.

ثم تقدم مني الرجل رمادي الشعر؛ كان شعره غزيرًا وناعمًا، وعيناه سوداوين ودودتين لكنهما لا تتوقفان عن تقييم وتقشير كل ما يقع أمامهما. كانت ابتسامته رزينة جدًا، فتنفستُ بعمق ومددتُ ذراعي مرحبة:

"سيد كوران."

رد وهو يمسك يدي برفق ناعم: "تبدين حتى أصغر من الثانية والعشرين."

ابتسمتُ معلقة ببديهة: "بالطريقة الجيدة أم السيئة؟"

ضحك ببساطة ناعمة بينما جعلني أسير بجانبه نحو منطقة الجلوس الصغيرة.

تشاغلتُ عن رؤية البهو الضخم والفخامة المعمارية التي تطوق المكان؛ فكل ما كنتُ أهتم به في هذه اللحظة هو ذاك الرجل الذي منحني ماله لمشروعي الإنسانيّ. كان يستحق كامل اهتمامي واحترامي؛ فمؤسسة كوران لم تكن وليدة الأمس، وآدم كوران كان اسمًا عظيمًا في فن العمارة والهندسة. انتبهتُ لأحاديثه المنمقة ولكنه المميزة جدًا؛ كانت نبرة رجل إنجليزيّ نبيل متمرس في مجالس القوة.

قال وهو يشير لي بأن أجلس: "أستطيع إخبارَكِ أن قراءة ملف مشروعكِ جعلتني أعتقد أنكِ ربما تخطيتِ الخمسين، ورأيتِ ما يكفي من الحياة لتتوصلي إلى هذا الفكر العميق."

جلستُ متقابلة معه، فأردف بابتسامة رزينة:

"لذا سأقول إنه بالطريقتين يا عزيزتي."

هذا الرجل يحمل أطنانًا من خبرة الحياة؛ أطنانًا اضطررتُ أنا لحملها قسرًا في بداية العشرينيات من عمري، أطنانًا لم أطلب حملها لكنها قفزت فوق كاهلي دون انتظار إذن من أحد. ابتسمتُ بهدوء مسترسل:

"هل يوجد أمر واحد في هذه الحياة لا يحتمل الطريقتين سيد كوران؟"

شقت وجهه ابتسامة غامضة، وهز رأسه باستحسان ناضج لما نطقتُ به.

في ذات اللحظة، جاء ابنه سام ليجلس بجانبي بينما اختفت والدته سوزان كوران لثوانٍ داخل القصر.

كان سام يبدو بسيطًا ونشيطًا من جديد، ومتجاهلًا لي كالعادة التي اكتسبها خلال الدقائق العشر السابقة.

رفع أنامله يعبث بشعره وهو يلتفت لوالده:

"اشتقتُ إليك كثيرًا يا آدم."

رد والده بنبرة صارمة حنونة: "أتظن لأنك ابني يحق لك مناداتي دون ألقاب رسمية؟"

ربت سام فوق قدم والده بمحبة جلية لم أغفلها: "إنني أمازحك فقط."

"هذا المزاح لن يعفيك من مناقشة بعض الأشياء الجادة معي الليلة."

تحرك بؤبؤ عين والده نحوي للحظة؛ لحظة خاطفة لكنها كانت كافية جدًا لأعرف أنني أقع في قلب تلك الأمور. وإذا كنتُ في مركزها، ألا يحق لي المشاركة في سماعها؟ في الغالب، كنتُ لا أزال مشوشة، غير متحكمة في انفعالاتي بشكل كامل، ولا أطيق الأحاديث التي أكون محورها السريّ دون أن يُسمح لي بالحضور فيها.

اعتدلتُ في جلستي، وجذبتُ ابتسامة مستقيمة ونبرة واثقة:

"أفترض أنني أتضمن تلك الأمور التي ستتناقشان حولها."

سادت لحظة صمت ثقيلة لا يتخللها سوى صوت الموسيقى الهادئة القادمة من الطابق العلوي.

تماهت نظرتي بمزاح مصطنع لا أشعر به حقيقة:

"أحب أن أعرف تفاصيل ما يخصني."

اعترض سام فورًا شديدًا على الوضع، وشدد بيده على ذراعي يمنعني من الاسترسال:

"لا يا سارة."

نظرتُ إليه وصمتُّ، بينما انتظرتُ رد والده بصبر لا أملكه حقيقة، حتى أرخى السيد كوران عينيه الصارمتين عن ابنه ونظر إليّ:

"عزيزتي، تأكدي تمامًا أن كل شيء يسير على ما يرام."

رددتُ ببديهة حادة:

"لم أقل العكس سيد كوران."

كما كان يقول سام دائمًا، يبدو أنني أحمل ردودًا جاهزة وحادة لا تتأخر.

قاطعت هذه المحادثة اللطيفة خطوات ركض سريعة ومندفعة على الدرج. تشتت انتباهنا ونظرتُ حيث مصدر الصوت؛ فتاة في مثل عمري أو أكبر قليلًا كانت تترجل الدرج بابتسامة واسعة، وجاءت ركضًا تجاهنا.

اقتربت فجأة دون مقدمات وضمتني إليها، وهي تتحدث بسرعة تجرّدت من قواعد الاستيعاب:

"انظروا كم هي جميلة! ملكة جمال إنجلترا بحق!"

ابتعدت عني قليلاً ومدت أناملها لتلمس بشرة وجهي بميوعة ونرجسية مفرطة، مردفة بسرعة:

"ناعمة جدًا وجميلة! أنا سعيدة جدًا لأنك أحضرتَها يا سام، بالتأكيد سنصبح صديقتين مقربتين."

هتف سام بحدة وهو يضبط اندفاعها:

"تيا!"

أمسكت تيا ذراعي ونظرت لسام من خلفي؛ كانت أطول مني، وتحمل جينات الطول القوية التي تطوق عائلتهم.

أجابت وهي تؤكد استنتاجي المسبق بأنها شقيقته الصغرى:

"ماذا يا سام؟ إنها جميلة جدًا، ناعمة، وستكون مثالية جدًا لمجموعتي الجديدة من الأزياء! إنها تناسب تمامًا نوعيتها من الفتيات."

نوعيتي؟! حبًا بالله، منذ متى أصبحتُ العينة المجتمعية المصنفة لنوعيتي؟ هذه الفتاة يجب أن تتوقف فورًا عن الثرثرة طالما بدأت بالحديث عن الثياب والأزياء؛ هل تنوي معاملتي كعارضة أزياء مجانية في منزلهم أم ماذا؟ انتبهتُ لاقتراب سام من خلفي قليلًا، يجادلها بغضب مكتوم ويزيح يديها الفضوليتين عني:

"تيا! اتركيها الآن! لا يصح أن تلمسيها بهذا الشكل الفض المندفع، ولا أن تطلقي عليها لفظ نوعية، فهي إنسانة وليست عينة تجارب."

شكرًا لك يا سام، لكن شقيقته عاندته بالجلوس فورًا جانبي على الأريكة وجذب ذراعي تجاهها بإصرار غريب:

"هي لم تعترض إطلاقًا! وسوف تصبح صديقتي المقربة وتساعدني في تسويق مجموعتي الجديدة."

ما بال هذه العائلة التي ترغب فجأة في مصادقتي وتمزيق أعصابي في آن واحد؟ هل أنا الكائن الصديق المنزليّ الخاص الذي ينقص قصرهم؟ أم هل أحضرني شقيقها سام بغرض توفير الصداقة لكافة أفراد الأسرة؟ ربما لديهم سر خفيّ إن كانوا يعانون من الوحدة بهذا الشكل المفاجئ، أم هل هم عائلة من المستذئبين الملتفين حول صيدهم؟

مال سام نحو أذني بصوت خفيض مستدركًا تعابير وجهي المنزعجة:

"أرجو ألا تكوني قد قفزتِ إلى استنتاج خارق للطبيعة بشأننا."

رددتُ بسرعة ونفي قاطع:

"لا، بالطبع لا."

نفيي السريع جعله يبتسم بارتياح متخليًا عن تجاهله السابق، ثم أشار لشقيقته التي لم تتوقف عن الحركة والحديث:

"تيا هي شقيقي الصغرى؛ درست تصميم الأزياء، ويبدو أنها معجبة كبيرة بنعومة بشرتكِ وشكل جسدكِ."

علقت شقيقته النرجسية فورًا بثقة مفرطة:

"وعلى الأرجح لستُ الوحيدة المعجبة بذلك هنا!"

توردت وجنتا سام بارتباك فاضح من تلميح شقيقته الجريء، ثم سحبتنا والدته سوزان كوران نحو الطاولة الكبيرة التي طلبت منا الانضمام إليها لتناول العشاء. كان البيت ضخمًا جدًا، ولم أكن أملك رفاهية التأمل في فخامته المعمارية.

هذا العشاء سوف يكون سيء للغاية.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • عقد وأكاذيب    الفصل التاسع والثمانون

    سارة تقدمتُ وجلستُ على الطاولة، وقبل أن تجلس تيا بجانبي لتستأنف حصارها، احتل شقيقها سام المقعد المجاور لي فورًا. لم أستطع إخفاء زفرة الارتياح التي خرجت من صدري بصوت مسموع. لكن تيا جلست قبالتي تمامًا، وظلت تثرثر بنرجسية لا تنتهي عن الثياب والقصات الملائمة لجسدي. بدا وكأن كل من على الطاولة يعتاد تركها لدائرتها المغلقة وتجاهل شطحاتها، وكم شعرتُ بالكره والاشمئزاز تجاه ذلك التصرف! لقد جربتُ هذا الإحساس مرارًا وهو سخيف للغاية؛ ألا تهتموا بأحد، هذا شأنكم، لكن لا تتظاهروا بالاهتمام بصمت مزيف! التفتُّ نحو تيا، وابتسمتُ بهدوء مشحون بالتلميح والذكاء الحاد، معلقة قبالة الجميع: "تعرفين يا تيا.. أظنني كنتُ سأحب جدًا أن أجرب تلك المجموعة من تصميماتكِ، وربما ترتدينني إياها وتأخذين لي الصور.. ولكنكِ تتذكرين حتمًا المكالمة الهاتفية التي جرت بيننا منذ فترة قريبة، أليس كذلك؟ حين طلبتِ مني ذلك تحديدًا، ورجوتِني أن أرتدي فساتينكِ وأتصور بها للتسويق لمجموعتكِ، ولكنني رفضتُ طلبكِ بشكل حاد وقاطع، وحذرتُكِ من استغلال اسمي في تلك الظروف!" تجمّدت ملامح تيا على الطاولة، وسقطت ابتسامتها النرجسية ف

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثامن والثمانون

    سارة استدار تحت أنظاري ناحية البيت، فركضتُ محاولةً اللحاق بخطواته الواسعة السريعة. غمغمتُ باللعنات في سري لأنه كان سيتسبب حتمًا في كسر ساقي بسباقات سرعته المجنونة. حين وصلنا أخيرًا أمام الباب الرئيسيّ، تجاهل وجودي تمامًا خلفه كعادته الجافة. ثوانٍ معدودة حتى فتحت الباب خادمة جميلة ترتدي ثوب عمل كحليًّا أنيقًا. عبر سام مسرعًا وتركني خلفه أعالج دهشتي، فعبستُ وغمغمتُ بمزيد من اللعنات المحشوة بغضب مكتوم. إنه يبدو كمريض نفسي مستعصي العلاج؛ كيف يتركني عند مدخل بيتهم دون دعوة أو كلمة ترحيب؟ أشارت لي الخادمة بابتسامة لطيفة للداخل، فعلقتُ بتهكم وأنا أعبر العتبة: "لم يفعلها مالك المنزل الأحمق ذاك." نظرت لي الخادمة بطرف عينها باندهاش خاطف، وهرب بؤبؤ عينها سريعًا نحو اتجاه معين في البهو. نظرتُ لنفس المكان بسرعة لأستكشف ما أفزعها، فوجدتُ رجلًا أشيبَ لم أره من قبل قط. لكن من عساه أن يكون ذلك الرجل الذي يقارب الستين من عمره، ويجلس على مقعد وثير منتظرًا أن تنتهي امرأة راقية من تقبيل وجنتي ابنها الأحمق الذي تركني عند الباب.. سوى والده؟ نظرتُ بسرعة إلى الخادمة بابتسامة عصبية محاولةً ترقيع

  • عقد وأكاذيب    الفصل السابع والثمانون

    سارة لقبعة فوق رأسي لكنه أوقفني وجذبه مني: "لا، أتركِ شعرك هكذا، هذا الشعر الجميل لا يجب أن يحرم من الشمس." الحرارة صعدت لوجنتي الوردية، الآن كانت حمراء وما كنت أستطيع الإجابة، ابتسم ورفع القبعة الرياضية فوق رأسه، سار أمامي قليلًا، كان اللون الأحمر على رأسه جذاب ويجعله أصغر مما هو علىه، مستمتع بتوردي وصمتي. فتح باب السيارة الخلفي لكنني تجاهلته و صعدت نحو الأمام، قهقه و هو يغلق الباب خلفي ويلتف ليدلف إليها، جلس وأشعل الموتور لكنه لم يتوقف عن الضحك فزمجرت مقتضبة: "توقف عن الضحك الآن، ولا تنظر إلى إلا حينما نصل." قهقهته لم تتوقف، قضم شفتاه وعيناه تشملني: “رسميًا أنا واقع في غرام توردكِ وارتباككِ." ارتفع حاجبي صارخ والخجل يتآكلني: "سام." هز حاجبيه بإغاظة واختر أغنية هادئة لم أعرفها، مبتسم وسعيد ومنتشي، تحرك بالسيارة يديدن اللحن، بينما أنا متوردة مشوشة ولا أعرف بالضبط ما الذي أفعله بنفسي بحق السماء؟ لكنني كنتُ سعيدة للحظة هناك، قدمي لا تلامس الأرض، عقلي خاوي وروحي خفيفة، لم أكن أعرف السعادة لكن هذا لا يمكن ألا أن يكون سعادة. لكن مجددًا؛ ما الذي أفعله بنفسي وإلى أين سوف يأخذني

  • عقد وأكاذيب    الفصل السادس والثمانون

    سارة حاولتُ طرد كل هذه الأفكار السوداوية من تفكيري والعودة إلى التخطيط لخطواتي القادمة فقط، لكنني للأسف فقدتُ حتى قدرتي الذهنية على التخطيط المستقبلي. "أنا سيئ الحظ كثيرًا اليوم." سمعتُ تعليقه المنبعث من الأمام، فأغلقتُ الحاسوب وأعدته إلى الحقيبة، وهمهمتُ باستفهام وأنا أتابع مشاهد الطريق الخارجي من النافذة: "ماذا؟" "حظي التعس أوقعني في رحلة مع فتاة جميلة، لكنها غير رومانسية بالمرة!" "أنا لستُ رومانسية؟!" هتفتُ باستنكار ورأيتُ ابتسامة منتصرة تلمع في عينيه عبر المرآة؛ لابد أنه كان يفكر طوال ذلك الوقت في طريقة تجعلني أنتبه إليه وأترك الحاسوب، لكن هذا لم يمنعني من المواصلة باستنكار: "أتقول إنني لا أملك مشاعر؟" "بل لديكِ مشاعر جياشة ومكرسة فقط للوحوش ومصاصي الدماء والقتلة المتسلسلين الذين يعشقون الدماء!" "أنت شخص سخيف يا سام." صمتُّ لحظة، ثم انفعلتُ في اللحظة التالية بحدة مفاجئة: "كل هذه القصص التي تسخر منها تحتوي على قصص حب رومانسية عميقة!" ابتسم بلا مبالاة ورفع كتفيه بلا اهتمام وهو يمسك بمقود السيارة: "ومع ذلك، هي ليست رومانسية حقيقية.. أنتِ لم تتعلمي من تلك القص

  • عقد وأكاذيب    الفصل الخامس والثمانون

    سارة رد التحية بنبرة خفيضة، ثم صمت لحظة وهو ينظر إلى الحقيبة الضخمة المعلقة خلف ظهري. ضيق عينيه بتوجس مستفهم وقال: "هل تنوين الهروب معي؟" من شدة ما كانت نبرته جادة، كدتُ أصدقه لبرهة! قهقهتُ بصوت خفيض وهززتُ رأسي مجيبة بأنفاس متقطعة: "إن كنتُ كذلك، فيبدو أن الأمر قد صدمك لأقصى حد!" "بالتأكيد؛ فأنا لم أهرب قط مع فتاة من قبل، ولذلك لا أعلم ما الذي يتوجب عليّ فعله في موقف كهذا." مططتُ شفتيّ مصطنعة التفهم والرزانة: "لا تقلق، لن أورطك في أمر كهذا قبل أن أخبرك مسبقًا لتتخذ احتياطاتك." تنفس الصعداء باصطناع، فاستقمتُ في وقفتي محاولة أن أوازيه في الطول، إذ كان يفوقني طولًا بكثير. أشرتُ إلى حقيبتي الثقيلة وقلت: "هذه الحقيبة تحتوي على حاسوبي وبعض الكتب كي أتسلى بها في الطريق، لا شيء فيها له علاقة بالهروب." رفع جانب فكه المغلق، ضاغطًا على حروفه بتسلٍّ: "اعترفي.. لقد فضلتِ فكرة الهروب أكثر." "بل اعترف أنت.. أُفضل الجلوس داخل السيارة الآن أكثر من أي شيء." زفر بخنق مصطنع، واستدار ليفتح باب السيارة المجاور لي. صعدتُ للداخل وأنا أخلع حقيبتي لأضعها فوق قدمي. راقبته بلمحات خاطفة وهو

  • عقد وأكاذيب    الفصل الرابع والثمانون

    سارة كيف يستمر المرء في حالة الحزن والكآبة؟ والأهم من ذلك: كيف يتخلص منهما حين يستبدان به؟ داعبني هذا السؤال الفلسفي المباغت بينما كنتُ أغسل أسناني أمام المرآة في ذلك الصباح الباكر. كنتُ أنظر إلى نسخة باهتة مني كالعادة؛ دائمًا باهتة لأنني ببساطة لا أملك رفاهية الاهتمام بنفسي كثيرًا، ولا تستهويني أدوات التجميل ووضع المرطبات وما شابه. غير أن تلك النسخة الباهتة كانت تحمل اليوم وجنتين مشبعتين بالاحمرار؛ ليس بفعل مساحيق التجميل، بل من كثرة الضحك المتواصل. فعقب استيقاظي المبكر جدًا عن موعد قدوم سام، قررتُ مشاهدة مسلسل كوميدي قصير على هاتفي، أفرض فيه على نفسي الضحك حينًا، وينجح هو في اقتناصه من قلبي رغمًا عني في أحيان أخرى، كأنني أحاول استجداء البهجة من الشاشة الصامتة. أنهيتُ تنظيف أسناني وترطيب وجهي بالماء البارد، ثم عدتُ أدراجي إلى غرفتي يصحبني الصوت المنبعث من جهاز التلفاز، والذي تعمدتُ إدارته لكسر حدة الصمت الثقيل الغارق فيه البيت. بيتٌ خاوي الأركان عقب شجار حاد اندلع بين جان وإيفا قبيل ليلة واحدة؛ شجارٌ لم أتدخل فيه ولم أراقب تفاصيله، بل اكتفيتُ بما أخبرتني به ابنة عمتي عن نتائجه

  • عقد وأكاذيب    الفصل الخامس والثلاثين

    سارة تشاغل "سام"بالقيادة فشوارع لندن مساء الجمعة مزدحمة جدًا، خطط نهاية الأسبوع هنا وهناك، كان يقود بسرعة كافية ليتخطى الزحام، ساعدته السيارة المختلفة عن السيارة السابقة التي أوصلني بها في منتصف الأسبوع، أصغر حجمًا و أكثر جموحًا وشبابية أكثر، تناسب من تخطى الستون عامًا وتقاعد عن شركة رأسها مالها

  • عقد وأكاذيب    الفصل الرابع والثلاثين

    سارة لا تصدق رجل يتكلم عن نفسه، لأن ما أن يبدأ الرجل في الحديث عن نفسه، مدحها وتفخيمها وسرد أساطيره الأسطورية يعني أنه كاذب. "سام"لم يتكلم عن نفسه أمامي، لم يعد لي مميزاته ولم يخيفني من عيوبه في بادرة باتت رومانسية مظلمة شهيرة، لكنني لازلت في حيرة تصديقه أو لا في رغبته لمساعدتي دون توقع مني شي

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثالث والثلاثين

    جايسون لارج الصدى الرتيب لضربات قبضتي المتلاحقة والعنيفة على كيس الملاكمة الجلديِّ الضخم كان الصوت الوحيد الذي يكسر سكون هذه الصالة الرياضية المغلقة والخاصة في قلب لندن. الوقت تجاوز الثامنة مساءًا، والأضواء النيون البيضاء المسلطة من السقف العالي كانت تمنح المكان طابعًا إسمنتيًّا باردًا يشبه تمام

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثاني والثلاثين

    سام أنا لا أعتقد أن الشراب يناسبني لأعود له، كان جموح الجامعة و بعده فشل اختيار العلاقات والتحطم السيء، ومن ثم جنون العمل الذي من شأنه جعلك لا تلتفت حولك لتصل إلى ما تصبو إليه في وقت قصير، بعد أن تصل تتراجع قليلًا لتكتشف أنك يجب أن تحظى بحياة، كنت محظوظ كفاية لأنني اكتشفت هذا مبكرًا في العشرينات

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status