بيت / الرومانسية / عقد وأكاذيب / الفصل الثامن والثلاثين

مشاركة

الفصل الثامن والثلاثين

last update تاريخ النشر: 2026-06-19 06:36:48

ميلا فيليت

في تلك اللحظة، دق الهاتف الداخلي الموضوع على مكتب الاستقبال، ليعلمني موظف الأمن بقدوم الأستاذة الجامعية المتخصصة التي تم استدعاؤها للإشراف على الجانب التوثيقي للمشروع. شعرتُ بقفزة في قلبي، فحملتُ الملف السميك وجهازي اللوحي بسرعة، وغادرتُ المكتب بخطوات واسعة وواثقة نحو غرفة الاجتماعات الصغرى في نهاية الممر.

بدوتُ متحمسة للغاية في تلك اللحظات، ولم ينجح أي شيء في إظهار عكس ذلك؛ فلم يدخل أي من زملائي المساعدين في المكتب لغرفة اجتماعات رسمية قط لإدارة مشروع بمفرده.

شعرتُ في أعماقي بأنني أخطو خطواتي الأولى والراسخة على طريق النجاح الفعلي الذي طالما انتظرته.

جلستُ في المقعد الرئيسي المتصدر للطاولة المستطيلة، ونظمتُ أشيائي بدقة؛ شرعتُ أتأكد من جاهزية العرض التقديمي على شاشة جهازي، وراجعتُ ملاحظاتي المكتوبة بخط صغير وكافة التفاصيل القانونية والفنية.

لم انتبه للوقت الذي مر، إلا على صوت ارتطام ناعم لشيء ما فوق الطاولة الخشبية المصقولة. رفعتُ عينيَّ سريعًا نحو مصدر الصوت، ولمحتُ نظارة شمسية سوداء ثمينة ذات إطار ذهبي تم وضعها بإهمال، ثم انتقلت نظراتي تدريجيًا إلى المرأة القابعة أمامي مباشرة. واتسعت عيناي ببطء مع إبصار ملامحها بالكامل.

كانت فاتنة للغاية، للحد الذي يجبرك على التحديق فيها ومراقبة تفاصيلها حينما تراها للمرة الأولى في حياتك. كانت جميلة وجذابة، تمامًا كما يخط الكتاب الرومانسية أبطالهم الخياليين؛ ذلك النوع من الجمال الذي لا يعرفه أو يملكه شخص اعتيادي. وضعت حقيبتها الجلدية الفاخرة فوق الطاولة، وحركت المقعد بضربة خفيفة وطبيعية بطرف قدميها، ثم جلست بأنوثة طاغية.

لا أعرف كيف فعلتها بتلك التلقائية، لكن كل حركة من حركاتها كانت ممتلئة بالأنوثة المفرطة والوقار الآسر في آنٍ واحد.

كانت ترتدي سروالًا أبيض ناصعًا متسع القدمين، يتماشى مع أحدث صيحات الموضة، وقميصًا من الحرير الوردي الناعم وقصيرًا نوعًا ما يبرز رشاقتها وجزءًا من بطنها بطريقة جريئة وأنيقة. كانت خصلات شعرها الذهبية اللامعة مرفوعة إلى الأعلى في انسيابية ساحرة تسقط منها بعض الشعيرات على جبهتها، وعيناها زرقاوان بلوريتان كصفاء سماء شتوية، وبشرتها حليبية ناعمة، شفافة لدرجة أنك يمكن أن ترى أوردتها الدقيقة الزرقاء عبرها من شدة رقّتها.

قادتني رؤيتها فورًا، ورغمًا عني، لعقد مقارنة سريعة معها، مقارنة ظالمة لم تكن بالتأكيد في صالحي على أي وجه.

كنتُ أرتدي ما يناسب نهارًا طويلًا ومضنيًا من العمل المكتبي الشاق، العمل الذي لا يعتمد على مظهري الخارجي بعد؛ فكل ما أقابله طوال اليوم هو حاسوبي والأوراق الغبارية. كنتُ أرتدي بنطال جينز واسعًا وكنزة فضفاضة رمادية اللون، وعاقصة شعري الأشقر المشبع بخصلات سوداء في منتصفه في كعكة عشوائية مهملة أعلى رأسي.

لم أستطع في البداية أن أراها كأستاذة جامعية وقورة جاءت لتشرف على مشروع أدبي وتقدم ملاحظات نقدية أكاديمية كي أقدم مادة رصينة يقرأها الناس؛ فقد كانت تبدو أصغر بكثير من هذا الوقار، ولا تناسب أبدًا مظهر شخص يقضي وقته بين المجلدات القديمة والمذاكرة المستمرة. لكنني احتفظتُ بتعليقاتي وحيرتي لنفسي، ورسمتُ ابتسامة ترحيبية على وجهي وقلت:

"شكرًا جزيلًا لكِ لإتاحة هذا الوقت الثمين للجلوس معي اليوم ومناقشة تفاصيل السلسلة."

نظرت إليَّ من أسفل الملف الورقي الذي كنتُ قد وضعتُ نسخة منه أمامها فور جلوسها، قلبت في صفحاته الأولى بلا اهتمام واضح وهي تهز رأسها بحركة هادئة، لم أعرف إن كانت تفعلها كإجابة دلالية على ترحيبي أو أنها مجرد حركة اعتيادية من حركاتها الفوقية. حاولتُ البقاء هادئة، متماسكة ولطيفة لأنني بحاجتها وبحاجة علمها لإتمام المشروع، فسألتها بابتسامة حاولتُ جهدًا ألا تبدو مضطربة أو مهتزة:

"هل تودين شرب شيء ما؟ قهوة أو عصير؟"

حركت عينيها ببطء نحو زجاجة المياه المغلقة الموضوعة جانبها على الطاولة، واعتدلت في جلستها ثم رفعت أناملها الرقيقة لتحل عقدة شعرها، فاسترسلت خصلاتها الذهبية حول كتفيها في هالة مشعة أضاءتها خيوط شمس الظهيرة المتسللة من النافذة الكبيرة. تراجعتُ مستقيمة في مقعدي أراقبها، وأخيرًا تحركت شفاهها المصبوغة بلون هادئ لتلقي سؤالًا غير متوقع:

"لَمَا هذه الفكرة تحديدًا؟"

"عذرًا.. ماذا تقصدين؟"

بالطبع فهمتُ الكلمات، لكنني لم أدرك في تلك اللحظة ما الذي تريده بالضبط من هذا السؤال المفاجئ وعلاقته بالعمل، فحركت كتفيها ببساطة وأعادت تكرار السؤال بذات البرود الإنجليزي:

"لقد سألتكِ بوضوح؛ لَمَا هذه الفكرة؟ ما الدافع الحقيقي وراءها؟"

تلاعبتُ بالقلم مجددًا لأفرغ توتري المتصاعد، وقررتُ أن ألاعبها بذكاء ومجاراة لعلها تقتنع، فمططتُ شفتيَّ وقلت بنبرة واثقة:

"ولماذا أي فكرة في هذا العالم؟! لكن هذه الفكرة بالذات هي فكرة جيدة وتجارية للغاية؛ يمكنها أن تكشف الأسرار المظلمة والمخفية وراء الكواليس البراقة لمسابقات ملكات الجمال، وفضح ما تفعله المرشحات في الخفاء للوصول إلى التاج. سيكون هذا شيئًا جديدًا ومثيرًا تمامًا في سوق النشر؛ لأنه في العادة تدور الأخبار والشائعات السطحية حول واحدة فقط لمواعدتها مليونيرًا مشهورًا ما، أما مشروعي فسيكشف شبكة كاملة من العلاقات القذرة والرشاوى.

الناس والجمهور سوف يتابعون هذه القصص بنهم كبير، ويبتاعون الأعداد فور صدورها ويكتبون عنها في كل مكان، ومن خلال هذا النجاح سأثبت كفاءتي التامة كمحررة مستقلة ومسؤولة للسيد جنس."

اتسعت عيناها الزرقاوان قليلًا، وظهر شبح ابتسامة ساخرة وباردة لونت ملامحها الفاتنة، وطالت تلك النبرة التهكمية صوتها وهي تقول:

"حديث حماسي جيد جدًا؛ أنصحكِ أن تحتفظي به للقاءات الصحفية والدعائية المستقبيلية، فهو لا ينطلي عليَّ."

ضيقتُ عينيَّ وقد بدأ الضيق الحقيقي يتسرب إلى أعصابي من طريقتها الاستعلائية، وهززتُ رأسي بانزعاج مكتوم:

"أنا لا أفهم ما الذي ترمين إليه..."

قاطعتني فورًا دون أن تتخلى عن هدوئها الغريب وجلستها المريحة:

"لقد سألتكِ هذا السؤال يا ميلا، لأنه يمكنني تمامًا استيعاب وتفهم اختيار محررة مبتدئة لمشروع قصصي توثيقي عن القتلة المتسلسلين، أو عن الجرائم الأكثر غموضًا أو وحشية في التاريخ، أو حتى فضح بعض الأسرار السياسية حول العائلة المالكة أو السياسيين الراحلين؛ فكلها تخدم كشف الحقيقة التاريخية. لكنني لا أستطيع استيعاب رغبتكِ في تتبع مجموعة من الفتيات، مرشحات مسابقة ملكة جمال محليات، وتدمير سمعتهن وحياتهن للأبد، وجعل هذا العمل القائم على الفضائح أول مشروع رسمي لكِ في مسيرتكِ."

اندفعتُ أنفي عن نفسي تهمة أخلاقية لم توجهها لي بشكلٍ مباشر، لكنني اندفعتُ أدافع عن مشروعي بحركات جسدي وانفعالي الذي بدأ يظهر في نبرة صوتي المتزايدة:

"ولكنني لن أخترع شيئًا من عندي، أنا سأعرض الحقائق الموثقة فقط عنهن وعن تصرفاتهن!"

لم يبدو عليه الاقتناع، ولكنني متمسكة بذلك.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • عقد وأكاذيب    الفصل السادس والأربعون

    سارة تمالكت مشاعري وحاولت شغل عقلي بالإجابة والتحليل الفلسفي: "أجل، يمكننا القول إنها نوعًا ما قصص مخصصة للفتيات، لكنها لم تكن مفهومة أو منطقية بالنسبة لي في البداية، لم أكن أفهم كيف يمكن للشخص أن يقع في الحب الحقيقي أكثر من مرة في نفس الوقت، ولكنني الآن أستطيع رؤية وفهم ما رأته البطلة في الشرير." أمال رأسه الوسيم نحوي ينخرط معي بكل جوارحه في حديثي الذي يراه تافهًا لكنه يحبه لأنني من أقوله: "وهو؟ ماذا رأت فيه؟" تنهدتُ بعمق مسترجعة أفكاري وتحليلاتي الخاصة التي لم أشاركها سابقًا مع أي شخص في حياتي لأنني ببساطة لا أملك أي شخص مقرب يستمع لي، شعرتُ بسعادة غامرة ودفيء لأنني أخيرًا سوف أقولها لشخص يهتم: "الرجل الجيد والمثالي يمكنه أن يضحي بنفسه ويسكب دمه لأجل حبيبته وكي ينقذ العالم من الدمار، لكن الرجل السيء والشرير يمكنه ببساطة أن يضحي بالعالم بأكمله ويحرقه دون تردد لأجل حبيبته فقط؛ وهذا النوع النادر من الأنانية المفرطة والمطلقة يجذب الفتيات بشدة نحو الخطر والعلاقات السيئة المعقدة." همهم يفكر في كلامي بعمق وذراعه لا تضغطني أو تقيد حركتي لكنها تحيط جَسدي بلطف شديد كأنه يحميني، وسألني

  • عقد وأكاذيب    الفصل الخامس والأربعون

    سارة جلسنا من جديد لنشاهد العرض الثاني، الذي كان مشابها ومكررًا ككل الأفلام الرومانسية التجارية التي تتحدث عن التوأم ووقوعهما في حب نفس الشخص واختياره المعقد لواحدة منهن في النهاية، لكنه كان يحتوي هذه المرة على لمسة بوليسية وجريمة غامضة، والتي أظنها باتت موجودة أيضًا في كل تلك النوعية من الأفلام لجذب الجمهور. وعلى الرغم من ذلك التكرار، كان الفيلم ممتع ومسلي، وهذه أحدى الأشياء والفنون الكلاسيكية التي ترحبين بتكرارها لأنها تمنحكِ شعورًا ممتعًا وبسيطًا بشكل ماانتهى العرض الثاني وقادني من يدي نحو الخارج، الطقس كان منعشًا ولطيفًا في الخارج وملئ بأصوات المدينة الصاخبة والحركة النيونية. وصلنا للسيارة وانطلق بها سام في الشوارع المضاءة إلي مطعم شهير للوجبات السريعة يناسب ذوقي البسيط. جلسنا متقابلين على طاولة خشبية جانبية بعدما طلب سام إلينا الطعام والبطاطس المقلية، همهمتُ بتساؤل مفاجئ لأكسر الصمت:"أتساءل حقًا.. ماذا حدث للحمام الذي قمت بإصلاحه سابقًا في شقتنا؟"أكفهر وجهه وتغيرت ملامحه تمامًا حينما انتهيت من سؤالي، وحدجني بنظرة مستاءة ومضحكة في آن واحد:"أرجوكِ، أتركي التفكير في الحمام ومش

  • عقد وأكاذيب    الفصل الرابع والأربعون

    سارة "جارتي، تقطن أسفلي بطابقين في نفس البناية، وكل ما في الأمر أنه حدث سوء تفاهم ما بيننا مؤخرًا." نظرتُ بعيدًا نحو الفراغ بينما أهرس أسناني ببعضها من شدة الغيرة والضيق، فسوء التفاهم الذي يشير له بإشارة يد عابرة لا يوحي على شيء بريء أبدًا، فقلت بنبرة حادة: "لا تخبرني، الأمر لا يعنيني." "توقفي عن تصرفات الأطفال هذه الآن أرجوكِ، فأنا لم أقصد أبدًا أنكِ متطفلة أو شيئًا من هذا القبيل، أنا أريد أن أخبركِ بكل شيء، لكن كل ما في الأمر أنني خشيتُ أن أعطيكِ فكرة سيئة عني في بداية علاقتنا وتظنين أنني لاعب عابث." حاز حديثه الصريح وتراجعه على انتباهي وفضولي بالكامل، فالتفتُّ إليه وسألته بنبرة أهدأ: "ماذا فعلتَ معها إذن؟" هز رأسه بابتسامة متوترة ومرتبكة، نظر بعيدًا وهربت عيناه مني لِلحظات كأنه يرتب كلماته، وضع يده الحرة في جيب سرواله واقترب خطوة أكثر مني كما لو أنه سوف يخبرني بسر خطير ومكتوم: "كارولين كانت تقطن بالبناية لفترة طويلة قبل أن أقطن بها أنا." قاطعتُه بتهكم واضح متبعة دربه في الهمهمة والسخرية: "أجل؛ فهمت.. لماذا لا تمنحني نبذة صغيرة ومفصلة عن سيرتها الذاتية وحياتها الشخصية أيض

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثالث والأربعون

    سارة انتهى سام من مكالمته تزامنًا مع خفوت الإضاءة التدريجي في القاعة الكبيرة، وبدء عرض الإعلانات التجارية والمقاطع التشويقية التي تسبق الفيلم عادة. ابتلعتُ سؤالي الفضولي الذي كاد يفلت من بين شفتيّ، واسترخيتُ أكثر في مقعدي المخملي الوثير محاولة التظاهر بالهدوء. الجو الدافئ في الداخل جعلني أنزع السترة السكرية الصوفية الثقيلة لِأتحرر من دفئها الخانق، وانعكست الإضاءة الخافتة الملونة المنبعثة من الشاشة الكبيرة على بلوزتي الفيروزية الحريرية وخصلات شعري البني المنسدلة، فأنرتني كقارورة عسل صافية تلمع في الظلام، فجعلني هذا المشهد أنكمش في مقعدي أكثر برهبة وارتباك.شعرتُ فجأة أنني محط أنظار الجميع بلا سبب واضح، الممرات كانت تعج بالحركة والبعض يلتف لينظر لي بنظرات فضولية غامضة ثم يعاود النظر للشاشة الضخمة المستطيلة، لكن سام لم يكن يكترث بكل ما يدور حوله؛ بل كان ينظر نحوي باستمرار بابتسامة عذبة وصادقة تصل لِأعماق عينيه الدافئتين. وشعرتُ برهبة حقيقية تجتاح جوارحي، حتى أنني فكرتُ للحظة مجنونة أن أركض بعيدًا وأهرب من هذا الموعد العاطفي الذي بدأ يأخذ منحى شخصيًا لا أفضله ولم أعتد عليه قط في حياتي ال

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثاني والأربعون

    الظلام كان يلف الممر الخلفيَّ الموصل بين مبنى الفتيان ومبنى البنات المنفصل تمامًا في الزاوية الغربية من المدرسة الداخلية. كانت النوافذ الزجاجية العالية تعكس ضوء القمر الشاحب، مانحةً المكان طابعًا قوطيًّا باردًا يتناسب مع الفراغ العاطفيِّ الذي يسكن صدري. كنتُ أستند بجسدي العضليِّ النحيل على الجدار الإسمنتيِّ البارد، خصلات شعري الأسود المتمرد تلامس جبهتي، وعيناي البنيتان تراقبان خيال "كلير" وهي تتسلل بخفةٍ ورعبٍ من بوابات مبنى الفتيات لتصل إليّ. كلير كانت فتاةً من طبقة أرستقراطيةً، جميلةً من عائلةٍ رفيعةٍ في لندن، لكنني لم أكن أشعر تجاهها بأيِّ شيءٍ؛ لم يكن هناك حبٌّ، ولا إعجابٌ، ولا حتى شرارة اهتمامٍ حقيقيةٍ. بالنسبة لي، كانت هذه اللقاءات السرية مجرد وسيلةٍ بيولوجيةٍ بحتةٍ لتفريغ شحنات الغضب المكتوم والضغط النفسيِّ الخانق الذي يفرضه عليّ هذا السجن الاختياريُّ بضواحي لندن، بعيدًا عن أيِّ روابط قد تجعلني ضعيف. وصلت كلير أمامي، وأنفاسها المتلاحقة الدافئة كانت تصطدم بصدرية سترتي المدرسية، ونظرت إليّ بعينيها اللامعتين اللتين تحاولان قراءة لا مبالاتي وبرودى المعتادتين. دون أيِّ مقد

  • عقد وأكاذيب    الفصل الحادي والأربعون

    هز توماس رأسه بتفهمٍ، وسألني بفضولٍ وهو يفرك يديه طلباً للدفء: "وكيف تمكنتَ من الصمود طوال هذه السنوات إذن؟ كيف تحولتَ من ذلك الطفل العنيف والمشاغب الذي حطم نصف أثاث المهجع، إلى هذا الشخص الصارم الهادئ الذي يخشى الجميع مواجهة قبضته؟" التفتُّ إليه ببطءٍ، ونظرتُ في عينيه مباشرةً قائلًا بنبرةٍ قاطعةٍ تحمل ظلام خفيًّا: إدوارد لارج "لقد تأقلمتُ يا توماس؛ لأنني أدركتُ أن العنف العشوائيَّ والشغب الطفوليَّ لن يوصلا أفعالي إلى نتيجةٍ حقيقية، لقد جعلني جايسون سجينًا هنا كي يصمتني ويبعدني عن مخططاته في صورة نظيفة، فقررتُ أن أتحول إلى وحشٍ منظمٍ، استخدمتُ غضبي كوقودٍ لبناء هذا الجسد العضليِّ النحيل، وحولتُ مشاجراتي إلى دروسٍ في السيطرة، لقد تظاهرتُ بالقبول والتكيف طوال السنوات الماضية فقط لأصل إلى السن التي تمنحني الحق في التمرد القانونيِّ." "أنت تقصد سن الثامنة عشرة؟" سأل توماس بصوتٍ خفيضٍ يملأه الذهول من نظراتي المظلمة. "بالتأكيد." أجبتُهُ وأنا أرمي عقب السيجارة أرضًا وأسحقه بحذائي بعنفٍ مدروسٍ: "أنا على مشارف الثامنة عشرة الآن مثلا تمامًا، وأيام الحبس الاختياريِّ في هذه الضواحي أوشكت على

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثامن عشر

    امتزجت أصوات كؤوس الكريستال بضحكات خافتة ومصطنعة في قاعة الاستقبال، حيث تحولت الأجواء بعد التتويج إلى سوق مفتوح لعقد الصفقات وسرقة الأضواء. كان المكان يعج برائحة السيجار الكوبي الفاخر والخمور المعتقة، والجميع يتحركون كقطع شطرنج في لعبة مصالح لا ترحم. في أحد الأركان، وقف منتج تلفزيوني شهير يرتدي

  • عقد وأكاذيب    الفصل السابع عشر

    لم يكن سيقبل بالرفض إجابة، جادلني بالمنطق: " لدي أخت تدعي تيا، لديها ماركة خاصة بها وعندما علمت أننا نعرف بعضنا سألتني أن أسألك ترتدي ذلك في حفل التتويج، سيعني لها ولعملها الكثير." لم أستطيع الجدال في ذلك، إلا أنني شخص مُعقد حساس ولا يقبل هدايا من أحد، ربما لأنه لم يعطيه أحد هدية من قبل، حاولت

  • عقد وأكاذيب    الفصل السادس عشر

    بالطبع لا! هل تظنون أنه لا يفضلني الآن أرتدي ثوب أحمر قصير مع مساحيق لامعه كي اصطحابه للرقص؟ بالطبع لا! إذا مرت فتاة بهذا الشكل الآن سيتركني ويذهب خلفها...." قاطعني سام مقهقهًا: " لا، لن أفعل ذلك." " بلي ستفعل." " أنا أفضلك في أي هيئة." توردت وجنتاي وابتلعت لعابي محاولة السيطرة،

  • عقد وأكاذيب    الفصل الخامس عشر

    سلرة كالعادة هربت من مشاعري، وتقوقعت في غرفتي أشاهد فيلم كلاسيكي آخر، معتادة الهروب من واقعي الكئيب نحو الخيال، لكن الفيلم لم يكن جيد، لم يجعلني أبتسم أو أحب الرومانسية التي يعرضها، كنت على وشك إغلاقه وقراءة شيئا ما إلا أن صوت رسائل "what's up" أوقفني، هذا التطبيق الوحيد الذي بقى صامتًا، نظرت في

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status