Home / الرومانسية / عقد وأكاذيب / الفصل السابع والستون

Share

الفصل السابع والستون

last update publish date: 2026-07-17 23:58:44

تيا

في الطابق العلويّ من متجرها الفاخر، حيث تمتزج روائح الأقمشة الإيطالية المستوردة بعطر الياسمين الحاد، كانت تيا كوران تقف وحيدة وسط غابة من المانيكانات الخشبية الممتلئة بأحدث تصميماتها لخريف هذا العام.

كانت تمرر أصابعها المرتجفة فوق قطعة من الحرير المخمليّ الداكن، محاولةً طرد ملامح الخوف التي تملكتها منذ الأمس.

لكن جداول الأرقام المتراجعة كانت تلاحقها كظلال لا تختفي، والسيولة النقدية في حساب المتجر تقترب من الخط الأحمر كليًّا.

"الآنسة تيا.. هل تسمحين لي ببضع دقائق؟"

التفتت تيا ببطء لتجد "أوليفر وارن" يقف عند مدخل غرفة التصميم ممسكًـا بملفه الجلديّ المعتاد.

أوليفر لم يكن مجرد محاسب أرسلته المؤسسة لمراقبتها، بل كان رجلًا خمسينيًّا طيب الملامح، هادئ النبرة، ويعمل مع عائلة كوران منذ سنوات طويلة؛ مما منحه أبعادًا بساطتها تكمن في إخلاصه الشديد ولطفه الأبويّ الذي يفتقده سام وجايسون في تعاملاتهما الجافة.

كان أوليفر يرتدي نظارته الطبية المستديرة، ويمسح حوافها بمنديل قطنيّ وهو يتقدم نحوها بخطوات حذرة، شاعراً بالتوتر الكامن في الهواء وسط لفافات الأقمشة المبعثرة.

"أهلاً أوليفر."

تمتمت تيا وهي تحاول رسم ابتسامة باهتة وتعدل خصلات شعرها المنسابة بارتباك، "كنتُ أراجع بعض التصميمات الفاخرة.. تفضل، ما الأمر؟"

وضع أوليفر الملف على الطاولة الخشبية العريضة التي تتوسط الغرفة، وتنحنح بلطف:

"في الحقيقة يا آنسة تيا، جئتُ لأضع بين يديكِ التقرير الماليّ الربع سنويّ للمتجر، الأرقام ليست في أفضل حالاتها كليًّا، والتدفقات النقدية تعاني من عجز ملحوظ بسبب المصاريف النثرية الأخيرة. كنتُ أود مناقشة كيفية إعادة التوازن قبل أن يطلب السيد جايسون لارج مراجعة الدفاتر بنفسه."

انقبض قلب تيا عند سماع اسم جايسون، وشعرت بخوف حقيقيّ يطبق على أنفاسها.

لكنها تذكرت فجأة كلمات دانيال جيسون الخبيثة والساحرة في المطعم، تلك الفكرة التي بثها في عقلها بنرجسية مفرطة وتحولت لديها إلى حبل نجاة لكبريائها الجريح.

تحركت ببطء نحو الطاولة، واستندت بيديها عليها وهي تنظر إلى أوليفر بنظرة تملأها الرغبة في التمسك بأيّ أمل.

"أوليفر.. اترك الأرقام الحالية جانبًا لثوانٍ."

قالت بنبرة سريعة ومتحمسة محاولةً قياس الأمر من منظور محاسبيّ.

"أريد أن أستشيرك في أمر هام للغاية كليًّا. معروض عليّ الآن فرصة ضخمة ومختلفة؛ المشاركة كمصممة أزياء رئيسية ومسؤولة أولى عن الهوية البصرية لشخصيات مسلسل دراميّ بريطانيّ عملاق.. أليس هذا المشروع كفيلاً بأن يرفع اسم المتجر وخط الأزياء الخاص بي إلى العالمية؟ أليست هذه فرصة ذهبية لفرض اسم تيا كوران في السوق خارج ظل عائلتي؟"

صمت أوليفر لبرهة، ومرر يده فوق شعره الأسود، مظهرًا ملامح قلق صادق هادئ.

أخذ نفسًا عميقًا وتحدث بلطفه المعتاد محاولاً مواجهتها بالواقع دون أن يجرح مشاعرها:

"أنسة تيا.. من الناحية الإعلامية، قد يبدو الأمر برّاقًا ومغريًا جدًّا بحق، ولكن لو نظرنا للأمر من ناحية محاسبية جافة ودقيقة، وبناءً على المعطيات التي أمامي.. إن شاركتِ في هذا العمل وضخمتِ فيه مبالغ مالية ضخمة وسحوبات طارئة من حساب المتجر كتمويل، فلن يجلب لكِ أيّ عائد ماليّ مباشر أو سريع كليًّا، قطاع الإنتاج التلفزيونيّ يحتاج لسنوات طوال حتى يسترد رؤوس أمواله، ومتجركِ الحالي لا يملك رفاهية الانتظار."

"ولكن الاسم والدعاية المجانية..." قاطعته بتوتر وهي تضيق عينيها، فأجابها دون أن تكمل:

"الدعاية لا تدفع أجور الموظفين ولا تسدد ثمن الأقمشة المستوردة يا آنستي."

تابع أوليفر بنبرة هادئة وغارقة في اللطف والتحذير في آن واحد، "يجب أن أواجهكِ بحقيقة وضعكِ الماليّ الحالي؛ المتجر يمر بمنعطف خطر، والسيولة النقدية تكاد تنفد بسبب الدعم المستمر لمشاريع أخرى، الدخول في جزء تمويل أزياء مسلسل بريطانيّ ضخم حسب ما وضحتِ ليس أحسن اختيار لكِ الآن، بل هو مخاطرة كارثية قد تؤدي لإغلاق المتجر كليًّا، وفوق كل هذا.. أنتِ مصممة أزياء فاخرة للمجتمع المخمليّ، ولستِ متخصصة بالكامل في تصميم الأزياء التاريخية أو الدرامية التي تتطلب فرق عمل عملاقة وخبرات سينمائية معقدة لا تملكينها بعد."

نزلت كلمات أوليفر كالصاعقة على كبريائها، وشعرت بغرور غاشم مرتفع يثور في داخلها رغَم لطفه؛ فهي لم تكن ترى في نصيحته سوى تكرار لصوت شقيقها سام الذي يراها دائمًا عاجزة وسيرًا خلف قيود جايسون لارج الباردة.

تراجعت خطوة إلى الخلف، وصككت على أسنانها بغيظ مكتوم وهي تتذكر وعود دانيال الساحرة بأنها ستكون البطلة التي تنقذ سمعة عائلتها ومؤسستها من خلال ربط المسلسل بأحداث فضائح ملكات الجمال.

"أنت مخطئ يا أوليفر.. مخطئ تمامًا كليًّا!"

هتفت بنبرة حادة ومتمسكة بالفكرة التي باتت تعشش في رأسها:

"أنت ترى الأمور من خلال جداولك الميتة فقط، ولا تملك رؤية فنية للمستقبل، هذا المسلسل ليس مجرد عمل دراميّ عابر، بل هو ضربة استراتيجية ذكية وانشغال سام وجايسون الليلة بفوضى سارة كولن وشائعات نسبها يعني أنَّ هذا هو التوقيت الذهبيّ لأتحرك وأصنع مجدي الخاص بعيدًا عن رقابتهم الصارمة."

"لكن يا آنسة تيا..."

حاول أوليفر التدخل بلطف شاحب.

"لا تحاول يا أوليفر." هتفت بعناد أعمى ونرجسية مصطنعة استمدتها من دانيال.

"لقد اتخذتُ قراري النهائيّ. ربط المسلسل بأجواء النخبة وبقصة سارة كولن كملكة جمال المؤسسة سيجعل القنوات تتهافت علينا، وسام نفسه سيوقع على أيّ ميزانيات إضافية ليدعم العمل ويظهر عائلتنا بمظهر إنسانيّ راقٍ أمام الصحافة الليلة.. أنا لن أترك هذه الفرصة تضيع كليًّا لأجل مخاوف محاسبية بائسة."

تنهد أوليفر باستسلام تام، وظهرت خيبة الأمل في عينيه الطيِّبتين وهو يغلق ملفه الجلديّ ببطء:

"كما تشائين يا آنسة تيا.. أنا قمتُ بواجبي التحذيريّ كمسؤول عن دفاتر المتجر المالية هنا، وأتمنى مخلصًا ألا تكون حساباتكِ العاطفية سببًا في انهيار كل شيء."

"هل ممكن أن تصنع لي دراسة حدوث."

انحنى برأسه بقبول وغادر الغرفة بهدوء، تاركًا إياها وحيدة وسط تصميماتها المبعثرة وأقمشتها الحريرية. تنفست تيا بعمق، وشعرت بنبضات قلبها المرتفعة تتلاشى لتحل محلها رغبة عارمة في إثبات ذاتها. رتبت الأوراق المالية غدًا في عقيدتها، مستعدة لجمع كافة الدفعات المالية والوقوع بكامل إرادتها في شباك التلاعب السيكولوجيّ الخبيث الذي نسجه دانيال جيسون حولها، غافلة تمامًا عن أنها تضع يدها في يد الشيطان الذي سيقودها وعائلتها نحو الهاوية الحتمية.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عقد وأكاذيب    الفصل السادس والثمانون

    سارة حاولتُ طرد كل هذه الأفكار السوداوية من تفكيري والعودة إلى التخطيط لخطواتي القادمة فقط، لكنني للأسف فقدتُ حتى قدرتي الذهنية على التخطيط المستقبلي. "أنا سيئ الحظ كثيرًا اليوم." سمعتُ تعليقه المنبعث من الأمام، فأغلقتُ الحاسوب وأعدته إلى الحقيبة، وهمهمتُ باستفهام وأنا أتابع مشاهد الطريق الخارجي من النافذة: "ماذا؟" "حظي التعس أوقعني في رحلة مع فتاة جميلة، لكنها غير رومانسية بالمرة!" "أنا لستُ رومانسية؟!" هتفتُ باستنكار ورأيتُ ابتسامة منتصرة تلمع في عينيه عبر المرآة؛ لابد أنه كان يفكر طوال ذلك الوقت في طريقة تجعلني أنتبه إليه وأترك الحاسوب، لكن هذا لم يمنعني من المواصلة باستنكار: "أتقول إنني لا أملك مشاعر؟" "بل لديكِ مشاعر جياشة ومكرسة فقط للوحوش ومصاصي الدماء والقتلة المتسلسلين الذين يعشقون الدماء!" "أنت شخص سخيف يا سام." صمتُّ لحظة، ثم انفعلتُ في اللحظة التالية بحدة مفاجئة: "كل هذه القصص التي تسخر منها تحتوي على قصص حب رومانسية عميقة!" ابتسم بلا مبالاة ورفع كتفيه بلا اهتمام وهو يمسك بمقود السيارة: "ومع ذلك، هي ليست رومانسية حقيقية.. أنتِ لم تتعلمي من تلك القص

  • عقد وأكاذيب    الفصل الخامس والثمانون

    سارة رد التحية بنبرة خفيضة، ثم صمت لحظة وهو ينظر إلى الحقيبة الضخمة المعلقة خلف ظهري. ضيق عينيه بتوجس مستفهم وقال: "هل تنوين الهروب معي؟" من شدة ما كانت نبرته جادة، كدتُ أصدقه لبرهة! قهقهتُ بصوت خفيض وهززتُ رأسي مجيبة بأنفاس متقطعة: "إن كنتُ كذلك، فيبدو أن الأمر قد صدمك لأقصى حد!" "بالتأكيد؛ فأنا لم أهرب قط مع فتاة من قبل، ولذلك لا أعلم ما الذي يتوجب عليّ فعله في موقف كهذا." مططتُ شفتيّ مصطنعة التفهم والرزانة: "لا تقلق، لن أورطك في أمر كهذا قبل أن أخبرك مسبقًا لتتخذ احتياطاتك." تنفس الصعداء باصطناع، فاستقمتُ في وقفتي محاولة أن أوازيه في الطول، إذ كان يفوقني طولًا بكثير. أشرتُ إلى حقيبتي الثقيلة وقلت: "هذه الحقيبة تحتوي على حاسوبي وبعض الكتب كي أتسلى بها في الطريق، لا شيء فيها له علاقة بالهروب." رفع جانب فكه المغلق، ضاغطًا على حروفه بتسلٍّ: "اعترفي.. لقد فضلتِ فكرة الهروب أكثر." "بل اعترف أنت.. أُفضل الجلوس داخل السيارة الآن أكثر من أي شيء." زفر بخنق مصطنع، واستدار ليفتح باب السيارة المجاور لي. صعدتُ للداخل وأنا أخلع حقيبتي لأضعها فوق قدمي. راقبته بلمحات خاطفة وهو

  • عقد وأكاذيب    الفصل الرابع والثمانون

    سارة كيف يستمر المرء في حالة الحزن والكآبة؟ والأهم من ذلك: كيف يتخلص منهما حين يستبدان به؟ داعبني هذا السؤال الفلسفي المباغت بينما كنتُ أغسل أسناني أمام المرآة في ذلك الصباح الباكر. كنتُ أنظر إلى نسخة باهتة مني كالعادة؛ دائمًا باهتة لأنني ببساطة لا أملك رفاهية الاهتمام بنفسي كثيرًا، ولا تستهويني أدوات التجميل ووضع المرطبات وما شابه. غير أن تلك النسخة الباهتة كانت تحمل اليوم وجنتين مشبعتين بالاحمرار؛ ليس بفعل مساحيق التجميل، بل من كثرة الضحك المتواصل. فعقب استيقاظي المبكر جدًا عن موعد قدوم سام، قررتُ مشاهدة مسلسل كوميدي قصير على هاتفي، أفرض فيه على نفسي الضحك حينًا، وينجح هو في اقتناصه من قلبي رغمًا عني في أحيان أخرى، كأنني أحاول استجداء البهجة من الشاشة الصامتة. أنهيتُ تنظيف أسناني وترطيب وجهي بالماء البارد، ثم عدتُ أدراجي إلى غرفتي يصحبني الصوت المنبعث من جهاز التلفاز، والذي تعمدتُ إدارته لكسر حدة الصمت الثقيل الغارق فيه البيت. بيتٌ خاوي الأركان عقب شجار حاد اندلع بين جان وإيفا قبيل ليلة واحدة؛ شجارٌ لم أتدخل فيه ولم أراقب تفاصيله، بل اكتفيتُ بما أخبرتني به ابنة عمتي عن نتائجه

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثالث والثمانون

    سارة جلستُ على الأرضية العشبية المبللة أمامه، وكنتُ أبتسم بتوتر شديد كأنني بالفعل في مواجهته حيًا. تنفستُ الصعداء ببطء وزفرتُ الهواء الساخن، وهمهمتُ بصوت خفيض كأنني أحادثه: "مرحبًا أبي.. ليس لدي أي فكرة عما أفعله هنا في هذا الوقت، لكنني تذكرتُ الآن أنني كنتُ أشاهد في بعض المسلسلات الدرامية كيف تأتي البطلة إلى شاهد قبر والديها لتتحدث معهما بحرية.. أجل، فأنا أعتبر والدتي قد ماتت أيضاً بالنسبة لي، وهذا المشهد يحدث بالطبع قبل أن تقع الأحداث الخارقة للعادة في القصة، كأن تقع البطلة في غرام مصاص دماء، أو تطاردها المستذئبات والساحرات، ثم تعثر أخيراً على حب حياتها الذي يخلصها من كل شيء..." قطعتُ حديثي إثر تحديق سيدة في الأربعينيات من عمرها تقريبًا بي، كانت تضع زهور بيضاء على شاهد قبر جديد بالقرب من قبر أبي. نظرت إليّ بريبة واستغراب، ثم تلافتني متحركة للخلف خوفًاةمني على الأرجح بسبب كلامي المفكك. لم أهتم بنظراتها، وعدتُ ببصري المجهد إلى شاهد القبر الحجري: "بالطبع أنا لا أنتظر شيئا خرافيًا من هذا القبيل يا أبي، ولا جئتُ هنا لأتحدث عن أحداث حياتي الجديدة؛ لم أفعل ذلك من قبل وبالتأكيد ل

  • عقد وأكاذيب    الفصل الثاني والثمانون

    سارة رفعتُ رأسي للأعلى ومحوتُ كل الأفكار التي تراكمت في رأسي، ووعدتُ نفسي ألا أفكر في أي شيء خلال الدقائق القادمة، وأن أمنح عقلي بضع لحظات من الراحة والسكينة. سرتُ ببطء حتى محطة الحافلات القريبة. كانت الحافلة تستعد للانطلاق في أول جولة صباحية لها، فصعدتُ وجلستُ في آخر مقعد بجانب النافذة. إنها ترف التصوف بأربعة جنيهات ونصف إسترليني؛ ترف مجاني للتأمل والتفكير أثناء التنقلات. لكنني في تلك اللحظة بالذات لم أكن راغبة في التفكير في أي شيء، غير أن الأوان كان قد فات؛ إذ بدأت ذكريات ذلك اليوم الملعون تتداعى إلى عقلي حينما علمتُ بالأمر لأول مرة. استيقظتُ حينها نشيطة وسعيدة بما حققته من نجاح، ارتديتُ ثيابي وتناولتُ إفطاري وذهبتُ إلى العمل بحماس، لأجد نصف العاملين في المكان يحدقون بي بنظرات مريبة. كنتُ ساذجة وغبية جدًا لأرجع الأمر إلى كوني أصبحتُ ملكة جمال إنجلترا وأظهر على شاشات التلفاز بكثرة، لكني سرعان ما علمتُ بوجود خطب ما؛ الهواتف النقال التي تُفتح فجأة في يد كل شخص أَمُرّ بجواره كأنه يتأكد من مطابقة صورتي لشيء ما، لا توحي إطلاقاً بأن الأشياء بخير. النتيجة تم إعلانها منذ أسابيع طويلة

  • عقد وأكاذيب    الفصل الحادي والثمانون

    سارة هذا العالم لا يستحق أن نعرفه، بل لا يستحق حتى أن ننهض لنحيا فيه.هكذا فكرتُ وأنا مُضجعة على الفراش تحت الأغطية الثقيلة، محاولةً الهروب من واقع يطاردني. تنصلت أشعة الشمس الخافتة من بين ثنايا الستارة الزرقاء لتنكسر خيوطها على الغطاء المسحوب فوق وجهي، تجبرني على الاستيقاظ رغماً عني، حتى بعد أن حرصتُ على تغطية جسدي بالكامل من أطراف قدمي حتى شعر رأسي. ما الذي أستطيع فعله أكثر من ذلك ليشعر العالم برغبتي العميقة والمستستميتة في التخلي عنه؟ هل أعلنها صارخة في وجه الجميع؟ هل هذا هو الثمن المطلوب لكي يتركني وشأني؟ أنا مجرد نكرة في هذا الفضاء الفسيح، لن يفتقد وجودها أحد، وإن حدث وفعل أحدهم ذلك، فستدوم حسرته ساعات معدودة ثم تنتهي وكأن شيئاً لم يكن.لم أعد أرغب في الحياة داخل هذا العالم الملىء بالصخب، لكن هذه رفاهية لا أملكها، ولا أظنني سوف أملكها قريباً.دفعتُ الغطاء عن وجهي بعنف وجلستُ مندفعة في منتصف الفراش. راح صدري يعلو ويجهد، وتلاحق نفسي كأنني أُجبرتُ على خوض معركة ضارية وضاربة في العمق، رغم أنني لم أفعل شيئاً منذ مساء أمس سوى الاستلقاء والتحديق في السقف. انتظرتُ لدقائق علّ نبضاتي ته

  • عقد وأكاذيب    الفصل السابع والعشرين

    حاولت الهدوء، تجرعت كأس مارتيني لاستعداد لتصوير فيديو. أمام مرآة طاولتي المخصصة للتبرج داخل غرفتي الخاصة بالقصر، كنتُ أضع لمساتٍ خفيفةً من مسحوقٍ يخفي لمعان البشرة تحت إضاءة الكشافات الحديثة الدائرية التي جلبتُها خصيصًا لتصوير مقاطعي المرئية. في الزاوية، كان هاتفي المحمول مثبتًا على الحامل الثل

  • عقد وأكاذيب    الفصل السادس والعشرين

    يوم حفل التتويج عجلات سيارتي الفارهة أحدثت صريرًا هادئًا وهي تطأ الحصى الأبيض الممتد في الممر المؤدي إلى قصر عائلتي العريق في ضواحي لندن. القصر، بجدرانه الحجرية الرمادية الضخمة المغطاة بنبات اللبلاب والتماثيل الرخامية لفرسان العصور الوسطى، يقف شامخًا كشاهدٍ على سطوة ونفوذ عائلتنا المقربة من ال

  • عقد وأكاذيب    الفصل الخامس والعشرون

    دانيال جيسون قبل ثلاثة أيام الدم الأزرق العائلة المالكة تناسب التلفاز، لكنها لا تناسب صناعة شخصية، لتبني عائلة، لكي تكون أى شيء عدا رمز إعلامي للرفاهية الغير مستحقة والفضائح الجنسية العاطفية، وعدا تحويل حياتهم لبرنامج تليفزيوني وكتاب نصف مشهور لا سبيل لشيء آخر. وأنا واحد منهم. الضوء الخاف

  • عقد وأكاذيب    الفصل الرابع والعشرون

    تيا كوران جايسون لارج؛ المدير المالي للمؤسسة، رجل في الثلاثين من عمره، بجسد ضخم عضلي مبني بخشونة، وبشرة برونزية تمنحه ملامح جامدة وصارمة كالصخر. جايسون ليس من الرجال الذين يوزعون الابتسامات أو يحاولون التودد للفتيات حتى أنا ابنة مالك عمله، هو رجل جدي للغاية، صريح وحاد إلى حد الجفاف، ويتعامل مع ال

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status