เข้าสู่ระบบحاولت الهدوء، تجرعت كأس مارتيني لاستعداد لتصوير فيديو.
أمام مرآة طاولتي المخصصة للتبرج داخل غرفتي الخاصة بالقصر، كنتُ أضع لمساتٍ خفيفةً من مسحوقٍ يخفي لمعان البشرة تحت إضاءة الكشافات الحديثة الدائرية التي جلبتُها خصيصًا لتصوير مقاطعي المرئية. في الزاوية، كان هاتفي المحمول مثبتًا على الحامل الثلاثيِّ، شاشته تومض باللون الأحمر معلنةً بدء العد التنازليِّ لتسجيل فيديو جديد لصفحاتي الشخصية على منصات التواصل الاجتماعيِّ. أخذتُ نفسًا عميقًا، ورسمتُ على وجهي تلك الابتسامة الأرستقراطية المتكلفة التي أظنها ساحرةً، وبدأتُ أتحدث بلكنتي الفخمة عن "تاريخ الأزياء الملكية وأثر النبالة في صياغة الذوق العام"، خافيًا جهلي الشديد بالأمر وعدم ثقافتي الحقيقية بالاستعارة بكلماتٍ منمقةٍ من كتبٍ لم أقرأ منها سوى الغلاف، دائمًت هناك خياطون ومنسقين لهذه الأشياء، نحن حتى لا نفكر ماذا نرتدي، أي ألوان، آلالات بلا عقل، بلا ذائقة. بعد انتهاء التسجيل، جلستُ على مقعدي الوثير أتابع بنهمٍ تدفق التعليقات والتفاعلات تحت المنشور الأخير. تصفحتُ الشاشة بعينين يملأهما ترقبٌ محمومٌ؛ وكالعادة، كانت الغالبية العظمى من التعليقات تضج بالتريقة والسخرية اللاذعة من سطحيته وافتقاري لأبسط القواعد المعرفية، حيث يتبارى الشباب لجعلي مادةً دسمةً لتهكمهم اليوميِّ. "اللورد المزيف يتحدث عن التاريخ مجددًا!" "من أين يشتري هذا الرجل ثقته؟" "الآن يريده إرتداء أثواب حفلات رسمية منفوش وبذلات رسمية من القرن السابع عشر في نهار العمل!" "هل سوف يوقفه أحد أم ماذا؟" قرأتُ الكلمات بملامح متصلبةٍ، لكن نرجسيّتي سرعان ما غلفت الأمر مفسرةً هذا النقد بأنه ضريبة النجاح والغيرة القاتلة من نسبي الملكيِّ ومكاني في المجتمع، دومًا ما يكره العامة الأثرياء والجذابين. وفي المقابل، كانت هناك شريحةٌ محددةٌ تدافع عني بحماسٍ؛ نساءٌ كبيراتٌ في السن، غير مرغوباتٍ من الناحية العاطفية لما يطمحن به، يتابعن صفحتي بشغفٍ مريبٍ فقط طمعًا في التقرب من الدم النبيل ويمتدحن وسامتي المزعومة بكلماتٍ مبتذلةٍ. لكن هذه الشريحة من العجائز لن تفتح لي أبواب الشهرة الحقيقية، ولن تمنحني دور البطولة في ذلك المسلسل الدراميِّ الصاعد الذي أحلم به في صناعة الدراما. سحبتُ الورقة التي دونتُ عليها ملاحظات عشاء الأمس مع تيا كوران، وارتسمت على شفتي ابتسامةٌ خفيفةٌ حاسمةٌ. رفعت هاتفى من فوق المكتب، هاتفت أوليفير، ممثلي الإعلامي والمستشار التوجيهي لصفحاتي على منصات التواصل الاجتماعي. كان أوليفير يرتدي نظارة طبية ويحمل جهاز لوحي به كل شيء بالأرقام، ملامحه مرهقة تنضح بقلة حيلة واضحة حين ينظر لي وهي هذا يزعجني. أنا أعلم يقيناً أنه مجبر على العمل معي وتحمل تطلعاتي الفنية وفشلي المتكرر في الميديا؛ فالراتب الشهري الضخم الذي يتقاضاه مني، ونفوذ عائلتي المقربة من البلاط، هما القيد الوحيد الذي يمنعه من تقديم استقالته والهروب من نرجسيتي. جلس أوليفير على المقعد المقابل لي، وتنهد بضيق وهو يضع تقرير التفاعلات الأخير أمامي، قائلًا بنبرة حاول جعلها هادئة. "لورد دانيال، نسب السخرية والتهكم في مقطعك الأخير تجاوزت الثمانين بالمائة، الجمهور في لندن لا يأخذ أحاديثك عن التاريخ والأزياء بجدية، وعلينا إعادة النظر في المحتوى بالكامل." ابتسمتُ بثقة مطلقة، وسندتُ ظهري إلى المقعد قائلًا بصوت واثق: "الجمهور تافه يا أوليفير، لكنني وجدتُ المفتاح الذهبي الذي سيقلب موازين اللعبة.. خطتي الجديدة تعتمد على محتوى مشترك، سوف أقوم بإدخال تيا كوران معي في الصورة، سننشر صورًا عفوية معًا، ومقاطع مرئية داخل متجرها، ونصنع حالة من الغموض حول طبيعة علاقتنا ثم أنشر علاقتنا." توقف أوليفير عن النظر بلا مبالاة، ونظر إليّ بذهول ممتزج باهتمام مفاجئ لم أعهده فيه من قبل. تيا كوران ليست فتاة عادية في حسابات الصحافة؛ إنها مهمة. عدل أوليفير نظارته، وظهرت على وجهه لأول مرة علامات التفكير العملي، ورد بنبرة خفيضة حملت تقديرًا خفيًّا لخطتي: "تيا كوران؟ هذا ربما يكون اختيار ذكي يا لورد دانيال، الصحافة الفنية والمواقع التافهة تلتهم أخبار عائلة كوران بنهم شديد، ربما إذا نجحتَ فعليًّا في شد انتباه الناس بعلاقتكما الغامضة، وصناعة بريق جاد حول هذا الثنائي، ستتحول السخرية الحالية إلى متابعة حقيقية وشغف بمعرفة تفاصيل حياتكما." أخذ أوليفير نفسًا عميقًا، وتابع وعيناه تلمعان ببريق الصفقات: "ظهورها معك سيمنح حساباتك الثقل الاجتماعي الذي تفتقده، وقد يفتح هذا الضجيج الإعلامي أبواب المنتجين والمخرجين الذين يرفضون مقابلتك الآن. إذا اعتقد السوق أنك مرتبك بعائلة كوران، فستحصل على دور البطولة في ذلك المسلسل الذي تحلم به في أجزاء من الثانية، دعينا نبدأ بالتنفيذ فورًا." الفكرة كانت تلمع في عقلي كشرارةٍ ذهبيةٍ؛ أنا بحاجةٍ إلى محتوىً جديدٍ تمامًا يقلب موازين اللعبة، محتوىً يخرجني من دائرة السخرية الفردية ويضعني في قلب الحدث الاجتماعيِّ الصاخب. تيا كوران، الفتاة العادية التي تعيش في ظل أخيها سام، هي القطعة الناقصة في خطتي الإستراتيجية للميديا. قررتُ أن أبدأ من غدٍ خطةً واضحةً للتقرب منها بشكلٍ علنيٍّ وصاخبٍ. لن أكتفي بمساعدتها في المتجر خلف الكواليس، بل سوف أجعلها تظهر معي في كل مكانٍ؛ سنلتقط صورًا عفويةً مدروسةً بعنايةٍ تحت مطر لندن، وننشر مقاطع مرئيةً عابرةً داخل متجرها وأنا أمتدح ذوقها "المبتكر" أمام الكاميرا. سأبدأ في صناعة محتوىً رقميٍّ يتمحور بالكامل حول علاقتنا العاطفية، علاقة اللورد سليل العائلة النبيلة بالمرشحة ابنة عائلة من أقطاب الاقتصاد وشقيقة لأصغر محامٍ عبقري في المدينة المواقع التافهة والصحافة الفنية تلتهم هذا النوع من الأخبار بنهمٍ شديدٍ، يجب الناس هذا المحتوى، وظهور تيا معي سيمنح صفحاتي ذلك البريق الجاد الذي يفتقده محتواي الحاليُّ، ويجبر الجمهور على التوقف عن السخرية والبدء في متابعة الثنائيِّ الأرقى لهذا العام. أعلم تمامًا أن تيا، بعنادها الناشئ ورغبتها المستميتة في الهرب من زيف عائلتها والمجاملات التي أحاطت بها، ستبتلع الطُعم بسهولةٍ. ستظن أنني أساعدها بصدقٍ على بناء هويتها المستقلة والنجاح بمتجرها بعيدًا عن شيكات أخيها سام، بينما أنا في الحقيقة أستخدم وجهها واسم عائلتها كواجهةٍ تفتح لي أبواب المنتجين والمخرجين في سوق التمثيل. إن صورنا معًا والافتراضات التي ستضعها شبكات الميديا ستجعل اسمي يتردد في غرف الصفقات الإنتاجية، وسيرى فيّ المنتجون وجهًا جاذبًا للإعلانات والتمويل بفضل اسم كوران المرتبط بي. نهضتُ من مقعدي، وأطفأتُ كشافات الإضاءة الدائرية، متأملًا وجهي في المرآة للمرة الأخيرة الليلة وسط العتمة. تيا كوران تظن أنها بدأت تفهم قواعد لعبتها الخاصة ضد زيف حياتها، وهي لا تدري أن كل صورةٍ سنلتقطها معًا غدًا، وكل مقطع فيديو سنصوره وسط الحرير والدانتيل في متجرها، هو مجرد مشهدٍ تمثيليٍّ أولٍ في مسلسلي الخاص للوصول إلى العرش الأخير للشهرة والنفوذ الذي حُرِمتُ منه طويلاً، والأيام القادمة ستثبت لأخي أدريان وللجميع أن أوهامي الفنية هي الحقيقة الوحيدة التي ستسود في النهاية.سارة تمالكت مشاعري وحاولت شغل عقلي بالإجابة والتحليل الفلسفي: "أجل، يمكننا القول إنها نوعًا ما قصص مخصصة للفتيات، لكنها لم تكن مفهومة أو منطقية بالنسبة لي في البداية، لم أكن أفهم كيف يمكن للشخص أن يقع في الحب الحقيقي أكثر من مرة في نفس الوقت، ولكنني الآن أستطيع رؤية وفهم ما رأته البطلة في الشرير." أمال رأسه الوسيم نحوي ينخرط معي بكل جوارحه في حديثي الذي يراه تافهًا لكنه يحبه لأنني من أقوله: "وهو؟ ماذا رأت فيه؟" تنهدتُ بعمق مسترجعة أفكاري وتحليلاتي الخاصة التي لم أشاركها سابقًا مع أي شخص في حياتي لأنني ببساطة لا أملك أي شخص مقرب يستمع لي، شعرتُ بسعادة غامرة ودفيء لأنني أخيرًا سوف أقولها لشخص يهتم: "الرجل الجيد والمثالي يمكنه أن يضحي بنفسه ويسكب دمه لأجل حبيبته وكي ينقذ العالم من الدمار، لكن الرجل السيء والشرير يمكنه ببساطة أن يضحي بالعالم بأكمله ويحرقه دون تردد لأجل حبيبته فقط؛ وهذا النوع النادر من الأنانية المفرطة والمطلقة يجذب الفتيات بشدة نحو الخطر والعلاقات السيئة المعقدة." همهم يفكر في كلامي بعمق وذراعه لا تضغطني أو تقيد حركتي لكنها تحيط جَسدي بلطف شديد كأنه يحميني، وسألني
سارة جلسنا من جديد لنشاهد العرض الثاني، الذي كان مشابها ومكررًا ككل الأفلام الرومانسية التجارية التي تتحدث عن التوأم ووقوعهما في حب نفس الشخص واختياره المعقد لواحدة منهن في النهاية، لكنه كان يحتوي هذه المرة على لمسة بوليسية وجريمة غامضة، والتي أظنها باتت موجودة أيضًا في كل تلك النوعية من الأفلام لجذب الجمهور. وعلى الرغم من ذلك التكرار، كان الفيلم ممتع ومسلي، وهذه أحدى الأشياء والفنون الكلاسيكية التي ترحبين بتكرارها لأنها تمنحكِ شعورًا ممتعًا وبسيطًا بشكل ماانتهى العرض الثاني وقادني من يدي نحو الخارج، الطقس كان منعشًا ولطيفًا في الخارج وملئ بأصوات المدينة الصاخبة والحركة النيونية. وصلنا للسيارة وانطلق بها سام في الشوارع المضاءة إلي مطعم شهير للوجبات السريعة يناسب ذوقي البسيط. جلسنا متقابلين على طاولة خشبية جانبية بعدما طلب سام إلينا الطعام والبطاطس المقلية، همهمتُ بتساؤل مفاجئ لأكسر الصمت:"أتساءل حقًا.. ماذا حدث للحمام الذي قمت بإصلاحه سابقًا في شقتنا؟"أكفهر وجهه وتغيرت ملامحه تمامًا حينما انتهيت من سؤالي، وحدجني بنظرة مستاءة ومضحكة في آن واحد:"أرجوكِ، أتركي التفكير في الحمام ومش
سارة "جارتي، تقطن أسفلي بطابقين في نفس البناية، وكل ما في الأمر أنه حدث سوء تفاهم ما بيننا مؤخرًا." نظرتُ بعيدًا نحو الفراغ بينما أهرس أسناني ببعضها من شدة الغيرة والضيق، فسوء التفاهم الذي يشير له بإشارة يد عابرة لا يوحي على شيء بريء أبدًا، فقلت بنبرة حادة: "لا تخبرني، الأمر لا يعنيني." "توقفي عن تصرفات الأطفال هذه الآن أرجوكِ، فأنا لم أقصد أبدًا أنكِ متطفلة أو شيئًا من هذا القبيل، أنا أريد أن أخبركِ بكل شيء، لكن كل ما في الأمر أنني خشيتُ أن أعطيكِ فكرة سيئة عني في بداية علاقتنا وتظنين أنني لاعب عابث." حاز حديثه الصريح وتراجعه على انتباهي وفضولي بالكامل، فالتفتُّ إليه وسألته بنبرة أهدأ: "ماذا فعلتَ معها إذن؟" هز رأسه بابتسامة متوترة ومرتبكة، نظر بعيدًا وهربت عيناه مني لِلحظات كأنه يرتب كلماته، وضع يده الحرة في جيب سرواله واقترب خطوة أكثر مني كما لو أنه سوف يخبرني بسر خطير ومكتوم: "كارولين كانت تقطن بالبناية لفترة طويلة قبل أن أقطن بها أنا." قاطعتُه بتهكم واضح متبعة دربه في الهمهمة والسخرية: "أجل؛ فهمت.. لماذا لا تمنحني نبذة صغيرة ومفصلة عن سيرتها الذاتية وحياتها الشخصية أيض
سارة انتهى سام من مكالمته تزامنًا مع خفوت الإضاءة التدريجي في القاعة الكبيرة، وبدء عرض الإعلانات التجارية والمقاطع التشويقية التي تسبق الفيلم عادة. ابتلعتُ سؤالي الفضولي الذي كاد يفلت من بين شفتيّ، واسترخيتُ أكثر في مقعدي المخملي الوثير محاولة التظاهر بالهدوء. الجو الدافئ في الداخل جعلني أنزع السترة السكرية الصوفية الثقيلة لِأتحرر من دفئها الخانق، وانعكست الإضاءة الخافتة الملونة المنبعثة من الشاشة الكبيرة على بلوزتي الفيروزية الحريرية وخصلات شعري البني المنسدلة، فأنرتني كقارورة عسل صافية تلمع في الظلام، فجعلني هذا المشهد أنكمش في مقعدي أكثر برهبة وارتباك.شعرتُ فجأة أنني محط أنظار الجميع بلا سبب واضح، الممرات كانت تعج بالحركة والبعض يلتف لينظر لي بنظرات فضولية غامضة ثم يعاود النظر للشاشة الضخمة المستطيلة، لكن سام لم يكن يكترث بكل ما يدور حوله؛ بل كان ينظر نحوي باستمرار بابتسامة عذبة وصادقة تصل لِأعماق عينيه الدافئتين. وشعرتُ برهبة حقيقية تجتاح جوارحي، حتى أنني فكرتُ للحظة مجنونة أن أركض بعيدًا وأهرب من هذا الموعد العاطفي الذي بدأ يأخذ منحى شخصيًا لا أفضله ولم أعتد عليه قط في حياتي ال
الظلام كان يلف الممر الخلفيَّ الموصل بين مبنى الفتيان ومبنى البنات المنفصل تمامًا في الزاوية الغربية من المدرسة الداخلية. كانت النوافذ الزجاجية العالية تعكس ضوء القمر الشاحب، مانحةً المكان طابعًا قوطيًّا باردًا يتناسب مع الفراغ العاطفيِّ الذي يسكن صدري. كنتُ أستند بجسدي العضليِّ النحيل على الجدار الإسمنتيِّ البارد، خصلات شعري الأسود المتمرد تلامس جبهتي، وعيناي البنيتان تراقبان خيال "كلير" وهي تتسلل بخفةٍ ورعبٍ من بوابات مبنى الفتيات لتصل إليّ. كلير كانت فتاةً من طبقة أرستقراطيةً، جميلةً من عائلةٍ رفيعةٍ في لندن، لكنني لم أكن أشعر تجاهها بأيِّ شيءٍ؛ لم يكن هناك حبٌّ، ولا إعجابٌ، ولا حتى شرارة اهتمامٍ حقيقيةٍ. بالنسبة لي، كانت هذه اللقاءات السرية مجرد وسيلةٍ بيولوجيةٍ بحتةٍ لتفريغ شحنات الغضب المكتوم والضغط النفسيِّ الخانق الذي يفرضه عليّ هذا السجن الاختياريُّ بضواحي لندن، بعيدًا عن أيِّ روابط قد تجعلني ضعيف. وصلت كلير أمامي، وأنفاسها المتلاحقة الدافئة كانت تصطدم بصدرية سترتي المدرسية، ونظرت إليّ بعينيها اللامعتين اللتين تحاولان قراءة لا مبالاتي وبرودى المعتادتين. دون أيِّ مقد
هز توماس رأسه بتفهمٍ، وسألني بفضولٍ وهو يفرك يديه طلباً للدفء: "وكيف تمكنتَ من الصمود طوال هذه السنوات إذن؟ كيف تحولتَ من ذلك الطفل العنيف والمشاغب الذي حطم نصف أثاث المهجع، إلى هذا الشخص الصارم الهادئ الذي يخشى الجميع مواجهة قبضته؟" التفتُّ إليه ببطءٍ، ونظرتُ في عينيه مباشرةً قائلًا بنبرةٍ قاطعةٍ تحمل ظلام خفيًّا: إدوارد لارج "لقد تأقلمتُ يا توماس؛ لأنني أدركتُ أن العنف العشوائيَّ والشغب الطفوليَّ لن يوصلا أفعالي إلى نتيجةٍ حقيقية، لقد جعلني جايسون سجينًا هنا كي يصمتني ويبعدني عن مخططاته في صورة نظيفة، فقررتُ أن أتحول إلى وحشٍ منظمٍ، استخدمتُ غضبي كوقودٍ لبناء هذا الجسد العضليِّ النحيل، وحولتُ مشاجراتي إلى دروسٍ في السيطرة، لقد تظاهرتُ بالقبول والتكيف طوال السنوات الماضية فقط لأصل إلى السن التي تمنحني الحق في التمرد القانونيِّ." "أنت تقصد سن الثامنة عشرة؟" سأل توماس بصوتٍ خفيضٍ يملأه الذهول من نظراتي المظلمة. "بالتأكيد." أجبتُهُ وأنا أرمي عقب السيجارة أرضًا وأسحقه بحذائي بعنفٍ مدروسٍ: "أنا على مشارف الثامنة عشرة الآن مثلا تمامًا، وأيام الحبس الاختياريِّ في هذه الضواحي أوشكت على
ميلا فيليت في اللحظة التالية مباشرة، سمعتُ صوت إشعارات وصول الرسائل الجديدة في جهازي اللوحي مستجيبًا لكلماتها، وفي اللحظة التي تلتها كانت السيدة الفاتنة تسحب حقيبتها ونظارتها الشمسية من على الطاولة مغادرة المقعد. راقبتُ خطواتها الواثقة وهي تسير بنعومة ناحية الباب الخارجي، وقبل أن تفتح المقبض، اس
ميلا فيليتبسطت كتفيها ببطء لتثبت دحضها لتبريري دون أن ترفع صوتها، ثم مالت قليلًا إلى الأمام لتستند بمرفقيها فوق الطاولة المستطيلة الفاصلة بيننا، وقالت وعيناها تثقبان عيني:"هذا النوع من القصص لا يتعلق بالحقائق أبدًا يا عزيزتي؛ أنتِ وكاتبتكِ المبتدئة سوف تقوم بلَى كل حقيقة تصادف بحثكن، وسوف تضيفان
ميلا فيليت في تلك اللحظة، دق الهاتف الداخلي الموضوع على مكتب الاستقبال، ليعلمني موظف الأمن بقدوم الأستاذة الجامعية المتخصصة التي تم استدعاؤها للإشراف على الجانب التوثيقي للمشروع. شعرتُ بقفزة في قلبي، فحملتُ الملف السميك وجهازي اللوحي بسرعة، وغادرتُ المكتب بخطوات واسعة وواثقة نحو غرفة الاجتماعات ال
ميلا فيليتتمثلت رغباتي كلها في النجاح، لم أكن أريد أي شيء في هذه الحياة إلا أن أكون الأفضل، الأقوى، والأكثر نجاحًا. كانت الفكرة تلازمني كظلي، تنمو في عقلي كالنبتة الشيطانية التي لا ترويها إلا أضواء الإنجازات البراقة. ما كنت أحلم به منذُ أن كنتُ فتاة صغيرة في المدرسة العليا، أراقب المجلات العالمية







