登入أنهى الإجراءات ليغادرا وذهب لشيماء بمكتبها، استقبلته بابتسامة سرعان ما تبددت برؤية معالمه، نظرت له بترقب تشعر بوقوع خطب سيئ. -حبيبتي، عايزك في موضوع.من رهبتها وشعورها السيئ التزمت الصَّمت تحركت معه توزع نظراتها بينه وبين خطواتها، وبمكتبه جاورها على الأريكة يقابلها لا يعلم كيف يبدأ الحوار:-شيماء، أنتِ طيبة وبتسامحي وعارف أنك بتتمني تشوفي نادية وزعلانة من بُعدها وعدم اهتمامها، لكن هى محتاجاكِ معاها.صمت طويل ساد بينهما، تخشى السؤال فيثبت لها ما يرهبها، فاسترسل بهدوء وضمها إليه مع انهيارها:- نادية عملت حادثة.. بلاش تبكى، إن شاء الله تكون بخير.تهدجت أنفاسها ببكاء حار:-أيه اللي حصل لها يا رامي؟ -كانت مع فوج سياحي هنا في القاهرة، وعربية خبطتها.-عايزة اروح لها يا رامي عشان خاطري. -أكيد يا حبيبتي، بلاش عياط إن شاء الله هتكون بخير، نادر كلمني هو لسه في الأقصر، لازم نتحرك على طول عشان ما تفضلش لوحدها أكتر من كده.نهضا وضمها إليه حتى هدأت أنفاسها أبعدها بلطف:-اغسلي وشك وهاتي حاجتك، يلا بسرعة.رافقها التوتر طوال الطَّريق، تخشى الفِراق، بوصولهما سألا عنها وكانت لتوها خرجت
استقرت حياة شيماء لا ينغص عليها صفوها سوى بُعد أختها عنها وجفائها، دائمة الشرود بها تتمنى وصلها، لا تعلم بمحاولات رامي وتواصله مع نادر زوج نادية في محاولة منهما لاستمالة قلب نادية وانهاء شتاتهما، انتشلها مِن شرود تفكيرها عودة رامي -بعد إجراء إحدى العمليات الجراحية- مرهق ومتعب:-حمد الله على السلامة يا حبيبي.ابتسم لها بشكر فهي باتت قلب دافئ يحتويه بحب، ضمها بحنان واشتياق:-وحشتيني.- أنت أكتر، على ما تغير أكون جهزت السفرة وتحكي لي عن يومك وجو العملية.-عنيا، جدو كان دايمًا يقول نفس الكلام بعد كل عملية.-يلا بسرعة يا ولد اسمع كلام جدو.-مال جدو أحلو كده ليه.انعزلت عن الدنيا لأعوام، فأراد أنْ تجوب معه بعضها، بكل يوم يأخذها لمكان، بدت كطفلة صغيرة تخشى العالم فتمسك يده تلتمس منه الدَّعم والأمان؛ فيحلِّق بالسماء وتطيب جراحه هو أمانها في مقابل العالم وحاميها، انبهارها بكل مكان يجوباه يسعد مهجته، عاملها كطفلته الصغيرة يوضح لها تاريخ المكان، اسم المنطقة أو المطعم يشتري لها قطع تذكارية وكل ما يشعر برغبتها فيه، نظرات الإعجاب وإن كانت على استحياء والفرحة التي ملأت عينها تسعده وتغمره
ارتعش جسدها وبدأت تحكي بصوتٍ متهدِّج:-كنت بشوف أصحابي يتعاملوا مع بعض بحرية كبيرة ولاد وبنات، انفتاح مبالغ فيه، خروج من غير حساب، فلوس كتير سهرات وملابس متحررة قوي، حسيت أنه غلط ومش صح، حطيت لنفسي حدود ورفضت أنهم يكسروها، والنتيجة تريقة وسخرية، انتقادهم ليَّا خلاني تايهة وزي أي بنت حاولت أحكي لماما، وما كانتش فاضية، كان سامر قريب مني أو زي ما كنت فاكرة وقتها، كنَّا لسه نازلين مصر قريب، فحكيت له وما انتبهتش لبهتان ملامحه كلامه المقطع وتوهانه معظم الوقت، ضربني لأول مرة لقيت نفسي تحت رجله وأنا بصرخ من الوجع، جريت على اوضتي قفلتها بالمفتاح، فضل يخبط ويرزع على الباب شوية وبعدين سكت، اتصلت على بابا واشتكيت له.اختنقت من بكائها العنــيف وشهقاتها المتتالية؛ فصمتت تستجمع شتاتها ثم استرسلت:-كلمه كتير وزعق حذره يكرر اللي عمله، خلاه يصالحني ويعتذر وهو معانا على التليفون، عمل كدة فعلًا واطمنت أنا وبابا، بس كل واحد في بلد وده خلاه بكل سهولة يخالف كلام بابا، بعد ما قفلنا دخلني اوضتي وقفل بالمفتاح من غير ما أنتبه، خلــع حــزامه ونزل فيا ضــرب، وأخد مني التلفون، حبسني أسبوع، واللي قهرني إ
حاولت جمع كلماتها التي تبعثرت وبدت غير مفهومة:-لا، لا، لا، والله لأ! بخاف، والله بخاف! شـ.. شـ..لا يتحمل رؤيتها بتلك الحالة أبدًا، بحركة لا إرادية جذبها إليه يحتوي وجعها حاول بثها الطمأنينة بكلماته حتى حررت عقدة لسانها:-اهدي يا طيف، اهدي وتكلمي بالراحة، أوعي تخافي من حاجة، ما تخافيش مني! استحالة أءذيكي ثقي في ده.-خايفة، خايفة أتوجع، كانت لحظات مُرَّة، محتاجة وقت اتعود، اتعود بس، أنا آسفة لأني بتعبك، والله آسفة! مش عايزة كده، بس مش عارفة، أنت استحملت مني كتير، آسفة بجد، آسفة.أعطته كلماتها مزيج مِن الراحة والأمل؛ فنمت بسمة مستبشرة على وجهه:-أنا اللي آسف لأني استعجلت، خدي وقتك مش هضغط عليكِ، كل اللي عايزه وعد يا طيف وتوفي به، عايزك تتكلمي معايا في اللي يخطر في بالك وبدون كسوف، اوعديني يا طيف.-مش هقدر، صعب، بخاف اتكلم، كان.. كنت بتـ.. بتوجع، كل حاجة كانـ.. صعب، صدقني صعب.كل مدي يزداد كرهه لشهاب أضعاف مضاعفة، يود الدخول معه بنزال يصرعه به ويقضي عليه، نزال بدني يخرج به كل ما يحمله تجاهه من بُغض.ساد صمت يصرخ بما يحملاه من هموم وأحمال، لم يحررها من بين ذراعيه، يحاول اخفاء غَضَ
تنهد بإرهاق، لم يفعل معها ما يخيفها منه، أطبق جفونه بألم؛ فحبيبته تهابه وتخشاه، مهَّد لنفسه لتقبل أي ردة فعل، حاول الابتسام ثم بدل ملابسه ينتظر خروجها، طال الانتظار وداهمه القلق، خشى أن تؤذي نفسها؛ طرق على الباب بتوتر يناديها وتنفس الصُّعداء حين أجابته، ثواني وخرجت إليه بطلتها الهادئة مثلها والمبهرة بعينيه، رقيقة مُحتشمة على عكس عادة اليوم، ولم ترَ انبهاره بمظهرها من فرط توترها. قطع المسافة بينهما يضمها باشتياق يروي ظمأ عاشق متيم بحث عن محبوبته لأعوام طويلة حتى وجدها، لُقِب بقيس؛ فهو مثله لكنه لم يفقد عقله، وسط دوامة أفكاره لم ينتبه لمدى قوته التي كادت تعصرها بين ذراعيه، والتي أجَّجَت تضارب مشاعرها بين الشعور بالدفء والحنان وبين الرُّعب مما هو آتٍ، وسؤال يفرض نفسه عليها: لمَ دخلت دوامة الزَّواج من جديد وأعادت الكَرَّة؟ نجت منها من قبل بأعجوبة مستنزفة ثلاثة عشر عام من عمرها؛ فلمَ تعيد التجربة؟!!! لن تجرؤ على إخباره ما يدور بخلدها ولن تستطيع تنحية أفكارها جانبًا.انتبه مؤنس من النشوة التي غمرته على انتفاضتها؛ فأشفق عليها وابتعد خطوة واحدة لم يطاوعه جسده على أكثر منها، ح
ارتسم الذُّهول على وجه ريڤال، لقد تحول بالفعل يبتسم بهدوء وهو لم يفعل سوى مرات قليلة منذ أن عرفته، اليوم فقط ابتسم بما تعدى ابتسامه طوال الشُّهور الماضية، سلطت عينها عليه بدهشة أسعدته، فتحدث مبتسمًا:-مالك؟ أنتِ كويسة؟-أه تمام، هكلمهم، ولو في دماغك تصميم معين بردو.-المهم تعجبك أنتِ وحلا.راودها الشَّك، تجزم أن بالأمر شيئًا، بالتأكيد لم يتغير مِن النقيض للنقيض، ثم حدثت نفسها فليفعل ما يريد، تلك الخطوة جيدة لها، هي لا تتقبل المكان بوجوده، ڤيلا صغيرة ستكون أكثر راحة للجميع. خلال فترة وجيزة استأجر الفيلا وابتاع أثاثها، رافق حلا برحلة اختيارها لغرفتها حينها انتبه أنها بدأت تتجاوز مرحلة الطفولة وبدأت مرحلة المراهقة، صغيرته على اعتاب مرحلة الشباب، كبرت دون مقدمات كبرت ملامحها وأصبحت مزيج بين طيف ووالدته.مؤنس يكاد لا يصدق أنه على أعتاب تحقيق حلمه، استنشق الهواء بعمق يغمض مقلتيه يتذكر كم عانى لإقناع والدته بقبول زواجه بطيف حتى وافقت على مضض، حتى طيف كادت أن تفسد فرحته برفضها التام لارتداء فستان زفاف أو حتى إقامة حفل صغير، وبالكاد اقنعها بفستان أبيض شديد البساطة وقع عليه ا
مكالمة أصابته بالعجب، يجزم أن هناك خطبًا ما خلف هذا الاتصال، ولم يعطِي للأمر أهمية؛ فسوف يظهر السبب آجلًا أو عاجلًا، أنهى يومه الجامعي ثم عاد للبيت، وهناك استقبله جده بابتسامة حنونة، - حمدًا لله على السلامة، عملت إيه في الامتحان. - الدكتور غسلني يا جدو، سأل الجروب اللى معايا سؤالين وأنا لوحدي أ
عامان مرا على الجميع، أنهت شيماء تعليمها الثانوي والتحقت بكلية التجارة، كما أنهت نادية دراستها الجامعية وتم عقد قرانها، استقرت مع زوجها نادر بالأقصر، حيث عمل هناك بمشفى خاص، وهي كمرشدة سياحية بإحدى الشركات.اشتد المرض على الجد، ينذر بالفراق، فسكن الألم قلب حفيدته شيماء، تخشى فقدانه؛ فهو ملاذها الوح
ضرب الجدار بقـوة، قابلها ثائرًا: - أعمل إيه عشان تتكلمي؟ ما تفضليش مقطعاني كده. كأسد جريح يزأر لعله يجد مَن يساعده! أشفقت عليه وخرجت عن صمتها: - لو فارق معاك لازم تسمع كلامي كله. - يكاد لا يصدق أذنيه، تتحدث أخيرًا! سمع صوتها من جديد، جلس أمامها يصغي يأمل عفوها: - تتعامل كويس مع مراتك،
امتلأت نبرته بالسخرية، يرى أمامه كل ما رآه وسمعه بييت والده:-يا ريتك بعدتيني عنه! نسيتي إن دي جينات بتجري في دمي زيه بالظبط! ما سألتيش نفسك كنت برجع بضحك وسعيد ليه؟! ليه كل مرة أرجع مبسوط أكتر مِن المرة اللي قبلها؟ ما فكرتيش بسمع هناك أيه؟ أقولك: كنت برجع مبسوط لأني عرفت اللي بابا بيعمله معاها،







