LOGINالفصل 606كان المطعم محجوزًا بالكامل لذلك الاجتماع، وقد اجتمعت مجموعة من الأمهات حول طاولة طويلة تتوسط القاعة. كانت الأحاديث قد بدأت بالفعل، وتحديدًا حول الرحلة الخارجية المقبلة التي ستنظمها المدرسة للأطفال.ما إن دخلت سيرين حتى انقطع الحديث فجأة.توجهت إليها جميع الرؤوس، واستقرت عليها عشرات النظرات الفضولية.كانت سيرين ترتدي ملابس بسيطة وأنيقة، من دون أي مبالغة في مظهرها. لم تضع سوى مكياج خفيف أبرز ملامح وجهها بهدوء، ومع ذلك بدت لافتة للنظر بصورة يصعب تجاهلها.أما الندبة الممتدة على الجانب الأيمن من وجهها، فلم تستطع أن تخفي جمالها الطبيعي.راقبتها بعض الأمهات في صمت.كانت أغلبهن قد أنفقن مبالغ طائلة على مستحضرات العناية بالبشرة والجلسات التجميلية، ومع ذلك لم تستطع أي منهن منع شعور خافت بالغيرة عندما رأين بشرة سيرين الصافية وقوامها الرشيق.*كيف يمكن لبشرتها أن تكون بهذه النضارة؟*لكن بعضهن وجدن عزاءً صغيرًا في الندبة التي تشق جانب وجهها.*على الأقل... لديها عيب واضح.*أما سيرين، فلم تهتم بنظراتهن.ألقت نظرة سريعة على ساعة معصمها، وحين تأكدت أنها وصلت في الموعد المحدد، ابتسمت ابتسامة م
الفصل 605كأب، كان ظافر يشعر بقلق حقيقي على سلامة ابنه. وبالرغم من عجزه عن رؤية العالم بعينيه، فإن ذلك لم يمنعه قط من أن يكون شديد الانتباه لكل ما يتعلق بطفليه. كان يعتمد على السمع واللمس والتفاصيل الصغيرة من حوله، ولذلك كان يرى أن ذهاب نوح إلى الروضة لا يختلف كثيرًا عن بقائه في المنزل، ما دام قد اتخذ جميع الاحتياطات اللازمة.وبمجرد أن تذكرت سيرين نظرة الأمل التي لمعت في عيني نوح، أدركت أنها لن تستطيع الاستمرار في الرفض.تنهدت، ثم قالت باستسلام:«حسنًا.»لكنها قبضت يديها بقوة، تحاول كبح خوفها، ثم أضافت بلهجة جادة:«لكن أرجوك يا ظافر... لا تدع أي شيء يحدث له.»ضم ظافر شفتيه، ثم قال بثبات:«إنهما ابناي يا سيرين. هل تظنين أنني سأسمح لأي مكروه أن يصيبهما؟»كان صوته هادئًا لكن نبرته حملت وعدًا لا يقبل النقاش.في تلك الليلة، لم يأكل ظافر سوى القليل على مائدة العشاء.وبمجرد أن عاد إلى غرفته جلس بتجهمٍ ثم أشعل سيجارة.انتهى منها فأشعل أخرى.ثم ثالثة.كان هناك شيء يزعجه بشدة منذ أيام، شيء لم يستطع تجاهله مهما حاول.من المفترض أن يكون سعيدًا… فقد اكتشف أن زكريا ونوح ابناه، لكن كلما فكر في السنو
الفصل 604«أبي... أمي... هل يمكنكما أن تتوقفا عن الشجار؟»خرج صوت نوح مرتجفًا، وفي اللحظة نفسها ارتسمت على وجهه ملامح طفل مكسور القلب. لم يحتج إلى كثير من الجهد؛ فقد أتقن صغيرًا لعب دور المسكين الذي لا يحتمل رؤية والديه غاضبين من بعضهما. سرعان ما اغرورقت عيناه بالدموع، حتى بدا وكأنه على وشك الانهيار.توقفت سيرين وظافر عن الكلام في الحال.ساد الصمت المكان، وكأن كلمات نوح البسيطة قد أطفأت نار الجدال بينهما.رفع نوح رأسه نحو أمه، وقال بصوت حزين يحمل شيئًا من الرجاء:«أمي... أنا لا أريد الذهاب إلى الروضة بعد الآن. أرجوكِ، لا تلومي أبي. هو وافق فقط لأنه لم يستطع تحمل رؤيتي حزينًا.»شعرت سيرين بوخزة مؤلمة في صدرها.لم تكن كلمات نوح هي ما أحزنها فحسب، بل الطريقة التي بدت بها وكأنها الأم القاسية التي لا تكترث لحزن طفلها، في حين ظهر ظافر في صورة الأب الذي لا يستطيع احتمال رؤيته متألمًا.اشتعلت في داخلها غيرة مكتومة ومرارة لم تستطع منعها.*وكأنني أنا لا أتألم عندما أراه حزينًا!*لقد كانت إلى جوار نوح طوال سنواته، تحملت مرضه، واعتنت به، وراقبت كل تفصيل صغير في حياته. فكيف يمكن لطفلها أن يقارنها
الفصل 603لم يكن نوح بحاجة إلى التفكير طويلًا في الاختيار. فمنذ أن سمع كلمة «الروضة»، حسم أمره فورًا. كان يريد الذهاب إليها، تمامًا مثل أخيه زكريا، وكان واضحًا أن فكرة البقاء في المنزل بينما يذهب أخوه إلى المدرسة لم تعجبه على الإطلاق.وقبل أن تتمكن سيرين من الاعتراض أو حتى شرح مخاوفها، اندفع نوح نحو ظافر، وأحاط عنقه بذراعيه بحماس، ثم أخذ يتملقه بصوته الطفولي اللطيف:— أريد الذهاب إلى الروضة! أبي، أنت أفضل أب في العالم! هل يمكنك أن تسمح لي بالذهاب إلى الروضة نفسها التي يدرس فيها زاك؟تصلبت ملامح زكريا فور سماع ذلك.كان يحدق في أخيه بانزعاج واضح. لم يستطع أن يفهم كيف يستطيع نوح أن يكون وقحًا إلى هذا الحد، ثم يتصرف بعدها وكأنه طفل بريء لا يريد سوى تحقيق أمنيته.والأسوأ من ذلك كله...أنه لا يريد نوح في مدرسته!قال زكريا بصرامة ودون أدنى تردد:— مستحيل.التفت نوح إليه مصدومًا.كان الشقيقان متشابهين إلى حد كبير في ملامحهما، لكن شخصيتيهما كانتا مختلفتين تمامًا. فبينما كان زكريا هادئًا، حاد الطبع، ويميل إلى إخفاء مشاعره خلف وجه جامد، امتلك نوح موهبة فطرية غريبة في كسب قلوب الآخرين.كان يعرف ك
الفصل 602أصيب مالك بالذهول، وكأن الكلمات التي سمعها للتو لم تستوعبها رأسه.حدّق في زكريا للحظات، ثم قال بصدمة واضحة:— إذن... أنت أيضًا ابن عمي ظافر؟توقف زكريا عن الحركة.لم يجب.لكن صمته وحده كان كافيًا ليجعل مالك يتيقن من صحة ما استنتجه.اشتعل الغضب في عينيه، وقال بانفعال:— كيف استطعت أن تخدعني طوال هذا الوقت؟التفت زكريا إليه بهدوء، وسأله ببرود:— وبماذا خدعتك؟ازداد احمرار وجه مالك، وانقبضت قبضتاه بقوة.— ألم تقل إن طارق هو والدك؟لم يتغير تعبير زكريا، بل بدا هادئًا على نحو أثار غضب مالك أكثر.قال ببساطة:— لم أقل ذلك. أنتم من قلتم.ثم حمل حقيبته ووضعها على كتفه، قبل أن يضيف بنبرة باردة:— هل هذا كل ما أردت قوله؟تراجع مالك خطوة دون إرادة منه.لم يكن يتوقع أن يكون رد زكريا بهذه البرودة. كان ينتظر تبريرًا أو اعتذارًا أو حتى خوفًا، لكنه لم يحصل على شيء من ذلك.قال بتلعثم:— نعم... هذا كل شيء.لم ينتظر زكريا المزيد.استدار وغادر المكان، تاركًا مالك خلفه يغلي من الغضب.صرخ مالك من بين أسنانه:— تبًا لك! كيف تجرؤ على الكذب عليّ؟ كنت أعتبرك صديقي!لكن زكريا لم يلتفت.ظل مالك واقفًا م
الفصل 601قبل أن يتوجه ظافر إلى المكتب في ذلك الصباح، أوقفه نوح للحظات، ثم أخبره بأن زكريا يريد رؤيته، وطلب منه أن يأتي إلى الروضة بعد انتهاء الدوام.ساد الصمت لحظة، كما لو أن كلمات نوح حرّكت في داخله شيئًا كان ينتظره منذ وقت طويل إذ أدرك ظافر أن الوقت قد حان أخيرًا للقاء زكريا.قال بهدوء:— حسنًا، سأأتي.وبالفعل، عندما حلّ موعد الظهيرة، طلب من سائقه أن يتوجه به إلى المنزل.وما إن وصل حتى شعر بوجود سيرين ونوح في انتظاره. لم يحتج إلى أن يراهما ليعرف ذلك؛ فقد التقط أذناه أصوات خطواتهما وحركة المكان من حوله.ناداه نوح بحماس:— بابا!أجاب ظافر بهمهمة خافتة، ثم رفع رأسه قليلًا باتجاه مصدر صوت ابنه.اقتربت سيرين منه وقالت:— هيا بنا، لقد حان الوقت.كانت قد اتصلت بكوثر مسبقًا، وأخبرتها بأن سائق عائلة أرشيبالد ليس عليه أن يأتي اليوم لاصطحاب زكريا من الروضة، لأنهم سيذهبون بأنفسهم.استقل الثلاثة السيارة.لكن ما إن أُغلق الباب حتى خيّم على المكان صمت غريب.جلس نوح في المنتصف بين والديه، وأخذ يتنقل بنظراته بينهما. كان يشعر بالتوتر الواضح بينهما رغم أن أياً منهما لم يتحدث عنه.نظر نوح من النافذة إ
الفصل الرابع حتى سماعات الأذن خاصة سيرين كانت ملطخة باللون الأحمر، مما أثار في نفسها موجة من القلق والانزعاج. انقبضت حدقتا عينيها، وسرعان ما أمسكت ببعض المناديل الورقية لتجفف أذنيها، ثم خلعت ملاءات السرير وغسلتها بعناية فائقة.كانت خشيتها من أن تقلق فاطمة إذا اكتشفت أن حالتها الصحية تتدهور، فبادر
الفصل الثالث كان صوت سيرين هادئًا، خاليًا من أي مشاعر. انقبضت حدقة عين ظافر، وتوتر صوته: "ماذا قلتِ للتو؟" على مدى السنوات الثلاث الماضية، ورغم كل ما فعله، لم تلمح سيرين يومًا إلى الطلاق. كان ظافر يدرك في أعماقه أن سيرين تحبه بل تعشقه... لكن الآن، كانت عيناها اللتان اعتاد أن يرى بهما لمعة
الفصل الثاني نظر الجميع في الغرفة الخاصة نحو الباب، وغمر المكان صمت ثقيل... الأعين جميعها تتأمل ما سيحدث بعد تلك اللحظة المشحونة بالتوتر. كانت سيرين أول من رأت ظافر الذي يقف في وسط الغرفة، وعيناه متوهجتان بنقاء وصفاء وشعاع من الأمل يلمع فيهما، الأمر الذي بدا غريبًا مقارنة بما كان يُعتقد، وما كا
الفصل1 تناثرت حبات المطر الغزيرة كدموعٍ ترفض أن تهدأ فارتفعت رائحة التراب المبتل ممتزجة بشعورٍ باردٍ يتسلل إلى العظام. عند مدخل المشفى، وقفت سيرين كتمثال نُحت من ألمٍ وصمت. جسدها النحيل يهتز ارتجافًا، ليس فقط من البرد الذي يطارد أطرافها، ولكن من زلزال داخلي يمزق قلبها... تمسك بيديها المرتعشتين







