ログインاكتست ملامح قديرة بالذعر، لكنها تظاهرت بالثبات، وراحت تنكر وتدافع عن نفسها قائلة: "أنا لم ألاحق رهف. ولم أعلم حتى أن هذا هو منزلك. لقد مررت من هنا مصادفة، ولأن أشعة الشمس كانت حارقة، جلست أستظل تحت الأشجار على الجانب الآخر من الطريق، لذا فإن احتجازكم لي هنا يعد جريمة يعاقب عليها القانون!"صوّب سهيل نظراته الحادة نحوها، وأحاطت به هيبة صارمة لا تحتاج إلى الغضب لإثبات حضورها، ثم قال بصوت هادئ ورزين: "هذا القصر مزود بأعلى منظومة أمنية في العالم، ولا يوجد أي جار على بعد عدة كيلومترات من منزلي، فحتى لو حطت ذبابة في الجوار، فسأرصد حركتها بدقة. في المرات القليلة الماضية، كنت تستقلين سيارات أجرة لتتعقبي أثر رهف، وكنت تقفين أمام البوابة لبضع دقائق ثم ترحلين. أما الآن، فلم تعودي بحاجة إلى سيارات الأجرة، بل صرت تتربصين بها مباشرة من تحت الأشجار في الخارج. منذ السابعة من صباح الأمس وحتى هذه اللحظة وأنت تقبعين هناك، تقضين كل حوائجك وتقتاتين في الخفاء كاللصوص... أتظنين حقًا أنني غافل عن كل ذلك؟"نهش الخوف قلب قديرة بعد أن فُضح أمرها، فغلبها الغضب بعدما شعرت بالإحراج، ووضعت يديها على خصرها لتصرخ بأعلى
تأرجحت رهف في عذاب لا ينتهي بين هاتين الحالتين المروعتين؛ جسد مُخدر ومتبلد المشاعر إن تناولت الدواء، وروح مجنونة تنهشها الكآبة إن أهملته.وفي تلك اللحظات القصيرة التي غرقت فيها بترددها، تلاشت الابتسامة عن وجه سهيل وتجمدت ملامحه، ثم تظاهر باللامبالاة، ومد يده ليمسح على رأسها بخفة وهو يهمس: "عودي للنوم. طابت ليلتك."وما إن ألقى كلماته، حتى أزاح جسده ليتمدد على السرير، وسحب الغطاء ليغطي خصره، ثم أغمض عينيه.حدقت رهف في عينيه المطبقتين، ولاحظت بوضوح أن ملامحه قد اكتست بكآبة أعمق مما كانت عليه قبل لحظات.لم تبرح مكانها وظلت تتأمل وجهه وهو يتصنع النوم لبعض الوقت، ثم استدارت ومدت يدها لتطفئ المصباح المجاور للسرير.غاصت الغرفة في عتمة مفاجئة، واحتضنتها هالة من الظلام الدامس.خلعت رهف خفها المنزلي، ورفعت ساقيها لتنزلق تحت أغطية سريره، ثم تمددت بجواره كتفًا بكتف، وأغمضت عينيها هي الأخرى، لتهمس بصوت خفيض: "طابت ليلتك يا سهيل."خيم سكون مطبق على الغرفة، ولم يُسمع سوى إيقاع أنفاسهما الخفيفة والمنتظمة.ظل سهيل متصلبًا في مكانه، وبدا وكأنه قد غرق في نوم عميق بمجرد أن أغمض عينيه.لكن الحقيقة كانت أبعد
"ما زال يكن المشاعر لحبيبته السابقة، ومع ذلك يصر على الادعاء بأن علاقته بها بريئة، بل اتهمني بأنني أظلمه، وأنني امرأة عديمة المنطق!""وقبل أن آتي إليك الليلة، اتصلت به رنا مجددًا، ولا أدري ما الذي دار بينهما... لكنه ارتبك بشدة، وحمل مفاتيح سيارته متأهبًا للخروج، فلم أجد بُدًا من دس الطفل بين ذراعيه والمغادرة.""في هذه اللحظة، لا أعلم إن كان في المنزل يرعى طفله، أم أنه اصطحب الطفل معه ليطير به إلى رنا.""أنا لا أمزح يا رهف... سأطلب منه الطلاق..."طوال الليل، ظلت غيداء تفرغ ما في قلبها من هموم، تحتسي الشراب وتذرف دموع القهر والخذلان من زواج لم يخلف لها سوى جراح لا حصر لها.وكان استنتاجها النهائي: أن المرأة لا يمكن أن تبلغ أسمى درجات السعادة في هذه الحياة... إلا إذا اكتفت بالحب دون زواج، وصنعت مسيرتها المهنية، وأنجبت طفلًا، وعاشت بلا زوج!وتحت تأثير ثمالتها، أخذت تبدي حسدها وإعجابها بحياة رهف.ولم تدرك أن رهف وحدها هي من تتجرع مرارة العلقم في الخفاء.وفي وقت متأخر من الليل، ساندت رهف صديقتها الثملة نحو غرفة الضيوف، وبعد أن أسكنتها في الفراش، وضعت هاتفها بعناية على المنضدة المجاورة للسرير.
"ألم تنسي شيئًا ما؟"تسارعت أفكار رهف، وراحت تعتصر ذاكرتها بحثًا عن إجابة، لكنها عجزت تمامًا عن معرفة ما الذي قد تكون نسيته.ولم تدرك مراده، إلا حين رفع سهيل يده ولوح لها بإصبعه بحركة خفيفة، فتوردت وجنتاها بحرارة مفاجئة، وافتر ثغرها عن ابتسامة رقيقة يغلفها الخجل.تقدمت نحوه بخطى ثابتة، وجلست على حافة السرير، ثم مدت يديها لتطوق كتفيه العريضتين، ومالت بجذعها نحوه رافعةً رأسها، لتطبع قبلة على شفتيه الرقيقتين.وما إن تلامست الشفاه الدافئة والناعمة، حتى انتفض قلب رهف برعشة خفيفة، واختلطت أنفاسهما المشتعلة، ليتسلل إلى حواسها عبق سائل الاستحمام المنعش الذي يفوح من سهيل.ومع تداخل هذه الرائحة الرجولية الجذابة مع شذى اللافندر الذي يعبق في الغرفة، شعرت رهف بثمالة لذيذة تسري في عروقها حتى قبل أن تحتسي قطرة كحول واحدة.وبينما كانت تهم بإنهاء "قبلة ما قبل النوم" هذه، وتتراجع للوراء مبتعدة عن شفتيه...باغتها سهيل بحركةٍ خاطفة، فطوق رأسها من الخلف بيده اليسرى، ولف ذراعه اليمنى حول خصرها، ليجذبها بقوة نحو صدره، ويغوص في قبلة عميقة وممتدة، يعمقها تارة ويخففها تارة أخرى.لقد أرادتها مجرد قبلة عابرة لتود
انقبض قلب رهف بخفقة حادة.لم تشعر بأدنى ذرة من الفرح أو الحماس، بل اجتاحها رعب وتوجس خانق.هل يعني عرضه المفاجئ للزواج أنه حسم أمره واختارها هي على حساب مستقبله المهني؟أم أنه... يبحث فقط عن موقف حاسم منها ليريح قلبه؟"هل تفوه ابن عمك بتلك الكلمات فقط ليستفزك ويدفعك لهذا القرار؟" تهربت رهف من الرد المباشر على عرضه، فلا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تكون السبب في تدمير مسيرته المهنية، وتابعت: "لا تعر كلامه أي اهتمام يا سهيل، فهو ببساطة لا يستلطفني، ويرى أنني لا أليق بمقامك.""رهف، هذه هي المرة الثالثة التي أطلب فيها يدك للزواج، وهي المرة الأخيرة أيضًا. لن يكون هناك عرض رابع." خرجت كلمات سهيل مثقلةً ومبحوحة، تحمل في طياتها خشونة يكسوها اليأس.أومأت رهف برأسها، ولاذت بصمت مطبق.كانت تدرك الحقيقة جيدًا.الزواج يتطلب قفزة عمياء من التهور، وفي حالتهما المعقدة بالذات، كانا بحاجة لاندفاع مجنون يضرب بكل العواقب عرض الحائط، فبمجرد أن يتسرب العقل والمنطق إلى هذه المعادلة... سيموت هذا الزواج في مهده قبل أن يُعقد.تعلقت نظرات سهيل الحارقة والمثقلة بالترقب بوجهها، منتظرًا إجابتها الحاسمة.رسمت رهف اب
في أعراف الرجال، سواء أكان الأمر يتعلق بخطف حبيبة صديقك، أم ملاحقة حبيبته السابقة، فكلاهما يعد تصرفًا دنيئًا يفتقر لأدنى درجات المروءة.لو كان قد نجح في الظفر بها حقًا، لربما لم يكترث لثرثرة الناس وتهامسهم، لكن المشكلة هنا أنه لم يظفر بها، مما جعل من افتضاح الأمر الآن ضربةً قاصمة لكبريائه.كان هذا من الأسرار التي يُفضل دفنها في جوفه إلى الأبد، ولن يجرؤ على الاعتراف بها علانيةً.ولإنقاذ كرامته، لم يجد ساهر مفرًا من ابتلاع كبريائه واستخدام اللقب الذي فرضه عليه سهيل: "لقد كنت برفقة زوجة صديقي لإنجاز بعض الأعمال المتعلقة بالقضية." ثم تابع نسج كذبته: "أعتقد أن سهيل وحبيبته كانا يتشاجران في اليوم السابق، وكانت المشاعر محتدمة بينهما، وحين تقاطعت طرقنا، اندفع سهيل بتهور وقطع الشارع دون انتباه للسيارات، فتعرض للحادث."وما إن أتم ساهر تبريره، حتى انهارت خطة ابن عم سهيل تمامًا، فاكتسى وجهه بملامح في غاية البشاعة والإحراج، وتجمدت ابتسامته الخبيثة على شفتيه تدريجيًا، ثم رفع فنجان الشاي وتظاهر بالشرب ليداري حرجه وقال: "يبدو أنني سمعت الخبر على نحو خاطئ."ورغم أن هذه الكذبة قد بددت التوتر في الأجواء،
تحت أنظار الجميع، مدّ سهيل يده إلى كأسه، ورفعه ثم شربه دفعةً واحدة حتى آخر قطرة.اختار أن يعاقب نفسه بشرب الخمر بدل أن يقبّل أيًّا من الحاضرات.ضحك الآخرون.رمت ميسم المنديل بضيق وقالت غاضبة: "سهيل، أنت حقًّا ممل... ممَّ تخجل؟"أطلق سهيل زفرة ثقيلة وكأنّه يهدّئ أثر الشراب.استمرت اللعبة، وبعد عدة جو
كانت السنوات الأربع التي قضتها رهف الحسيني إلى جانب سهيل الصالح أسعد وأجمل الأوقاتِ في حياتها. وبعد الانفصال...بكت خمس سنوات.لم تكن تبكي كل يوم، لكن ما إن يخطر سهيل ببالها حتى تشعر كأن مطرًا كئيبًا يهطل في قلبها، رطوبة خانقة، وضيق يلفّ صدرها، فتبتلّ عيناها بالدموع.لم يخطر لها يومًا أنها ستلتقيه م
في اليوم التالي.بعد أن أنهت رهف عملها، أمسكت هاتفها وأرسلت رسالة إلى غيداء: "غيداء، هل استيقظتِ؟""استيقظت.""كيف حالكِ مع جواد؟""تحدثنا، وقد تنازل، وسيُقام الزفاف في موعده.""آسفة يا غيداء، لديّ قضية مهمة جدًا، وربما أسافر الشهر القادم، لن أتمكن من أن أكون وصيفتك... هل يمكنكِ أن تسامحيني؟""أجمل
شعرت رهف بالخوف حقًا.في المرة الماضية، وفي فندق يعجّ بالناس، استطاع أن يتصرف معها بقسوة.والآن... في الساعة الثانية فجرًا، في ممرّ شقة هادئ خالٍ، لم تكن تعلم كيف سيتصرف معها.قالت بصوت مرتجف، وهي تلتصق بالباب كأنها مستعدة لطلب النجدة في أي لحظة: "أنا... لم أكن أعلم أنك ستأتي أيضًا... لم أقصد الظهور







