تسجيل الدخولأتمت رهف تسوية ملفات والدها، ونجحت في انتزاع أكبر قدر ممكن من التعويضات الحكومية، كما قسّمت أموال تعويضات الهدم ومنحت شقيقها نصيبه منها. وما إن رتبت كل هذه الأمور وأنجزتها على أكمل وجه، حتى كان شهر مايو قد أطلّ بقدومه.لقد انقضى عشرون يومًا منذ آخر لقاء جمعها بسهيل.ورغم أنهما لم ينقطعا عن التواصل يوميًا، سواء عبر مكالمات الفيديو أو رسائل الواتساب، إلا أن لوعة الشوق ظلت تنهش قلبها.لم تسعَ هذه المرة لتدبير مفاجأة مباغتة كما فعل سهيل سابقًا، بل حجزت تذكرة الطيران وأخبرته مسبقًا بموعد عودتها.يسود مدينة السرايا طقسٌ معتدل ويبعث على الراحة في شهر مايو.كانت رحلتها مجدولة عند منتصف نهار يوم العطلة الأسبوعية.استيقظ سهيل باكرًا، ونظف الغرفة حتى باتت تلمع من النظافة ولا تشوبها شائبة. بدّل أغطية السرير بأخرى ذات ألوان مبهجة وزاهية، ثم قطف بعض الزهور النضرة من الحديقة ونسقها في مزهرية على طاولة زينتها.وقرابة الظهيرة، اعتنى بهندامه وتأنق بشكل استثنائي، وحمل باقة زهور نسّقها بنفسه، متجهًا نحو الباب لاستقبال رهف.وحين همّ بالخروج من غرفته مرورًا بصالة المعيشة، صادف مريم وهي تدخل من الباب الرئيسي
انقضت أيام إجازته الثلاثة، ولم يفارق فيها أحدهما الآخر لحظة واحدة.ومع ذلك، مر الوقت بسرعة البرق، وكأنه انقضى في غمضة عين.تشاركا وجبات الطعام، وتجولا في الأسواق، وتعانقا بحرارة، وغرقا في النوم معًا... لكن ذلك لم يمنع الفراق من أن يحين موعده.وهذه المرة، جاء دورها لترافقه إلى المطار وتودعه.وقفت رهف أمام بوابة الصعود إلى الطائرة، وقد امتلأت عيناها بدموعٍ لامعة. دست إحدى يديها في جيب معطفها الخفيف، بينما تشبثت بالأخرى بخنصر سهيل. أطرقت رأسها في صمت مطبق، بينما توالت نوبات الألم في صدرها واجتاحتها لوعة الفراق."ما الخطب؟" سألها سهيل، وبسبب فرق الطول الكبير بينهما، عجز تمامًا عن رؤية وجهها المطأطئ.اكتفت رهف بهز رأسها نفيًا دون أن تجيبه، ودون أن ترفع عينيها نحوه."أنا مُستعد للصعود الآن، فهل لديكِ ما تريدين قوله لي؟"أخفضت رأسها أكثر، وواصلت هز رأسها بالنفي.خفض سهيل بصره ليراقب يدها التي راحت تتأرجح ببطء وهي متشبثة بإصبعه، فبدت كطفلة صغيرة تكتم استياءها.انحنى ليختلس النظر إلى وجهها، ففوجئ بعينيها المحمرتين والدموع التي تترقرق فيهما.أشاحت بوجهها لتتهرب من نظراته.دب الذعر في قلب سهيل، ف
ارتشف سهيل الحساء حتى آخر قطرة، ثم وضع ملعقته جانبًا. سحب منديلًا ورقيًا ليمسح شفتيه، وتناول رشفة من الماء الدافئ، قبل أن يجلس قبالتها يراقبها وهي تأكل.كانت تتناول طعامها برقة وتمهل، مستمتعة بكل لقمة بهدوء ورقي.رفعت رهف عينيها نحوه وسألته: "أتود المزيد؟""لقد شبعت.""إذن سأسرع قليلًا." قالتها رهف وهي تلتقط كمية كبيرة من المعكرونة لتضعها في فمها.ابتسم سهيل بحنان وقال: "كلي على مهلكِ، فلا داعي للعجلة."أبطأت رهف وتيرتها مجددًا.استرجع سهيل أحداث الليلة الماضية، وبعد صمت قصير، سألها: "لم تتناولي الدواء يا رهف، أليس كذلك؟"أبقت رهف رأسها مطأطئًا نحو وعائها، وأجابت بهدوء تام: "لم أتناوله."اكتسى صوته بمسحة من الذنب: "أنا آسف. لقد جئت بالأمس على عجل ونسيت إحضار الواقي، ولم يكن لديكِ شيء هنا، لذا...""لا بأس." قاطعته رهف برباطة جأش وثبات، ثم تابعت: "إن حدث حمل، فلا أمانع الانجاب."تسمّر سهيل في مكانه مذهولًا، وراح يحدق فيها في صمت مطبق.رهف الماثلة أمامه ما زالت رهف؛ قوامها الممشوق وملامحها الفاتنة لم تتغير، وصوتها العذب ينساب كرنين الأجراس كما عهده، وحتى طباعها الهادئة والمتحفظة كما هي.ل
في شهر أبريل، كان الطقس في مدينة الوادي بديعًا وساحرًا.أشرقت شمس الصباح دافئة تبعث على الاسترخاء، وبدا المناخ معتدلًا ولطيفًا. دبت الحياة في كل زاوية، حتى أن المساحات الخضراء خارج المجمع السكني اكتست بلون زاهٍ يسر الناظرين.فتحت رهف باب غرفتها بخفة وحذر، وتسللت إلى الخارج قبل أن تغلقه خلفها بصمت تام.رفعت يديها لتجمع خصلات شعرها وتربطها إلى الخلف، ثم سارعت بخطواتها نحو المطبخ.وما إن أحكمت ربط شعرها، حتى عقدت مئزر الطبخ حول خصرها، وأخرجت كيس الدقيق من الخزانة.كانت قد أرسلت رسالة للخادمة تمنحها فيها إجازة مدفوعة الأجر ليومين، لتتولى هي مهمة إعداد الإفطار هذا الصباح.وبجديةٍ تامة، راحت تتبع خطوات وصفة شاهدتها على الإنستجرام؛ فعجنت الدقيق، ثم غطّته وتركته جانبًا مدةً قبل أن تفرده بالمرقاق 'النشابة'، وتقطعه إلى شرائط طولية رفيعة.وبعد أن فرغت من تجهيز المعكرونة، شرعت في غسل الخضار وتقطيع اللحم، ووضعت الماء على النار ليغلي استعدادًا لسلق المعكرونة.سبق لها أن أعدت المعكرونة لسهيل في الماضي، لذا لم تخلُ رهف من الخبرة. غير أن سنوات طويلة قد انقضت منذ ذلك الحين، مما جعلها تعتمد كليًا على مقط
خفض سهيل بصره ليتأمل رأسها الفاحم المستقر على صدره، ثم رفع يده برفق ليتحسس وجنتها، ورفع وجهها إليه. لم يطق الانتظار ولو لثانية واحدة، فهوى بشفتيه على شفتيها ليروي ظمأ أشواقه.وبادلته رهف القبلة بحرارة وشغف.كانت قبلته عميقة وعاصفة، وكأنه يود أن يفرغ فيها كل قطرة من حنين أربعة أشهر كاملة.وفي غمرة هذه القبلات، وحين بلغ الشغف ذروته، تذوق سهيل ملوحة الدموع عند زاوية شفتيها.تسمّر في مكانه، وابتعد عن شفتيها ببطء، ثم أمسك بوجهها بين كفيه، وطأطأ رأسه ليرى وجنتيها المتوردتين وقد غسلتهما الدموع. كانت مغمضة العينين، وقطرات الدمع ما زالت عالقة على أهدابها الطويلة، لتبدو فاتنة برقتها، تثير في النفس لوعة وحنانًا لا يقاوم.وبأنفاس لاهثة، همس سهيل بصوت رقيق: "لِمَ البكاء؟ ألست سعيدة؟"ارتسمت على شفتي رهف ابتسامة عذبة، وفتحت عينيها ببطء لترمقه بنظرات تفيض رقة وحنانًا، وبدت عيناها كبحيرة صافية وهي تقول: "أنا أبكي من فرط سعادتي، ومن شدة شوقي إليك. لقد كانت آخر رسالة منك قبل يومين، وظهورك المفاجئ أمامي الآن مفاجأة تفوق الوصف."ابتسم سهيل بارتياح، وبأنامله مسح الدموع عن وجهها برفق قائلًا: "مبارك لكِ كسب
وما إن فتحت رهف الباب، حتى تسمّرت في مكانها وكأن صاعقة قد ضربتها، وراح قلبها يقرع بجنون يكاد يحطم ضلوعها.وقفت تحدق بصمت في الرجل الماثل أمامها، قابضًا بيده على مقبض حقيبة سفره.كان يرتدي قميصًا أسود وسروالًا باللون ذاته، أبرزا طول قامته وبنيته الممشوقة. ورغم ملامح الإرهاق التي كست وجهه الوسيم، إلا أن شعره القصير كان مرتبًا، وعينيه السوداوين السابرتين كانتا تتلألآن كنجوم السماء، تفيضان ببريق يمتزج فيه الشوق العارم بلهفة اللقاء، بينما ارتسمت على زوايا شفتيه ابتسامة رقيقة وحانية.أربعة أشهر من الفراق، بدت دهرًا بأكمله.تدافعت أمواج الشوق في تلك اللحظة لتغمر رهف بالكامل، فسرت قشعريرةٌ في جسدها، وتسارعت نبضات قلبها، واغرورقت عيناها بالدموع في لمح البصر، حتى انعقد لسانها وعجز عقلها عن استيعاب المفاجأة.تلاقت أعينهما، فتحدثت لغة العيون بما تعجز عنه الكلمات.لم ينبس أي منهما ببنت شفة، وساد الهدوء في الفضاء بينهما، لكن صخب الشوق ولوعة الحنين ضجا في الأرجاء، وكأن العالم بأسره قد اهتز لوقع هذه المفاجأة المذهلة.أفلت سهيل مقبض الحقيبة، وبسط ذراعيه نحوها.اندفعت رهف نحوه وعيناها تفيضان بالدموع لتر
في اليوم التالي.بعد أن أنهت رهف عملها، أمسكت هاتفها وأرسلت رسالة إلى غيداء: "غيداء، هل استيقظتِ؟""استيقظت.""كيف حالكِ مع جواد؟""تحدثنا، وقد تنازل، وسيُقام الزفاف في موعده.""آسفة يا غيداء، لديّ قضية مهمة جدًا، وربما أسافر الشهر القادم، لن أتمكن من أن أكون وصيفتك... هل يمكنكِ أن تسامحيني؟""أجمل
شعرت رهف بالخوف حقًا.في المرة الماضية، وفي فندق يعجّ بالناس، استطاع أن يتصرف معها بقسوة.والآن... في الساعة الثانية فجرًا، في ممرّ شقة هادئ خالٍ، لم تكن تعلم كيف سيتصرف معها.قالت بصوت مرتجف، وهي تلتصق بالباب كأنها مستعدة لطلب النجدة في أي لحظة: "أنا... لم أكن أعلم أنك ستأتي أيضًا... لم أقصد الظهور
في المستشفى.دفعت رهف الرسوم، وخرجت وهي تحمل الإيصال.لحق بها عز وأمسك بذراعها: "هل فكرتِ في الاقتراح الذي طرحته عليكِ سابقًا؟"نفضت رهف يده بغضب، واستدارت تحدّق فيه: "هل أنت مريض؟"اسودّ وجهه من الغضب، وشدّ فكه، ووضع يديه على خصره بتعالٍ، وكأنها تدين له بشيءٍ ما: "رهف، فقط تزوجيني، وسأتنازل عن تعوي
أمسك سهيل معصميها اللذين كانا يقاومان، وثبّتهما بقوة فوق رأسها على الحائط.راح يقبّلها بجنون، كوحشٍ فقد السيطرة.لم تعد رهف قادرة على التحمل، فانهمرت الدموع من عينيها المغمضتين تنساب ببطء.لم يكن ينوي التوقف إطلاقًا.لم تعد تتحمّل، فعضّت شفته بقوة."آه..." شعر بألم حاد، فابتعد عن شفتيها.سهيل الذي ك







