ANMELDENبدأ الأمر بشيء تافه: لون المفارش على الطاولات.جلست إيلينا ونسرين في صالة الزفاف الفارهة، أمامهما عينات قماش بألوان متدرجة من الأبيض إلى العاجي، بينما كانت منظمة الحفل تنتظر قرارهما بصبر متكلّف."العاجي أدفأ." قالت نسرين للمرة الثالثة. "يليق بموسم الخريف.""لكن الأبيض النقي يعكس بساطة الفستان بشكل أفضل." ردت إيلينا وهي تفرك عينيها المتعبتين. كانت قد استيقظت منذ الخامسة صباحًا بسبب كابوس لم تتذكر تفاصيله، لكنه ترك أثرًا من القلق المعلّق في صدرها طوال اليوم."إيلينا، هذا قرار بسيط." قالت نسرين بضحكة محاولة تخفيف الجو. "لماذا تبدين متوترة هكذا؟""لا أعرف." اعترفت إيلينا أخيرًا، ووضعت العينات جانبًا. "كل شيء يسير بسلاسة أكثر مما توقعت. مارتن وقّع، أمه ستُحاكم بعيدًا عنا، أدريان طلب يدي من أمي، الفستان جاهز... أشعر وكأنني أنتظر شيئًا يُفسد كل هذا."توقفت نسرين عن الابتسام، وجلست بجانبها بجدية مفاجئة."إيلينا، اسمعيني." أمسكت يدها. "أنتِ تعيشين منذ خمس سنوات في حالة ترقب دائم لضربة قادمة. هذا ليس حدسًا، هذا أثر. جسدك وعقلك تعلّما أن السعادة مؤقتة، وأن العاصفة دائمًا قادمة.""تقصدين أن الأمر
وقفا أمام باب شقة الفندق في التاسعة صباحًا، وإيلينا تحمل باقة زهور صغيرة اشترتها في طريقهما، بينما كان أدريان يعدّل ربطة عنقه للمرة الثالثة بعصبية غير معتادة. "لماذا أنتَ متوتر هكذا؟" سألته بضحكة خفيفة. "أنت من واجه مجالس إدارة ومحاكم ورجال يهددون بتدميرك، وها أنت ترتجف أمام باب فندق." "لأن أمك ليست مجلس إدارة." تنهد. "هي المرأة التي ستقرر إن كنتُ أستحقك أم لا." طرقت إيلينا الباب، وفُتح بعد ثوانٍ عن امرأة نحيلة في الستينيات، شعرها أبيض مجعد، ووجهها المتجعد ينضح بدفء رغم التعب الواضح عليه. بمجرد أن رأت إيلينا، انفتحت ذراعاها. "حبيبتي!" احتضنتها إيلينا بقوة، وبكت الاثنتان قليلًا من الفرح، قبل أن تتراجع الأم لتنظر إلى أدريان الواقف بأدب خلف ابنتها. "إذن أنتَ الرجل الذي أعاد الابتسامة إلى وجه ابنتي." قالتها بنبرة فاحصة، لكن عينيها كانتا تلمعان بدفء. "سيدتي." انحنى أدريان قليلًا باحترام. "يشرفني أن ألتقيك أخيرًا." دخلوا الغرفة الصغيرة الأنيقة، وجلسوا حول طاولة صغيرة بينما أعدت الأم الشاي بيديها المرتجفتين قليلًا من العمر. "إيلينا أخبرتني بكل شيء عبر الهاتف." قالت الأم وهي تصب الش
جلست إيلينا أمام مرآة كبيرة في محل فساتين الزفاف الفاخر، ونسرين تدور حولها بحماس لا يهدأ."هذا!" أشارت نسرين إلى فستان دانتيل أبيض بذيل طويل. "جربي هذا بعده.""جربتُ خمسة فساتين بالفعل يا نسرين." ضحكت إيلينا وهي تحاول التقاط أنفاسها من الركض بين غرف القياس."والسادس سيكون هو المثالي. أشعر بذلك."ساعدتها البائعة على ارتداء الفستان السادس، وحين استدارت إيلينا لتواجه المرآة، صمتت فجأة.كان الفستان بسيطًا نسبيًا مقارنة بالباقي، بلا زخارف مبالغ فيها، قماش حريري ينسدل بنعومة حول جسدها، وأكمام طويلة شفافة مطرزة بخيوط فضية دقيقة تشبه ضوء القمر."إيلينا." همست نسرين، وعيناها امتلأتا بالدموع فجأة. "هذا هو."نظرت إيلينا إلى انعكاسها طويلًا. لم تكن هذه المرأة التي وقفت أمام مرآة أخرى قبل خمس سنوات، ترتدي فستانًا اختارته حماتها دون أن تُستشار، وتبتسم ابتسامة مُجبرة لكاميرا لم تكن تعرف أنها ستوثق بداية سجنها.هذه المرأة في المرآة كانت مختلفة. عيناها فيهما ضوء لم تعرفه من قبل."أريد هذا." قالت بصوت واثق. "بلا تردد."في المساء، جلست مع أدريان على أرضية الشقة الصغيرة، محاطين بأكوام من الكتالوجات وقوائ
في صباح اليوم التالي، جلست إيلينا مع سليم في مكتبه، وأمامهما ملف رقيق بعنوان: "دعوى فسخ الزواج - إيلينا / مارتن". "لم أفكر في هذا حتى الآن." قالت إيلينا وهي تقلّب الأوراق. "كل ما حدث كان عن العنف، والابتزاز، والمحكمة الجنائية. نسيتُ تمامًا أنني لا أزال، من الناحية القانونية..." "زوجته." أكمل سليم بهدوء. "نعم. الإدانة الجنائية لا تنهي الزواج تلقائيًا. تحتاجين إلى حكم طلاق منفصل، وقد قدّمتُ الطلب باسمك قبل أسابيع، لكن العملية توقفت." "لماذا؟" "لأن مارتن يرفض التوقيع على أي تسوية." فتح سليم صفحة أخرى. "من داخل السجن، وكّل محاميًا جديدًا، ويصرّ على المماطلة في كل إجراء. لا يطلب المال، ولا يطلب شيئًا محددًا. فقط يرفض ويؤجل." جمدت إيلينا. "لماذا يفعل هذا؟ لقد أُدين. سيقضي عشر سنوات. ما الذي يستفيده؟" "ربما لا يريد أن يستفيد شيئًا." قال سليم بهدوء. "ربما يريد فقط ألا يمنحك الحرية الكاملة، طالما هو محروم منها." عادت إيلينا إلى المكتب حيث كان أدريان ينتظر، ووجهها يحمل خبرًا لم تكن تريد أن تحمله في يوم كان من المفترض أن يكون بداية احتفال. "أدريان." جلست أمامه. "لا يمكننا تحديد موعد الز
لم يعودا إلى الشقة تلك الليلة. بدلًا من ذلك، اتصل أدريان بنسرين وكريم ووسام، وطلب منهم جميعًا اللقاء في مطعم صغير هادئ اختارته إيلينا بنفسها، بعيدًا عن أي كاميرات أو أضواء.وصلت نسرين أولًا، ولاحظت الخاتم في اللحظة التي جلست فيها إيلينا، فصرخت صرخة صغيرة جذبت انتباه الطاولات المجاورة."لا! لا! متى؟ كيف؟ لماذا لم تخبريني فورًا؟""حدث اليوم فقط." ضحكت إيلينا وهي تخفي وجهها المحمر بيديها. "على درج المحكمة، أمام الجميع.""على درج المحكمة؟" رفعت نسرين حاجبيها. "من هذا الرجل الذي يطلب الزواج أمام قاعة محكمة بدل شاطئ رومانسي؟""رجل لا ينتظر اللحظة المثالية." قال أدريان وهو يجلس بجانب إيلينا، ذراعه حول كتفها. "لأنه تعلّم أن أجمل اللحظات تأتي وسط الفوضى، لا رغمًا عنها."وصل كريم بعده، يمشي ببطء بسبب الجرح الذي لا يزال يتعافى، لكن ابتسامته كانت واسعة حين رأى الخاتم."أخيرًا." قال وهو يجلس بحذر. "بدأتُ أظن أنني سأحتاج إلى طعنة أخرى لأدفعكما نحو هذا القرار."ضحك الجميع، حتى أدريان سمح لنفسه بابتسامة صادقة نادرة."شكرًا لك." قال أدريان بجدية مفاجئة. "لن أنسى ما فعلته.""دعنا لا نتحدث عن ذلك الليلة
جاء يوم محاكمة مارتن بعد ثلاثة أسابيع من الهدوء النسبي.جلست إيلينا في الصف الأول من قاعة المحكمة، بفستان رمادي بسيط، ويد أدريان تمسك يدها بثبات. خلفهما جلس وسام، بصفته محاميًا، متطوعًا لمراجعة كل تفصيل قانوني في القضية رغم أنه ليس جزءًا من فريق الدفاع الرسمي.أُدخل مارتن مقيّد اليدين، بملابس مدنية بسيطة بدل بذلته الأنيقة المعتادة. بدا أنحف، وشعره غير مصفف كعادته، لكن عينيه حين وقعتا على إيلينا احتفظتا بذلك البريق البارد نفسه.لم تنظر بعيدًا. نظرت إليه مباشرة، بلا خوف هذه المرة.قرأ القاضي التهم: إيذاء جسدي متكرر، تهديد وابتزاز، مخالفة أمر ابتعاد قضائي، والتورط في التخطيط لعملية طعن أدت إلى إصابة خطيرة.وقف محامي مارتن وحاول تخفيف التهم، مستندًا إلى "حالة نفسية صعبة" و"غيرة زوج مخدوع"، لكن سليم كان قد جهّز كل الأدلة بدقة: صور الكدمات الموثقة طبيًا، تسجيل اعتراف طارق، وشهادة كريم من فراش المستشفى.حين جاء دور إيلينا للإدلاء بشهادتها، وقفت ببطء، وشعرت بيد أدريان تترك يدها للحظة، إشارة صامتة أنه هنا، خلفها، مهما حدث.مشت إلى منصة الشهود، ووضعت يدها على الكتاب المقدس، وأدت القسم بصوت ثابت







