تسجيل الدخول---
*الفصل الخامس: "أول صباح في الجنة"*
فتحت بسمه عينيها ببطء، على غير عادتها. عادة كانت تصحو مفزوعة، قلبها يدق من الخوف، وأول ما تفتح عينيها تبحث عن هاتفها لتطمئن على أمها.
لكن هذه المرة... لم تجد خوفاً.
وجدت دفئاً.
كانت نائمة على سرير ضخم، مرتبته تغوص بها كالغيم. الغطاء الذي التف حولها كان صوفاً ناعماً، ورائحته... رائحته هو. رائحة العطر الرجولي الثقيل ممزوجة برائحة الأمان.
رفعت عينيها. الغرفة كلها زجاج، وأشعة الشمس الصباحية الذهبية تخترقها وترسم خطوط نور على الأرضية الرخامية السوداء. القاهرة كلها تحتها، لكنها شعرت أنها في عالم آخر.
وفجأة، سمعت صوتاً.
"صحي النوم يا قمر."
انتفضت واعتدلت في مكانها بفزع. عند الباب كان واقفاً.
سليم.
لكنه لم يكن سليم ليلة أمس. ليلة أمس كان وحشاً ببدلة سوداء ومسدس. أما الآن...
كان يرتدي بنطالاً رياضياً رمادياً منخفضاً على خصره، وتيشيرت أسود بلا أكمام كشف عن ذراعين محفورين بالعضلات، ووشم غامض على كتفه الأيسر. شعره مبلل كأنه خرج من الحمام تواً، وخصلة منه على جبهته.
وفي يده... صينية فطار.
قلب بسمه دق بعنف. الراجل ده جاب رعب الدنيا كلها امبارح، والنهاردة واقف بشورت وفانلة وبيعمل فطار؟
سليم دخل وابتسم ابتسامة خفيفة، أول ابتسامة حقيقية تراها منه. ابتسامة دمرت كل دفاعاتها:
"صباح الخير يا بسمه. عارف إنك بتصحي الساعة 8 بالظبط، ومعدتك بتوجعك لو مفطرتيش. عملتلك اللي بتحبيه... توست بالعسل الأبيض، وكوباية لبن، وموز. عشان الموز بيهدي معدتك."
وضع الصينية على الكومود، وجلس على طرف السرير بعيداً عنها، يحترم مساحتها رغم أن عينيه كانت تأكلها بعشق.
بسمه جمعت الغطا على صدرها بخوف: "إنت... إنت ليه بتعمل كده؟ أنا محبوسة هنا."
سليم هز راسه وغمض عينيه بألم: "محبوسة؟ يا ريتني أقدر أحبسك جوا قلبي وارمي المفتاح يا بسمه. إنتي مش محبوسة هنا... إنتي حرة. الباب مفتوح، المصعد شغال ببصمة صباعي، ولو قولتيلي عايزة تمشي... همشيكي بنفسي."
بسمه استغربت: "بجد؟ هتسيبني أمشي؟"
سليم رفع عينيه ليها، وعينيه السودا كانت بتلمع بوجع: "هسيبك تمشي... بس رجلي هتتكسر قبل ما أسيبك تروحي لحد يأذيكي. أمشي يا بسمه، بس أوعديني إنك هترجعيلي برجليكي. عشان من غيرك... الشقة دي هتبقى خراب."
مد إيده ببطء، وأخد منها خصلة شعر واقعة على وجهها، ووضعها ورا أذنها بصوابع مرتعشه:
"بصي يا بسمه... أنا عارف إني وحش، وإني قاتل، وإني مجنون. بس قدامك أنا ولا حاجة. عايزك تاكلي، وتنامي، وتضحكي، وتعيشي. عايز أسمع صوت ضحكتك في الشقة دي. دي أول مرة الشقة دي تسمع صوت بني آدم غير صوت الرصاص."
بسمه مسكت كوباية اللبن وشربت منها، ودموعها نزلت في الكوباية من غير صوت. سليم شاف الدمعة، فكه اتحجر وقام مرة واحدة:
"بتبكي ليه؟ قوليلي أعمل إيه ومش هتأخر. عايزة تكسري الصينية؟ اكسريها. عايزة تضربيني؟ اضربيني. بس متعيطيش."
بسمه هزت راسها وهي بتعيط: "أنا مش فاهمة... إنت بتخوفني وحنين عليا في نفس اللحظة. إنت عايز إيه مني بالظبط؟"
سليم قرب منها خطوة واحدة بس، ووطى براسه لحد ما بقى في مستوى عينيها وهو قاعد على الأرض:
"عايزك تصدقيني يا بسمه. عايزك تبصي في عيني وتلاقي راجل، مش وحش. عايزك تديلي فرصة أوريكي إن قلبي اللي الناس كلها بتخاف منه... بين إيديكي إنتي بقى طفل صغير."
سكت ثانية، وهمس: "كلي يا قلبي. ولو عايزة تستحمي... الحمام فيه كل حاجة، والفوط بتاعتك أنا جايبها من بيتك امبارح عشان ريحتك متتغيرش."
بسمه بصتله بصدمة: "إنت دخلت شقتي؟"
سليم نزل عينيه بخجل لأول مرة في حياته: "آه... عشان أجيبلك هدومك، ولعبك القديمة، وصورة أمك اللي على الكومود. مقدرتش أسيب أي حاجة من ريحتك هناك."
في اللحظة دي، بسمه فهمت. الوحش ده... مش وحش عليها هي. الوحش ده بني آدم ميت... وهي اللي صحيته.
---
بقلم اسماء عدلى
---*الفصل الثامن عشر: "رد الجميل"*مر يومين وسليم حاله بقى أحسن. السخونية نزلت والجرح قفل شوية بفضل تمريض بسمه اللي 24 ساعة صاحية جنبه.اليوم التالت، سليم صحي لقاها نايمة على الكرسي جنبه، راسها مايلة ووشها مرهق وتحت عينيها اسود من السهر.قلبه وجعه عليها أكتر من جرحه. حاول يقوم بالراحة، كل حركة كانت بتوجعه بس استحمل.سند على الحيطة ووصل للحمام غسل وشه، ولبس تيشرت واسع عشان يداري الشاش. ثم دخل المطبخ الصغير يتسند على الرخامة.*سليم*: "وهو بيكلم نفسه بصوت واطي" ... "الست دي سهرت عليا يومين... دوري أنا بقى أدلعها."عملها أحلى كوباية كاكاو باللبن والعسل زي ما بتحبه، وقطع جنبه شوكولاتة. حط كل حاجة على صينية صغيرة وشالها بالدراع السليم وهو ساند ضهره على الحيطة عشان ميقعش.رجع الأوضة وحط الصينية على الترابيزة جنبها، ثم قعد على الأرض عند رجل الكرسي بتاعها. مسك إيديها الصغيرة وباسها براحة.بسمه اتحركت من النوم وفتحت عينيها، لقيته قدامها قاعد على الأرض وباصص لها بحب.*بسمه*: "مفزوعة" ... "سليم! إنت قومت؟ ليه قومت من مكانك؟ الجرح!"*سليم*: "مسك إيديها وحطها على خده" ... "ش... اهدي يا دكتورة. أنا
---*الفصل السادس عشر: "تدريب الوحش الصغير"*معداش 10 دقايق على ما الذئاب مشيوا، وسمع سليم صوت عربيات بتفرمل تحت في الجراج. صوت فهد من بره الباب الحديد بيصرخ:*فهد*: "غلطة عمرك يا سليم! الوحش اللي يسيب القطيع... القطيع بياكله!"سليم بص لبسمه ووشه كله جد: "قوم يا بسمه. مفيش وقت. هيهجموا."*بسمه*: "إيديها بتترعش" ... "هيقتحموا علينا؟"*سليم*: "لأ. أنا اللي هطلع أاكلهم قبل ما يقربوا منك."سحبها من إيديها ودخل بيها أوضة السلاح. فتح صندوق حديد وطلع منه مسدس صغير فضي لونه وردي.*سليم*: "خدي ده يا روحي. ده بتاعك من النهاردة."*بسمه*: "أنا عمري ما مسكت سلاح يا سليم!"*سليم*: "وأنا عمري ما هخلي حد يلمسك. بس لو أنا وقعت... لازم تعرفي تحمي نفسك."مسك إيديها الاتنين ولف صوابعها حوالين المسدس. وقف وراها ولزق صدره بضهرها عشان يثبتها.*سليم*: "بصي يا قلبي. رجلك كده... ضهرك كده... عينك على الهدف. نفس عميق... وطلعي الرصاصة."علمها إزاي تفك الأمان وإزاي تصوب. وهو بيشرحلها كان بيبوس شعرها كل شوية عشان يهديها: "متخافيش، أنا ضهرك. اضربي في السقف لو خفتي، بس اوعي الرصاصة تيجي فيكي."فجأة الباب الحديد اتهز
---*الفصل الرابع عشر: "فطور المصاب"*استيقظ سليم على دفء غريب على صدره. فتح عينيه بتعب فوجد بسمه نائمة فوقه، رأسها على قلبه، وذراعها الصغير يطوق خصره كأنها تخشى هروبه حتى في منامها.ابتسم رغم الألم الذي كان ينهش كتفه مع كل نفس. حاول أن يتحرك ليغطيها، فأنّ أنّة مكتومة خرجت من صدره.بسمه فزّت من نومها في لحظة: "سليم! صحيت؟ بتوجعك؟"*سليم*: "بصوت ناعس" ... "لأ يا روحي. إنتِ اللي كنتي موجعاني... من كتر حلاوتك وأنا نايم."قبل رأسها وهو لسه نايم مكانه: "نمتي كويس؟"*بسمه*: "نمتي وأنا خايفة تسيبني. كل شوية كنت بمسك قميصك عشان أتأكد إنك هنا."سليم باس إيديها: "عمري ما هسيبك. قومي يا عروسة اغسلي وشك، وأنا هعملك فطار."*بسمه*: "إنت اتجننت؟ كتفك متصاب! اقعد مكانك وأنا اللي هعمل."*سليم*: "لو معملتلكيش فطار بإيدي وأنا مصاب، هعملهولك إمتى؟ اقعدي يا بسمه. ده أمر."زق نفسه بالدراع السليم وقام بصعوبة، وكل حركة كانت نار في كتفه. لكنه وقف ولبس روب أسود فوق قميصه عشان يداري الشاش والدم.دخل المطبخ الصغير وبدأ يتحرك ببطء. كل ما يمد إيده المصابة يصر على سنانه ويكمل.بسمه واقفة في الباب بتعيط من غير صوت:
---*الفصل الثالث عشر: "تمرجي الوحش"*انحرفت السيارة المصفحة داخل جراج مهجور تحت الأرض في منطقة نائية. أوقفها سليم بقوة، وأنفاسه تتقطع من الألم الذي كان يخفيه طوال المطاردة.ما إن أوقف المحرك، حتى انهار بجسده على المقود. الرصاصة التي صدها الجاكيت الواقي تركت كدمة زرقاء عملاقة وجرحاً مفتوحاً في كتفه.بسمه فتحت الباب بفزع وجرت ناحيته: "سليم! سليم رد عليا!"*سليم*: "بصوت مبحوح" ... "إهدي يا قلبي... أنا كويس. أهم حاجة إنتي بخير."خلع الجاكيت الواقي بصعوبة، وسال الدم على قميصه الأبيض فاصطبغ بالأحمر. بسمه شهقت ودموعها نزلت بدون صوت.سحبها من إيدها ودخل بيها شقة صغيرة مخفية بابها ورا رف كتب في الجراج. الشقة كلها حديد ومصممة كملجأ. واضح إنها "بيت الأمان" بتاعه من زمان.رمى نفسه على الكنبة الجلد وعض على شفته عشان ميصرخش.بسمه جريت على الحمام وجابت مياه دافية وفوط وقطن. ركعت على الأرض جنبه وبدأت تمسح الدم من على كتفه وإيديها بتترعش.*بسمه*: "إنت مجنون؟ ليه وقفت قدام الرصاص؟ ليه؟"*سليم*: "عشان ضهرك يا بسمه. عشان لو الرصاصة جت فيكي هموت 100 مرة. أنا أستحمل، إنتي لأ."وهي بتطهر الجرح، كان بيبص في
---*الفصل الحادي عشر: "يوم العروسين"*استيقظت القاهرة على يوم مشمس، لكن برج الزمالك كان لا يزال تحت الحصار. بالداخل، قرر سليم أن يحول سجنهم المؤقت إلى جنة.منذ الصباح الباكر، منع بسمه من أن تلمس شيئاً. "إنتي عروسة، والعروسة مبتخدمش نفسها" هكذا قال وهو يطردها من المطبخ.أعد لها إفطاراً ثانياً، ثم جرّها إلى غرفة المعيشة بالقوة: "إقعدي يا هانم. النهاردة يومك."جلب من غرفته صندوقاً قديماً وفتحه. كان مليئاً بأشياء غريبة: ألوان، وورق رسم، وسماعات، وحتى علبة مناكير أحمر قانٍ.*بسمه*: "إيه ده كله؟ جبته منين؟"*سليم*: "من زمان يا بسمه. كنت بجمع أي حاجة ممكن تعجب بنات الناس. عشان في يوم أجيب اللي بحبها وادلعها بيها."جلس خلفها على الكنبة، وسحبها لتستند على صدره، ثم وضع السماعات في أذنيها وشغل أغنية هادئة. وبدأ يرسم على ورقة كبيرة.*بسمه*: "إنت بترسم إيه؟"*سليم*: "برسم مراتي وهي بتضحك من قلبها. عشان صورتك دي محفورة هنا" وطبع قبلة على صدغه.بعد الظهر، جلب علبة المناكير وجلس على الأرض عند قدميها: "هاتي رجلك يا عروسة."*بسمه*: "إنت اتجننت؟ قاتل الوردة السوداء هيعمل باديكير؟"*سليم*: "أيوه. واللي
وقف سليم على الباب دقيقتين كاملتين، جسده حاجز منيع بين العالم الخارجي وبينها. صوته وهو يتفاوض مع الضابط كان جليداً قاطعاً، لا مساومة فيه: "مراتي خط أحمر. عايزين تقتحموا؟ فوق جثتي. عايزين تتفاوضوا؟ استنوا لما تخلص فطار."وأخيراً، بعد شد وجذب، تراجع الضابط وقال من خلف الباب: "هننسحب مؤقتاً يا سليم... بس اعرف إننا راصدين كل حركة."أغلق سليم الباب بالمفتاح والترباس، ثم استند بظهره عليه وأغمض عينيه. كان صدره يعلو ويهبط من الغضب المكبوت. لكنه ما إن استدار نحوها، حتى ذاب الجليد من عينيه في لحظة.رآها واقفة مكانها، الصينية في يدها ترتجف، وعينيها مليئة بالدموع خوفاً عليه.في ثانية واحدة كان أمامها. سحب الصينية من يدها ووضعها على الكومود، ثم سحبها لحضنه بقوة حتى كادت ضلوعها تتكسر.*سليم*: "ش... بس يا روحي. بطلي عياط. أنا كويس، أهو قدامك. محدش يقدر يلمسني وإنتي معايا."دفن وجهه في عنقها واستنشق رائحتها كأنه يستمد منها الحياة. يداه تمسح على ظهرها بحنان يمحي كل رعب مرّت به.*بسمه*: "كنت هموت من الخوف عليك... صوتهم كان يرعب."*سليم*: "وأنا كنت هموت لو دمعة واحدة نزلت من عينك بسببي. تعالي هنا."حمله







