LOGINالفصل 433في تلك اللحظة، اضطرب شيء خفي في عيني يعقوب الهادئتين.كان التغير طفيفًا، بالكاد يُلاحظ، لكنه لم يخفَ عن ليان. لأول مرة منذ أن دخلت المكتب، شعرت أن سكونه لم يكن نابعًا من اللامبالاة، بل من انتظارٍ صامت. وكأن في أعماقه أملًا صغيرًا بأن تحمل كلماتها القادمة شيئًا يخفف عنه ثقل الأيام الماضية.كانت على وشك أن تقول الحقيقة.كانت على وشك أن تخبره بأن وفاة إيفين لم تكن لها أي علاقة بها، وأنها لم تكن السبب في موتها، وأن الحادث لم يكن سوى مأساة خرجت عن سيطرة الجميع.لكن قبل أن تفتح فمها، عادت إلى ذاكرتها الرسالة التي تركتها لها إيفين.توقفت الكلمات في حلقها.شعرت بأن الطريق أمامها قد أُغلق فجأة.كانت الرسالة كافية لتضعها أمام حقيقة مؤلمة لم تكن تعرف كيف تواجهها، ولم تكن تعرف أيضًا كيف يمكنها أن تخبر يعقوب بها دون أن تزيد جرحه عمقًا.ارتجفت شفتاها.حاولت أن تتكلم، لكن صوتها خرج متقطعًا وضعيفًا:— أنا... أنا آسفة.تعلقت عينا يعقوب بها، وكأنه ينتظر بقية الجملة.ابتلعت ليان غصتها وقالت بسرعة، قبل أن تتراجع عن كلماتها:— لقد كان حادثًا... صدقني.ما إن قالتها حتى خفضت رأسها.لم تستطع مواجهة
الفصل 432حدّق يعقوب في جيمس لثوانٍ طويلة، وكانت عيناه جامدتين على نحوٍ أربك الرجل الواقف أمامه. ثم قال بصوتٍ أجشّ خرج مثقلاً بالإرهاق:— لقد نجا؟أومأ جيمس وأجاب بهدوء:— نعم، سيدي... لكنه لم يكن محظوظًا بما يكفي. السائق لم ينجُ.ساد الصمت للحظات.لم يتغير شيء في ملامح يعقوب، وكأن الخبر لم يصدمه، أو ربما كان قد استنزف من الحزن إلى درجة لم يعد معها قادرًا على إظهار أي رد فعل.قال ببرود:— نظّفوا الفوضى بالكامل. وعوّضوا عائلة السائق بسخاء.— حاضر، سيدي.انحنى جيمس قليلًا، لكنه لم يستطع أن يمنع الشعور الثقيل بالذنب من التسلل إلى صدره.كان الحادث مدبّرًا منذ البداية لاستهداف ميك وقتله، لكن الأمور خرجت عن السيطرة، وانتهى الأمر بإصابة رجل بريء ودفعه حياته ثمنًا لخطة لم يكن له أي ذنب فيها.ظلّ جيمس صامتًا لحظة، ثم قال بحذر:— وهناك أمر آخر يا سيدي... أعتقد أنه من الأفضل أن تقوم برحلة إلى الخارج لبعض الوقت، وتتفقد أوضاع الشركة بنفسك.رفع يعقوب عينيه إليه.— أجل.كانت إجابته قصيرة، باردة، خالية من أي اهتمام.لم يضف شيئًا، ولم يسأل عن التفاصيل، وكأن كل ما يحدث من حوله لم يعد يعنيه.كان وجهه سا
الفصل 431أصيب هارفي بالذهول للحظات عندما نفضت ليان يده عنها بعنف، وكأن مجرد لمسها بات يثير نفورها. كانت حركتها حادة إلى درجة جعلته يتراجع خطوة إلى الخلف.لكن ما أثار استغرابه أكثر هو ملامحها.كانت شاحبة بصورة مخيفة، ووجهها خاليًا من أي تعبير تقريبًا، حتى إن هارفي شعر بقشعريرة تسري في جسده وهو ينظر إليها.تردد قليلًا قبل أن يسأل بحذر:ـ «هل أنتِ بخير؟»لم تجبه.رفعت ليان عينيها إلى الساعة المعلقة على الجدار، ثم قالت ببرود شديد:ـ «أمامك دقيقتان.»ظل هارفي ينظر إليها غير مصدق.دقيقتان فقط؟وكأنها تمنحه مهلة لإنهاء حديثه قبل أن تطرده من حياتها تمامًا.فتح فمه، ثم أغلقه، عاجزًا عن استيعاب طريقتها.وبعد لحظات قال بانفعال:ـ «لا أعرف ما الذي فعله يعقوب، لكن أعمال البناء في البرج الذي استثمرت فيه توقفت بسبب مخالفات وعدم استيفاء المتطلبات. واضطررت إلى العودة إلى ساني سيتي بسبب ذلك، وهناك أخبروني أن يعقوب هو السبب!»اشتد غضبه، ولوّح بيديه بعصبية.ـ «كيف يمكن لإنسان أن يكون بهذه التفاهة؟! فقط لأنه غاضب مني، يقرر تعطيل مشروعي؟!»عندها فهمت ليان الأمر.لم تحتج إلى التفكير طويلًا لتعرف لماذا فعل
الفصل 430انزعج جيمس قليلًا من رد ليان.ففي نظره، لم تكن قد ارتكبت جريمة متعمدة، بل مجرد خطأ طبي مؤسف لم تقصد به إيذاء أحد. وكان يعتقد أن الحل أبسط مما تتخيل؛ كان عليها فقط أن تتحدث إلى يعقوب، وأن تمنحه فرصة لفهم ما حدث، وربما يتمكن الاثنان من إصلاح علاقتهما.لكنها، بدلًا من ذلك، كانت تتصرف وكأنها تستعد للانسحاب تمامًا.وبالنظر إلى البرود الذي أحاطت به نفسها، شعر جيمس أن علاقتهما قد تنهار في أي لحظة.ومع ذلك، كان هناك أمر واحد لا يمكن تجاهله...إنها والدة يعقوب التي ماتت.ولهذا لم يستطع أن يطلب منه أن يتجاوز الأمر بسهولة.تنهد جيمس بضيق، وقال:ـ «افعلي ما تشائين.»ثم استدار وغادر مسرعًا، محاولًا اللحاق بيعقوب.ظلت ليان واقفة مكانها للحظات، ثم التفتت إلى ميك.ـ «يجب أن تعود إلى مينيرفا.»رفع ميك عينيه إليها، وسأل بتردد:ـ «هل قالت إيفين ذلك أيضًا؟»توقفت ليان لحظة.فالحقيقة أن إيفين لم تقل ذلك قط.لكن ليان كانت ترى أن عودة ميك إلى ابنته هي الشيء الوحيد الذي يمكن أن يمنعه من الانهيار تمامًا.قالت بهدوء:ـ «أليست لديك ابنة؟ يجب أن تعود إليها.»رمش ميك بدهشة.هل كانت ليان تعرف بأمر ابنتهم
الفصل 429قال جيمس بصوت خافت وقد بدا واضحًا أن الكلمات تثقل لسانه:ـ «لقد استشرنا أكثر من أخصائي، وللأسف... الأمر صحيح… الطبيب الذي أجرى العملية للسيدة إيفين قطع عصبًا حيويًا عن غير قصد… جراحات الدماغ تنطوي دائمًا على مخاطر بالغة والحوادث قد تقع خصوصًا عندما لا يكون الجراح من أصحاب الخبرة الكبيرة في هذا النوع من العمليات.»ساد الصمت للحظات، ثم تابع جيمس بتردد:ـ «لقد تحققت من الأمر بنفسي وتبيّن أن العملية شارك فيها ستة أطباء ومتدربين من بينهم ستيفن والسيدة ليان… وجميعهم أكدوا النتيجة نفسها...»تلاشى صوته في آخر الجملة من دون أن يركز على ذكر اسمًا بعينه.لكن لم يكن هناك أي داعٍ لذلك.فالجميع فهم.قال آدم محاولًا تخفيف وقع الحقيقة:ـ «ربما كانت تحاول إنقاذ والدتك... لكن فتح الجمجمة ليس من تخصصها الأساسي وقد وقع حادث مؤسف أثناء العملية.»لم يصدر يعقوب أي رد… كان واقفًا أمام الجدار ذي الستارة، وظهره إليهما، ساكنًا بصورة مخيفة.لم يتحرك.لم يلتفت.ولم يقل كلمة واحدة.ولأول مرة، شعر جيمس وآدم أن الصمت قد يكون أكثر خطراً من الغضب نفسه.بقيا واقفين في مكانهما لا يعرفان ماذا يقولان أو كيف يمكن
الفصل 428تنفّس ستيفن ببطء، ثم ألقى نظرة سريعة نحو ميك الذي بدا في تلك اللحظة فاقدًا لاهتمامه بكل ما يحيط به من مظاهر أو حسابات… لم يعد يرى سوى إيفين المسجّاة أمامه كما لو ان العالم كله قد اختُزل في جسدها الساكن.قال ستيفن بنبرة خافتة تحمل شيئًا من الأسى والسخرية المريرة:ـ «هل سمعت ما قاله؟ بصراحة، إنه يجرح نفسه أكثر مما ينبغي أمام الصغار الآن...»لم تجبه ليان… لم تكن أصلًا لتوجد هنا لولا الرسالة التي أرسلتها إليها إيفين والآن لم يعد في قلبها متّسع للكلمات.رفعت عينيها نحو ميك وقالت بهدوء حاسم:ـ «على أي حال، لن ينجح التبرع بقلبك لها... فهي ماتت بالفعل… لذلك، أنا من سيتحمّل المسؤولية.»التفت ستيفن إليها بسرعة وحدّق فيها للحظات وكأنه لم يفهم ما سمعه.هل غيّرت رأيها بالفعل؟كان الأمر يحدث بسرعة تفوق قدرته على الاستيعاب.ـ «م... ماذا قلتِ؟»كررت ليان دون تردد:ـ «قلت إنني سأتحمّل المسؤولية.»تجمد ميك في مكانه، ثم نظر إليها بعينين امتلأتا بالذهول والألم.ـ «لستِ مضطرة إلى ذلك... أنانيتي هي التي قتلتها وأنا لا أريد أن أعيش بعد رحيلها… لا أريدك أن تضحّي بنفسك من أجلي...»تلعثم صوته وهو يحا
الفصل 6 رفع يعقوب حاجبه في هدوءٍ ينضح بالهيمنة فانعكس في عينيه بريقٌ بارد أشبه بحدّ السيف وقال بنبرةٍ تقطر تهديدًا مكبوتًا: «ماذا؟» انقبض فكّا زاكاري وصوت أسنانه يطحن صمت المكان ثم لفظ كلماته ببطءٍ متردّد: «لا بأس… سأتغاضى ما دام الأمر يتعلّق بسعادتك.» لم يزد يعقوب على ذلك سوى بنظرةٍ ومن ث
الفصل 5كان المساء يهبط ببطءٍ على المدينة يغمرها بظلالٍ بنفسجية تتداخل مع أنفاس الريح القادمة من البحر وبعد أن توقّفت السيارة عند بوابة المستشفى العسكرية كأنها نيزكٌ هبط للتو فترجّل زاكاري بخطوةٍ واثقة يلتفت إلى يعقوب الذي بقي في الداخل فزاكاري قد أتى برفقتهما بعد إلحاح من يعقوب لمقابلة ليان كي يشك
الفصل 4 أبقت ليان رأسها منخفضاً تحتمي من بقايا نظراته وسارت بخطًى مترددة نحو حقيبتها الطبية ورغم اضطراب قلبها ظلّ صوتها ثابتاً يحمل رصانة الطبيب الذي لا يفرّق بين مريضٍ وعدو: «إيّاك أن تدع الغُرز تلامس الماء وضع المطهّر مرّة في اليوم وارتدِ ثيابًا فضفاضة لا تحتكّ بالجروح». قالتها ووضعت على الط
الفصل 3قال زاكاري بصوت مُلح:«ليان؟ هل يمكنكِ مساعدتي أرجوكِ؟»كانت ليان قد تخرجت هي وزاكاري من المستشفى التعليمي ذاته وإن كان يكبرها بفصلين دراسيين ولكن بعد عودته من بعثةٍ في الخارج صار اسمه يتردّد في أروقة الطب كوميضٍ لامع…. نجمًا يعرفه الجميع لكن عينيه ظلّتا تحملان دفء صداقةٍ قديمة لا تخطئه ليا







