تسجيل الدخولمن وجهة نظر إيفان
استيقظت ببطء. فتحت عيني على ضوء الصباح الذي تسلل من بين الستائر، لكن الغريب أن أول ما شعرت به... لم يكن الصداع، ولا التعب. بل ذلك الدفء. ذلك الشعور الذي بقي عالقًا في صدري منذ ليلة الأمس. رائحة الزهور... وضغط أصابعها الخفيف على فرائي عندما كانت تركب فوق ظهر إيف. أغمضت عيني مرة أخرى. "ما هذا الشعور..." ضحك إيف داخل رأسي. "أخبرتك... كانت سعيدة معنا." تنهدت بهدوء. "لا تفسر الأمور كما تريد." "وأنت لا تهرب كما تريد." لم أجبه. نهضت من السرير، غسلت وجهي بالماء البارد، ثم ارتديت ملابسي السوداء المعتادة، وربطت شعري الأبيض للخلف. لكن رغم كل ذلك... كانت صورة أنجلي وهي تضحك فوق الجبل تقتحم ذهني دون استئذان. هززت رأسي بقوة. "يكفي..." "لن تنساها." " ......." خرجت من الغرفة متجهًا إلى القاعة الرئيسية. كانت الطاولة الكبيرة ممتلئة بالجميع. جدي ألفرد... أبي هيفان... زاك... لينيا... أيان... إيلورا... ملك سيلينفورد وزوجته ألونا... ولوكا أيضًا. الخرائط كانت منشورة فوق الطاولة. قال ألفرد بجدية: "الختم الذي وجدتموه يخص مملكة الظل الأسود... لكن هذا لا يعني أنهم المسؤولون." أجاب زاك وهو يعقد ذراعيه: "قد يكون شخصًا يريد إلصاق التهمة بهم." قال الملك سيليفورد: "لم يدخل أحد حدود المملكة دون أن نعلم..." ثم أضاف: "وهذا أكثر ما يقلقني." بدأ الجميع يناقش الاحتمالات. جواسيس... خونة... تحالفات قديمة... لكنني... لم أكن أسمع شيئًا. كانت عيناي تبحثان تلقائيًا بين الموجودين. ليست هنا. رفعت رأسي قليلًا. ربما تقف قرب الباب. لا... ليست هناك أيضًا. عبست دون أن أشعر. لاحظ إيف ذلك فورًا. "تبحث عنها." "أنا فقط..." "تبحث عنها. زفرت بضيق. وفي تلك اللحظة... اقتربت إيفونا وهي تحمل صينية أكواب. ابتسمت بخجل. "ألفا... هل تبحث عن شخص؟" نظرت إليها. "لا." لكن قبل أن أكمل... وصلت إلى أنفي رائحة مألوفة. تجمدت. "همم؟" اقتربت منها خطوة. اتسعت عيناها قليلًا. أما إيف... فشهق داخل رأسي. "انتظر...!" شممت الهواء مرة أخرى. ثم نظرت إلى كتفها. وبين خصلات شعرها البني... ظهر أثر صغير بلون فضي. وسم الرفيق. اتسعت عيناي. "..." إيف صرخ داخل رأسي وكأنه فقد عقله. "هـــل... هل فعلوها حقًا بهذه السرعة؟!" كتمت ابتسامة صغيرة لأول مرة منذ أيام. نظرت إلى لوكا. كان يحاول التظاهر بالهدوء... لكن وجهه الأحمر فضحه. قلت ببرود: "مبروك." اختنق لوكا بالماء. "كـ... كيف عرفت؟!" رفع إيف ضحكة طويلة. "يا له من أحمق..." أما إيفونا... فغطت وجهها بكلتا يديها وهي تكاد تختبئ خلف الصينية. قالت بخجل شديد: "آ... آسفة..." ضحك أيان. أما هيفان فنظر إلى لوكا مبتسمًا. "أسرع مما توقعت." حتى زاك... رغم بروده المعتاد... ظهرت ابتسامة صغيرة جدًا عند طرف شفتيه. وفي تلك اللحظة... دخلت امرأة ترتدي عباءة خضراء داكنة. ابتسمت باحترام. "صباح الخير." رفعت الملكة لونا رأسها فورًا. "سيلينا! عدتِ أخيرًا." ابتسمت المرأة. "كيف حال والدتك؟" "بخير... وقد أرسلت تحياتها." تبادلتا الحديث قليلًا. ثم قالت سيلينا وهي تنظر حولها: "وأين أنجلي؟" ابتسمت لونا. "ربما ما زالت نائمة." ضحكت إيفونا. "ليلة الأمس كانت متعبة جدًا لها." هزت سيلينا رأسها. "سأذهب لأوقظها إذًا." وغادرت القاعة. عاد الجميع إلى النقاش. لكن... لا أعرف لماذا... بدأ شعور غريب يتسلل إلى صدري. قبضت يدي دون وعي. همس إيف. "إيفان..." "أعرف..." "هناك شيء ليس صحيحًا." مرت خمس دقائق... ثم عشر... ثم خمس عشرة. وفجأة... سمعنا خطوات مسرعة في الممر. التفت الجميع. كانت سيلينا. لكن... وجهها كان شاحبًا بشكل مرعب. وعيناها ممتلئتان بالذعر. توقفت أمامنا وهي تلهث. "أنجلي..." وقفت لونا بسرعة. "ما بها؟" قالت بصوت مرتجف: "ليست في غرفتها." ساد الصمت. قالت إيفونا بسرعة: "ربما في الحديقة!" أجاب أحد الخدم: "ليست هناك." وقال آخر: "ولا في المطبخ." وثالث: "بحثنا في المشفى أيضًا." بدأ الجميع يتحرك. انتشر الحراس في كل القصر. فتشنا الحدائق... الإسطبل... المعبد... المكتبة... كل مكان. لكن... لا أثر. بدأ القلق يتحول إلى خوف. وفجأة... ركض أحد الحراس وهو يلهث. "وجدت هذا!" رفع قطعة قماش ممزقة. تقدمت بسرعة. أمسكتها. وفور أن وصلت إلى أنفي... تجمدت. رائحة أنجلي. لكن... كانت ممزوجة برائحة غريبة. رائحة دخان... وحديد... وأعشاب تخدر الذئاب. ثم اقترب حارس آخر. "ألفا!" "وجدنا آثار مقاومة قرب النافذة." شددت قبضتي. "وهناك آثار عربة خرجت من البوابة الخلفية قبل الفجر." ارتفعت حرارة جسدي فجأة. احمرت عيناي. وشعرت بإيف يزأر داخل روحي. "لقد أخذوها..." انكسرت الطاولة الخشبية تحت قبضتي. التفت الجميع نحوي. قلت بصوت منخفض... لكنه كان يحمل غضبًا جعل القاعة كلها تصمت. "أغلقوا جميع بوابات المملكة." رفع الجميع رؤوسهم. تابعت وأنا أحدق في قطعة القماش. "لا أحد يدخل..." "...ولا أحد يخرج." ثم رفعت عيني. وكانت نظرتي كافية لتجمد الدم في عروق كل من رآها. "لأن الشخص الذي أخذها..." "...سأجده." "...حتى لو اضطررت لقلب هذه المملكة حجرًا فوق حجر."من وجهة نظر هرلين لم أكن أعرف لماذا كان قلبي يؤلمني بهذا الشكل. منذ أن خرج إيفان من القصر وأنا أشعر بانقباض لا يزول، وكأن خيطًا خفيًا يربطني به كان يهتز بعنف. جلست للحظة... ثم وقفت. لا... لا أستطيع الجلوس. "جوليا..." همست داخل رأسي. جاءها صوت ذئبتي مضطربًا على غير عادته. "هناك شيء... أشعر به أيضًا." ارتجفت يدي. بدأت أسير في أروقة القصر بسرعة، أنظر يمينًا ويسارًا، أسأل الحراس والخدم. "هل رأيتم إيفان؟" "لا يا ملكتي." "متى خرج؟" "منذ بعض الوقت." كل إجابة كانت تزيد قلقي. وفجأة... سمعت صراخًا عند بوابة القصر. "افتحوا الطريق!" "المعالجين! بسرعة!" توقفت قدماي. ذلك الصوت... هيفان. ركضت بكل ما أملك. وحين وصلت... توقف الزمن. كان هيفان يحمل إيفان بين ذراعيه. ملابسه البيضاء أصبحت حمراء بالكامل. والسهم ما يزال مغروسًا في صدره. رأسه متدلٍ بلا حراك... والدم يقطر من أطراف أصابعه. "إ... إيفان..." خرج الاسم من شفتيها كهمسة مكسورة. لم أشعر بنفسي إلا وأنا أركض نحوه. "هيفان!" رفع هيفان رأسه إليها، وكانت عيناه حمراوين من شدة الغضب. "ابتعدي قليلًا... دعيهم ينقلونه أولًا."
من وجهة نظر لوكا منذ أن خرج إيفان من القصر... لم أشعر بالراحة. كنت أعرفه أكثر من أي شخص. حين يصمت... فهذا يعني أن شيئًا بداخله ينهار. وحين يبتعد وحده... فهو لا يريد أن يرى أحد ضعفه. لكن هذه المرة... كان الشعور مختلفًا. أرن، ذئبي، كان يدور داخل رأسي بعصبية. "ألحقه." عقدت حاجبي. "هو فقط يبحث عن أنجلي." زمجر أرن بقوة. "قلت لك... ألحقه!" توقفت قدماي. لم أجادله أكثر.خرجت من القاعه وتوجهت إلى الغابة. تحولت مباشرة إلى هيئة الليكان، وانطلقت بين الأشجار. كانت رائحة إيفان واضحة في البداية. لكن كلما توغلت في الغابة... بدأت تختفي. حتى وصلت إلى منطقة غريبة. الأشجار فيها كثيفة بصورة غير طبيعية. والضباب... يغطي كل شيء. "هذا غريب."قال أرون وهو يحرك أذنيه."أنت محق،لكن علينا أجاد إيفان."قلت له قبل أن انطلق أعمق في الضباب.بعد مده.... توقفت. رفع أرن رأسه وهو يشم الهواء. ثم قال بقلق: "هناك رائحة دم..." تجمدت. "...دم كثير." شعرت بأن قلبي هبط إلى قدمي. ركضت بأقصى سرعة. الأغصان كانت ترتطم بجسدي، لكنني لم أتوقف. "إيفان!" صرخت باسمه. لم يجبني أحد. فقط... الصمت. ثم.
من وجهة نظر إيفان لم تكن مملكة سيليفورد قد عرفت الهدوء منذ اختفاء أنجلي. كانت الساحة الرئيسية مليئة بالحراس. أصوات الأوامر تتردد في كل زاوية. الجرحى يُنقلون إلى المعالجين. والخدم يركضون بين الممرات حاملين الماء والأدوية. في قاعة الاجتماعات... انتشرت الخرائط فوق الطاولة الطويلة. كان الملك ألفرد يضع علامات حمراء على أماكن الهجوم. أما أبي فكان يقلب الختم الأسود الذي عُثر عليه قبل أيام. زفر بضيق. "كل الأدلة تقود إلى طريق مسدود." ضرب زاك الطاولة بقبضته. "وكأنهم يريدوننا أن نراها." ساد الصمت. لوكا كان واقفًا أمام النافذة، يحاول عبر رابط الذئب أن يجد أي أثر... لكن دون فائدة. أما أنا... فلم أعد أسمع شيئًا. كل ما كنت أفكر به... هو مكان واحد. أين أنت يا أنجلي...؟ همس إيف داخل رأسي بصوت متعب. "لن أستطيع الجلوس أكثر." أغمضت عيني. "...ولا أنا." رفعت رأسي. "سوف اذهب كي ابحث عنها." ثم استدرت دون أن أنطق بكلمة. قال أبي بسرعة: "إيفان." لكنني كنت قد خرجت. واتجهت إلى الغابة. بعد دقائق... تحولت إلى هيئة الليكان. جعلت إيف يتولا السيطرة. از
الراوي أغلقت أنجلي عينيها للحظة وهي تحاول أن تهدئ أنفاسها. كانت تسمع صوت النار المشتعلة في الموقد... وصوت الريح وهي تضرب جدران الكوخ الخشبي. أما الرجل... فكان يجلس بهدوء على الكرسي المقابل لها، يراقبها بصمت. ذلك الصمت... كان يخيفها أكثر من أي كلمة."لماذا تحتجزني هنا."قالت وهي تنضر إليه،وهي تحاول الصمود رغم ارتجاف جسدها."عندما يحين الوقت سوف تعرفين."قال بهدوء دون أن ينزل عيناه عنها،مما جعل قشعريرة تسري في جسدها."لكن أنا حتى لا أعرفك."لكنه لم يجب فقط نضر إليها بنفس الهدوء.لكن..... بعد دقائق، نهض بهدوء واتجه نحو النافذة. فتحها قليلًا. دخل هواء بارد حمل معه رائحة أشجار الصنوبر والمطر. ابتسم دون أن يلتفت إليها. "أتذكرين..." تجمدت. "...كم كنت تحبين المطر؟" رفعت رأسها نحوه ببطء. "قلت لك... أنت مخطئ." استدار إليها. "أنا لست لافندر." اقترب منها مرة أخرى. لكن هذه المرة توقف على بعد خطوات. "إذاً..." قالها بهدوء. "قولي لي..." "ما اسمك؟" "...أنجلي." ابتسم. "واسمك الحقيقي؟" شعرت بانقباض في صدرها. "..." لم تجب. لأنه يعلم. يعلم ال
الراوي. فتحت عينيها ببطء... كان أول ما رأته سقفًا خشبيًا قديمًا، تتدلى منه حزم أعشاب يابسة، تفوح منها رائحة مرّة امتزجت برائحة المطر والرطوبة. رمشت عدة مرات. رأسها كان يؤلمها بشدة... وحين حاولت أن تتحرك، شدّ شيء معصميها. تجمدت. أنزلت نظرها بسرعة... كانت يداها مربوطتين بحبال ناعمة إلى جانبي السرير الخشبي. "...!" حاولت الجلوس، لكن الحبال منعتها. بدأ قلبها يخفق بعنف. أين هي...؟ آخر ما تتذكره... أنها استعادت ذاكرتها... ثم... شخص أمسكها من الخلف... وقطعة قماش... ثم الظلام. ازدادت أنفاسها سرعة وهي تحاول فك الحبال، لكن بلا فائدة. صرير... انفتح باب الكوخ ببطء. دخل رجل طويل القامة، يرتدي معطفًا أسود طويلًا. كان شعره الأسود يصل إلى أسفل أذنيه، وعيناه بلون أخضر رمادي بارد، يحمل في يده صينية طعام. ما إن وقعت عيناه عليها حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة. ابتسامة جعلت القشعريرة تسري في جسدها. اقترب بخطوات بطيئة. هي تراجعت قدر استطاعتها حتى التصق ظهرها برأس السرير. "لا... لا تقترب." توقف أمامها مباشرة. ثم قال بصوت هادئ بشكل غريب: "اهدئي... صغيرتي." مد يده ببطء، لكنه
من وجهة نظر إيفان بقيت عين سيلينا معلقة على ذلك الرمز الأسود. شحب وجهها أكثر. حتى إن أنفاسها أصبحت متقطعة. قال ألفرد بجدية: "سيلينا..." "من هو؟" لم تجب. لكن دموعها بدأت تنزل بصمت. اقتربت منها أمي مرة أخرى. هذه المرة وضعت يدها على كتفها برفق. وقالت بصوت مليء بالحنان: "لا تخافي." "لن يحكم عليك أحد." "لكن إذا كان هذا سيساعدنا في إنقاذ أنجلي... أرجوك أخبرينا." أغمضت سيلينا عينيها طويلًا. ثم أخذت نفسًا مرتجفًا. ولما فتحتهما... كانت نظرتها مليئة بالذنب. همست: "...هناك شخص." ساد الصمت. "كان يلاحق أنجلي..." "منذ سنوات.""قبل قدوما إلي سيليفورد." اتسعت عينا لوكا. بينما عقد زاك حاجبيه. تابعت وهي تشبك أصابعها المرتجفة. "لم يكن يؤذيها أمام الناس." "لكنه..." "...كان يراقبها." "في السوق." "في الغابة." "حتى عندما كانت تذهب لجمع الأعشاب." بدأ صوتها يرتجف أكثر. "كان يظهر أمامها فجأة..." "ويقول إنه يحبها." "وأنها ستصبح له.""لم يكن يحبها بل مهوس لدرجة جعلتنا نطر إلي الهرب." قبضت يدي دون أن أشعر. أما إيف... فبدأ يزمجر داخل رأس
من وجهة نظر لافندر لم أستطع إخفاء سعادتي طوال الحفل. كلما نظرت إلى الجوهرة الحمراء التي أهداها لي إيفان... شعرت بأن قلبي يصبح أخف. لم تكن مجرد هدية. بل دليلًا على أنه تذكر. تذكر شيئًا قلته منذ سنوات. ولهذا السبب كانت أغلى من أي شيء آخر حصلت عليه في عيد ميلادي. ومع بداية الموسيقى... بدأ ال
من وجهة نظر إيفان بينما كان الجميع منشغلين داخل القصر... كنت أنا على ظهر حصاني. أشق طريقي عبر الغابات والوديان بسرعة جنونية. الرياح كانت تضرب وجهي. لكنني لم أبطئ. لمرة واحدة... لم أكن أفكر في التدريب. ولا في الصيد. ولا في شؤون المملكة. كل ما كان في رأسي... هو عيد ميلاد لافندر. تذكرت يو
من وجهة نظر لافندر بعد عودتنا إلى القصر... ذهب كل واحد إلى غرفته. أما أنا... فكنت أشعر وكأن رأسي ممتلئ بألف فكرة. من جهة... كنت مرتاحة. لأنه لم يكن هناك رفيق مجهول ينتظرني في السوق. ومن جهة أخرى... كلما تذكرت إيفان... شعرت بأن قلبي يزداد ارتباكًا. لم أعد أفهم نفسي. ولم أعد
من وجهة نظر لافندر وقفت أمام إيفان وأنا أراقبه بصمت. شيء ما لم يكن طبيعيًا. نعم... إيفان بارد دائمًا. متجهم دائمًا. ويتصرف وكأن العالم كله يزعجه. لكن هذا... كان مختلفًا. كأنه يضع جدارًا بيني وبينه. كأنه لا يريد حتى النظر إلي. شعرت بوخزة صغيرة في صدري. وأنا أكره هذا الشعور.