登入من وجهة نظر لافندر
بعد عودتنا إلى القصر... ذهب كل واحد إلى غرفته. أما أنا... فكنت أشعر وكأن رأسي ممتلئ بألف فكرة. من جهة... كنت مرتاحة. لأنه لم يكن هناك رفيق مجهول ينتظرني في السوق. ومن جهة أخرى... كلما تذكرت إيفان... شعرت بأن قلبي يزداد ارتباكًا. لم أعد أفهم نفسي. ولم أعد أفهمه. مرت الأيام التالية ببطء. ببطء مؤلم. وأكثر شيء كان يؤلمني... هو المسافة التي ظهرت بيني وبين إيفان. لم نعد نتشاجر. لم نعد نتبادل السخرية. لم يعد يوبخني عندما أتسلق النوافذ. ولم يعد يلاحقني عندما أختفي. وكأن شيئًا ما انكسر بيننا. شيئًا لم أعرف كيف أصلحه. وفي أحد الأيام... كنت جالسة على سريري. أحدق عبر النافذة بشرود. حتى فُتح الباب فجأة. دخل أبي. زاك. حاملًا كوبًا من الشاي. جلس بجانبي مباشرة. وضيق عينيه نحوي. تلك النظرة التي تعني أنه يحقق في أمر ما. — "حسنًا." قالها وهو يعقد ذراعيه. — "من هو؟" رمشت. — "ماذا؟" — "الشخص الذي أزعج ابنتي." شهقت. — "لا يوجد أحد!" — "لافندر." — "أبي." — "لافندر." — "أبي!" ضحك بخفة. لكن الابتسامة اختفت بسرعة. ثم وضع يده على رأسي. — "أنتِ متغيرة." سكتُّ. — "منذ فترة وأنتِ منعزلة." — "وتفكرين كثيرًا." — "ولا تزعجين أحدًا." ثم أضاف بجدية: — "وهذا مخيف أكثر من أي شيء." رغم نفسي... ضحكت. ضحكة صغيرة. لكنها لم تصل إلى عيني. لاحظ ذلك فورًا. — "هل هناك من أزعجك؟" هززت رأسي. — "لا." — "إذن ما الأمر؟" تنهدت. ثم أجبت بصوت منخفض: — "فقط..." — "أريد أن أبقى وحدي قليلًا. نظر إلي طويلًا. وكأنه لا يصدقني. لكنه لم يضغط أكثر. وفجأة قال: — "على كل حال." — "هل الأشياء التي تشغل بالك أنستك شيئًا مهمًا؟" رفعت رأسي. — "ماذا؟" ابتسم. ابتسامة واسعة هذه المرة. ثم أخرج صندوقًا صغيرًا من خلف ظهره. تجمدت. — "لا..." — "بلى." — "مستحيل." — "بلى." اتسعت عيناي. — "عيد ميلادي؟!" انفجر أبي ضاحكًا. — "لقد نسيته تمامًا." وضعت يدي على فمي بصدمة. لأنني فعلًا... نسيته. نسيته بالكامل. فتح الصندوق أمامي. وفي داخله... عقد فضي جميل. يتوسطه حجر بنفسجي لامع. يشبه لون الغروب. أو لون الخزامى. لون لافندر. شعرت بدموعي تقترب. — "أبي..." ابتسم. ثم وضع العقد حول عنقي بنفسه. — "عيد ميلاد سعيد يا صغيرتي." بعد أن خرجت من الغرفة. كانت المفاجأة أكبر. الممرات كلها مزينة. الأضواء السحرية تملأ المكان. والزهور منتشرة في كل زاوية. حتى الخدم كانوا يبتسمون لي. وفي القاعة الكبرى... كان الجميع ينتظر. أمي لينيا. ولوكا. وجدي وجدتي والملك ألفريد. والملكة إيلينا. وخالتي هرلين. وزوج خالتي هيفان. وخالي أيان. والجميع. كلهم هنأوني. وقدموا لي الهدايا. والعناق. والضحكات. لكن... كلما نظرت حولي. كنت أبحث عن شخص واحد. فقط شخص واحد. ولم أجده. إيفان. ابتسمت للآخرين. وشكرتهم. لكن شيئًا ما داخل صدري كان يزداد ثقلًا. كل دقيقة. وكل ساعة. وكلما مر الوقت أكثر... ازداد خوفي. أنه نسي. أو ربما... لم يعد يهتم أصلًا. وكأن أمي لاحظت ذلك. لأنها أمسكت يدي فجأة. وقالت بابتسامتها الدافئة. — "تعالي معي." أخذتني إلى جناحها. حيث كانت الخادمات يجهزن كل شيء فساتين جديدة. حلي. وعطور. وزهور. وبدأن بتجهيزي للاحتفال. لكن بينما كانت أمي ترتب شعري... كنت أحدق في المرآة. شاردة. بعيدة. أفكر في شيء واحد فقط. أين أنت يا إيفان؟ ولماذا... من بين كل الموجودين... وجودك وحدك هو الذي ينقص هذا اليوم؟من وجهة نظر لوكا كانت ساحة التدريب تعج بالحركة رغم حلول الليل. المحاربون ينتقلون من مكان إلى آخر. أصوات السيوف تتقاطع. الدروع تُفحص للمرة الأخيرة. والوجوه التي اعتدت رؤيتها مبتسمة أصبحت أكثر جدية من أي وقت مضى. كنت أقف مع خالي أيان بين صفوف الجنود. نساعد تارة. ونتفقد الاستعدادات تارة أخرى. حتى انتهى جزء كبير من العمل. فجلسنا أخيرًا قرب أحد الجدران الحجرية المطلة على الساحة. تنهد خالي وهو ينظر إلى الجنود. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: "يذكرني هذا بأيامنا." التفت نحوه باهتمام. "أيامكم؟" ضحك بخفة. "أنا ووالدك وهيفان." أصبحت مهتمًا فورًا. نادراً ما كانوا يتحدثون عن تلك الأيام. فأسندت ظهري إلى الحائط وقلت: "احكِ لي." ابتسم أيان. وبدا وكأنه عاد عشرين سنة إلى الماضي. "عندما كنا في صغار وحصلنا على ذئابنه اجبرنا على الذهاب الى المعسكر كنا نقضي وقتنا في معسكرات التدريب." "خصوصًا أنا وهيفان." ضحكت فورًا. "أستطيع تخيل الكارثة." ضحك هو الآخر. "بل كانت كارثة حقيقية." ثم تابع: "كان المدربون يوقظوننا قبل شروق الشمس." "نجري لعشرات الكيلومت
من وجهة نظر زاك سحبتُ لافندر معي بصمتٍ حتى وصلنا إلى غرفتها داخل القصر كانت تمشي بجانبي بخطوات هادئة، وكأنها لا تفهم سبب غضبي أصلاً. أغلقتُ الباب خلفنا، ثم التفتُّ إليها مباشرة. قلت بحدةٍ مكتومة: "لا أريد تكرار ما حدث قبل قليل." رفعت حاجبها، وقالت ببراءة: "ماذا حدث؟" تنهدت بعمق. "اقترابك من إيفان." سكتت لحظة، ثم أجابت: "كنت أتحدث معه فقط." "فقط؟" أومأت برأسها. "نعم." "لكنّك كنتِ قريبة جدًا." هزّت كتفيها بلا اكتراث: "لم أنتبه." أغمضتُ عينيّ للحظة. هذا الجيل سيصيبني بالجنون. تقدمتُ خطوة نحوها، لكن قبل أن أتكلم، فُتح الباب فجأة. دخلت لينيا. نظرة واحدة منها كانت كافية لتدرك الموقف. قالت بهدوء: "زاك." "يكفي." نظرت بيني وبين لافندر، ثم أضافت: "سأتولى الأمر." كنت على وشك الاعتراض، لكنها أوقفتني بنظرة واحدة. نظرة تعني أن النقاش انتهى. خرجتُ من الغرفة بصمت. لكن طول الوقت كنت اسمع تذمر لافندر وتوبيخ لينيا. لاحقًا، كنت مع لينيا في غرفتنا. الغضب ما زال يسيطر عليّ. قلت بانفعال: "لا أحد يفهم خطورة الوضع." "لا أحد يدرك أن اقترابه
من وجهة نظر إيفان كانت نورفاي مختلفة تلك الليلة. هادئة أكثر مما يجب. هادئة بطريقة تجعل القلب ينقبض. وقفت على شرفة القصر المرتفعة أراقب المملكة الممتدة تحت السماء المظلمة. الشوارع التي كانت مليئة بالحياة أصبحت شبه فارغة. بعد أوامر الملك ألفريد تم إجلاء معظم المدنيين إلى المناطق الآمنة. لم يبق سوى الجنود والمحاربين. والذين كانوا يتحركون في الأسفل كالنمل. يحملون الصناديق. يشحذون السيوف. ويستعدون لما سيأتي. رفعت رأسي نحو السماء. كانت النجوم واضحة الليلة. بشكل غريب. وكأن العالم يحاول أن يبدو هادئًا قبل العاصفة. ثم... وصلتني رائحة أعرفها جيدًا. رائحة الزهور الليلية. استدرت. فوجدتها. لافندر. كانت تمشي نحوي بهدوء. وشعرها الأسود الطويل يتحرك مع نسيم الليل. توقفت بجانبي. ثم نظرت نحو المملكة هي الأخرى. وبقيت صامتة للحظات. قبل أن تقول بهدوء: "لم أتخيل يومًا أن أرى نورفاي بهذا الشكل." أومأت بصمت. ثم قلت: "ولا أنا." ساد الصمت مجددًا. لكن هذه المرة لم يكن مزعجًا. كان مريحًا. وكأن وجودها وحده يكفي. بعد فترة قصيرة قالت: "هل تعتقد أننا سننتصر؟" نظرت نحو الأفق. ثم
من وجهة نظر هيفان استمر اجتماع الحرب لساعات طويلة. كانت الخريطة الضخمة تغطي معظم الطاولة بينما وقف الجميع حولها.أبي كان يشرح آخر التقارير القادمة من الحدود. أما أنا وزاك وأيان وألنيوس فبدأنا نضع الاحتمالات المختلفة لهجوم سيلفورد. بعد نقاش طويل ظهرت الخطة التي وافق عليها الجميع. سيلفورد كان يظن أن قوته الحقيقية هي جيشه الضخم وأسلحته الفضية. لذلك قررنا أن نجعله يعتقد أنه يسيطر على سير المعركة. سنسمح له بالتقدم نحو السهل الواسع أمام المملكة. مكان يبدو وكأنه أفضل نقطة للهجوم. لكن في الحقيقة كان فخًا. سيتم إخفاء جزء من قواتنا داخل الغابات المحيطة. بينما يبقى الجيش الرئيسي أمام الأسوار. وعندما يندفع جيش سيلفورد بكامل قوته... سنغلق عليهم من الجانبين. وفي نفس الوقت يستخدم زاك ولافندر سحر استدعاء الموتى لإثارة الفوضى خلف خطوط العدو. أما الملك ألفريد... فهو من سيتولى مواجهة سيلفورد بنفسه. لأن الجميع يعلم أن تلك المواجهة لا يمكن أن يقوم بها أحد غيره. عندما انتهى الاجتماع كان الليل قد حل. والإرهاق واضح على الجميع. غادرت القاعة أخيرًا. وعدت إلى غرفتي. ... عندما دخلت وجدت هر
من وجهة نظر إيفان خلال اليومين التاليين تغير كل شيء في نورفاي. لم يعد أحد يضحك كما كان. لم تعد الممرات مليئة بالأحاديث الهادئة. في كل مكان كان هناك جنود. أسلحة. دروع. أوامر. ورائحة الحرب التي بدأت تقترب أكثر فأكثر. حتى القرى القريبة من الحدود بدأت تستقبل المصابين والناجين من هجمات سيلفورد. أما داخل القصر فكان الجميع يستعدون للأسوأ. في ذلك الصباح كنت أمر قرب جناح لافندر عندما سمعت صوت ارتطام قوي. تجمدت. ثم اندفعت نحو الغرفة. عندما دخلت وجدت زاك ولينيا يركضان إليها. أما لافندر... فكانت ممددة على الأرض. فاقدة للوعي. شعرت بانقباض غريب في صدري. ركعت بجانبها فورًا. بينما كان زاك يهز كتفيها بقلق. — "لافندر." — "لافندر!" بعد لحظات طويلة فتحت عينيها ببطء. رمشت عدة مرات. ثم ابتسمت وكأن شيئًا لم يحدث. — "لماذا تنظرون إلي هكذا؟" كاد زاك ينفجر. — "سقطت مغشيًا عليك!" — "هل هذا يبدو أمرًا عاديًا؟" جلست لافندر ببطء. ثم قالت بعنادها المعتاد: — "أنا بخير." — "مجرد تعب." — "لم أنم جيدًا." لكن أحدًا لم يقتنع. خصوصًا زاك. اقترب منها
الراويبعد ساعات من اجتماع الحرب، كانت المملكة كلها بحالة استنفار. الجنود يجهزون الأسلحة، الحراس ينتشرون فوق الأسوار، والخدم يركضون في الممرات حاملين الرسائل والأوامر.أما في القصر، فكان القلق يزداد مع كل دقيقة.في صباح اليوم التالي اجتمع الجميع في قاعة المجلس. كان ألفريد جالسًا على رأس الطاولة بينما وقف هيفان وزاك وأيان وألنيوس ولوكا وإيفان حول الخريطة الضخمة للمملكة.قال ألفريد بصوت هادئ لكنه حازم: "إن كان سيلفورد يملك جيشًا بالحجم الذي وصفه لوكا فلن يهاجم مباشرة. سيبحث أولًا عن نقاط ضعفنا."أومأ ألنيوس موافقًا وأضاف: "ولهذا علينا أن نحمي القرى القريبة من الحدود قبل أي شيء."بدأ الجميع يناقشون الخطط، لكن إيفان كان شاردًا قليلًا. لم يستطع منع نفسه من التفكير بلافندر. منذ حادثة إغمائها وهو يشعر بشيء غريب كلما رآها.في الجهة الأخرى من القصر كانت لافندر جالسة مع لينيا وهرلين وإيلينا في الحديقة الملكية. حاولت أن تبدو طبيعية لكنها كانت تشعر بثقل غريب داخل صدرها.لاحظت هرلين ذلك.اقتربت منها وسألت بلطف: "ما بك يا صغيرتي؟"ابتسمت لافندر بسرعة وقالت: "لا شيء."لكن هرلين لم تقتنع.فهي تعرف هذ