登入من وجهة نظر لافندر
وقفت أمام إيفان وأنا أراقبه بصمت. شيء ما لم يكن طبيعيًا. نعم... إيفان بارد دائمًا. متجهم دائمًا. ويتصرف وكأن العالم كله يزعجه. لكن هذا... كان مختلفًا. كأنه يضع جدارًا بيني وبينه. كأنه لا يريد حتى النظر إلي. شعرت بوخزة صغيرة في صدري. وأنا أكره هذا الشعور. أكره أن يكون غاضبًا مني. لذلك... فعلت شيئًا غبيًا جدًا. شيئًا أعرف مسبقًا أنه قد يزعجه. تقدمت نحوه. ثم لففت ذراعي حول خصره من الخلف. وألصقت جبيني بظهره. سكت للحظة. حتى أنني شعرت بعضلاته تتجمد تحت يدي. همست بخفوت: — "إيفان..." لم يجب. عضضت شفتي. ثم أكملت: — "أنا أحبك." تشنج جسده أكثر. لكنني أسرعت أضيف: — "مثل أخي." — "ولا أحب أن تكون منزعجًا مني." ساد الصمت. طويلًا جدًا. ثم... أبعد يدي عن خصره بهدوء. هدوء كان أسوأ من الغضب. استدار نحوي أخيرًا. لكن عينيه... كانتا مؤلمتين بشكل لم أفهمه. ثم قال بصوت بارد: — "بما أنك وجدتِ رفيقك." توقف للحظة. وكأن الكلمات تؤذيه هو أيضًا. — "فمن الأفضل أن تبقي مسافة بيننا." رمشت. — "ماذا؟" — "أنتِ لم تعودي طفلة." قالها ببرود. — "ولا يجب أن تتعلقي بالآخرين هكذا." شعرت بشيء ينكسر داخلي. — "إيفان..." — "اذهبي." قال برود دون أن ينظر إلى حتى. خرجت من غرفته. وأنا لا أعرف لماذا أشعر وكأنني أريد البكاء. ركضت عبر الممرات. ثم دخلت المكتبة القديمة. المكان الذي كنت أختبئ فيه دائمًا عندما أحزن. جلست بين الرفوف. وضممت ركبتي إلى صدري. وفي النهاية... بكيت. بصمت. دون أن يراني أحد. لأن أكثر شيء آلمني... لم يكن كلامه. بل حقيقة أنه نظر إلي وكأنني شخص غريب. بعد فترة طويلة هدأت. مسحت دموعي. ثم وقفت. وأقنعت نفسي أنني أبالغ. ربما كان متعبًا فقط. ربما هذا كل شيء. وعندما خرجت وجدت لوكا ينتظرني. نظر إلى وجهي مباشرة. — "هل بكيتِ؟" — "لا." — "لافندر." — "قلت لا." تنهد. ثم سأل: — "وأين إيفان؟" شددت قبضتي. وأجبت بسرعة: — "هو ليس مسؤولًا عن حياتي." رفع حاجبه. لكنه لم يقل شيئًا. وبعد مدة قصيرة... وصل إيفان. ولحق بنا. لكني هذه المرة... لم أتحدث معه. ولا نظرت إليه. وهو أيضًا لم يحاول الكلام. حتى لوكا بدأ يشعر بالتوتر بيننا. وصلنا إلى السوق أخيرًا. كان مزدحمًا كالعادة. روائح الطعام. الأصوات. الناس. والبضائع في كل مكان. كنت أمشي شاردة. حتى فجأة... وصلتني رائحة. رائحة جميلة جدًا. رائحة جعلت قلبي يقفز. اتسعت عيناي. — "إنه هو!" ركضت بسرعة بين الناس. أتبع الرائحة. وأخيرًا وصلت. كان هناك شاب. ذئب. بعينين عسليتين. يحمل باقة كبيرة من الزهور البيضاء. توقفت أمامه. وأخذت نفسًا عميقًا. ثم... رمشت. مرة. مرتين. ثلاثًا. لا شيء. لا رابطة. لا نبض. لا ذلك الشعور الذي كنت أبحث عنه. وأدركت الحقيقة فجأة. الرائحة التي شممتها... لم تكن رائحته. بل رائحة الزهور التي يحملها. نضر إلي وهو يقول:"هل اسعدك بشئ." رمشت وأنا اهز رأسي بي ابتسامة صغيره:"لأ شكرا لك. ثم استدارت كي اعود ،انخفض رأسي ببطء. وشعرت بخيبة أمل غريبة. لكن في نفس الوقت... براحة غريبة أيضًا. راحة لم أفهم سببها. ثم شعرت بشخص يقف خلفي. التفت ببطء. وكان إيفان. واقفًا هناك. ينظر إلي. ولأول مرة... لم يكن باردًا. لم يكن متجهمًا. بل بدا وكأنه... متوتر. خائف. وكأنه ينتظر شيئًا. وفي تلك اللحظة... خفق قلبي بقوة. قوة جعلتني أتجمد. ثم أدركت شيئًا. شيئًا لم أفهمه طوال الأشهر الماضية. كنت أقول إنني أبحث عن رفيقي. وأنتظر رفيقي. وأتخيل رفيقي. لكن... كل مرة كنت أتخيل فيها المستقبل... كان إيفان موجودًا فيه. كل مرة كنت أهرب من مشكلة... كنت أبحث عنه. كل مرة كنت أخاف... كنت أريد رؤيته. وكل مرة كنت أفرح... أول شخص أردت إخباره كان هو. اتسعت عيناي. وأخيرًا... فهمت. لم أكن أريد رفيقًا. لأن قلبي... كان قد اختار بالفعل. واختاره منذ زمن طويل. اختار إيفان. لكن عندما نظرت إليه... تذكرت كلماته. "من الأفضل أن تبقي مسافة بيننا." شعرت بالألم يعود مجددًا. فخفضت رأسي. واستدرت بعيدًا. اقترب لوكا فورًا. ووضع يده على كتفي. — "لا بأس." قالها بلطف. — "سنجد رفيقك لاحقًا." ابتسمت ابتسامة صغيرة. لكنني لم أستطع إخباره الحقيقة. لأن الحقيقة كانت أصعب بكثير. فأنا أخيرًا وجدت الشخص الذي أحبه. لكنني لا أعرف... إن كان يريدني أصلًا.من وجهة نظر لوكا كانت ساحة التدريب تعج بالحركة رغم حلول الليل. المحاربون ينتقلون من مكان إلى آخر. أصوات السيوف تتقاطع. الدروع تُفحص للمرة الأخيرة. والوجوه التي اعتدت رؤيتها مبتسمة أصبحت أكثر جدية من أي وقت مضى. كنت أقف مع خالي أيان بين صفوف الجنود. نساعد تارة. ونتفقد الاستعدادات تارة أخرى. حتى انتهى جزء كبير من العمل. فجلسنا أخيرًا قرب أحد الجدران الحجرية المطلة على الساحة. تنهد خالي وهو ينظر إلى الجنود. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: "يذكرني هذا بأيامنا." التفت نحوه باهتمام. "أيامكم؟" ضحك بخفة. "أنا ووالدك وهيفان." أصبحت مهتمًا فورًا. نادراً ما كانوا يتحدثون عن تلك الأيام. فأسندت ظهري إلى الحائط وقلت: "احكِ لي." ابتسم أيان. وبدا وكأنه عاد عشرين سنة إلى الماضي. "عندما كنا في صغار وحصلنا على ذئابنه اجبرنا على الذهاب الى المعسكر كنا نقضي وقتنا في معسكرات التدريب." "خصوصًا أنا وهيفان." ضحكت فورًا. "أستطيع تخيل الكارثة." ضحك هو الآخر. "بل كانت كارثة حقيقية." ثم تابع: "كان المدربون يوقظوننا قبل شروق الشمس." "نجري لعشرات الكيلومت
من وجهة نظر زاك سحبتُ لافندر معي بصمتٍ حتى وصلنا إلى غرفتها داخل القصر كانت تمشي بجانبي بخطوات هادئة، وكأنها لا تفهم سبب غضبي أصلاً. أغلقتُ الباب خلفنا، ثم التفتُّ إليها مباشرة. قلت بحدةٍ مكتومة: "لا أريد تكرار ما حدث قبل قليل." رفعت حاجبها، وقالت ببراءة: "ماذا حدث؟" تنهدت بعمق. "اقترابك من إيفان." سكتت لحظة، ثم أجابت: "كنت أتحدث معه فقط." "فقط؟" أومأت برأسها. "نعم." "لكنّك كنتِ قريبة جدًا." هزّت كتفيها بلا اكتراث: "لم أنتبه." أغمضتُ عينيّ للحظة. هذا الجيل سيصيبني بالجنون. تقدمتُ خطوة نحوها، لكن قبل أن أتكلم، فُتح الباب فجأة. دخلت لينيا. نظرة واحدة منها كانت كافية لتدرك الموقف. قالت بهدوء: "زاك." "يكفي." نظرت بيني وبين لافندر، ثم أضافت: "سأتولى الأمر." كنت على وشك الاعتراض، لكنها أوقفتني بنظرة واحدة. نظرة تعني أن النقاش انتهى. خرجتُ من الغرفة بصمت. لكن طول الوقت كنت اسمع تذمر لافندر وتوبيخ لينيا. لاحقًا، كنت مع لينيا في غرفتنا. الغضب ما زال يسيطر عليّ. قلت بانفعال: "لا أحد يفهم خطورة الوضع." "لا أحد يدرك أن اقترابه
من وجهة نظر إيفان كانت نورفاي مختلفة تلك الليلة. هادئة أكثر مما يجب. هادئة بطريقة تجعل القلب ينقبض. وقفت على شرفة القصر المرتفعة أراقب المملكة الممتدة تحت السماء المظلمة. الشوارع التي كانت مليئة بالحياة أصبحت شبه فارغة. بعد أوامر الملك ألفريد تم إجلاء معظم المدنيين إلى المناطق الآمنة. لم يبق سوى الجنود والمحاربين. والذين كانوا يتحركون في الأسفل كالنمل. يحملون الصناديق. يشحذون السيوف. ويستعدون لما سيأتي. رفعت رأسي نحو السماء. كانت النجوم واضحة الليلة. بشكل غريب. وكأن العالم يحاول أن يبدو هادئًا قبل العاصفة. ثم... وصلتني رائحة أعرفها جيدًا. رائحة الزهور الليلية. استدرت. فوجدتها. لافندر. كانت تمشي نحوي بهدوء. وشعرها الأسود الطويل يتحرك مع نسيم الليل. توقفت بجانبي. ثم نظرت نحو المملكة هي الأخرى. وبقيت صامتة للحظات. قبل أن تقول بهدوء: "لم أتخيل يومًا أن أرى نورفاي بهذا الشكل." أومأت بصمت. ثم قلت: "ولا أنا." ساد الصمت مجددًا. لكن هذه المرة لم يكن مزعجًا. كان مريحًا. وكأن وجودها وحده يكفي. بعد فترة قصيرة قالت: "هل تعتقد أننا سننتصر؟" نظرت نحو الأفق. ثم
من وجهة نظر هيفان استمر اجتماع الحرب لساعات طويلة. كانت الخريطة الضخمة تغطي معظم الطاولة بينما وقف الجميع حولها.أبي كان يشرح آخر التقارير القادمة من الحدود. أما أنا وزاك وأيان وألنيوس فبدأنا نضع الاحتمالات المختلفة لهجوم سيلفورد. بعد نقاش طويل ظهرت الخطة التي وافق عليها الجميع. سيلفورد كان يظن أن قوته الحقيقية هي جيشه الضخم وأسلحته الفضية. لذلك قررنا أن نجعله يعتقد أنه يسيطر على سير المعركة. سنسمح له بالتقدم نحو السهل الواسع أمام المملكة. مكان يبدو وكأنه أفضل نقطة للهجوم. لكن في الحقيقة كان فخًا. سيتم إخفاء جزء من قواتنا داخل الغابات المحيطة. بينما يبقى الجيش الرئيسي أمام الأسوار. وعندما يندفع جيش سيلفورد بكامل قوته... سنغلق عليهم من الجانبين. وفي نفس الوقت يستخدم زاك ولافندر سحر استدعاء الموتى لإثارة الفوضى خلف خطوط العدو. أما الملك ألفريد... فهو من سيتولى مواجهة سيلفورد بنفسه. لأن الجميع يعلم أن تلك المواجهة لا يمكن أن يقوم بها أحد غيره. عندما انتهى الاجتماع كان الليل قد حل. والإرهاق واضح على الجميع. غادرت القاعة أخيرًا. وعدت إلى غرفتي. ... عندما دخلت وجدت هر
من وجهة نظر إيفان خلال اليومين التاليين تغير كل شيء في نورفاي. لم يعد أحد يضحك كما كان. لم تعد الممرات مليئة بالأحاديث الهادئة. في كل مكان كان هناك جنود. أسلحة. دروع. أوامر. ورائحة الحرب التي بدأت تقترب أكثر فأكثر. حتى القرى القريبة من الحدود بدأت تستقبل المصابين والناجين من هجمات سيلفورد. أما داخل القصر فكان الجميع يستعدون للأسوأ. في ذلك الصباح كنت أمر قرب جناح لافندر عندما سمعت صوت ارتطام قوي. تجمدت. ثم اندفعت نحو الغرفة. عندما دخلت وجدت زاك ولينيا يركضان إليها. أما لافندر... فكانت ممددة على الأرض. فاقدة للوعي. شعرت بانقباض غريب في صدري. ركعت بجانبها فورًا. بينما كان زاك يهز كتفيها بقلق. — "لافندر." — "لافندر!" بعد لحظات طويلة فتحت عينيها ببطء. رمشت عدة مرات. ثم ابتسمت وكأن شيئًا لم يحدث. — "لماذا تنظرون إلي هكذا؟" كاد زاك ينفجر. — "سقطت مغشيًا عليك!" — "هل هذا يبدو أمرًا عاديًا؟" جلست لافندر ببطء. ثم قالت بعنادها المعتاد: — "أنا بخير." — "مجرد تعب." — "لم أنم جيدًا." لكن أحدًا لم يقتنع. خصوصًا زاك. اقترب منها
الراويبعد ساعات من اجتماع الحرب، كانت المملكة كلها بحالة استنفار. الجنود يجهزون الأسلحة، الحراس ينتشرون فوق الأسوار، والخدم يركضون في الممرات حاملين الرسائل والأوامر.أما في القصر، فكان القلق يزداد مع كل دقيقة.في صباح اليوم التالي اجتمع الجميع في قاعة المجلس. كان ألفريد جالسًا على رأس الطاولة بينما وقف هيفان وزاك وأيان وألنيوس ولوكا وإيفان حول الخريطة الضخمة للمملكة.قال ألفريد بصوت هادئ لكنه حازم: "إن كان سيلفورد يملك جيشًا بالحجم الذي وصفه لوكا فلن يهاجم مباشرة. سيبحث أولًا عن نقاط ضعفنا."أومأ ألنيوس موافقًا وأضاف: "ولهذا علينا أن نحمي القرى القريبة من الحدود قبل أي شيء."بدأ الجميع يناقشون الخطط، لكن إيفان كان شاردًا قليلًا. لم يستطع منع نفسه من التفكير بلافندر. منذ حادثة إغمائها وهو يشعر بشيء غريب كلما رآها.في الجهة الأخرى من القصر كانت لافندر جالسة مع لينيا وهرلين وإيلينا في الحديقة الملكية. حاولت أن تبدو طبيعية لكنها كانت تشعر بثقل غريب داخل صدرها.لاحظت هرلين ذلك.اقتربت منها وسألت بلطف: "ما بك يا صغيرتي؟"ابتسمت لافندر بسرعة وقالت: "لا شيء."لكن هرلين لم تقتنع.فهي تعرف هذ