تسجيل الدخولمن وجهة نظر لوكا
منذ أن خرج إيفان من القصر... لم أشعر بالراحة. كنت أعرفه أكثر من أي شخص. حين يصمت... فهذا يعني أن شيئًا بداخله ينهار. وحين يبتعد وحده... فهو لا يريد أن يرى أحد ضعفه. لكن هذه المرة... كان الشعور مختلفًا. أرن، ذئبي، كان يدور داخل رأسي بعصبية. "ألحقه." عقدت حاجبي. "هو فقط يبحث عن أنجلي." زمجر أرن بقوة. "قلت لك... ألحقه!" توقفت قدماي. لم أجادله أكثر. خرجت من القاعه وتوجهت إلى الغابة. تحولت مباشرة إلى هيئة الليكان، وانطلقت بين الأشجار. كانت رائحة إيفان واضحة في البداية. لكن كلما توغلت في الغابة... بدأت تختفي. حتى وصلت إلى منطقة غريبة. الأشجار فيها كثيفة بصورة غير طبيعية. والضباب... يغطي كل شيء. "هذا غريب." قال أرون وهو يحرك أذنيه. "أنت محق،لكن علينا أجاد إيفان." قلت له قبل أن انطلق أعمق في الضباب. بعد مده.... توقفت. رفع أرن رأسه وهو يشم الهواء. ثم قال بقلق: "هناك رائحة دم..." تجمدت. "...دم كثير." شعرت بأن قلبي هبط إلى قدمي. ركضت بأقصى سرعة. الأغصان كانت ترتطم بجسدي، لكنني لم أتوقف. "إيفان!" صرخت باسمه. لم يجبني أحد. فقط... الصمت. ثم... وصلتني رائحة أعرفها جيدًا. رائحة أخي. لكنها كانت ممزوجة بالدم. اتسعت عيناي. لا... لا... رجاءً لا. دفعت الأغصان بعنف. وفجأة... رأيته. كان ملقى بين الزهور البرية. ثيابه البيضاء أصبحت حمراء بالكامل. وسهم أسود مغروس قرب صدره. "إيفان!" عدت إلى هيئتي البشرية، وركضت نحوه بسرعة. ركعت بجانبه. رفعت رأسه بين ذراعي. كان شاحبًا بشكل لم أره عليه من قبل. حتى شفتيه... بدأ لونهما يميل إلى الأزرق. وضعت يدي على عنقه. نبضه... كان ضعيفًا. ضعيفًا جدًا. "إيفان!" هززته برفق. "افتح عينيك!" تحركت جفونه بصعوبة. فتح عينيه قليلًا. نظر إلي... لكن تركيزه كان مشوشًا. همس بصوت مبحوح: "...لوكا..." اقتربت أكثر. "أنا هنا." ابتلع بصعوبة. ثم قال كلمات جعلت الدم يتجمد في عروقي. "...أنجلي..." توقف ليلتقط أنفاسه. "...هي..." "...لافندر." اتسعت عيناي. "ماذا؟!" ظننت أنني سمعت خطأ. لكن إيفان هز رأسه ببطء. "هي..." "...حية." توقفت أنفاسي. ماذا يقول...؟ لافندر... حية...؟ شعرت بأن العالم كله توقف. حتى أرن داخلي صمت. ولأول مرة... لم أجد أي كلمة. لكن صوت إيفان أعادني. "...أنقذها..." نظر إلي بعينين امتلأتا بالألم. "أرجوك..." "...أنقذ لافندر." ثم ارتخت يده التي كانت تمسك بذراعي. وأغلقت عيناه. "إيفان!" وضعت أذني على صدره. كان قلبه لا يزال ينبض... لكن بصعوبة. صرخت بأعلى صوتي: "ساعدوني!" تردد صوتي بين الجبال. أمسكت وجهه بين يدي . "ايفان ارجوك لا تموت." لم أكن حتى استطيع تخيل ذلك،أنا اخسره أنه أخي. مرت لحظات الي أن....بعد ثوانٍ... بدأت أسمع خطوات كثيرة. كان هيفان أول من وصل، يتبعه أبي وأيان وعدد من الحراس. لكن... ما إن رأى هيفان ابنه غارقًا بدمائه... حتى تجمد مكانه. اتسعت عيناه. ولأول مرة منذ عرفته... رأيت الرعب الحقيقي في وجه ألفا وملك مملكة نورفاي. اقترب بخطوات مرتجفة. وركع أمام ابنه. وهمس بصوت بالكاد خرج: "...إيفان؟" لم يجبه أحد. نظرت إليه وأنا ما زلت أضغط على الجرح حتى لا ينزف أكثر. وقلت بصوت مرتجف: "علينا أن نخرجه من هنا... حالًا." لكن قبل أن أحمله... وقعت عيناي على شيء صغير بين الأعشاب. ورقة مطوية... ملطخة ببضع قطرات من الدم. فتحتها بسرعة. وكان مكتوبًا عليها بخط أسود: "إن أردتم استعادتها... فليأتِ وحده حين يستيقظ." أسفل الجملة... كان هناك رسم صغير. رمز... لم أره من قبل. لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا. هذه... لم تكن نهاية المطاردة. بل كانت بدايتها.من وجهة نظر إيفان لم أعد أحتمل الجلوس مع أحد. منذ أن عرفت الحقيقة... منذ أن عرفت أن لافندر كانت أمامي طوال هذا الوقت... وأنا أشعر وكأن شيئًا ينهش قلبي ببطء. صعدت إلى أعلى برج في القصر. كان المكان هادئًا. لا يسمع فيه سوى صفير الرياح. جلست على حافة الشرفة الحجرية، وبيدي كأس ممتلئ. ارتشفت منه بصمت. ثم مرة أخرى. وأخرى... حتى لم أعد أشعر بطعم الشراب. داخل رأسي... كان كل شيء مختلطًا. صوتها... ابتسامتها... ضحكتها عندما ركبت على ظهر إيف لأول مرة. نظراتها الخجولة. وهي ترتب الورود. وهي تضحك مع إيفونا. ثم... تلك اللحظة. حين وقفت أمامي لتتلقى الخنجر بدلًا عني. أغمضت عيني بقوة. "إيفان..." سمعت صوت إيف داخل رأسي. "توقف عن جلد نفسك." لم أجبه. "هي ما زالت حية." "وسنعيدها." ضحكت بسخرية. "أعيدها؟" "وأين هي؟" "هل تعرف مكانها؟" صمت إيف. فتابعت وأنا أحدق في السائل داخل الكأس. "أنا ألفا..." "ومع ذلك..." "...لا أستطيع حماية أهم شخص في حياتي." "هذا ليس ذنبك." "بل هو ذنبي." رفعت رأسي نحو السماء. كان القمر مكتملًا. يضيء الل
من وجهة نظر لينيا كانت قاعة العرش غارقة في صمت ثقيل. لم يعد أحد يجلس باسترخاء. الخرائط كانت مفروشة فوق الطاولة الطويلة، والرسائل تتكدس أمام الملك، بينما وقف القادة يناقشون احتمالات الهجوم القادم. كان الجميع يدرك... أن الأمر لم يعد يتعلق بخطف لافندر فقط. وقف زاك في مقدمة القاعة، ووجهه لم يفارق الجدية منذ عاد من لقائه بإيثان. تبادل نظرة مع الملك ألفرد، ثم قال بصوت هادئ لكنه حازم: "علينا أن نغير أولوياتنا." ساد الصمت. رفع الجميع أنظارهم إليه. أكمل: "حتى الأمس... كنا نظن أن مشكلتنا الوحيدة هي العثور على لافندر." توقف لحظة. ثم قال: "لكن هذا تغير." وضع يده على الطاولة. "الختم الإلهي... الذي صنعته الإلهة سيلين مع والدي كرستون قبل قرون..." "...قد انكسر." تغيرت ملامح الجميع. حتى ألفرد عقد حاجبيه. أما هيفان فقال بصدمة: "هل أنت متأكد؟" أغمض زاك عينيه للحظة. "رأيته بعيني." "ولم يكن مكسورًا فقط..." "...بل كان فارغًا." ارتجفت أصابعي دون أن أشعر. همست: "يعني..." رفع زاك نظره إلينا. "يعني أن آيروكا خرج." ساد صمت ثقيل. حتى الهواء بدا وكأنه توقف. قال أيان بصوت منخفض:
من وجهة نظر لافندر تجمدتُ في مكاني. صوت الجرس الذي دوّى في أنحاء القرية لم يكن عاديًا. كان يحمل شيئًا... جعل حتى الهواء يبدو ثقيلاً. رفعت رأسي نحو إيثان. كان ينظر من النافذة، وعيناه تضيقان بتركيز. أول مرة... أراه بهذه الجدية. همست بخوف: "إيثان... ماذا يحدث؟" لم يجب مباشرة. ظل يراقب الخارج لثوانٍ طويلة. ثم قال بصوت منخفض: "هذا الجرس لا يُقرَع إلا إذا اقترب خطر من القرية." ارتجف قلبي. "هل... وجدونا؟" قلت وشرارة أمل داخل. لكن فجأة .. أدار وجهه نحوي بسرعة. "لا." قالها بحزم. "لو كانوا هم..." "...لما كان هناك وقت لدق الجرس." شعرت بقليل من الارتياح. لكن التوتر بقي يخنقني. فجأة... ارتفع صوت طرقات متتالية على الباب. دق... دق... دق... تقدم إيثان وفتح الباب بحذر. وقف في الخارج رجل مسن، لحيته بيضاء وظهره منحنٍ قليلًا. كان يلهث. "إيثان..." "اجتمع أهل القرية في الساحة." "قالوا إن شيئًا غريبًا حدث عند الحدود." تردد الرجل قليلا وهو ينظر إلى إيثان وكأنه يريد قول شئ. "هل هناك شيء آخر." تردد قليلاً قبل أن يقول. "اعتقد أنه عاد." تجم
من وجهة نظر الملك نيروت كان الليل قد ابتلع مملكة الظل الأسود. السماء ملبدة بغيوم سوداء كثيفة، والرياح تعصف بأبراج القصر الحجري. وقف الحراس في مواقعهم كعادتهم... حتى... تجمد أحدهم فجأة. "مـ... ما هذا؟" رفع الجميع رؤوسهم. في منتصف ساحة القصر... بدأ الظلام يتجمع. لم يكن ضبابًا... ولا دخانًا. بل... ظلٌّ حي. دوامة سوداء ضخمة أخذت تكبر شيئًا فشيئًا، حتى غطّت أرض الساحة بالكامل. هبطت منها هالة جعلت الهواء نفسه يبدو أثقل. ارتجفت أيدي الحراس. وتراجع بعضهم خطوة دون وعي. "لا... لا يمكن..." همس أحد القادة وقد شحب وجهه. "هذه الهالة..." "...لم أشعر بها منذ مئات السنين." وفجأة... خرجت قدم من قلب الظلام. ثم الثانية. وببطء... ظهر رجل طويل القامة. شعره الأسود الطويل يلامس ظهره. عباءة سوداء تتحرك رغم أن الرياح توقفت تمامًا. وعينان... حمراوان بلون الدم. لكن أكثر ما أرعبهم... ذلك الظل الهائل خلفه. كأنه مخلوق عملاق يقف ملتصقًا بروحه. نظر إليهم بهدوء. ابتسم ابتسامة صغيرة. في اللحظة التالية... ركع أحد الحراس دون أن يشعر. ثم الثاني. ثم الثالث. حتى من حاول المقاومة... و
من وجهة نظر لافندر لم أستطع النوم. رغم دفء المنزل... ورغم هدوء القرية... كان هناك شيء في داخلي لا يهدأ. وقفت أمام النافذة، أتأمل الأضواء الصغيرة المنبعثة من البيوت الخشبية. ضحكات أطفال. رائحة خبز طازج. ونساء يتحدثن أمام منازلهن. كل شيء... بسيط. ودافئ. وكأن هذه القرية معزولة عن كل الحروب التي عرفتها. طرقات خفيفة على الباب قطعت شرودي. "ادخل." فتح الباب بهدوء. كان إيثان يحمل صينية عليها كوب شاي وبعض الخبز الساخن. اقترب ووضعها على الطاولة. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. "ظننت أنك لم تنامي." جلست على طرف السرير. "لم أستطع." ساد الصمت بيننا للحظات. ثم نظرت من جديد نحو القرية. وسألته بهدوء: "ما اسم هذه القرية؟" اقترب ووقف بجانب النافذة. "ليست لها شهرة كبيرة." "تقع قرب حدود مملكة الظل الأسود." تأملت البيوت مرة أخرى. "غريبة..." نظر إليّ. "ماذا؟" ابتسمت بخفة. "الجميع هنا يعامل بعضه بلطف." "لا أحد يبدو خائفًا." تنهد إيثان. "لأن أغلب من يعيش هنا..." "...هم أشخاص فقدوا بيوتهم." التفت إليه. "هاربون من الحروب." "أيتام." "أرامل." "أشخاص لم يعد لديهم مكان آخر." خفض
من وجهة نظر لافندر لم أكن أعرف كم مرّ من الوقت. جلست بصمت قرب نافذة الكوخ، أحدق في الغابة الممتدة أمامي. كل شيء هادئ... هادئ إلى درجة مخيفة. لكن قلبي... لم يعرف الهدوء منذ أن استعدت ذاكرتي. إيفان... أمي... أبي... هرلين... الجميع... هل ما زالوا يبحثون عني؟ أم أنهم فقدوا الأمل؟ شعرت بغصة تخنقني، وأخفضت رأسي. وفجأة... انفتح باب الكوخ بقوة. "لافندر!" رفعت رأسي بسرعة. دخل ، وكان يتنفس بسرعة وكأنه ركض مسافة طويلة. لكن أكثر ما أخافني... هو أنه لم يكن يبتسم. لأول مرة منذ عرفته... كان القلق واضحًا في عينيه. وقبل أن أنطق بحرف... وصل إليّ بخطوتين فقط، وضمني بقوة إلى صدره. تجمدت مكاني. "أ... أنت؟" كنت أشعر بسرعة نبضات قلبه. وهو يردد بصوت منخفض: "الحمد لله..." "...وصلت في الوقت المناسب." رمشت بعدم فهم. ثم دفعت صدره بخفة حتى ابتعد خطوة "ماذا حدث؟" رفع رأسه نحو النافذة، وكأنه يتأكد من شيء. ثم قال بسرعة: "علينا المغادرة." اتسعت عيناي. "الآن؟" أومأ. "فورًا." بدأ يجمع بعض الأغراض الموجودة في الكوخ. لم أفهم شيئًا. فسألته بتردد: "هل... هل وجدني أهلي؟" توقف لل
من وجهة نظر لافندر لم أستطع إخفاء سعادتي طوال الحفل. كلما نظرت إلى الجوهرة الحمراء التي أهداها لي إيفان... شعرت بأن قلبي يصبح أخف. لم تكن مجرد هدية. بل دليلًا على أنه تذكر. تذكر شيئًا قلته منذ سنوات. ولهذا السبب كانت أغلى من أي شيء آخر حصلت عليه في عيد ميلادي. ومع بداية الموسيقى... بدأ ال
من وجهة نظر إيفان بينما كان الجميع منشغلين داخل القصر... كنت أنا على ظهر حصاني. أشق طريقي عبر الغابات والوديان بسرعة جنونية. الرياح كانت تضرب وجهي. لكنني لم أبطئ. لمرة واحدة... لم أكن أفكر في التدريب. ولا في الصيد. ولا في شؤون المملكة. كل ما كان في رأسي... هو عيد ميلاد لافندر. تذكرت يو
من وجهة نظر لافندر بعد عودتنا إلى القصر... ذهب كل واحد إلى غرفته. أما أنا... فكنت أشعر وكأن رأسي ممتلئ بألف فكرة. من جهة... كنت مرتاحة. لأنه لم يكن هناك رفيق مجهول ينتظرني في السوق. ومن جهة أخرى... كلما تذكرت إيفان... شعرت بأن قلبي يزداد ارتباكًا. لم أعد أفهم نفسي. ولم أعد
من وجهة نظر لافندر وقفت أمام إيفان وأنا أراقبه بصمت. شيء ما لم يكن طبيعيًا. نعم... إيفان بارد دائمًا. متجهم دائمًا. ويتصرف وكأن العالم كله يزعجه. لكن هذا... كان مختلفًا. كأنه يضع جدارًا بيني وبينه. كأنه لا يريد حتى النظر إلي. شعرت بوخزة صغيرة في صدري. وأنا أكره هذا الشعور.







