LOGINمن وجهة نظر هرلين
لم أكن أعرف لماذا كان قلبي يؤلمني بهذا الشكل. منذ أن خرج إيفان من القصر وأنا أشعر بانقباض لا يزول، وكأن خيطًا خفيًا يربطني به كان يهتز بعنف. جلست للحظة... ثم وقفت. لا... لا أستطيع الجلوس. "جوليا..." همست داخل رأسي. جاءها صوت ذئبتي مضطربًا على غير عادته. "هناك شيء... أشعر به أيضًا." ارتجفت يدي. بدأت أسير في أروقة القصر بسرعة، أنظر يمينًا ويسارًا، أسأل الحراس والخدم. "هل رأيتم إيفان؟" "لا يا ملكتي." "متى خرج؟" "منذ بعض الوقت." كل إجابة كانت تزيد قلقي. وفجأة... سمعت صراخًا عند بوابة القصر. "افتحوا الطريق!" "المعالجين! بسرعة!" توقفت قدماي. ذلك الصوت... هيفان. ركضت بكل ما أملك. وحين وصلت... توقف الزمن. كان هيفان يحمل إيفان بين ذراعيه. ملابسه البيضاء أصبحت حمراء بالكامل. والسهم ما يزال مغروسًا في صدره. رأسه متدلٍ بلا حراك... والدم يقطر من أطراف أصابعه. "إ... إيفان..." خرج الاسم من شفتيها كهمسة مكسورة. لم أشعر بنفسي إلا وأنا أركض نحوه. "هيفان!" رفع هيفان رأسه إليها، وكانت عيناه حمراوين من شدة الغضب. "ابتعدي قليلًا... دعيهم ينقلونه أولًا." ....... ..... لكنها أمسكت بذراع ابنها. "إيفان... افتح عينيك... أرجوك..." لم يجب. كانت أنفاسه ضعيفة جدًا. ووجهه شاحبًا بصورة أرعبتها. انهمرت دموعها دون أن تشعر. "لا... لا تفعلها بي مرة أخرى..." همست وهي ترتجف. "لا أستطيع خسارته..." دخل الجميع خلفهم إلى جناح العلاج. المعالجون أحاطوا بالسرير فورًا. "أخرجوا الجميع." لكن هرلين هزت رأسها بعنف. "لن أخرج." نظر إليها كبير المعالجين ثم قال بهدوء: "إذن... أرجوكِ لا تقتربي أثناء نزع السهم." هزت رأسها بصعوبة. وقفت عند رأس السرير. وأمسكت يد ابنها الباردة. بدأ أحدهم يفحص السهم. تغير لون وجهه. "اللعنة..." رفع الجميع رؤوسهم إليه. "ما الأمر؟" قال المعالج بصوت خافت: "السهم مسموم." ساد الصمت. ثم انفجر زاك غضبًا. "أي نوع من السم؟!" أجاب المعالج: "ليس سمًا عاديًا... إنه يمنع التئام الجروح، ويستمر بالنزف." تصلبت ملامح هيفان. أما هرلين... فشعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها. شدت على يد إيفان أكثر. "أرجوك..." همست وهي تبكي. "لا تتركني..." بدأ المعالجون العمل. أحدهم أمسك السهم. والآخر جهز دواءً سحريًا. "ثبّتوه." أمسك هيفان كتفي إيفان بقوة. ثم... سحبوا السهم. صرير خافت.. وصوت تمزق اللحم. اندفع الدم بغزارة. شهقت هرلين وهي تغطي فمها بيدها. "إيفان!" لكن ابنها لم يفق. ظل ساكنًا. كأن جسده استسلم. بدأت الأدوية السحرية توقف النزيف ببطء. واحد... اثنان... ثلاثة... حتى أخيرًا هدأ النزيف. تنفس الجميع الصعداء. لكن كبير المعالجين لم يبتسم. قال بجدية: "الجرح استقر..." "...لكن السم دخل جسده." اقترب هيفان. "وسيعيش؟" صمت الرجل لحظة. ثم قال: "لا أستطيع أن أعدكم بشيء. انهارت هرلين. جلست بجانب السرير وهي تبكي بصمت. أخذت تمسد شعر ابنها الأبيض كما كانت تفعل وهو صغير. "أتذكر..." قالت بصوت مرتجف. "حين كنت تخاف من الكوابيس..." "كنت تأتي إلى غرفتي وتقول..." ابتسمت وسط دموعها. "...أمي، الوحوش لا تدخل إذا كنتِ بجانبي." انكسر صوتها تمامًا. "أنا هنا يا صغيري..." "لذلك..." "افتح عينيك..." "فالوحوش لن تقترب منك." وقف هيفان خلفها. وضع يده على كتفها. كان يحاول أن يبدو قويًا. لكن قبضته المرتجفة فضحته. همس بصوت منخفض: "سيعيش." لم يلتفت إليها. وكأنه كان يقنع نفسه أكثر مما يقنعها. "ابننا أقوى من هذا." لكن داخل رأسه... كان هيف يزأر بغضب. "من فعل هذا..." "سأمزقه قطعةً قطعة." وفي زاوية الغرفة... كان لوكا واقفًا وعيناه لا تفارقان إيفان. قبض على سيفه بقوة حتى ابيضت مفاصله. وقال في نفسه: "أقسم... سأجد ذلك الوغد." "وسأجعله يندم على اليوم الذي مد فيه يده نحو أخي." وخارج القصر... كانت الرياح تعصف بقوة. وكأنها تحمل معها بداية حرب... لم يدرك أحد بعد حجمها الحقيقي.من وجهة نظر زاكلم أفهم سبب تبدّل ملامح إيثان فجأة.قبل لحظات كان يقاتلني...والآن كان يحدق نحو السماء، وكأن الدم هرب من وجهه.تبعته بنظري.بعيدًا...خلف غابة مملكة دارك...ارتفع عمود هائل من الضوء الفضي، شقّ السماء حتى بدا وكأنه يصل إلى القمر نفسه.هبّت الرياح بقوة.وتمايلت الأشجار بعنف.أما إيثان...فهمس بصوت بالكاد سمعته:"لا...""لا... مستحيل..."قطبت حاجبي."إيثان... ماذا يحدث؟"لكنه لم يجب.فجأة ركض بأقصى سرعته نحو القصر."إيثان!"انطلقت خلفه مباشرة.كان يركض وكأنه يهرب من كابوس.اخترق ممرات القصر القديمة، ثم نزل درجات حجرية لم أرها منذ أكثر من خمسٍ وعشرين سنة.رائحة الرطوبة ملأت المكان.والجدران القديمة كانت مغطاة برموز سحرية باهتة.استمر بالنزول حتى وصل إلى باب حجري ضخم.رفع يده المرتجفة...ودفعه.صدر صوت احتكاك ثقيل، وانفتح الباب ببطء.دخلت خلفه...وتجمدت في مكاني.في منتصف القاعة...كان هناك ختم سحري دائري محفور في الأرض.لكن...كان محطّمًا.الشقوق امتدت في كل اتجاه.والطاقة الفضية التي كانت تتدفق منه بدأت تختفي شيئًا فشيئًا.همس إيثان وهو ينظر إليه بصدمة:"انكسر الحاجز..."
من وجهة نظر زاك كنت أحدق فيه... في وجه صديقي القديم. أو... الشخص الذي كان يومًا صديقي. كم مرة وقفنا في هذا المكان ونحن نتدرب بالسيوف؟ كم مرة ضحكنا هنا؟ وكم مرة وعدنا بعضنا ألا يفرقنا شيء؟ تنهدت ببطء. "إيثان..." "ما زال بإمكانك التراجع." ابتسم. ابتسامة صغيرة... لكنها كانت فارغة. "التراجع؟" رفع سيفه قليلًا. "أنا تراجعت مرة واحدة في حياتي..." "وكانت أكبر غلطة ارتكبتها." ساد الصمت. ثم اندفع كلانا في اللحظة نفسها. ارتطم السيفان بقوة، وارتد كل منا خطوة إلى الخلف. كان كما أتذكره... بل أقوى. أسرع. أكثر هدوءًا. لكن عيناه... كانتا مليئتين بالحزن أكثر من الغضب. دار حولي ببطء. "هل تعرف..." قال وهو لا يرفع نظره عني. "كنت أظنك أخًا." ابتلعت ريقي. "وأنا أيضًا." توقف. ثم ضحك ضحكة خافتة. "وهذا هو سبب كرهـي لك." --- هبّت الرياح بقوة. وتطايرت أوراق الأشجار بيننا. وقف كل منا يراقب الآخر. كما لو أننا لا نبحث عن ثغرة... بل عن بقايا الشخص الذي عرفناه يومًا. قال فجأة: "أتذكر أول مرة التقينا؟" ابتسمت رغم نفسي. "كنتَ تحاول سرقة التفاح." رفع حاجبًا. "بل كنت جائعًا.
من وجهة نظر زاك تلك الليلة... لم أنم. بقيت في المكتبة وأنا ماذلت غارق في أفكاري. في النهاية.... عدت إلى غرفتنا بصمت، فوجدت لينيا تنتظرني. ما إن رأتني حتى نهضت. لم تسأل أين كنت. ولم تسأل لماذا كانت عيناي مثقلتين بذلك القدر من التعب. اقتربت فقط... وأمسكت يدي. ابتسمت ابتسامة صغيرة، ثم قادتني نحو السرير. استلقت بجانبي، ووضعت رأسها فوق صدري. سمعت زفيرها الهادئ... بينما كنت أحدق في سقف الغرفة. مرّت لحظات طويلة قبل أن تهمس: "زاك..." "همم؟" رفعت يدها ولمست وجهي برفق. "كل ما أتمناه..." توقفت، ثم ابتسمت بحزن. "...أن تعود لافندر." "وأن نجلس جميعًا حول مائدة واحدة." "أنت... وأنا... وهي...ولوكا..." ارتجف صوتها. "...وننسى كل هذا الألم." أغمضت عيني. وضممتها إليّ أكثر. "سيحدث." قلت ذلك... لكنني لم أكن أعرف إن كنت أواسيها... أم أحاول إقناع نفسي. --- مع شروق الشمس كان الضباب يغطي المكان. وقفت تحت شجرة البلوط القديمة. المكان لم يتغير. الصخرة نفسها. البحيرة نفسها. حتى النسيم... ما زال يحمل الرائحة ذاتها. مرّت دقائق... ثم.
من وجهة نظر زاك لم أستطع أن أشيح نظري عن الورقة. كانت بين أصابعي... لكنها شعرت وكأنها أثقل من جبل. "تعال وحدك غدًا عند شروق الشمس... إلى المكان الذي دفنّا فيه وعدنا." أعدت قراءة الجملة مرة... ثم مرتين... ثم للمرة العاشرة. لم تتغير. لم تكن خدعة. ذلك المكان... لا يعرفه سوى شخصين. أنا... وهو. أطبقت يدي على الورقة حتى تجعدت. "لماذا الآن...؟" همست بها. "بعد كل هذه السنوات..." رفع رأسي نحو السماء. القمر كان مكتملًا. تمامًا... كما كان في الليلة التي افترقنا فيها.بقيت واقفاً لمدة طويلة دون أن أشعر.إلي أن شعرت ببعض قطرات المطر الخفيف.مر نسيم الهواء البارد على وجهي.نضرت إلي الأفق لم يكن هناك سوى الفراغ. تنهدت ببطء. ثم بدأت أعود نحو القصر. كل خطوة كانت أثقل من التي قبلها. كانت الذكريات تلاحقني بلا رحمة. ضحكته... صوته... تحدياتنا بالسيوف. ووعدنا الصغير. "إذا افترقنا يومًا... سنعود دائمًا إلى هذه الشجرة." أغمضت عيني للحظة. "وأنت..." "...كسرت ذلك الوعد." --- وصلت إلى القصر بعد منتصف الليل. كان كل شيء هادئًا. الممرات خالية. والشموع تحترق بنورها الخافت. ظننت
من وجهة نظر زاك لم أعد أسمع شيئًا مما يدور حولي. المعالجون... الحراس... أصوات النقاش... كلها أصبحت بعيدة. عيناي بقيتا معلقتين على تلك الورقة المطوية داخل يدي. "اشتقت إليك..." همست بيني وبين نفسي بصوت يكاد لا يُسمع: "مستحيل..." ذلك الخط... وذلك الرمز... لا يمكن أن يكونا لشخص آخر. شعرت فجأة بيد دافئة تستقر فوق كتفي. التفت ببطء... كانت لينيا. كانت تنظر إلي بعينيها الحمراوين الممتلئتين بالقلق. ابتسمت ابتسامة صغيرة، بالكاد ظهرت. اقتربت أكثر، ثم رفعت يدها ولمست خدي برفق. "زاك..." همست. "أنت لست بخير." أغلقت عيني للحظة. "أنا..." تنهدت بصعوبة. "...سأكون بخير." هزت رأسها برفض. "لا تكذب علي." وضعت كلتا يديها على وجهي. "سنجدها." ابتسمت بحنان رغم الدموع التي لم تجف من عينيها. "لافندر قوية... إنها ابنتنا." "...وأنا متأكدة أنها تنتظرنا." لأول مرة منذ ساعات... شعرت بشيء يخفف ذلك الثقل داخل صدري. مددت ذراعي ببطء... وضممتها إلي. دفنت وجهي بين خصلات شعرها الفضي. رائحتها... رائحة المطر والورد الليلي... كانت دائمًا قادرة على تهدئ
من وجهة نظر زاك كانت الغابة هادئة... هادئة أكثر مما يجب. حتى أصوات العصافير اختفت. لم يبق سوى وقع أقدامنا فوق الأوراق اليابسة. كان إيفان يسير رغم شحوب وجهه، بينما لوكا لا يبتعد عنه خطوة واحدة. أما أنا... فكان شعور ثقيل يضغط على صدري. كلما توغلنا أكثر... كلما أصبحت الرائحة مألوفة بطريقة أكرهها. همس لوكا داخل رأسي: "أبي... هناك شيء ليس طبيعيًا." أجبته: "أعرف." توقفت فجأة. رفعت رأسي ببطء. على جذع شجرة عملاقة... كان هناك رمز منحوت بخطوط دقيقة. توقف نفسي. "..." اقتربت منه دون شعور. مددت يدي ولمست الحفر القديم. همست بصوت بالكاد خرج: "مستحيل..." استدار الجميع نحوي. قال هيفان بقلق: "تعرف هذا الرمز؟" لم أجب. كنت أحدق فيه فقط. ذلك الرمز... كنت أنا وشخص واحد فقط نستخدمه عندما كنا صغارًا. علامة... لا يعرفها أحد. انخفض بصري. فرأيت ورقة بيضاء مثبتة بخنجر صغير أسفل الشجرة. نزعتها بسرعة. فتحتها... وبدأت أقرأ. > "عزيزي زاك..." > "أتمنى أنك تشتاق إلي كما اشتق إليك." > "وأتمنى... أنك لم تنسني." > "لكنني متأكد... أنك لم تنس." ارتجفت يدي. وسقطت الورقة قليلًا. هم
من وجهة نظر إيفان عندما استيقظت في الصباح... أول شيء انتبهت له هو أن الحرق اختفى تقريبًا. لم يعد ذلك الألم المزعج موجودًا. تفقدت ذراعي. بعض الاحمرار فقط. "على الأقل هي تعرف ما تفعله." تمتمت. إيف: "طبعًا تعرف. البنت أنقذتك خلال ساعات." تجاهلته. وتوجهت نحو المغسلة. لكن ذئبي لم يكن ينوي الس
من وجهة نظر أنجلي مهما حاول لوكا وإيفان أن يعرفا ما الذي حدث... لم أخبرهما بالحقيقة. قلت فقط إنني شعرت بدوار مفاجئ. وبعد عدة دقائق... اقتنع لوكا أخيرًا. أو على الأقل تظاهر بذلك. أما إيفان... فبقي ينظر إلي وكأنه لا يصدق كلمة واحدة. "أنا بخير." قلت للمرة الثالثة. "وأنا أصدقك للم
من وجهة نظر أنجلي كنت ما أزال غير مصدقة ما أراه. جلد إيفان كان أحمر بشكل مخيف. وبعض الأماكن بدأت تلتهب أكثر من غيرها. "هذا ليس طبيعيًا..." همست وأنا أخرج عدة أعشاب من الخزانة. ثم بدأت أخلطها مع بعض القوارير السحرية التي تركتها أمي. كنت أتحرك بسرعة. لأنني أعرف هذا النوع من السموم.
من وجهة نظر إيفان جلست تحت إحدى الأشجار القريبة من المعبد. الهواء كان هادئًا. وأصوات الناس القادمة من المملكة بعيدة بالكاد تُسمع. لكن رأسي... لم يكن هادئًا أبدًا "الأمر يزداد غرابة." تمتمت. داخل رأسي تنهد إيف. إيف: "أنا أخبرك منذ أيام." أغمضت عيني. "رائحتها." إيف: "أعرف."







