ログインهرلين
بعد أيام طويلة داخل سيلفرا، حان وقت العودة أخيرًا إلى نورفاي. ورغم أنني كنت سعيدة بالعودة إلى موطني… شعرت بشيء صغير داخلي يحزن لأن الرحلة قاربت على النهاية. طوال الطريق، كان هيفان يسير بجانبي بهدوئه المعتاد، لكن الفرق الآن أن المسافة بيننا اختفت تمامًا. أحيانًا يمد يده ليساعدني على النزول من مكان مرتفع. وأحيانًا أشعر بنظرته فوقي فقط ليتأكد أنني بخير. حتى جوليا كانت سعيدة بشكل لا يطاق. ومع حلول الليل، اضطررنا للتوقف وسط الغابة لأن الثلوج أصبحت كثيفة والطريق خطيرًا. بدأ هيفان بإشعال النار بينما جمعت أنا بعض الأشياء للطعام. جلست قرب النار أطبخ بهدوء، بينما صوت احتراق الحطب والهواء البارد حولنا جعلا المكان يبدو هادئًا بشكل غريب. كنت أخلط الطعام داخل القدر الصغير عندما شعرت بنظراته عليّ. رفعت رأسي نحوه بخجل: — “ماذا؟” بقي ينظر إلي للحظة قبل أن يقول بهدوء: — “أنتِ تتصرفين وكأننا في بيتنا.” اتسعت ابتسامتي قليلًا دون وعي. — “ربما لأنني مرتاحة معك.” تجمد لثانية قصيرة، ثم أبعد نظره نحو النار وكأنه يحاول إخفاء شيء ما. أما أنا… فشعرت بقلبي يدق أسرع. بعد أن انتهينا من الطعام، جلسنا قرب النار بينما الثلج يتساقط بخفة حولنا. وفجأة، شعرت به يسحبني نحوه دون كلمة. شهقت بخفة قبل أن أستقر داخل حضنه مباشرة. لف ذراعيه حولي، ثم دفن وجهه داخل شعري الفضي بهدوء. أغمضت عيني تلقائيًا وأنا أشعر بدفء جسده رغم البرد. — “هيفان…” همست بخجل. — “همم؟” — “أصبحت متملكًا جدًا.” ضحك بخفة منخفضة قرب أذني. — “وأنتِ اكتشفتِ ذلك متأخرًا.” احمر وجهي فورًا بينما بدأت جوليا تضحك داخلي. وبعد لحظات من الصمت، رفعت رأسي نحوه بابتسامة صغيرة: — “ما رأيك بسباق؟” رفع حاجبه باستغراب خفيف. — “سباق؟” أومأت بحماس: — “لكن بشكل الذئاب.” ظهرت نظرة مختلفة داخل عينيه فورًا. وخلال ثوانٍ، سمح كلانا لذئبيه بالخروج. تحولت أنا إلى ذئبة رمادية فاتحة بفرو ناعم وعينين فضيتين لامعتين، بينما وقف هيفان أمامي بهيئته الضخمة البيضاء. وفي اللحظة التي رآني بها… رفع رأسه مطلقًا عواءً قويًا مليئًا بالحماس، حتى إن هيف داخل عقله بدا سعيدًا كطفل. — “إنها جميلة.” ضحكت جوليا بسعادة قبل أن أنطلق راكضة بين الأشجار. وخلال ثانية فقط، لحقني هيفان بسرعة مرعبة. بدأنا نركض وسط الثلوج كطفلين، نتجاوز الأشجار والصخور بينما الرياح الباردة تضرب فراءنا. كلما اقترب مني، أسرعت أكثر وأنا أضحك داخليًا. لكن بالطبع… في النهاية، أمسك بي. اصطدم جسده الضخم بي بلطف فوق الثلج، قبل أن يطلق هيف صوتًا سعيدًا كأنه فاز بأعظم جائزة. وبعد وقت طويل من اللعب والركض… عدنا قرب النار أخيرًا. تحولنا لشكلنا البشري مجددًا، ثم استلقيت قرب هيفان دون تفكير. لف ذراعه حولي فورًا، بينما دفنت رأسي في صدره الدافئ. ورغم أن الهواء كان متجمدًا… إلا أن وجوده وحده جعلني أشعر بالدفء. في الصباح، فتحت عيني ببطء لأجد نفسي ما أزال داخل حضنه. كان نائمًا بهدوء نادر، وشعره الأبيض مبعثر قليلًا فوق جبينه. بقيت أتأمله لثوانٍ طويلة. حتى وهو نائم… كان وسيمًا بشكل خطير. ضحكت بخفة وأنا أرفع يدي لألعب بخصلات شعره البيضاء الناعمة. تحرك قليلًا، ثم فتح إحدى عينيه الزرقاوين ببطء. — “ماذا تفعلين؟” سأل بصوت ناعس وخافت جعل قلبي يذوب. ابتسمت بخجل: — “لا شيء.” أمسك يدي فجأة قبل أن يغمض عينيه مجددًا. — “استمري.” اتسعت ابتسامتي فورًا بينما بدأت جوليا تصرخ من السعادة داخل رأسي. وبعد ساعات طويلة من السفر… ظهرت أخيرًا بوابات نورفاي الجليدية أمامنا. وما إن دخلنا حتى عمّت الضجة المكان. الخدم، المحاربون، وحتى أهل القصر رحبوا بعودتنا بحماس. لكن شيئًا آخر لفت انتباه الجميع بسرعة. رائحتي. أو بالأصح… الرائحة المختلطة بي الآن. رائحة ألفا الجليدي هيفان أصبحت واضحة عليّ بشكل لا يمكن إخفاؤه. لاحظت نظرات الذئاب حولنا فورًا، وبعضهم بدأ يبتسم بخفة بينما آخرون انحنوا باحترام أكبر. حتى أيان اتسعت عيناه بصدمة قبل أن ينظر بيني وبين هيفان بسرعة. أما أنا… فاحمر وجهي بالكامل. بينما وقف هيفان بجانبي بهدوء وكأنه لا يهتم بنظرات الجميع… لكن ذراعه التفّت حول خصري بتملك واضح وكأنه يقول للجميع دون كلمات: إنها ملكي.من وجهة نظر أفيني. مع مرور الأيام، بدأت أشعر أنني أصبحت أكثر اعتيادًا على حياتي الجديدة داخل مملكة نايت فورد. الغريب أنني لم أعد أشعر بذلك الخوف الشديد كلما كنت أقف بالقرب من الملك لايرس كما في الأيام الأولى. صحيح أنني ما زلت أتوتر كلما اقترب مني أو تحدث معي، لكنني أصبحت أحب الأوقات التي أرافقه فيها أثناء شربه للشاي أو عندما يقرأ كتبه بصمت بينما أقوم بترتيب مكتبه. بل إنني بدأت أكتشف أن هناك جانبًا مختلفًا منه لا يعرفه الكثيرون. كان هادئًا أكثر مما ينبغي، وكأنه يحمل فوق كتفيه أشياء لا يستطيع إخبار أحد عنها. وفي ذلك اليوم، وبعد يوم طويل من العمل، عدت أخيرًا إلى غرفتي وأنا أتمنى فقط أن أغط في النوم حتى صباح الغد. لكن بعد دقائق قليلة، سمعت طرقات خفيفة على الباب. "ادخلي." فتحت صوفي الباب وهي تحمل معها إبريقًا صغيرًا من الشاي وبعض الحلوى التي أحضرتها من مطبخ القصر. ابتسمت لها وهي تجلس بجانبي فوق الأريكة الصغيرة الموجودة في الغرفة. "يبدو أنك متعبة اليوم." ضحكت بخفة وأنا أتنهد. "الملك كان مشغولًا طوال اليوم، لذلك كان عليّ أن أركض خلفه في نصف أنحاء القصر." ضحكت صوفي قليلًا قبل أن
من وجهة نظر أفيني. بصراحة، منذ حادثة الصباح وأنا لا أفهم ما الذي يجري مع الملك لايرس. أقصد، كيف يمكن لشخص أن يغضب لمجرد أنني تحدثت مع أحد الحراس لمدة دقيقة واحدة فقط؟ ثم يقول لي بكل هدوء إنني "ملكه" ما دمت أعمل لديه؟ حتى الآن لا أعرف إن كان هذا أمرًا طبيعيًا بالنسبة لملوك نايت فورد أم أن ملكنا فقط غريب الأطوار قليلًا. على أي حال، قررت أن أتوقف عن التفكير بالأمر، لأنني إذا حاولت فهمه أكثر فمن المحتمل أن أصاب بالجنون قبل أن أجد طريقة للعودة إلى منزلي. حل الليل أخيرًا، وكان موعد العشاء قد حان. رتبت الطاولة كما أفعل كل يوم، وتأكدت من أن الشاي بدرجة الحرارة التي يفضلها، وأن جميع الأطباق موضوعة في أماكنها الصحيحة. ثم وقفت في مكاني المعتاد بالقرب من الحائط أنتظر وصوله. خمس دقائق... عشر دقائق... ثم خمس عشرة دقيقة أخرى. رفعت رأسي قليلًا نحو الساعة المعلقة على الحائط وأنا أعبس بخفة. "هذا غريب." عادةً لا يتأخر عن موعد العشاء أبدًا. حتى صوفي أخبرتني منذ أيام أنه أكثر شخص منظم عرفته في حياتها. لذلك، وبعد أن تأكدت من أن الطعام سيبرد قريبًا، قررت أن أذهب للاطمئنان عليه. طرقت باب جناح
من وجهة نظر أفيني. مر أسبوع كامل، ثم تبعه أسبوع آخر دون أن أشعر كيف مضى الوقت. الغريب في الأمر أنني بدأت أعتاد هذا العالم شيئًا فشيئًا. في البداية كنت أظن أنني سأهرب في أول فرصة تتاح لي، لكن مع مرور الأيام بدأت أشعر بالفضول تجاه مملكة نايت فورد أكثر فأكثر. كانت مملكة جميلة ومختلفة تمامًا عن نورفاي. فإذا كانت نورفاي تشبه الشتاء الأبدي والثلوج البيضاء، فإن نايت فورد كانت تشبه الليل الهادئ. حتى القصر الملكي بني من حجارة سوداء تتزين بخطوط فضية جعلته يبدو وكأنه خرج من إحدى القصص الخيالية. أما بالنسبة لعملي... فقد أصبح جزءًا من روتيني اليومي. أستيقظ قبل شروق الشمس، وأساعد في تجهيز ملابس الملك، وأتأكد من أن طعامه جاهز في موعده، وأرافقه أحيانًا أثناء اجتماعاته المهمة حتى أحضر له ما يحتاج إليه. وخلال هذين الأسبوعين اكتشفت الكثير من الأشياء عنه. أولها أن اسمه هو "لايرس". بصراحة، تفاجأت قليلًا عندما أخبرتني صوفي باسمه، لأنه بدا اسمًا مناسبًا له بطريقة غريبة. وثانيها أنه ليس مخيفًا كما كنت أعتقد. أعني... نعم، هو مرعب عندما يغضب على ما يبدو، لكنني لم أره يغضب ولو مرة واحدة منذ وصولي إل
من وجهة نظر أيفني. إذا كان هناك شيء واحد تعلمته خلال أول يوم لي في هذا العالم، فهو أن العمل خادمةً لدى ملك اليكان أصعب بكثير من النجاة من تدريبات والدي إيفان في طفولتي. بل وأكثر رعبًا بقليل من غضب جدي زاك عندما كنت أسرق قطع الحلوى الخاصة به. بعد أن قبل الملك أن أعمل لديه، خرجت أنا وصوفي من جناحه الخاص، وما إن أغلق الباب خلفنا حتى أطلقت الزفير الذي كنت أحبسه طوال الوقت. نظرت إليَّ صوفي بفخر وكأنني نجحت في اجتياز اختبار دخول الجيش الملكي. "أهنئك." رمشت عدة مرات باستغراب. "على ماذا؟" "لقد نجوتِ." "..." "هناك ثلاث خادمات بكين خلال أول خمس دقائق من مقابلته." بصراحة، لا أعلم إن كان عليّ الشعور بالفخر أو بالخوف أكثر. وبعدها بدأت رحلتي الحقيقية مع العمل. اكتشفت أن الملك شخص منظم بشكل مرعب. فكل شيء في جناحه مرتب بدقة شديدة، حتى الكتب الموجودة داخل مكتبته كانت مرتبة بحسب أحجامها وألوان أغلفتها! كما اكتشفت أنه لا يحب الفوضى إطلاقًا. خلال الصباح، كان عليَّ تحضير طاولة الإفطار، ثم الانتظار بجانب الباب حتى ينتهي من تناول طعامه في حال احتاج إلى شيء. وبالمناسبة... كا
من وجهة نظر أفيني. إذا كان هناك شيء تعلمته خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، فهو أن القدر يكرهني. حقًا، لا أجد تفسيرًا آخر لما يحدث معي. فأنا انتقلت إلى عالم آخر، وكدت أُعدم قبل أن أستيقظ، وأصبحت خادمة لدى ملك مرعب يقتلع الأشجار عندما يغضب، والآن أنا أقف أمام المرآة منذ الفجر أحاول ألا أموت في أول يوم عمل لي. استيقظت قبل شروق الشمس كما طلبت مني صوفي، وما إن انتهيت من غسل وجهي حتى دخلت الغرفة وهي تحمل بين يديها فستانًا بسيطًا لكنه جميل للغاية. كان بلون العسل الفاتح تتداخل معه خيوط بيضاء ناعمة عند أطرافه، كما أن تصميمه كان أنيقًا بشكل لا يليق بخادمة عادية. "ألستِ متأكدة أنه خاص بالخادمات؟" سألتها بتردد. ضحكت وهي تعطيني الفستان. "بالطبع! الملك يكره الأشخاص غير المرتبين، لذلك حتى خدم القصر يجب أن يكونوا في أفضل مظهر لهم." بدأت أشعر أنني أعمل لدى شخص مهووس بالكمال قليلًا. بعد أن ارتديته وساعدتني صوفي في ترتيب شعري، خرجنا متجهتين نحو جناح الملك. طوال الطريق كانت تعطيني تعليمات جديدة جعلتني أتساءل إن كنت سأتمكن من تذكر اسمي في النهاية. "أولًا، لا ترفعي رأسك أمام الملك." "حسنًا.
من وجهة نظر الكاتب. حلَّ الليل أخيرًا فوق القصر الملكي، وكانت أفيني ما تزال جالسة قرب النافذة وهي تنظر إلى القمرين المعلقين في سماء هذا العالم الغريب. ورغم جمال المنظر، لم تستطع منع نفسها من التفكير في عائلتها وفي ما إذا كانوا بخير الآن. قطع صوت طرقات خفيفة على الباب شرودها. "أدخلي." دخلت صوفي وهي تحمل صينية كبيرة مليئة بالطعام الساخن، وكان يعلو وجهها تعبير جاد لم تره أفيني منذ استيقاظها. وضعت الصينية فوق الطاولة ثم جلست بجانبها. "حسنًا، لقد حان الوقت للحديث الجدي." رمشت أفيني باستغراب. "عن ماذا؟" تنهدت صوفي قبل أن تقول: "عن كيفية بقائكِ على قيد الحياة ابتداءً من الغد." ساد الصمت داخل الغرفة للحظات. "هل الأمر بهذا السوء؟" "أسوأ." شعرت أفيني أن حياتها أصبحت أكثر صعوبة مع كل دقيقة تمضي في هذا العالم. أخذت صوفي نفسًا عميقًا قبل أن تبدأ بالشرح. "أولًا، استيقظي قبل شروق الشمس. الملك يستيقظ مبكرًا جدًا ويكره الأشخاص الكسالى." "حسنًا." "ثانيًا، لا توقظيه من نومه." "هذا طبيعي." "ثالثًا، لا تلمسي أغراضه الخاصة." "مفهوم." "رابعًا، لا تسأليه عن البركة المقدسة مهما حدث." هن
الراوي بعد أن هدأت هرلين قليلًا… جلس الجميع في غرفة الجلوس الكبيرة. هيفان شرح كل شيء بالتفصيل. من العصير… للغرفة… ولاعتراف ليندي نفسها. حتى لايرا شهدت بكل ما رأته. وكان واضحًا أن الصدمة ضربت الجميع. والد هرلين بقي صامتًا فترة طويلة وهو يضغط على يده بغضب. أما أمها… فكانت تبكي وهي تضم هرل
هرلين اليومين الماضيين… كانوا أسوأ يومين بحياتي. كنت أبكي حتى يئلموني صدري… حتى عيوني اصبحت تحرقني من كثرة الدموع. وكلما حاولت أتوقف… أتذكر هيفان معها. فأنهار من جديد. حتى جوليا داخل رأسي كانت تحاول تهدئتي. — “اهدئي… أنتِ حامل.” لكن الألم كان أكبر من أن يهدأ. أما لينيا… فلم تتركني لحظة
هيفان تراجعت ليندي للخلف لأول مرة… وكان الخوف واضحًا بعينيها. أما أنا… فكنت أشعر أن الغضب داخل جسدي صار شيئًا حيًا. اقتربت منها خطوة أخرى. ثم قلت بصوت منخفض ومرعب: — “أنتِ لا تفهمين ماذا فعلتِ.” بلعت ريقها بتوتر. لكنها حاولت تتمسك ببرودها. — “أنا فقط أحببتك.” ضحكت بسخرية مظلمة. — “الحب؟
هيفان مرّ اليوم وكأنه سنة كاملة. القصر كله كان غارقًا بصمت ثقيل… حتى الخدم صاروا يمشون بهدوء وكأنهم يخافون أن يوقظوا الألم المنتشر بالمكان. أما أنا… فكنت ما أزال واقفًا أمام باب غرفة هرلين. لم أتحرك. لم أترك الباب ولو لثانية. كل ما كنت أسمعه من الداخل… كان بكاءها المتقطع. وكل مرة كنت أسمع






