登入هرلين
بعد مرور عدة أشهر داخل نورفاي، تغيرت أشياء كثيرة. لم يعد أحد ينظر إليّ كابنة بيتا القصر فقط… بل كرفيقة الألفا الجليدي هيفان. وفي اليوم الذي أعلن فيه أمام الجميع أنني رفيقته المقدّرة، تحولت المملكة بالكامل إلى احتفال ضخم. القصر كان مضاءً بالأنوار الفضية والزرقاء، والثلج المتساقط بدا وكأنه يلمع تحت ضوء القمر. حتى الموسيقى ملأت الأرجاء. أما الملك الفريد والملكة، فبديا أسعد شخصين في المملكة. الملكة عانقتني بحنان وهي تقول: — “كنت أعلم منذ البداية أن ابني لن ينظر إلى فتاة هكذا إلا إذا كانت قدَره.” أما الملك فضحك بصوته العميق وهو يربت على كتف هيفان: — “أخيرًا وجدت من يستطيع التعامل مع برودك.” حتى هيفان… ابتسم فعلًا تلك الليلة. ابتسامة حقيقية جعلت قلبي يذوب. وخلال الاحتفال، لم يتركني لحظة واحدة. كلما اقترب مني أحد، كانت ذراعه تلتف حول خصري مباشرة، وكأنه يذكر الجميع أنني له. وبصراحة… لم أكن أمانع ذلك أبدًا. ومع مرور الوقت، بدأت مسؤولياته كألفا تزداد أكثر. أحيانًا كان يختفي لساعات طويلة داخل الاجتماعات أو مع المحاربين. وأحيانًا كنت أستيقظ فلا أجده بجانبي، فأشعر بذلك الفراغ البارد فورًا. لكن مهما انشغل… كان يعود إلي دائمًا. أحيانًا أفتح باب غرفتي فأجده هناك ينتظرني بصمت. وأحيانًا أستيقظ في منتصف الليل لأجده يعانقني وكأنه لم يحتمل الابتعاد أكثر. حتى جوليا كانت تقول دائمًا: — “مهما حاول، يعود إلينا في النهاية.” ومع الوقت… عاد كل شيء دافئًا ومريحًا بيننا كما كان. صرنا نخرج معًا إلى الغابة، أو نجلس قرب البحيرة الجليدية، أو نقضي أمسيات هادئة داخل المكتبة بينما هيفان يتظاهر بالقراءة لكنه في الحقيقة يراقبني طوال الوقت. لكن خلال الأسابيع الأخيرة… بدأت أشعر بالتعب كثيرًا. في البداية ظننت أن الأمر بسبب قلة النوم أو كثرة نشاطات القصر. لكن الدوخة أصبحت تتكرر. مرة في الحديقة. ومرة أثناء التدريب مع أبي. حتى أثناء الطعام، شعرت فجأة بأن العالم يدور حولي. ولحسن الحظ، كان هيفان دائمًا يلاحظ قبل الجميع. في إحدى المرات، كنت جالسة معه على مائدة العشاء عندما فقدت توازني فجأة. لكن قبل أن أسقط… أمسكني فورًا. اتسعت عيناه بقلق وهو يهمس: — “هرلين؟” طمأنته بسرعة أنني بخير، لكن القلق لم يختفِ من نظرته. وخلال الأيام التالية، بدأت جوليا تتصرف بغرابة. كانت سعيدة بشكل مبالغ فيه. ثم أخيرًا همست داخلي ذات صباح: — “أعتقد… أننا سنصبح أمًا.” تجمدت بالكامل. — “ماذا؟!” ضحكت جوليا بسعادة: — “أشعر بذلك بوضوح.” وضعت يدي فوق بطني ببطء، بينما بدأت الدموع تتجمع داخل عيني دون وعي. كنت سعيدة… سعيدة بطريقة لم أعرفها من قبل. ولذلك قررت أن أخبر هيفان بطريقتي الخاصة. في تلك الليلة، وجدته داخل غرفتنا يخلع معطفه بعد عودته من اجتماع طويل. اقتربت منه بابتسامة صغيرة بينما كان ينظر إلي بتعب واضح. — “هيفان…” رفع عينيه نحوي فورًا. اقتربت أكثر ثم همست بخفة: — “ألا تشم شيئًا مختلفًا؟” عقد حاجبيه باستغراب، ثم اقترب مني ببطء. وخلال ثانية واحدة فقط… تغيرت ملامحه بالكامل. تجمد. اتسعت عيناه الزرقاوان بشكل لم أره من قبل. ثم نظر إلي بعدم تصديق حقيقي. — “هرلين…” خرج اسمي من شفتيه وكأنه لا يصدق. ابتسمت والدموع داخل عيني: — “أعتقد أننا سنرزق بطفل.” وفي اللحظة التالية… عانقني بقوة شديدة حتى ضحكت، ثم حملني بين ذراعيه ودور بي داخل الغرفة لأول مرة دون أن يهتم ببروده المعتاد. حتى هيف داخل عقله كان يعوي بسعادة هستيرية. أما هيفان… فبدأ يطبع قبلات سريعة فوق جبيني وشعري وهو يضحك بخفة نادرة. — “حقًا؟” أومأت وأنا أضحك ودموعي تنزل في الوقت نفسه. ولأول مرة… رأيته يبدو سعيدًا بالكامل هكذا. وعندما انتشر الخبر داخل نورفاي… احتفلت المملكة بأكملها. الملك الفريد أعلن إقامة احتفال جديد. والملكة بكت فعلًا من الفرح وهي تعانقني. حتى أيان بدأ يتصرف وكأنه الحارس الشخصي لي، يمنعني من فعل أي شيء متعب. أما هيفان… فأصبح أكثر حماية وتعلقًا بي من أي وقت مضى. وكأن وجودي أنا وطفلنا… أصبح عالمه بالكامل.من وجهة نظر إيفان كانت نورفاي مختلفة تلك الليلة. هادئة أكثر مما يجب. هادئة بطريقة تجعل القلب ينقبض. وقفت على شرفة القصر المرتفعة أراقب المملكة الممتدة تحت السماء المظلمة. الشوارع التي كانت مليئة بالحياة أصبحت شبه فارغة. بعد أوامر الملك ألفريد تم إجلاء معظم المدنيين إلى المناطق الآمنة. لم يبق سوى الجنود والمحاربين. والذين كانوا يتحركون في الأسفل كالنمل. يحملون الصناديق. يشحذون السيوف. ويستعدون لما سيأتي. رفعت رأسي نحو السماء. كانت النجوم واضحة الليلة. بشكل غريب. وكأن العالم يحاول أن يبدو هادئًا قبل العاصفة. ثم... وصلتني رائحة أعرفها جيدًا. رائحة الزهور الليلية. استدرت. فوجدتها. لافندر. كانت تمشي نحوي بهدوء. وشعرها الأسود الطويل يتحرك مع نسيم الليل. توقفت بجانبي. ثم نظرت نحو المملكة هي الأخرى. وبقيت صامتة للحظات. قبل أن تقول بهدوء: "لم أتخيل يومًا أن أرى نورفاي بهذا الشكل." أومأت بصمت. ثم قلت: "ولا أنا." ساد الصمت مجددًا. لكن هذه المرة لم يكن مزعجًا. كان مريحًا. وكأن وجودها وحده يكفي. بعد فترة قصيرة قالت: "هل تعتقد أننا سننتصر؟" نظرت نحو الأفق. ثم
من وجهة نظر هيفان استمر اجتماع الحرب لساعات طويلة. كانت الخريطة الضخمة تغطي معظم الطاولة بينما وقف الجميع حولها.أبي كان يشرح آخر التقارير القادمة من الحدود. أما أنا وزاك وأيان وألنيوس فبدأنا نضع الاحتمالات المختلفة لهجوم سيلفورد. بعد نقاش طويل ظهرت الخطة التي وافق عليها الجميع. سيلفورد كان يظن أن قوته الحقيقية هي جيشه الضخم وأسلحته الفضية. لذلك قررنا أن نجعله يعتقد أنه يسيطر على سير المعركة. سنسمح له بالتقدم نحو السهل الواسع أمام المملكة. مكان يبدو وكأنه أفضل نقطة للهجوم. لكن في الحقيقة كان فخًا. سيتم إخفاء جزء من قواتنا داخل الغابات المحيطة. بينما يبقى الجيش الرئيسي أمام الأسوار. وعندما يندفع جيش سيلفورد بكامل قوته... سنغلق عليهم من الجانبين. وفي نفس الوقت يستخدم زاك ولافندر سحر استدعاء الموتى لإثارة الفوضى خلف خطوط العدو. أما الملك ألفريد... فهو من سيتولى مواجهة سيلفورد بنفسه. لأن الجميع يعلم أن تلك المواجهة لا يمكن أن يقوم بها أحد غيره. عندما انتهى الاجتماع كان الليل قد حل. والإرهاق واضح على الجميع. غادرت القاعة أخيرًا. وعدت إلى غرفتي. ... عندما دخلت وجدت هر
من وجهة نظر إيفان خلال اليومين التاليين تغير كل شيء في نورفاي. لم يعد أحد يضحك كما كان. لم تعد الممرات مليئة بالأحاديث الهادئة. في كل مكان كان هناك جنود. أسلحة. دروع. أوامر. ورائحة الحرب التي بدأت تقترب أكثر فأكثر. حتى القرى القريبة من الحدود بدأت تستقبل المصابين والناجين من هجمات سيلفورد. أما داخل القصر فكان الجميع يستعدون للأسوأ. في ذلك الصباح كنت أمر قرب جناح لافندر عندما سمعت صوت ارتطام قوي. تجمدت. ثم اندفعت نحو الغرفة. عندما دخلت وجدت زاك ولينيا يركضان إليها. أما لافندر... فكانت ممددة على الأرض. فاقدة للوعي. شعرت بانقباض غريب في صدري. ركعت بجانبها فورًا. بينما كان زاك يهز كتفيها بقلق. — "لافندر." — "لافندر!" بعد لحظات طويلة فتحت عينيها ببطء. رمشت عدة مرات. ثم ابتسمت وكأن شيئًا لم يحدث. — "لماذا تنظرون إلي هكذا؟" كاد زاك ينفجر. — "سقطت مغشيًا عليك!" — "هل هذا يبدو أمرًا عاديًا؟" جلست لافندر ببطء. ثم قالت بعنادها المعتاد: — "أنا بخير." — "مجرد تعب." — "لم أنم جيدًا." لكن أحدًا لم يقتنع. خصوصًا زاك. اقترب منها
الراويبعد ساعات من اجتماع الحرب، كانت المملكة كلها بحالة استنفار. الجنود يجهزون الأسلحة، الحراس ينتشرون فوق الأسوار، والخدم يركضون في الممرات حاملين الرسائل والأوامر.أما في القصر، فكان القلق يزداد مع كل دقيقة.في صباح اليوم التالي اجتمع الجميع في قاعة المجلس. كان ألفريد جالسًا على رأس الطاولة بينما وقف هيفان وزاك وأيان وألنيوس ولوكا وإيفان حول الخريطة الضخمة للمملكة.قال ألفريد بصوت هادئ لكنه حازم: "إن كان سيلفورد يملك جيشًا بالحجم الذي وصفه لوكا فلن يهاجم مباشرة. سيبحث أولًا عن نقاط ضعفنا."أومأ ألنيوس موافقًا وأضاف: "ولهذا علينا أن نحمي القرى القريبة من الحدود قبل أي شيء."بدأ الجميع يناقشون الخطط، لكن إيفان كان شاردًا قليلًا. لم يستطع منع نفسه من التفكير بلافندر. منذ حادثة إغمائها وهو يشعر بشيء غريب كلما رآها.في الجهة الأخرى من القصر كانت لافندر جالسة مع لينيا وهرلين وإيلينا في الحديقة الملكية. حاولت أن تبدو طبيعية لكنها كانت تشعر بثقل غريب داخل صدرها.لاحظت هرلين ذلك.اقتربت منها وسألت بلطف: "ما بك يا صغيرتي؟"ابتسمت لافندر بسرعة وقالت: "لا شيء."لكن هرلين لم تقتنع.فهي تعرف هذ
الراوي بعد أن انتهى حديث ألفريد مع إيلينا...بقي واقفًا قرب النافذة الكبيرة في مكتبه.الليل كان قد غطى نورفاي بالكامل.لكن النوم كان آخر شيء يمكن أن يفكر فيه الآن.كان يشعر بثقل السنوات كلها فوق كتفيه.شقيقه عاد.والمرة هذه لم يعد كأخ.بل كعدو.تنهد ألفريد ببطء.ثم استدار نحو الطاولة.ومد يده نحو البلورة السحرية الخاصة بالتواصل.أضاءت البلورة بلون أزرق.وبعد لحظات ظهر وجه ألنيوس.والد هرلين وببيتا المملكة.نظر إليه ألنيوس فورًا.— "ألفريد."— "أظن أنني أعرف سبب اتصالك."أومأ الملك بصمت.ثم شرح له ما أخبرهم به لوكا.ومع كل كلمة كان وجه ألنيوس يزداد جدية.حتى انتهى الحديث.ساد الصمت لثوانٍ.ثم قال ألنيوس بهدوء:— "أعرف أن ذلك صعب عليك."— "في النهاية هو أخوك."انخفضت عينا ألفريد قليلًا.لكن ألنيوس أكمل:— "لكن تذكر شيئًا واحدًا."— "من يخن مرة..."— "قد يخون ألف مرة."ساد الصمت.ثم تابع:— "لقد أعطيته فرصة."— "وأنت تعرف هذا."— "وأنت لم تظلمه."— "هو من اختار طريقه بنفسه."قبض ألفريد يده.وكان يعلم أن كلام ألنيوس صحيح.لكنه لم يجعل الأمر أسهل.ففي النهاية...كان ذلك الرجل أخاه.أخاه ا
من وجهة نظر الملك ألفريد بعد أن انتهى لوكا من رواية ما رآه... ساد الصمت في قاعة العرش. صمت ثقيل. خانق. كنت أحدق في الفراغ. لكن عقلي لم يكن هنا. كان هناك... قبل عشرات السنين. أيام كنا أنا وسيلفورد شابين. أخوين. أو هكذا كنت أعتقد. قبضت يدي بقوة. حتى أن المفاصل ابيضّت. فجأة نهضت من العرش. — "استدعوا القادة." التفت الجميع نحوي. — "وأرسلوا أوامر إلى جميع الحاميات." — "أريد تعزيز الأسوار." — "مضاعفة الحراسة." — "وتجهيز الجيش بالكامل." نظر هيفان إلي بجدية. أما البقية ففهموا من نبرة صوتي أن الأمر أخطر مما يعتقدون. — "إن كان سيلفورد حقًا خلف هذا..." — "فهذه لن تكون مناوشة صغيرة." — "إنها حرب." ارتسم التوتر على وجوه الجميع. حتى لافندر. حتى إيفان. حتى زاك. الجميع شعر بالخطر. لكن فجأة... تكلم هيفان. — "أبي." رفعت عيني نحوه. كان عابسًا. — "لماذا لم تخبرنا؟" تجمدت القاعة. — "كل هذه السنوات..." — "كان لديك أخ." — "وعدو بهذا الحجم." — "ولم تقل شيئًا." تنهدت ببطء. وأغمضت عيني. — "لأنني كنت أظن أن الأمر انتهى." ساد الصمت. ثم أكملت. — "حين هزمته..." — "اخت