Share

69

last update publish date: 2026-05-26 03:17:59

هرلين

خرجنا أخيرًا من عالم الأرواح.

وما إن صعدت آخر درجة من ذلك الدرج الطويل حتى شعرت وكأنني أتنفس من جديد.

الهواء البارد الحقيقي.

رائحة الغابة.

وصوت الرياح بين الأشجار.

كل شيء بدا مختلفًا الآن.

أكثر دفئًا.

أكثر حياة.

التفتُّ خلفي ببطء نحو لينيا، وما زلت غير مصدقة أنها تمشي معنا فعلًا.

ليست روحًا.

ليست حلمًا.

بل حقيقية.

وكان زاك يسير قربها وكأنه يخشى أن تختفي لو ابتعد خطوة واحدة فقط.

حتى نظراته لها كانت مليئة بشيء جعل قلبي يدفأ.

حب قديم…

تعب كثيرًا قبل أن يعود إليه.

أما هيفان فكان يمشي بجانبي ويده لم تترك يدي منذ خرجنا.

كل بضع دقائق كان ينظر إليّ وإلى بطني وكأنه يتأكد أننا بخير.

بعد ما حدث مع نايت…

أعتقد أنه لن يتركني وحدي أبدًا مجددًا.

وعندما وصلنا أخيرًا إلى المعبد القديم…

توقفت خطواتنا.

لأن أيان كان جالسًا قرب النار وحده.

يبدو متعبًا بسبب إصابته، لكنه كان مستيقظًا ينتظرنا.

وفور أن رفع رأسه…

وتوقفت عيناه على لينيا…

تجمد بالكامل.

حتى الكأس الذي كان بيده وقع على الأرض.

بقي يحدق بها وكأنه رأى شبحًا.

أو حلمًا مستحيلًا.

ثم وقف بسرعة رغم ألمه.

— “لينيا…؟”

خرج اسمها منه بصوت مخنوق.

أما لينيا…

فنظرت إليه بعينين ممتلئتين بالدموع.

وبدون أي كلمة ركضت نحوه.

وعانقته بقوة.

حتى أيان بقي متجمدًا للحظات قبل أن يعانقها هو أيضًا وكأنه أخيرًا صدق أنها عادت.

— “أنتِ حية…”

همسها وهو يضغط عليها بقوة.

ثم ابتعد قليلًا وهو ينظر إليها بعدم تصديق.

— “مستحيل…”

ضحكت لينيا بخفة وسط دموعها.

أما أنا…

فوقفت أراقبهم وقلبي ممتلئ بشعور غريب.

دفء.

راحة.

وكأن قطعة ناقصة من عائلتنا عادت أخيرًا.

لكن فجأة لاحظت لينيا تنظر حولها بتوتر.

ثم احمر وجهها فجأة بشكل لطيف.

رمشت باستغراب.

لكن عندما وقعت عيناها على المعبد…

ثم على زاك…

فهمت فورًا.

شهقت بخفة.

— “لا تقولي لي…”

غطت لينيا وجهها بسرعة وهي تتمتم بخجل:

— “هرلين!”

أما زاك…

فلأول مرة رأيته يبتسم بهذه الطريقة.

ابتسامة حقيقية مليئة بالمكر والحنان بنفس الوقت.

اقترب منها قليلًا وهمس بشيء قرب أذنها جعل وجهها يحمر أكثر.

حتى أيان نضر إليه بصدمة وقال:

— “لحظة… لا أريد معرفة أي شيء!”

انفجرت ضاحكة فورًا.

حتى هيفان ابتسم بخفة هذه المرة.

وبعد كل ما عشناه…

كانت هذه أول لحظة أشعر فيها أن كل شيء بخير حقًا.

قررنا أن نبقى الليلة هنا.

خصوصًا أن أيان ما زال بحاجة للراحة.

أما العودة إلى المملكة…

فستكون صباح الغد.

ومع حلول الليل…

أشعلنا النار وجلسنا حولها.

كانت الأجواء هادئة بشكل جميل.

حتى الغابة لم تعد مخيفة كما كانت بالأمس.

جلس زاك قرب لينيا وكأنه ما زال غير قادر على الابتعاد عنها.

أما هي…

فبدأت تحكي لنا عن حياتها معه بعد أن وجدت نفسها في أرض مصاصي الدماء.

كيف كان يسرق لها الحلوى وهي صغيرة.

وكيف كان يغضب كلما اقترب منها أحد.

وكيف كان يتظاهر بالبرود رغم أنه متعلق بها بشكل واضح.

حتى زاك بدا محرجًا قليلًا لأول مرة.

بينما أيان كان يضحك عليه بلا رحمة.

أما أنا…

فبقيت أراقبهم بابتسامة.

وأشعر بسعادة غريبة داخل صدري.

رفعت رأسي قليلًا…

وأسندته على كتف هيفان.

فورًا شعرت به يلف ذراعه حولي بحماية.

رفعت عيني نحو لينيا ثم قلت بهدوء:

— “أعتقد… أننا الاثنان محظوظتان، أليس كذلك؟”

ابتسمت لينيا فورًا.

ثم أسندت رأسها على كتف زاك هي الأخرى.

— “أعتقد ذلك أيضًا.”

أما أيان…

فنظر إلينا نحن الأربعة بنظرة درامية مضحكة جدًا قبل أن يقول:

— “جميل… وأنا سأبقى الوحيد التعيس هنا.”

ضحكت فورًا.

حتى لينيا رمت عليه قطعة خشب صغيرة وهي تضحك:

— “توقف عن التصرف كضحية.”

أما هيفان…

فخفض رأسه قليلًا وقبّل شعري بهدوء.

بينما النار تشتعل أمامنا…

ولأول مرة منذ وقت طويل جدًا…

شعرت أن عائلتنا أصبحت كاملة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • قلب من جليد    319

    من وجهة نظر أفيني. مع مرور الأيام، بدأت أشعر أنني أصبحت أكثر اعتيادًا على حياتي الجديدة داخل مملكة نايت فورد. الغريب أنني لم أعد أشعر بذلك الخوف الشديد كلما كنت أقف بالقرب من الملك لايرس كما في الأيام الأولى. صحيح أنني ما زلت أتوتر كلما اقترب مني أو تحدث معي، لكنني أصبحت أحب الأوقات التي أرافقه فيها أثناء شربه للشاي أو عندما يقرأ كتبه بصمت بينما أقوم بترتيب مكتبه. بل إنني بدأت أكتشف أن هناك جانبًا مختلفًا منه لا يعرفه الكثيرون. كان هادئًا أكثر مما ينبغي، وكأنه يحمل فوق كتفيه أشياء لا يستطيع إخبار أحد عنها. وفي ذلك اليوم، وبعد يوم طويل من العمل، عدت أخيرًا إلى غرفتي وأنا أتمنى فقط أن أغط في النوم حتى صباح الغد. لكن بعد دقائق قليلة، سمعت طرقات خفيفة على الباب. "ادخلي." فتحت صوفي الباب وهي تحمل معها إبريقًا صغيرًا من الشاي وبعض الحلوى التي أحضرتها من مطبخ القصر. ابتسمت لها وهي تجلس بجانبي فوق الأريكة الصغيرة الموجودة في الغرفة. "يبدو أنك متعبة اليوم." ضحكت بخفة وأنا أتنهد. "الملك كان مشغولًا طوال اليوم، لذلك كان عليّ أن أركض خلفه في نصف أنحاء القصر." ضحكت صوفي قليلًا قبل أن

  • قلب من جليد    318

    من وجهة نظر أفيني. بصراحة، منذ حادثة الصباح وأنا لا أفهم ما الذي يجري مع الملك لايرس. أقصد، كيف يمكن لشخص أن يغضب لمجرد أنني تحدثت مع أحد الحراس لمدة دقيقة واحدة فقط؟ ثم يقول لي بكل هدوء إنني "ملكه" ما دمت أعمل لديه؟ حتى الآن لا أعرف إن كان هذا أمرًا طبيعيًا بالنسبة لملوك نايت فورد أم أن ملكنا فقط غريب الأطوار قليلًا. على أي حال، قررت أن أتوقف عن التفكير بالأمر، لأنني إذا حاولت فهمه أكثر فمن المحتمل أن أصاب بالجنون قبل أن أجد طريقة للعودة إلى منزلي. حل الليل أخيرًا، وكان موعد العشاء قد حان. رتبت الطاولة كما أفعل كل يوم، وتأكدت من أن الشاي بدرجة الحرارة التي يفضلها، وأن جميع الأطباق موضوعة في أماكنها الصحيحة. ثم وقفت في مكاني المعتاد بالقرب من الحائط أنتظر وصوله. خمس دقائق... عشر دقائق... ثم خمس عشرة دقيقة أخرى. رفعت رأسي قليلًا نحو الساعة المعلقة على الحائط وأنا أعبس بخفة. "هذا غريب." عادةً لا يتأخر عن موعد العشاء أبدًا. حتى صوفي أخبرتني منذ أيام أنه أكثر شخص منظم عرفته في حياتها. لذلك، وبعد أن تأكدت من أن الطعام سيبرد قريبًا، قررت أن أذهب للاطمئنان عليه. طرقت باب جناح

  • قلب من جليد    317

    من وجهة نظر أفيني. مر أسبوع كامل، ثم تبعه أسبوع آخر دون أن أشعر كيف مضى الوقت. الغريب في الأمر أنني بدأت أعتاد هذا العالم شيئًا فشيئًا. في البداية كنت أظن أنني سأهرب في أول فرصة تتاح لي، لكن مع مرور الأيام بدأت أشعر بالفضول تجاه مملكة نايت فورد أكثر فأكثر. كانت مملكة جميلة ومختلفة تمامًا عن نورفاي. فإذا كانت نورفاي تشبه الشتاء الأبدي والثلوج البيضاء، فإن نايت فورد كانت تشبه الليل الهادئ. حتى القصر الملكي بني من حجارة سوداء تتزين بخطوط فضية جعلته يبدو وكأنه خرج من إحدى القصص الخيالية. أما بالنسبة لعملي... فقد أصبح جزءًا من روتيني اليومي. أستيقظ قبل شروق الشمس، وأساعد في تجهيز ملابس الملك، وأتأكد من أن طعامه جاهز في موعده، وأرافقه أحيانًا أثناء اجتماعاته المهمة حتى أحضر له ما يحتاج إليه. وخلال هذين الأسبوعين اكتشفت الكثير من الأشياء عنه. أولها أن اسمه هو "لايرس". بصراحة، تفاجأت قليلًا عندما أخبرتني صوفي باسمه، لأنه بدا اسمًا مناسبًا له بطريقة غريبة. وثانيها أنه ليس مخيفًا كما كنت أعتقد. أعني... نعم، هو مرعب عندما يغضب على ما يبدو، لكنني لم أره يغضب ولو مرة واحدة منذ وصولي إل

  • قلب من جليد    316

    من وجهة نظر أيفني. إذا كان هناك شيء واحد تعلمته خلال أول يوم لي في هذا العالم، فهو أن العمل خادمةً لدى ملك اليكان أصعب بكثير من النجاة من تدريبات والدي إيفان في طفولتي. بل وأكثر رعبًا بقليل من غضب جدي زاك عندما كنت أسرق قطع الحلوى الخاصة به. بعد أن قبل الملك أن أعمل لديه، خرجت أنا وصوفي من جناحه الخاص، وما إن أغلق الباب خلفنا حتى أطلقت الزفير الذي كنت أحبسه طوال الوقت. نظرت إليَّ صوفي بفخر وكأنني نجحت في اجتياز اختبار دخول الجيش الملكي. "أهنئك." رمشت عدة مرات باستغراب. "على ماذا؟" "لقد نجوتِ." "..." "هناك ثلاث خادمات بكين خلال أول خمس دقائق من مقابلته." بصراحة، لا أعلم إن كان عليّ الشعور بالفخر أو بالخوف أكثر. وبعدها بدأت رحلتي الحقيقية مع العمل. اكتشفت أن الملك شخص منظم بشكل مرعب. فكل شيء في جناحه مرتب بدقة شديدة، حتى الكتب الموجودة داخل مكتبته كانت مرتبة بحسب أحجامها وألوان أغلفتها! كما اكتشفت أنه لا يحب الفوضى إطلاقًا. خلال الصباح، كان عليَّ تحضير طاولة الإفطار، ثم الانتظار بجانب الباب حتى ينتهي من تناول طعامه في حال احتاج إلى شيء. وبالمناسبة... كا

  • قلب من جليد    315

    من وجهة نظر أفيني. إذا كان هناك شيء تعلمته خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، فهو أن القدر يكرهني. حقًا، لا أجد تفسيرًا آخر لما يحدث معي. فأنا انتقلت إلى عالم آخر، وكدت أُعدم قبل أن أستيقظ، وأصبحت خادمة لدى ملك مرعب يقتلع الأشجار عندما يغضب، والآن أنا أقف أمام المرآة منذ الفجر أحاول ألا أموت في أول يوم عمل لي. استيقظت قبل شروق الشمس كما طلبت مني صوفي، وما إن انتهيت من غسل وجهي حتى دخلت الغرفة وهي تحمل بين يديها فستانًا بسيطًا لكنه جميل للغاية. كان بلون العسل الفاتح تتداخل معه خيوط بيضاء ناعمة عند أطرافه، كما أن تصميمه كان أنيقًا بشكل لا يليق بخادمة عادية. "ألستِ متأكدة أنه خاص بالخادمات؟" سألتها بتردد. ضحكت وهي تعطيني الفستان. "بالطبع! الملك يكره الأشخاص غير المرتبين، لذلك حتى خدم القصر يجب أن يكونوا في أفضل مظهر لهم." بدأت أشعر أنني أعمل لدى شخص مهووس بالكمال قليلًا. بعد أن ارتديته وساعدتني صوفي في ترتيب شعري، خرجنا متجهتين نحو جناح الملك. طوال الطريق كانت تعطيني تعليمات جديدة جعلتني أتساءل إن كنت سأتمكن من تذكر اسمي في النهاية. "أولًا، لا ترفعي رأسك أمام الملك." "حسنًا.

  • قلب من جليد    314

    من وجهة نظر الكاتب. حلَّ الليل أخيرًا فوق القصر الملكي، وكانت أفيني ما تزال جالسة قرب النافذة وهي تنظر إلى القمرين المعلقين في سماء هذا العالم الغريب. ورغم جمال المنظر، لم تستطع منع نفسها من التفكير في عائلتها وفي ما إذا كانوا بخير الآن. قطع صوت طرقات خفيفة على الباب شرودها. "أدخلي." دخلت صوفي وهي تحمل صينية كبيرة مليئة بالطعام الساخن، وكان يعلو وجهها تعبير جاد لم تره أفيني منذ استيقاظها. وضعت الصينية فوق الطاولة ثم جلست بجانبها. "حسنًا، لقد حان الوقت للحديث الجدي." رمشت أفيني باستغراب. "عن ماذا؟" تنهدت صوفي قبل أن تقول: "عن كيفية بقائكِ على قيد الحياة ابتداءً من الغد." ساد الصمت داخل الغرفة للحظات. "هل الأمر بهذا السوء؟" "أسوأ." شعرت أفيني أن حياتها أصبحت أكثر صعوبة مع كل دقيقة تمضي في هذا العالم. أخذت صوفي نفسًا عميقًا قبل أن تبدأ بالشرح. "أولًا، استيقظي قبل شروق الشمس. الملك يستيقظ مبكرًا جدًا ويكره الأشخاص الكسالى." "حسنًا." "ثانيًا، لا توقظيه من نومه." "هذا طبيعي." "ثالثًا، لا تلمسي أغراضه الخاصة." "مفهوم." "رابعًا، لا تسأليه عن البركة المقدسة مهما حدث." هن

  • قلب من جليد    104

    إيفان ركض زاك وهو يحمل لافندر بين ذراعيه وكأن العالم كله سينهار إذا تأخر ثانية واحدة. جسدها كان مرتخيًا بشكل مخيف… وشعرها الأسود الطويل ينسدل فوق ذراعه بينما الدم ما زال ظاهرًا قرب أنفها. ولما دخلنا الكوخ… شهقت خالتي لينيا بقوة. ثم ركضت نحونا فورًا. — “لافندر!” صوتها كان مرتجفًا لدرجة جعلت

  • قلب من جليد    103

    إيفان مرّ يومان بسرعة… وكان الجميع يستعدون للعودة إلى القصر. الخدم يجهزون الأغراض، والخيول تم تجهيزها بالخارج، بينما امتلأ الكوخ بأصوات الحركة والحديث. لكن رغم كل ذلك… كان هناك شعور سيء يخنق صدري منذ الصباح. ذلك النوع من الإحساس الذي يجعل ذئبي الداخلي مستيقظًا ومتوتّرًا. وقف أبي قرب النافذة

  • قلب من جليد    102

    لافندر حلّ الليل أخيرًا على الكوخ… والجو صار أهدأ بكثير بعد يوم طويل مليء بالفوضى. النار المشتعلة في منتصف الصالة كانت ترسل دفئًا جميلًا، وصوت الحطب وهو يحترق امتزج مع ضحكات الجميع وأحاديثهم. كنت جالسة قرب لوكا على الأرض، بينما الكل تجمع حول الملك الفريد وهو يحكي قصة قديمة عن شبابه. وكانت الم

  • قلب من جليد    101

    لافندر استيقظتُ ذلك الصباح بحماس غريب. ربما لأن الجو كان جميلًا… أو لأن الغابة هنا مختلفة عن غابات القصر. فتحت عيني ببطء، ثم جلست بسرعة فوق السرير وأنا أبتسم وحدي. ضوء الشمس كان يتسلل من نافذة الكوخ الخشبي، وصوت العصافير بالخارج جعل المكان يبدو هادئًا بشكل مريح. نهضت فورًا وبدأت أجهز نفسي بسر

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status