登入هرلين
بقيت وحدي داخل الكوخ بعد خروج هيفان، بينما كان صوت الرياح الباردة يمر بين الأشجار خارجًا. بعد أن ارتديت فستاني بهدوء، جلست قرب النافذة الصغيرة أنتظر عودته. قلبي كان هادئًا بطريقة غريبة، وكأن وجوده وحده جعل كل خوفي يختفي. وبعد مدة، انفتح الباب أخيرًا. رفعت رأسي بسرعة لأراه يدخل وهو يحمل جرة ماء وبعض الطعام الذي اصطاده. كان شعره الأبيض مبللًا قليلًا، وقطرات الماء تنزل فوق عنقه وكتفيه، مما جعل وجهي يحمر دون سبب. أما هو، فاكتفى بالنظر إلي بهدوء قبل أن يضع الأشياء قرب النار وكأن هذا المشهد طبيعي تمامًا بالنسبة له. .... بعد أن انتهيت من الاستحمام بالماء الدافئ الذي أحضره لي، شعرت أخيرًا أن التعب والخوف بدآ يختفيان من جسدي. خرجت من خلف الستار الصغير داخل الكوخ لأجد هيفان جالسًا قرب النار يشوي الطعام بهدوء. كانت ألسنة النار تعكس ضوءًا دافئًا فوق شعره الأبيض، بينما انتشرت رائحة الطعام في المكان. اقتربت بخجل وجلست بجانبه، فناولني قطعة صغيرة دون أن يقول شيئًا. ورغم صمته، شعرت براحة غريبة معه. جلسنا نأكل بهدوء، أحيانًا تتلاقى أعيننا فأخفض نظري بسرعة، بينما كانت جوليا داخلي تضحك عليّ بلا رحمة بسبب توتري الواضح كلما اقترب مني أكثر. .... حين قررنا العودة إلى سيلفرا، كنت متعبة جدًا لدرجة أن خطواتي أصبحت أبطأ مع الوقت. حاولت إخفاء ذلك، لكن هيفان لاحظه فورًا. توقف فجأة، ثم نظر إلي بصمت قبل أن يسمح لذئبه بالظهور. خلال ثوانٍ، تحول إلى ذئب أبيض ضخم بعينين زرقاوين لامعتين. اتسعت عيناي بإعجاب رغم أنني رأيته سابقًا بهذا الشكل. اقترب مني ثم انخفض قليلًا، وكأنه يطلب مني الركوب فوق ظهره. ارتبكت فورًا ورفضت بخجل، لكنه زمجر بخفة وكأنه لا يقبل الاعتراض. وفي النهاية، أجبرني بنظراته الحادة على الصعود. وما إن أمسكت بفروه الأبيض الدافئ حتى انطلق بين الثلوج بسرعة جعلت الرياح تضرب وجهي بينما ضحكت دون وعي لأول مرة منذ وقت طويل. ما إن وصلنا إلى القصر حتى عمّت الفوضى المكان. الحراس تحركوا بسرعة، والخدم بدأوا يتهامسون فور رؤيتنا. وحين دخلنا إلى القاعة الرئيسية، ركضت ألين نحوي أولًا وهي تبكي من شدة الارتياح، بينما تنفس الملك كيراف الصعداء أخيرًا. حتى سيران سوليف بدا متوترًا قبل أن يلاحظ شيئًا فجأة. الصمت الذي ملأ المكان بعدها جعل وجهي يحمر مباشرة. الجميع شعر بالأمر… رائحة الرابط بيني وبين هيفان كانت واضحة لدرجة أن الذئاب حولنا أدركوا الحقيقة فورًا. أما هيفان، فبقي هادئًا كعادته، رغم أن نظراته نحوي أصبحت مختلفة تمامًا الآن. ... أصر هيف على البقاء بهيئة الذئب حتى بعد أن أوصلني إلى غرفتي. وما إن أغلق الباب خلفنا حتى استلقى قرب السرير بهدوء، بينما كان فروه الأبيض يبدو ناعمًا ودافئًا بشكل خطير. لم أستطع مقاومة الرغبة بلمسه، فاقتربت وجلست بجانبه ببطء، ثم بدأت أمرر أصابعي داخل فروه الكثيف. أغلق عينيه وكأنه يستمتع بذلك رغم محاولته الظهور ببرود. ضحكت بخفة وأنا أملس أذنه البيضاء، ففتح إحدى عينيه الزرقاوين ينظر إلي بتحذير جعلني أضحك أكثر. حتى جوليا داخل رأسي كانت سعيدة بشكل هستيري. وبصراحة… رؤية ألفا مخيف مثل هيفان يتصرف بهدوء معي بهذه الطريقة جعلت قلبي يذوب تمامًا. "أنت ذئب لطيف ليس كذلك" قلت وأنا أداعب فرو وجهه لكن نضراته الحاد جعلتني اكتم ضحكتي. كنت أعرف أنه حتى لو حاول اخفاء ذلك ،فهو يستمتع بهذا. _وكنت احب ذلك.من وجهة نظر إيفان كانت نورفاي مختلفة تلك الليلة. هادئة أكثر مما يجب. هادئة بطريقة تجعل القلب ينقبض. وقفت على شرفة القصر المرتفعة أراقب المملكة الممتدة تحت السماء المظلمة. الشوارع التي كانت مليئة بالحياة أصبحت شبه فارغة. بعد أوامر الملك ألفريد تم إجلاء معظم المدنيين إلى المناطق الآمنة. لم يبق سوى الجنود والمحاربين. والذين كانوا يتحركون في الأسفل كالنمل. يحملون الصناديق. يشحذون السيوف. ويستعدون لما سيأتي. رفعت رأسي نحو السماء. كانت النجوم واضحة الليلة. بشكل غريب. وكأن العالم يحاول أن يبدو هادئًا قبل العاصفة. ثم... وصلتني رائحة أعرفها جيدًا. رائحة الزهور الليلية. استدرت. فوجدتها. لافندر. كانت تمشي نحوي بهدوء. وشعرها الأسود الطويل يتحرك مع نسيم الليل. توقفت بجانبي. ثم نظرت نحو المملكة هي الأخرى. وبقيت صامتة للحظات. قبل أن تقول بهدوء: "لم أتخيل يومًا أن أرى نورفاي بهذا الشكل." أومأت بصمت. ثم قلت: "ولا أنا." ساد الصمت مجددًا. لكن هذه المرة لم يكن مزعجًا. كان مريحًا. وكأن وجودها وحده يكفي. بعد فترة قصيرة قالت: "هل تعتقد أننا سننتصر؟" نظرت نحو الأفق. ثم
من وجهة نظر هيفان استمر اجتماع الحرب لساعات طويلة. كانت الخريطة الضخمة تغطي معظم الطاولة بينما وقف الجميع حولها.أبي كان يشرح آخر التقارير القادمة من الحدود. أما أنا وزاك وأيان وألنيوس فبدأنا نضع الاحتمالات المختلفة لهجوم سيلفورد. بعد نقاش طويل ظهرت الخطة التي وافق عليها الجميع. سيلفورد كان يظن أن قوته الحقيقية هي جيشه الضخم وأسلحته الفضية. لذلك قررنا أن نجعله يعتقد أنه يسيطر على سير المعركة. سنسمح له بالتقدم نحو السهل الواسع أمام المملكة. مكان يبدو وكأنه أفضل نقطة للهجوم. لكن في الحقيقة كان فخًا. سيتم إخفاء جزء من قواتنا داخل الغابات المحيطة. بينما يبقى الجيش الرئيسي أمام الأسوار. وعندما يندفع جيش سيلفورد بكامل قوته... سنغلق عليهم من الجانبين. وفي نفس الوقت يستخدم زاك ولافندر سحر استدعاء الموتى لإثارة الفوضى خلف خطوط العدو. أما الملك ألفريد... فهو من سيتولى مواجهة سيلفورد بنفسه. لأن الجميع يعلم أن تلك المواجهة لا يمكن أن يقوم بها أحد غيره. عندما انتهى الاجتماع كان الليل قد حل. والإرهاق واضح على الجميع. غادرت القاعة أخيرًا. وعدت إلى غرفتي. ... عندما دخلت وجدت هر
من وجهة نظر إيفان خلال اليومين التاليين تغير كل شيء في نورفاي. لم يعد أحد يضحك كما كان. لم تعد الممرات مليئة بالأحاديث الهادئة. في كل مكان كان هناك جنود. أسلحة. دروع. أوامر. ورائحة الحرب التي بدأت تقترب أكثر فأكثر. حتى القرى القريبة من الحدود بدأت تستقبل المصابين والناجين من هجمات سيلفورد. أما داخل القصر فكان الجميع يستعدون للأسوأ. في ذلك الصباح كنت أمر قرب جناح لافندر عندما سمعت صوت ارتطام قوي. تجمدت. ثم اندفعت نحو الغرفة. عندما دخلت وجدت زاك ولينيا يركضان إليها. أما لافندر... فكانت ممددة على الأرض. فاقدة للوعي. شعرت بانقباض غريب في صدري. ركعت بجانبها فورًا. بينما كان زاك يهز كتفيها بقلق. — "لافندر." — "لافندر!" بعد لحظات طويلة فتحت عينيها ببطء. رمشت عدة مرات. ثم ابتسمت وكأن شيئًا لم يحدث. — "لماذا تنظرون إلي هكذا؟" كاد زاك ينفجر. — "سقطت مغشيًا عليك!" — "هل هذا يبدو أمرًا عاديًا؟" جلست لافندر ببطء. ثم قالت بعنادها المعتاد: — "أنا بخير." — "مجرد تعب." — "لم أنم جيدًا." لكن أحدًا لم يقتنع. خصوصًا زاك. اقترب منها
الراويبعد ساعات من اجتماع الحرب، كانت المملكة كلها بحالة استنفار. الجنود يجهزون الأسلحة، الحراس ينتشرون فوق الأسوار، والخدم يركضون في الممرات حاملين الرسائل والأوامر.أما في القصر، فكان القلق يزداد مع كل دقيقة.في صباح اليوم التالي اجتمع الجميع في قاعة المجلس. كان ألفريد جالسًا على رأس الطاولة بينما وقف هيفان وزاك وأيان وألنيوس ولوكا وإيفان حول الخريطة الضخمة للمملكة.قال ألفريد بصوت هادئ لكنه حازم: "إن كان سيلفورد يملك جيشًا بالحجم الذي وصفه لوكا فلن يهاجم مباشرة. سيبحث أولًا عن نقاط ضعفنا."أومأ ألنيوس موافقًا وأضاف: "ولهذا علينا أن نحمي القرى القريبة من الحدود قبل أي شيء."بدأ الجميع يناقشون الخطط، لكن إيفان كان شاردًا قليلًا. لم يستطع منع نفسه من التفكير بلافندر. منذ حادثة إغمائها وهو يشعر بشيء غريب كلما رآها.في الجهة الأخرى من القصر كانت لافندر جالسة مع لينيا وهرلين وإيلينا في الحديقة الملكية. حاولت أن تبدو طبيعية لكنها كانت تشعر بثقل غريب داخل صدرها.لاحظت هرلين ذلك.اقتربت منها وسألت بلطف: "ما بك يا صغيرتي؟"ابتسمت لافندر بسرعة وقالت: "لا شيء."لكن هرلين لم تقتنع.فهي تعرف هذ
الراوي بعد أن انتهى حديث ألفريد مع إيلينا...بقي واقفًا قرب النافذة الكبيرة في مكتبه.الليل كان قد غطى نورفاي بالكامل.لكن النوم كان آخر شيء يمكن أن يفكر فيه الآن.كان يشعر بثقل السنوات كلها فوق كتفيه.شقيقه عاد.والمرة هذه لم يعد كأخ.بل كعدو.تنهد ألفريد ببطء.ثم استدار نحو الطاولة.ومد يده نحو البلورة السحرية الخاصة بالتواصل.أضاءت البلورة بلون أزرق.وبعد لحظات ظهر وجه ألنيوس.والد هرلين وببيتا المملكة.نظر إليه ألنيوس فورًا.— "ألفريد."— "أظن أنني أعرف سبب اتصالك."أومأ الملك بصمت.ثم شرح له ما أخبرهم به لوكا.ومع كل كلمة كان وجه ألنيوس يزداد جدية.حتى انتهى الحديث.ساد الصمت لثوانٍ.ثم قال ألنيوس بهدوء:— "أعرف أن ذلك صعب عليك."— "في النهاية هو أخوك."انخفضت عينا ألفريد قليلًا.لكن ألنيوس أكمل:— "لكن تذكر شيئًا واحدًا."— "من يخن مرة..."— "قد يخون ألف مرة."ساد الصمت.ثم تابع:— "لقد أعطيته فرصة."— "وأنت تعرف هذا."— "وأنت لم تظلمه."— "هو من اختار طريقه بنفسه."قبض ألفريد يده.وكان يعلم أن كلام ألنيوس صحيح.لكنه لم يجعل الأمر أسهل.ففي النهاية...كان ذلك الرجل أخاه.أخاه ا
من وجهة نظر الملك ألفريد بعد أن انتهى لوكا من رواية ما رآه... ساد الصمت في قاعة العرش. صمت ثقيل. خانق. كنت أحدق في الفراغ. لكن عقلي لم يكن هنا. كان هناك... قبل عشرات السنين. أيام كنا أنا وسيلفورد شابين. أخوين. أو هكذا كنت أعتقد. قبضت يدي بقوة. حتى أن المفاصل ابيضّت. فجأة نهضت من العرش. — "استدعوا القادة." التفت الجميع نحوي. — "وأرسلوا أوامر إلى جميع الحاميات." — "أريد تعزيز الأسوار." — "مضاعفة الحراسة." — "وتجهيز الجيش بالكامل." نظر هيفان إلي بجدية. أما البقية ففهموا من نبرة صوتي أن الأمر أخطر مما يعتقدون. — "إن كان سيلفورد حقًا خلف هذا..." — "فهذه لن تكون مناوشة صغيرة." — "إنها حرب." ارتسم التوتر على وجوه الجميع. حتى لافندر. حتى إيفان. حتى زاك. الجميع شعر بالخطر. لكن فجأة... تكلم هيفان. — "أبي." رفعت عيني نحوه. كان عابسًا. — "لماذا لم تخبرنا؟" تجمدت القاعة. — "كل هذه السنوات..." — "كان لديك أخ." — "وعدو بهذا الحجم." — "ولم تقل شيئًا." تنهدت ببطء. وأغمضت عيني. — "لأنني كنت أظن أن الأمر انتهى." ساد الصمت. ثم أكملت. — "حين هزمته..." — "اخت