登入الراوي
كان كل جزء داخله يرفض هذه الخطة. حتى مجرد الوقوف أمام غرفة ليندي جعله يشعر بالقرف. يده انقبضت بقوة وهو يتذكر دموع هرلين… انهيارها… رجفتها وهي ترجوه ألا يتركها. حتى هيف داخله كان يزمجر بغضب قاتل. لكنه أجبر نفسه أن يبقى هادئًا. لأجل هرلين. ولأجل إنهاء كل شيء. وبعد لحظات… انفتح باب الحمام. وخرجت ليندي وهي تنشف شعرها الطويل ببطء. لكن ما إن رأته حتى توقفت. ثم ابتسمت ببطء وكأنها انتصرت أخيرًا. — “هيفان؟” اقتربت خطوة. — “يا ترى… هل أخيرًا أدركت أن هرلين ضعيفة حتى تكون لونا مملكة نورفاي؟” شعر هيفان أن أعصابه تحترق. لكنه تذكر وجه هرلين… فأجبر نفسه على التمثيل. اقترب منها ببطء. ثم… وضع يده حول خصرها. وفي اللحظة التي لمسها فيها… شعر بنفور جعله يريد اقتلاع جلده. لكنه لم يظهر شيئًا. بل قال بصوت منخفض: — “أنتِ كنتِ محقة.” اتسعت عينا ليندي فورًا. أما هو فأكمل ببرود: — “المملكة بحاجة لوريث قوي… وهرلين…” توقف وكأنه متردد. — “لقد كسرنا الرابطة بيننا.” في الخارج… كان الجميع يسمعون. الملك. الملكة. أريان. والدا هرلين. وحتى هرلين نفسها كانت واقفة ويداها ترتجفان. لكنها كانت تعرف أنه يمثل. أما ليندي؟ فقد سقطت بالكامل بالفخ. ابتسمت بسعادة مجنونة. ثم اقتربت أكثر ولفت ذراعيها حول رقبته. — “كنت أعرف أنك ستفهم بالنهاية…” مررت أصابعها على وجهه ببطء. — “والليلة المزيفة التي صنعتها…” همست قرب شفتيه: — “أريد أن أجعلها حقيقية عندما نتزاوج.” في تلك اللحظة… اختفى آخر ذرة صبر عند هيفان. دفعها عنه بعنف. وعيناه تحولتا إلى زرقاء متوحشة. — “أنتِ مريضة.” تجمدت ليندي. ثم… انفتح الباب بقوة. ودخل الجميع. شهقت ليندي بصدمة وهي تتراجع للخلف. — “م… ماذا…؟” لكن الصدمة الحقيقية كانت حين رأت أخاها أريان يحدق بها وكأنها غريبة عنه. أما والدها إدمونت فكان وجهه شاحبًا من الصدمة. والدتها كلاره وضعت يدها على فمها وهي تبكي. بينما هرلين… كانت فقط تنظر إليها بصمت مكسور. صرخت ليندي فجأة: — “لا! أنتم لا تفهمون!” لكن فجأة— صفعة قوية ارتطمت بوجهها. كلاره. والدتها. كانت تبكي وهي تصرخ: — “كيف فعلتِ هذا؟! كيف؟!” انهارت ليندي وهي تمسك خدها. أما هيفان فتقدم للأمام ببطء مخيف. وعيناه مليئتان بالغضب. — “حاولتِ سرقة حياة رفيقتي.” خطوة أخرى. — “آذيتِ طفلي.” حتى هيف داخله كان يزمجر بجنون. — “وجعلتِها تبكي.” ارتجفت ليندي بالكامل. لكن فجأة… وقعت عيناها على هرلين. وتحول شيء داخلها. شيء مرعب. وبسرعة جنونية… أمسكت السكين الموجودة على الطاولة. وصرخت بجنون: — “إذا لم أستطع أخذه… فلن تملكيه أنتِ أيضًا!” واندفعت مباشرة نحو هرلين. صرخت هرلين بصدمة. لكن قبل أن تصل السكين إليها— ظهر جسد أمامها. لينيا. دخلت السكين في بطنها مباشرة. تجمد الجميع. ثم— صدر صوت فحيح مرعب من زاك. عيونه تحولت إلى قرمزية بالكامل. وأنيابه ظهرت بشكل مخيف. وفي ثانية واحدة… كان فوق ليندي. صرخت رعبًا. لكن زاك لم يعد يسمع شيئًا. أمسكها بعنف… ثم غرز أنيابه في عنقها. والجميع تجمد من الرعب. حتى الملك إدمونت صرخ اسم ابنته. لكن زاك… كان قد فقد السيطرة بالكامل. بعد كل ما حدث… بعد كل السنوات التي خسر فيها لينيا… لن يسمح لأحد أن يأخذها منه مرة أخرى. وفجأة… سقط جسد ليندي بلا حراك. والدماء تغطي الأرض. أما من جهة أخرى— فكانت هرلين تصرخ وهي تمسك لينيا. — “لينيا! لا… لا!” أيان ركض فورًا نحوها وجرح يده بأسنانه ليعطيها من دمه. حتى والدها فعل الشيء نفسه بسرعة. بينما زاك سحب لينيا بين ذراعيه كالمجنون. يداه ترتجفان وهو يتفقد جرحها. — “لا…” صوته خرج مكسورًا. — “ليس مرة أخرى…” حتى أنفاسه كانت مضطربة. ثم زمجر فجأة على الجميع بعنف: — “ابتعدوا عنها!” لأنه كان خائفًا. مرعوبًا. خائف أن يخسرها مرة ثانية بعد أن أعادها من الموت بيديه. لكن بعد دقائق طويلة… بدأ الجرح يلتئم ببطء بسبب دماء الذئاب والخالدين. وتنفست لينيا أخيرًا بشكل أفضل. عندها فقط… أغلق زاك عينيه وكأنه عاد للحياة. ثم حملها برفق شديد. وكأنها كنز هش. وغادر بها دون أن يسمح لأحد بالاقتراب. ساد الصمت في القاعة. الدماء على الأرض. وجثة ليندي بين ذراعي أمها. أما الملك إدمونت… فنظر إلى الملك الفريد بانكسار حقيقي. ثم انحنى رأسه بصعوبة. — “أعتذر…” صوته كان محطمًا. — “ابنتي… جلبت العار لنا جميعًا.” بينما كلاره كانت تبكي وهي تضم جثة ليندي المرتخية… وكأنها لا تستطيع تصديق أن ابنتها انتهت بهذه الطريقة.من وجهة نظر لوكا كانت ساحة التدريب تعج بالحركة رغم حلول الليل. المحاربون ينتقلون من مكان إلى آخر. أصوات السيوف تتقاطع. الدروع تُفحص للمرة الأخيرة. والوجوه التي اعتدت رؤيتها مبتسمة أصبحت أكثر جدية من أي وقت مضى. كنت أقف مع خالي أيان بين صفوف الجنود. نساعد تارة. ونتفقد الاستعدادات تارة أخرى. حتى انتهى جزء كبير من العمل. فجلسنا أخيرًا قرب أحد الجدران الحجرية المطلة على الساحة. تنهد خالي وهو ينظر إلى الجنود. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: "يذكرني هذا بأيامنا." التفت نحوه باهتمام. "أيامكم؟" ضحك بخفة. "أنا ووالدك وهيفان." أصبحت مهتمًا فورًا. نادراً ما كانوا يتحدثون عن تلك الأيام. فأسندت ظهري إلى الحائط وقلت: "احكِ لي." ابتسم أيان. وبدا وكأنه عاد عشرين سنة إلى الماضي. "عندما كنا في صغار وحصلنا على ذئابنه اجبرنا على الذهاب الى المعسكر كنا نقضي وقتنا في معسكرات التدريب." "خصوصًا أنا وهيفان." ضحكت فورًا. "أستطيع تخيل الكارثة." ضحك هو الآخر. "بل كانت كارثة حقيقية." ثم تابع: "كان المدربون يوقظوننا قبل شروق الشمس." "نجري لعشرات الكيلومت
من وجهة نظر زاك سحبتُ لافندر معي بصمتٍ حتى وصلنا إلى غرفتها داخل القصر كانت تمشي بجانبي بخطوات هادئة، وكأنها لا تفهم سبب غضبي أصلاً. أغلقتُ الباب خلفنا، ثم التفتُّ إليها مباشرة. قلت بحدةٍ مكتومة: "لا أريد تكرار ما حدث قبل قليل." رفعت حاجبها، وقالت ببراءة: "ماذا حدث؟" تنهدت بعمق. "اقترابك من إيفان." سكتت لحظة، ثم أجابت: "كنت أتحدث معه فقط." "فقط؟" أومأت برأسها. "نعم." "لكنّك كنتِ قريبة جدًا." هزّت كتفيها بلا اكتراث: "لم أنتبه." أغمضتُ عينيّ للحظة. هذا الجيل سيصيبني بالجنون. تقدمتُ خطوة نحوها، لكن قبل أن أتكلم، فُتح الباب فجأة. دخلت لينيا. نظرة واحدة منها كانت كافية لتدرك الموقف. قالت بهدوء: "زاك." "يكفي." نظرت بيني وبين لافندر، ثم أضافت: "سأتولى الأمر." كنت على وشك الاعتراض، لكنها أوقفتني بنظرة واحدة. نظرة تعني أن النقاش انتهى. خرجتُ من الغرفة بصمت. لكن طول الوقت كنت اسمع تذمر لافندر وتوبيخ لينيا. لاحقًا، كنت مع لينيا في غرفتنا. الغضب ما زال يسيطر عليّ. قلت بانفعال: "لا أحد يفهم خطورة الوضع." "لا أحد يدرك أن اقترابه
من وجهة نظر إيفان كانت نورفاي مختلفة تلك الليلة. هادئة أكثر مما يجب. هادئة بطريقة تجعل القلب ينقبض. وقفت على شرفة القصر المرتفعة أراقب المملكة الممتدة تحت السماء المظلمة. الشوارع التي كانت مليئة بالحياة أصبحت شبه فارغة. بعد أوامر الملك ألفريد تم إجلاء معظم المدنيين إلى المناطق الآمنة. لم يبق سوى الجنود والمحاربين. والذين كانوا يتحركون في الأسفل كالنمل. يحملون الصناديق. يشحذون السيوف. ويستعدون لما سيأتي. رفعت رأسي نحو السماء. كانت النجوم واضحة الليلة. بشكل غريب. وكأن العالم يحاول أن يبدو هادئًا قبل العاصفة. ثم... وصلتني رائحة أعرفها جيدًا. رائحة الزهور الليلية. استدرت. فوجدتها. لافندر. كانت تمشي نحوي بهدوء. وشعرها الأسود الطويل يتحرك مع نسيم الليل. توقفت بجانبي. ثم نظرت نحو المملكة هي الأخرى. وبقيت صامتة للحظات. قبل أن تقول بهدوء: "لم أتخيل يومًا أن أرى نورفاي بهذا الشكل." أومأت بصمت. ثم قلت: "ولا أنا." ساد الصمت مجددًا. لكن هذه المرة لم يكن مزعجًا. كان مريحًا. وكأن وجودها وحده يكفي. بعد فترة قصيرة قالت: "هل تعتقد أننا سننتصر؟" نظرت نحو الأفق. ثم
من وجهة نظر هيفان استمر اجتماع الحرب لساعات طويلة. كانت الخريطة الضخمة تغطي معظم الطاولة بينما وقف الجميع حولها.أبي كان يشرح آخر التقارير القادمة من الحدود. أما أنا وزاك وأيان وألنيوس فبدأنا نضع الاحتمالات المختلفة لهجوم سيلفورد. بعد نقاش طويل ظهرت الخطة التي وافق عليها الجميع. سيلفورد كان يظن أن قوته الحقيقية هي جيشه الضخم وأسلحته الفضية. لذلك قررنا أن نجعله يعتقد أنه يسيطر على سير المعركة. سنسمح له بالتقدم نحو السهل الواسع أمام المملكة. مكان يبدو وكأنه أفضل نقطة للهجوم. لكن في الحقيقة كان فخًا. سيتم إخفاء جزء من قواتنا داخل الغابات المحيطة. بينما يبقى الجيش الرئيسي أمام الأسوار. وعندما يندفع جيش سيلفورد بكامل قوته... سنغلق عليهم من الجانبين. وفي نفس الوقت يستخدم زاك ولافندر سحر استدعاء الموتى لإثارة الفوضى خلف خطوط العدو. أما الملك ألفريد... فهو من سيتولى مواجهة سيلفورد بنفسه. لأن الجميع يعلم أن تلك المواجهة لا يمكن أن يقوم بها أحد غيره. عندما انتهى الاجتماع كان الليل قد حل. والإرهاق واضح على الجميع. غادرت القاعة أخيرًا. وعدت إلى غرفتي. ... عندما دخلت وجدت هر
من وجهة نظر إيفان خلال اليومين التاليين تغير كل شيء في نورفاي. لم يعد أحد يضحك كما كان. لم تعد الممرات مليئة بالأحاديث الهادئة. في كل مكان كان هناك جنود. أسلحة. دروع. أوامر. ورائحة الحرب التي بدأت تقترب أكثر فأكثر. حتى القرى القريبة من الحدود بدأت تستقبل المصابين والناجين من هجمات سيلفورد. أما داخل القصر فكان الجميع يستعدون للأسوأ. في ذلك الصباح كنت أمر قرب جناح لافندر عندما سمعت صوت ارتطام قوي. تجمدت. ثم اندفعت نحو الغرفة. عندما دخلت وجدت زاك ولينيا يركضان إليها. أما لافندر... فكانت ممددة على الأرض. فاقدة للوعي. شعرت بانقباض غريب في صدري. ركعت بجانبها فورًا. بينما كان زاك يهز كتفيها بقلق. — "لافندر." — "لافندر!" بعد لحظات طويلة فتحت عينيها ببطء. رمشت عدة مرات. ثم ابتسمت وكأن شيئًا لم يحدث. — "لماذا تنظرون إلي هكذا؟" كاد زاك ينفجر. — "سقطت مغشيًا عليك!" — "هل هذا يبدو أمرًا عاديًا؟" جلست لافندر ببطء. ثم قالت بعنادها المعتاد: — "أنا بخير." — "مجرد تعب." — "لم أنم جيدًا." لكن أحدًا لم يقتنع. خصوصًا زاك. اقترب منها
الراويبعد ساعات من اجتماع الحرب، كانت المملكة كلها بحالة استنفار. الجنود يجهزون الأسلحة، الحراس ينتشرون فوق الأسوار، والخدم يركضون في الممرات حاملين الرسائل والأوامر.أما في القصر، فكان القلق يزداد مع كل دقيقة.في صباح اليوم التالي اجتمع الجميع في قاعة المجلس. كان ألفريد جالسًا على رأس الطاولة بينما وقف هيفان وزاك وأيان وألنيوس ولوكا وإيفان حول الخريطة الضخمة للمملكة.قال ألفريد بصوت هادئ لكنه حازم: "إن كان سيلفورد يملك جيشًا بالحجم الذي وصفه لوكا فلن يهاجم مباشرة. سيبحث أولًا عن نقاط ضعفنا."أومأ ألنيوس موافقًا وأضاف: "ولهذا علينا أن نحمي القرى القريبة من الحدود قبل أي شيء."بدأ الجميع يناقشون الخطط، لكن إيفان كان شاردًا قليلًا. لم يستطع منع نفسه من التفكير بلافندر. منذ حادثة إغمائها وهو يشعر بشيء غريب كلما رآها.في الجهة الأخرى من القصر كانت لافندر جالسة مع لينيا وهرلين وإيلينا في الحديقة الملكية. حاولت أن تبدو طبيعية لكنها كانت تشعر بثقل غريب داخل صدرها.لاحظت هرلين ذلك.اقتربت منها وسألت بلطف: "ما بك يا صغيرتي؟"ابتسمت لافندر بسرعة وقالت: "لا شيء."لكن هرلين لم تقتنع.فهي تعرف هذ