LOGINالفصل الثاني عشر
المدخل الثاني كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة ليلًا. الطريق إلى الموقع الذي حددته الخريطة كان خاليًا إلا من أضواء السيارة التي تشق الظلام. جلس إياد خلف المقود، وعيناه لا تفارقان الطريق. أما نور فكانت تحمل الخريطة القديمة فوق ركبتيها. منذ أن غادرا المستشفى، لم يتحدث أي منهما كثيرًا. كانت الرسالة واضحة: "تعالوا إلى المدخل الثاني قبل منتصف الليل." لكن السؤال الذي لم يستطع أي منهما تجاهله كان: من الذي ينتظرهما هناك؟ قالت نور: "إياد." "نعم؟" "لو أبي فعلًا حي..." توقف لحظة. "هيكون عندنا أمل نلاقيه." "ولو كان ميت؟" لم يجب. نظرت إليه. "ليه ما بتجاوبش؟" "لأني مش عايز أديكي أمل كاذب." "بس أنت مصدق إنه حي." "أنا مصدق إن الأدلة بتقول إنه اختفى، مش إنه مات." قالت: "يعني فيه فرق." "فرق كبير." سكتت. ثم قالت: "أنت نفسك مصدق كلام مريم؟" "لحد ما نسمعه منها." "وسامح؟" "سامح أخفى معلومات." "هل تعتقد أنه خان أبي؟" "أعتقد أنه يعرف أكثر مما قال." ثم أضاف: "وده كفاية علشان ما أثقش فيه." --- وصلت السيارة إلى منطقة جبلية بعيدة. أوقف إياد المحرك. قال: "المكان هنا." نزلا. كانت الرياح قوية. والسماء ملبدة بالغيوم. أخرج إياد الخريطة. قارنها بالجبال. "المدخل الثاني قريب." قالت نور: "هنا." أشارت إلى صخرة كبيرة. كان فوقها نفس الرمز. عين داخل دائرة. لكن هذه المرة لم يكن الرقم 17 موجودًا. كان هناك رمز التاج. قالت نور: "ده هو." اقترب إياد. لاحظ وجود فتحة في أسفل الصخرة. أخرج المفتاح. أدخله. لم يحدث شيء. قالت نور: "المفتاح الثالث." "مش معانا." "لكن الرسالة قالت إنهم هيكونوا هنا." فجأة جاء صوت من خلفهما. "هو معايا." استدارا. كانت امرأة تقف على بعد أمتار. ترتدي معطفًا داكنًا. شعرها فضي، وملامحها تحمل شيئًا مألوفًا. نور لم تستطع الكلام. المرأة قالت: "نور." تجمدت. عرفت الصوت. ليس من ذاكرتها. بل من تسجيل والدها. قالت: "مريم؟" اقتربت المرأة. "نعم." لم تتحرك نور. كانت تنظر إليها وكأنها تحاول استيعاب ثلاثين عامًا من الكذب في لحظة واحدة. قالت: "أنتِ خالتي." أومأت مريم. "كنت أريد أن أراك منذ سنوات." "لماذا لم تأتي؟" "لأنني كنت أراقبك من بعيد." "كنتِ تعرفين أن أبي حي؟" صمتت مريم. ثم قالت: "كنت أعرف أنه كان حيًا." "أين هو؟" "لا أعرف." صرخت نور: "كل واحد يقول لي لا أعرف!" قالت مريم: "لأن الحقيقة ليست كاملة عند أحد." تدخل إياد: "إذن ابدئي بما تعرفينه." نظرت مريم إليه. "أنت إياد." "نعم." "والدك كان يعرف أنك ستأتي." تغير وجهه. "والدي؟" "نعم." "كيف تعرفينه؟" "كان أحد الأشخاص الذين وثق بهم والد نور." صمت إياد. ثم سأل: "ما علاقة والدي بالقضية؟" مريم لم تجب. نور نظرت إليه. "إياد..." قال: "لا." ثم وجه كلامه لمريم. "أريد إجابة." قالت: "والدك كان جزءًا من التحقيق القديم." "أي تحقيق؟" "التحقيق الذي سبق وفاة والد نور." تجمد إياد. --- قالت مريم: "قبل خمسة وثلاثين عامًا، لم يكن الباحثون وحدهم يبحثون عن وادي الملوك الأول." "من كان معهم؟" "الشرطة." "والدي؟" "نعم." "كان يعرف أبي." "وكان يحاول حمايته." إياد صمت. كان من الصعب عليه تصديق أن والده، الذي عرفه طوال حياته كرجل قانون ملتزم، كان جزءًا من هذه القصة. قال: "لماذا لم يخبرني؟" "لأنه أقسم ألا يتحدث." "ولماذا؟" نظرت مريم إلى نور. "لأن القسم لم يكن لحماية نفسه." "لحماية من؟" "ابنتك." ثم أدركت خطأها. توقفت. إياد قال: "ابنة من؟" مريم صححت: "نور." قال إياد: "أنت تقصدين أنها كانت مهددة منذ ولادتها." أومأت. "نعم." --- قالت مريم: "والد نور اكتشف أن خريطة وادي الملوك الأول لم تكن خريطة كنز." قالت نور: "إذن ماذا كانت؟" "خريطة لسلسلة غرف." "غرف؟" "كل غرفة تحتوي على جزء من سجل." "سجل ماذا؟" "أسماء." "أسماء المهربين؟" "وأسماء من ساعدوهم." إياد قال: "يعني شبكة تمتد إلى مؤسسات رسمية." أومأت. "لهذا كان لابد أن تختفي الخريطة." نور قالت: "والبردية؟" "ليست الخريطة." "عرفنا." "بل مفتاح فك الرموز." تقدمت نور. "كيف؟" "البردية تحتوي على نص مكتوب بطريقة مزدوجة." "لغة قديمة؟" "نعم." "والقراءة الثانية؟" قالت مريم: "إحداثيات." --- أخرجت مريم شيئًا من حقيبتها. كان قطعة معدنية صغيرة. وضعتها في يد نور. كان عليها الرمز نفسه. التاج فوق الباب. قالت: "هذا هو المفتاح الثالث." نظر إياد إليها. "لماذا تعطينه لها؟" قالت: "لأن المفتاح لا يعمل إلا معها." "كيف؟" "اسأل والدها." نور رفعت رأسها. "قلتِ إنك لا تعرفين أين أبي." "لا أعرف." "إذن لماذا تقولين اسأل أبي؟" قالت مريم: "لأنه ترك لك رسالة أخرى." أخرجت ورقة. أعطتها لنور. فتحتها. كان خط والدها. لكن الرسالة أقصر. "نور، إذا وصلت إليك مريم، فاعلمي أنني وثقت بها أكثر من أي شخص آخر." ثم: "ستقودك إلى الباب، لكن لا تدعيها تفتحه." رفعت نور عينيها. نظرت إلى مريم. ثم إلى إياد. قالت: "أبي قال ما أفتحش الباب." مريم أغلقت عينيها. "كنت أعرف أنه سيكتب ذلك." إياد قال: "إذن لماذا جئت بنا إلى هنا؟" "لأن الباب يجب أن يُفتح." "لكن والد نور حذرها." "لأنه كان يعرف ما خلفه." "ما خلفه؟" قالت مريم: "الحقيقة." --- أدخلت نور المفتاح الثالث في الصخرة. أمسك إياد المصباح. قال: "قبل ما نفتح، لازم نفهم كل حاجة." مريم نظرت إليه. "لن يكون هناك وقت." "ليه؟" قالت: "لأنهم عرفوا أننا هنا." سمعوا صوتًا بعيدًا. محركات سيارات. توقفت نور. قال إياد: "كم سيارة؟" مريم: "أربع على الأقل." أخرج إياد سلاحه. "إذن نفتح." قالت نور: "بس أبي قال..." "أبوك ترك لك مفتاحًا." نظر إليها. "إحنا هنا علشان نعرف ليه." --- أدارت نور المفتاح. سمعوا صوتًا عميقًا داخل الجبل. تحركت الصخور. وانفتح مدخل ضيق. خرج هواء بارد من الداخل. كانت رائحته مختلفة. ليست رائحة مكان مهجور. بل رائحة مكان مغلق منذ زمن طويل. قالت مريم: "ادخلوا." دخلت أولًا. ثم نور. ثم إياد. وقبل أن يدخل، نظر خلفه. ظهرت أضواء السيارات بين الجبال. قال: "جايين." أغلق الباب الحجري. --- داخل الممر، كانت الجدران أكثر حفظًا من المدخل الأول. النقوش واضحة. كانت هناك صور لملوك يحملون صناديق. وخلفهم أشخاص يحملون لفائف. قالت نور: "دي مش مقابر." "عارف." "دي مدينة." "يمكن." ثم لاحظت شيئًا. على الجدار صورة لرجل يفتح بابًا. وفوقه رمز التاج. أسفله ثلاثة أشخاص. لكن واحدًا منهم كان يشبه إياد. توقفت. "إياد." التفت. "إيه؟" أشارت إلى الرسم. "بص." اقترب. حدق في الصورة. قال: "مجرد تشابه." مريم لم تتكلم. نور نظرت إليها. "أنتِ تعرفين حاجة." قالت مريم: "والد إياد كان يعرف هذا المكان." تجمد إياد. "أبي دخل هنا؟" "نعم." "متى؟" "قبل ثلاثين عامًا." "وماذا حدث؟" "خرج." "وحده؟" ترددت. ثم قالت: "لا." --- تغير وجه إياد. "مع من خرج؟" قالت مريم: "مع والد نور." صمت. كان الخبر أقوى من أن يستوعبه. والده ووالد نور خرجا معًا من المدخل الثاني. إذن كان والداهما مرتبطين بهذه القضية طوال سنوات. قال إياد: "أبي أخفى عني كل شيء." "كان يريد حمايتك." "من ماذا؟" قالت مريم: "من أن تصبح مثل والدك." "مثل والدي؟" "رجل يطارد الحقيقة حتى لو دفع حياته ثمنًا لها." سكت إياد. ثم قال: "ماذا حدث له؟" لم تجب مريم. نور اقتربت. "مريم." قالت: "والد إياد مات بعد هذه الرحلة بثلاث سنوات." تجمد إياد. "مات بسبب حادث سيارة." "لم يكن حادثًا." --- في تلك اللحظة دوى صوت انفجار عند المدخل. اهتز الممر. تساقطت بعض الأحجار. صرخت نور. أمسك إياد بيدها. "اركضي!" ركضوا. مريم خلفهما. كانت أصوات الرجال تقترب. قال إياد: "كم فيه ممر؟" "ثلاثة." "أي واحد؟" قالت مريم: "الثاني." دخلوا الممر الثاني. ثم الثالث. وصلوا إلى قاعة واسعة. في المنتصف تمثال ضخم. وتحته نقش: "من يريد الذهب، فليخرج. ومن يريد الحقيقة، فليدفع الثمن." قالت نور: "الثمن؟" اقترب إياد من التمثال. وجد فتحة. داخلها ورقة. فتحها. كانت رسالة من والد نور. "إياد، إذا كنت تقرأ هذه الرسالة، فأنت دخلت المكان الذي حاول والدك إخفاءه عنك." تجمد إياد. نور نظرت إليه. تابع القراءة: "لا تثق بأحد ممن جاءوا معك." رفع إياد رأسه. نظر إلى مريم. ثم إلى نور. لكن الرسالة لم تنته. "ولا تثق بي أنا أيضًا." --- قالت نور: "إيه معنى ده؟" لم يجب إياد. بدأت مريم تبكي. قالت: "كان لازم الرسالة دي تختفي." قال إياد: "ليه؟" "لأنها ستكشف كل شيء." "إذن قولي." "لا أستطيع." "مريم!" رفعت عينيها. "والدك يا نور لم يكن ضحية فقط." نور تراجعت. "ماذا تقصدين؟" "كان واحدًا من الذين أسسوا الشبكة." تجمدت. "أبي؟" "نعم." "مستحيل." "ثم حاول الخروج منها." قال إياد: "ولهذا قتلوه." "لم يقتلوه." قالت مريم. "إذن أين هو؟" رفعت مريم عينيها نحو نهاية القاعة. كان هناك باب حجري. قالت: "خلف هذا الباب." اقتربت نور. وضعت يدها على الباب. وفجأة جاء صوت. صوت رجل. ضعيف. لكنه واضح. "نور." توقفت. لم تتنفس. نظرت إلى إياد. ثم إلى مريم. وعاد الصوت: "نور... لو كنتِ هنا..." انهارت دموعها. "أبي؟" جاء الرد من خلف الباب: "لا تثقي بمريم." تراجعت مريم. أما إياد فرفع سلاحه. لأن صوتًا آخر جاء من الظلام خلفهم: "ولا تثق بإياد." استدار الجميع. كان الرجل الغامض يقف عند المدخل. وفي يده المفتاح الرابع. ابتسم. وقال: "أهلًا بكم في وادي الملوك الأول."الفصل الختاميالباب الذي لم يُفتحكانت أبيدوس هادئة تلك الليلة.هدوءًا لم يكن يشبه الهدوء الذي يأتي بعد انتهاء المعارك، بل ذلك الهدوء الذي يسبق شيئًا لا يعرف أحد كيف يبدأ.كان القمر معلقًا فوق المعابد القديمة، والريح تحرك الرمال ببطء، كأن الصحراء نفسها تتنفس.بعيدًا عن المكان الذي وقف فيه إياد ونور قبل سنوات، كان شاب يقف وحده.كان يحمل المفتاح الذهبي.لم يكن يعرف لماذا اختارته المكتبة.ولم يكن يعرف لماذا حمل الاسم نفسه الذي حمله أول حارس عرفته نور.حور.كان يكره الاسم أحيانًا.ليس لأنه يخصه.بل لأنه يشعر أن الاسم كان ينتظره قبل أن يولد.رفع المفتاح أمام عينيه.لم يكن عليه رقم.لم يكن عليه نقش.فقط دائرة صغيرة في منتصفه.قال:"إنت عايز مني إيه؟"لم يجبه أحد.ضحك بسخرية."كنت متوقع."ثم استدار ليغادر.لكن الأرض اهتزت.توقف.نظر خلفه.لم يحدث شيء.خطا خطوة.اهتزت الأرض مرة أخرى.ثم ظهر صوت.جرس.دقة واحدة.تبعها صمت.ثم دقة ثانية.ثم ثالثة.تجمد حور.قال:"لا."لكن الجرس استمر.أربع دقات.خمس.ست.ثم توقف.نظر إلى المفتاح.كان قد تغير.ظهر عليه رقم.201.---في اللحظة نفسها، وفي مدينة بع
الفصل 200الحارس الجديدلم يكن الرقم 200 مجرد رقم.حين ظهر على الجدار، شعر إياد بأن كل السنوات التي عاشها منذ بدأت الحكاية تعود إليه دفعة واحدة.الخريطة.البردية.المومياء التي بدت كأنها دُفنت بالأمس.الممرات السرية.الأنبياء الأربعة.أبيدوس.المفتاح الذهبي.الباب 108.حور.القبر الأخير.الكتاب الأسود.والطفل الذي كبر أمام أعينهم حتى أصبح شابًا.كل شيء بدا وكأنه كان يقود إلى هذه اللحظة.وقف آدم أمامهما، والمفتاح الأسود في يده.لم يكن يبدو مخيفًا.كان شابًا عاديًا، هادئ الملامح، يحمل حقيبة جلدية قديمة.لكن عينيه كانتا تحملان شيئًا لا يمكن تفسيره.قال إياد:"أنت قلت إن المكتبة عايزة تتكلم معانا."أومأ آدم."أيوه."نور:"المكتبة مش إنسان."ابتسم."وأنا ما قلتش إنها إنسان.""إذن كيف ستتكلم؟"رفع المفتاح الأسود."بطريقتها."ثم وضعه على الطاولة.لم يحدث شيء.مرت ثوانٍ.ثم بدأت جدران الغرفة ترتجف.نور أمسكت بذراع إياد.قال:"خليكِ هادية."لكنها لم تكن خائفة.كانت تعرف هذا الإحساس.لقد شعرت به من قبل.كان إحساسًا يشبه الوقوف أمام شيء أكبر من الإنسان بكثير.شيء لا يمكن قتله.ولا يمكن حبسه.ولا
الفصل 199قبل النهاية بخطوةلم يكن أحد منهم مستعدًا لما حدث بعد عودتهم من أبيدوس.كانوا قد خرجوا من المكان وهم يظنون أنهم كسروا الحلقة الأخيرة.المفتاح الذهبي تحطم.الباب 200 اختفى.الرجل بلا وجه لم يعد موجودًا.وحور قال إن الحكاية اكتملت.لكن الكلمة التي ظهرت على الرمال كانت كافية لتعيد الشك إلى قلوبهم:«ابدأوا.»لم يفهموا معناها.حتى الشاب نفسه، الذي كان قد كسر المفتاح بيده، لم يكن يعرف ماذا فعل بالضبط.كان واقفًا أمام المعبد، ينظر إلى يده.لم يكن فيها أي أثر للجرح.ولا أثر للمفتاح.قال إياد:"إيدك كويسة؟"أجاب:"أيوه."نور أمسكت يده."مفيش حتى خدش."ابتسم."يمكن المفتاح كان مجرد وهم."قال مروان:"لو كان وهم، ما كناش شوفناه."ليان:"وما كناش سمعنا الجرس."سليم:"ولا كنا هنلاقي الكتاب."الجميع التفت إليه."أي كتاب؟"أشار إلى الأرض.كان هناك كتاب صغير أسود.لم يره أحد من قبل.انحنى سليم وحمله.كان غلافه خاليًا من أي اسم.لكن حين فتحه...كانت الصفحة الأولى تحمل جملة واحدة:«إلى من ظنوا أنهم أغلقوا الباب.»قال إياد:"اقفل الكتاب."لكن سليم لم يفعل.قلب الصفحة.ظهرت جملة ثانية:«الباب لم
الفصل 198المفتاح الذي اختار صاحبهلم يكن الصوت الذي جاء من أبيدوس مجرد جرس.كان وعدًا.أو تهديدًا.أو ربما شيئًا بين الاثنين.ظل إياد واقفًا أمام النافذة، لا يتحرك، بينما كانت نور تحمل طفلها بين ذراعيها وتحدق في المفتاح الذهبي الصغير الذي قبضت عليه أصابعه.كان المفتاح أصغر من المفتاح الذي عرفوه في رحلتهم الأولى.لكن النقش الموجود عليه كان واضحًا.الدائرة.والخط المكسور.ثم الرقم.108.قال إياد بصوت منخفض:"إحنا دفناه."نور لم ترفع عينيها."أيوه.""أنا بنفسي.""عارفة.""إذن إزاي رجع؟"نظرت إلى طفلها."هو اللي اختاره."---ساد الصمت.لم يكن الطفل يبكي.كان هادئًا بصورة غريبة.فتح عينيه مرة أخرى.نظر إلى نور.ثم إلى إياد.وكأن شيئًا في داخله يعرفهما.اقترب إياد ببطء.مد إصبعه.أمسك الطفل بإصبعه.وفجأة...تغيرت ملامح إياد.رأى صورة.مكانًا واسعًا.رفوفًا لا نهاية لها.طفلًا يقف أمام باب.وفي يده مفتاح ذهبي.ثم سمع صوتًا:"لا تخف."قال إياد:"نور...""إيه؟""أنا شفت حاجة."---جلست نور."إيه؟""المكتبة."تجمدت."أنت متأكد؟""أيوه.""إيه اللي شفته؟""ابننا."نظرت إلى الطفل."كان واقفًا في
الفصل 197ليلة ميلاد الحارسلم يكن البكاء الذي سمعوه من فوقهم بكاء طفل عادي.كان يحمل شيئًا غريبًا.كان كأنه صدى لطفل يبكي في مكانين مختلفين في الوقت نفسه.صوت قريب.وصوت بعيد.صوت في الحاضر.وصوت لم يولد بعد.رفعت نور رأسها نحو سقف القبر.قالت:"الطفل."إياد:"الحارس."الرجل الواقف أمامهم ابتسم."لا."قال مروان:"أمال مين؟"نظر الرجل إلى نور."ابنك."تجمدت."ابني؟"أومأ."في ليلة ميلاده."---نظر إياد إلى نور."إحنا ما عندناش طفل."قال الرجل:"ليس بعد.""يعني إيه؟""أنتم لم تصلوا إلى هذا المكان في الزمن الذي تعتقدونه."سليم:"إحنا فين؟"الرجل:"في اللحظة التي يصنع فيها المستقبل نفسه."ليان:"يعني إحنا في المستقبل؟""وفي الماضي.""إزاي؟""لأن الذاكرة لا تعرف الفرق بين الاثنين."---اقتربت نور من الرجل."إنت مين؟""حور.""اسمك الحقيقي."صمت.ثم قال:"اسمي الأول لم يعد موجودًا.""لماذا؟""لأنني كنت أول من حاول أن يحرر المكتبة."إياد:"وفشلت.""لا."ابتسم."نجحت."---قال مروان:"لو نجحت، ليه كل ده حصل؟""لأن الحرية لها ثمن.""إيه الثمن؟""أن تترك الناس يختارون، حتى لو اختاروا الخطأ."قا
الفصل 196القبر الأخيرلم يكن أحد منهم يعرف أن اللحظة التي ظنوا فيها أن كل شيء انتهى، كانت في الحقيقة اللحظة التي انفتح فيها آخر سر.ظلوا واقفين أمام أبيدوس حتى اختفت آخر خيوط الشمس.كان المكان هادئًا.هادئًا بصورة مريبة.نور تمسك الكتاب الأسود الذي ظهر عليه اسمها.إياد يقف إلى جوارها.سليم وليان يتحدثان بصوت منخفض.ومروان يقف بعيدًا قليلًا، بجوار أمه التي لم تفارق يده منذ أن خرجت من الباب 108.أما الطفل...فقد اختفى.لكن شيئًا منه بقي معهم.إحساس غريب بأن أحدًا يراقبهم من مكان لا يستطيعون رؤيته.قال إياد:"لازم نرجع."نور لم تجبه.كانت تحدق في الكتاب.قال:"نور."رفعت عينيها."إيه؟""قلت نرجع.""إلى أين؟""القاهرة."ابتسمت ابتسامة صغيرة."أنت متأكد؟""أيوه.""ومش خايف؟""خايف جدًا."ضحكت."على الأقل بقيت صريح."اقتربت منه."أنا كمان خايفة."ثم نظرت إلى أبيدوس."بس المرة دي الخوف مختلف.""إزاي؟""زمان كنا بنخاف من اللي هنكتشفه.""ودلوقتي؟""دلوقتي خايفة من اللي ممكن نكون سِبناه وراءنا."---كانت السيارة تتحرك ببطء في الطريق الصحراوي.لم يتحدث أحد في البداية.كل واحد منهم كان غارقًا في