LOGINالفصل السادس
المفتاح الحقيقي لم تنم نور تلك الليلة. منذ أن قرأ إياد الرسالة، لم يعد الصمت داخل البيت القديم طبيعيًا. كان كل صوت يبدو كأنه تحذير. صرير الخشب. حركة الأشجار خلف النوافذ. حتى صوت المطر الخفيف فوق السقف. كل شيء جعلها تشعر بأن أحدًا يراقبهما. أما إياد فكان يجلس قرب النافذة، وسلاحه بجانبه، وعيناه تتحركان باستمرار بين الظلام والساعة. مرت ساعة كاملة دون أن يتحدث أي منهما. ثم قالت نور: "إياد." "نعم؟" "أنت مصدق إن أنا المفتاح؟" لم يجب فورًا. قال: "أنا مصدق إن الشخص اللي بيحرك كل ده عايزني أشك فيك." "يعني لا؟" "ما قلتش لا." التفتت إليه. "إذن أنت شاكك فيا." قال بهدوء: "أنا شاكك في كل شيء." ثم أضاف: "إلا حاجة واحدة." "إيه؟" "إنك ما قتلتيش حسن." خفضت نور عينيها. كانت تلك الجملة أهم مما توقعت. قالت: "ليه؟" "لأن القاتل كان يقدر يقتلك بسهولة." رفعت رأسها. "مش فاهمة." "اللي أطلق النار عليك في المتحف كان قريب جدًا." صمت لحظة. "لو كان هدفه قتلك، كان قتلك." "إذن كان بيهددني." "أو بيخوفك." "من إيه؟" نظر إليها. "من الحقيقة." --- أخرج إياد القطعة المعدنية من حقيبته. وضعها على الطاولة. الرمز الدائري يلمع تحت ضوء المصباح. قال: "أنتِ قلتي إنك أول مرة تشوفيها لما وقعت من شنطتك." "أيوه." "لكنها كانت جوه شنطتك." "أيوه." "مين لمس شنطتك؟" فكرت. "في المتحف؟" "من أول ما دخلتي." بدأت تتذكر. "موظفة الاستقبال." "مين كمان؟" "أحد أفراد الأمن." "حسن؟" "لا." صمتت. ثم قالت: "الدكتور سامح." رفع إياد رأسه. "إمتى؟" "قبل بداية التحقيق." "ليه لمس شنطتك؟" "كان بيدور على ملف." "وإنتِ متأكدة؟" "أيوه." سجل إياد المعلومة. ثم قال: "يبقى عندنا احتمال إن سامح حط القطعة في شنطتك." "لكن ليه؟" "علشان لما نلاقيها نربطك بالرقم 17." "بس هو نفسه كان عارف إن الرمز موجود على البردية." "بالضبط." نظرت نور إلى القطعة. "يبقى سامح ممكن يكون هو الخائن." قال إياد: "ممكن." "أنت لسه مش مقتنع." "لأن فيه حاجة مش راكبة." "إيه؟" "لو سامح هو العقل المدبر، ليه ترك نفسه يظهر لنا؟" لم تجد جوابًا. قال: "الخائن الحقيقي مش بيحب يبان." --- في الصباح، استيقظ إياد على صوت هاتفه. رسالة من أحد الضباط. "الدكتور سامح اختفى." قرأها مرة ثانية. ثم وقف. نور كانت قد استيقظت أيضًا. "إيه؟" قال: "سامح اختفى." "من المتحف؟" "من المستشفى." "إيه؟" "كان تحت المراقبة." "يعني حد أخده؟" "أو خرج بنفسه." ارتدت نور معطفها. "لازم نعرف راح فين." "مش هنروح وراه." "ليه؟" "لأن دي أسهل طريقة للوقوع في فخ." نظرت إليه. "إذن إيه خطتنا؟" قال: "هنرجع للأرشيف." "عادل؟" "أيوه." --- كان عادل قد استعاد وعيه. لكن حالته لم تكن مستقرة. دخل إياد غرفته. قال عادل بصوت ضعيف: "كنت عارف إنكم هترجعوا." "فين الورقة؟" أغلق عادل عينيه. "اتسرقت." "مين سرقها؟" "ما شفتش وجهه." "صوته؟" "رجل." "أي شيء آخر؟" صمت عادل. ثم قال: "قال جملة." اقترب إياد. "إيه؟" "قال: المفتاح لازم يرجع لمكانه." نور سألت: "أي مفتاح؟" نظر إليها عادل. ثم تغير وجهه. "أنتِ." تجمدت. "أنا؟" أشار إليها. "المفتاح." قال إياد: "إيه معنى كلامك؟" قال عادل: "البنت دي مش المفتاح." ثم ابتلع بصعوبة. "هي حاملة المفتاح." سأله إياد: "فين؟" نظر عادل إلى حقيبتها. "في جسمها..." ثم فقد الوعي. ساد الصمت. نظرت نور إلى إياد. "في جسمي؟" قال إياد: "مش لازم يقصد حرفيًا." لكن نور كانت قد بدأت تفهم. تذكرت شيئًا. قبل سنوات، عندما كانت طفلة، أصيبت في حادث صغير. كانت قد دخلت المستشفى. وتذكرت الطبيب يقول لوالدها إن هناك قطعة معدنية صغيرة دخلت تحت جلد كتفها بسبب الحادث. تمت إزالتها. أو هكذا كانت تعتقد. وضعت يدها على كتفها. "إياد..." "إيه؟" "أنا فاكرة حاجة." --- في غرفة الأرشيف، كانت نور تحاول استعادة ذكريات طفولتها. قالت: "كان عمري حوالي عشر سنين." "إيه اللي حصل؟" "كنت مع والدي في رحلة للأقصر." "رحلة؟" "أيوه." "هل كانت مرتبطة بعمله؟" "أعتقد." "والدك كان يعمل في الآثار؟" "كان باحثًا." توقف إياد. "باحث في إيه؟" "التاريخ القديم." "هل كان يعرف وادي الملوك الأول؟" صمتت. "مش عارفة." ثم أضافت: "لكنه كان عنده صندوق." "أي صندوق؟" "خشبي." "فينه؟" "اختفى بعد موته." نظر إياد إليها. "نور، لازم تفتكري." أغمضت عينيها. بدأت الصور تعود. والدها. صندوق خشبي. ثلاثة رجال. نفس الرمز. والرقم 17. فتحت عينيها فجأة. "أنا شفت الرمز قبل كده." "فين؟" "على صندوق أبي." --- عادا إلى بيت نور. بحثت في أغراض والدها القديمة. صور. كتب. دفاتر. وثائق. حتى وجدت صورة. كانت قديمة. فيها والدها يقف أمام المتحف. وبجانبه رجلان. نور اقتربت من الصورة. تجمدت. أشارت إلى أحدهما. "ده الدكتور سامح." نظر إياد. ثم إلى الرجل الآخر. تغير وجهه. "ده عادل." أومأت. ثم نظرت إلى والدها. "إذن كانوا يعرفوا بعض." قلبت الصورة. كان خلفها تاريخ قديم. وتحت التاريخ جملة: "البحث توقف بعد العثور على المدخل الأول." ثم رمز العين. والرقم 17. قال إياد: "أبوك كان جزءًا من البحث." "واضح." "لكن ليه أخفى الأمر عنك؟" "يمكن كان بيحميني." ثم سكتت. قالت: "أو كان بيخاف من حد." --- بحث إياد في سجلات الشرطة القديمة. وجد تقريرًا عن وفاة والد نور. قرأه أكثر من مرة. ثم توقف. قال: "نور." "نعم؟" "أبوك ما ماتش في حادث." تجمدت. "إيه؟" "التقرير الأصلي بيقول إن الوفاة كانت بسبب سقوط." "أيوه." "لكن فيه ملاحظة في آخر الصفحة." قرأ: "قبل وفاته بثلاثة أيام، أبلغ عن تهديدات مجهولة." نور لم تتكلم. "ليه ما حدش قال لي؟" "لأن البلاغ اتقفل." "بسبب؟" "عدم وجود دليل." سكتت. ثم قالت: "يعني أبي كان مطاردًا." أجاب إياد: "غالبًا." جلست على الكرسي. كانت تحاول استيعاب كل شيء. وفجأة تذكرت شيئًا آخر. قالت: "المفتاح." "إيه؟" "أبي كان بيقول لي جملة." "إيه الجملة؟" نظرت إليه. "لو يومًا حد سألك عن الرقم 17، ما تديهوش المفتاح." صمت إياد. "هل قال لك أين المفتاح؟" هزت رأسها. "لا." ثم وضعت يدها على عنقها. توقفت. كانت ترتدي قلادة صغيرة منذ طفولتها. قلادة لم تفارقها. نزعتها. كانت بسيطة. فضية. على ظهرها رمز صغير. 17 نظر إياد إليها. "دي كانت معاكِ من وإنتِ صغيرة؟" "أيوه." "مين اداها لك؟" "أبي." أخذها. قلبها. وجد في طرفها شقًا صغيرًا. ضغط عليه. انفتح جزء مخفي. خرجت منه قطعة معدنية دقيقة. نور شهقت. القطعة كانت مطابقة للجزء الموجود في المفتاح. قال إياد: "المفتاح مش قطعة واحدة." --- وضعت نور القطعتين بجانب بعضهما. اتصلتا. تحول المفتاح إلى شكل غريب. كان أقرب إلى مفتاح قديم، لكنه يحمل نقوشًا دقيقة. وعلى جانبه ظهرت كلمة صغيرة: "المدخل." ثم أسفلها: "الأول." قالت نور: "إذن وادي الملوك الأول له مدخل." "وأبوك كان يعرف مكانه." "لكن كيف؟" أجاب إياد: "يمكن الصورة." أخرج الصورة القديمة التي وجدها في بيت جده. وضعها بجانب صورة والدها. قارن بين الجبال. ثم لاحظ شيئًا. "شايفة الجبل ده؟" أومأت. "في الصورتين نفسه." "لكن الصورة دي قديمة جدًا." "والمكان؟" "الأقصر." أخذ إياد خريطة. بدأ يحدد المواقع. بعد دقائق، توقف. "فيه مكان واحد ممكن يكون المقصود." "فين؟" أشار إلى نقطة بعيدة عن المناطق السياحية. "هناك." --- في تلك اللحظة، رن هاتف نور. رقم مجهول. أجابت. لم تسمع شيئًا. ثم جاء صوت امرأة. هادئ. بارد. "نور." تجمدت. قالت: "مين؟" "أنا الشخص اللي كان أبوكِ بيخاف منه." اتسعت عيناها. أخذ إياد الهاتف منها ووضعه على مكبر الصوت. قال: "إياد." ضحكت المرأة. "كنت مستنية صوتك." "مين أنتِ؟" "مش مهم." "إذن إيه المهم؟" قالت: "المهم إن نور لا تذهب إلى المكان." نظر إياد إلى الخريطة. "أي مكان؟" "المدخل الأول." قالت نور: "ليه؟" سكتت المرأة. ثم قالت: "لأنك ستجدين هناك سبب موت أبيك." انقطع الاتصال. --- نظر إياد إلى نور. لم يتكلم. كانت الدموع تلمع في عينيها، لكنها لم تسقط. قالت: "أنا رايحة." "عارف." "حتى لو منعتني." "مش همنعك." "ليه؟" أخذ إياد المفتاح. ثم قال: "لأنك لو رحتي لوحدك، ممكن ما ترجعيش." نظرت إليه. "وهتروح معايا؟" "أيوه." "حتى لو كان فخ؟" نظر إليها. "خصوصًا لو كان فخ." ابتسمت بحزن. "أنت مجنون." "ممكن." ثم أضاف: "لكن واضح إننا بقينا في نفس المشكلة." --- في مكان آخر، كان الرجل صاحب السيارة السوداء يراقب شاشة صغيرة. ظهرت عليها صورة إياد ونور وهما يغادران المنزل. قال رجل آخر: "ذهبوا إلى المدخل." أجاب: "خليهم." "لكنهم يحملون المفتاح." ابتسم. "أعرف." "ماذا نفعل؟" وقف الرجل. اقترب من خريطة كبيرة. وضع إصبعه على نقطة محددة. "لا تلمسوهم." "لماذا؟" قال: "لأن المفتاح لن يعمل إلا عندما تكون نور موجودة." ثم التفت. وفي الظلام ظهرت ملامح وجهه للمرة الأولى. كان الرجل الذي وقف في الصورة القديمة بجوار والد نور. والدكتور سامح كان يعرفه جيدًا. قال: "دعهم يفتحون الباب." ثم ابتسم. "بعدها سنأخذ ما نريده." وفي مكان آخر من المدينة، كان إياد يقود السيارة نحو الصحراء. بجانبه جلست نور. بينهما المفتاح. وخلفهما، على مسافة بعيدة، كانت سيارة سوداء تتبعهم. لم يكن أي منهما يعرف أن الطريق إلى وادي الملوك الأول قد بدأ بالفعل. وأن أول خطوة فيه... ستكشف سرًا ظل مدفونًا لأكثر من ثلاثين عامًا.الفصل الختاميالباب الذي لم يُفتحكانت أبيدوس هادئة تلك الليلة.هدوءًا لم يكن يشبه الهدوء الذي يأتي بعد انتهاء المعارك، بل ذلك الهدوء الذي يسبق شيئًا لا يعرف أحد كيف يبدأ.كان القمر معلقًا فوق المعابد القديمة، والريح تحرك الرمال ببطء، كأن الصحراء نفسها تتنفس.بعيدًا عن المكان الذي وقف فيه إياد ونور قبل سنوات، كان شاب يقف وحده.كان يحمل المفتاح الذهبي.لم يكن يعرف لماذا اختارته المكتبة.ولم يكن يعرف لماذا حمل الاسم نفسه الذي حمله أول حارس عرفته نور.حور.كان يكره الاسم أحيانًا.ليس لأنه يخصه.بل لأنه يشعر أن الاسم كان ينتظره قبل أن يولد.رفع المفتاح أمام عينيه.لم يكن عليه رقم.لم يكن عليه نقش.فقط دائرة صغيرة في منتصفه.قال:"إنت عايز مني إيه؟"لم يجبه أحد.ضحك بسخرية."كنت متوقع."ثم استدار ليغادر.لكن الأرض اهتزت.توقف.نظر خلفه.لم يحدث شيء.خطا خطوة.اهتزت الأرض مرة أخرى.ثم ظهر صوت.جرس.دقة واحدة.تبعها صمت.ثم دقة ثانية.ثم ثالثة.تجمد حور.قال:"لا."لكن الجرس استمر.أربع دقات.خمس.ست.ثم توقف.نظر إلى المفتاح.كان قد تغير.ظهر عليه رقم.201.---في اللحظة نفسها، وفي مدينة بع
الفصل 200الحارس الجديدلم يكن الرقم 200 مجرد رقم.حين ظهر على الجدار، شعر إياد بأن كل السنوات التي عاشها منذ بدأت الحكاية تعود إليه دفعة واحدة.الخريطة.البردية.المومياء التي بدت كأنها دُفنت بالأمس.الممرات السرية.الأنبياء الأربعة.أبيدوس.المفتاح الذهبي.الباب 108.حور.القبر الأخير.الكتاب الأسود.والطفل الذي كبر أمام أعينهم حتى أصبح شابًا.كل شيء بدا وكأنه كان يقود إلى هذه اللحظة.وقف آدم أمامهما، والمفتاح الأسود في يده.لم يكن يبدو مخيفًا.كان شابًا عاديًا، هادئ الملامح، يحمل حقيبة جلدية قديمة.لكن عينيه كانتا تحملان شيئًا لا يمكن تفسيره.قال إياد:"أنت قلت إن المكتبة عايزة تتكلم معانا."أومأ آدم."أيوه."نور:"المكتبة مش إنسان."ابتسم."وأنا ما قلتش إنها إنسان.""إذن كيف ستتكلم؟"رفع المفتاح الأسود."بطريقتها."ثم وضعه على الطاولة.لم يحدث شيء.مرت ثوانٍ.ثم بدأت جدران الغرفة ترتجف.نور أمسكت بذراع إياد.قال:"خليكِ هادية."لكنها لم تكن خائفة.كانت تعرف هذا الإحساس.لقد شعرت به من قبل.كان إحساسًا يشبه الوقوف أمام شيء أكبر من الإنسان بكثير.شيء لا يمكن قتله.ولا يمكن حبسه.ولا
الفصل 199قبل النهاية بخطوةلم يكن أحد منهم مستعدًا لما حدث بعد عودتهم من أبيدوس.كانوا قد خرجوا من المكان وهم يظنون أنهم كسروا الحلقة الأخيرة.المفتاح الذهبي تحطم.الباب 200 اختفى.الرجل بلا وجه لم يعد موجودًا.وحور قال إن الحكاية اكتملت.لكن الكلمة التي ظهرت على الرمال كانت كافية لتعيد الشك إلى قلوبهم:«ابدأوا.»لم يفهموا معناها.حتى الشاب نفسه، الذي كان قد كسر المفتاح بيده، لم يكن يعرف ماذا فعل بالضبط.كان واقفًا أمام المعبد، ينظر إلى يده.لم يكن فيها أي أثر للجرح.ولا أثر للمفتاح.قال إياد:"إيدك كويسة؟"أجاب:"أيوه."نور أمسكت يده."مفيش حتى خدش."ابتسم."يمكن المفتاح كان مجرد وهم."قال مروان:"لو كان وهم، ما كناش شوفناه."ليان:"وما كناش سمعنا الجرس."سليم:"ولا كنا هنلاقي الكتاب."الجميع التفت إليه."أي كتاب؟"أشار إلى الأرض.كان هناك كتاب صغير أسود.لم يره أحد من قبل.انحنى سليم وحمله.كان غلافه خاليًا من أي اسم.لكن حين فتحه...كانت الصفحة الأولى تحمل جملة واحدة:«إلى من ظنوا أنهم أغلقوا الباب.»قال إياد:"اقفل الكتاب."لكن سليم لم يفعل.قلب الصفحة.ظهرت جملة ثانية:«الباب لم
الفصل 198المفتاح الذي اختار صاحبهلم يكن الصوت الذي جاء من أبيدوس مجرد جرس.كان وعدًا.أو تهديدًا.أو ربما شيئًا بين الاثنين.ظل إياد واقفًا أمام النافذة، لا يتحرك، بينما كانت نور تحمل طفلها بين ذراعيها وتحدق في المفتاح الذهبي الصغير الذي قبضت عليه أصابعه.كان المفتاح أصغر من المفتاح الذي عرفوه في رحلتهم الأولى.لكن النقش الموجود عليه كان واضحًا.الدائرة.والخط المكسور.ثم الرقم.108.قال إياد بصوت منخفض:"إحنا دفناه."نور لم ترفع عينيها."أيوه.""أنا بنفسي.""عارفة.""إذن إزاي رجع؟"نظرت إلى طفلها."هو اللي اختاره."---ساد الصمت.لم يكن الطفل يبكي.كان هادئًا بصورة غريبة.فتح عينيه مرة أخرى.نظر إلى نور.ثم إلى إياد.وكأن شيئًا في داخله يعرفهما.اقترب إياد ببطء.مد إصبعه.أمسك الطفل بإصبعه.وفجأة...تغيرت ملامح إياد.رأى صورة.مكانًا واسعًا.رفوفًا لا نهاية لها.طفلًا يقف أمام باب.وفي يده مفتاح ذهبي.ثم سمع صوتًا:"لا تخف."قال إياد:"نور...""إيه؟""أنا شفت حاجة."---جلست نور."إيه؟""المكتبة."تجمدت."أنت متأكد؟""أيوه.""إيه اللي شفته؟""ابننا."نظرت إلى الطفل."كان واقفًا في
الفصل 197ليلة ميلاد الحارسلم يكن البكاء الذي سمعوه من فوقهم بكاء طفل عادي.كان يحمل شيئًا غريبًا.كان كأنه صدى لطفل يبكي في مكانين مختلفين في الوقت نفسه.صوت قريب.وصوت بعيد.صوت في الحاضر.وصوت لم يولد بعد.رفعت نور رأسها نحو سقف القبر.قالت:"الطفل."إياد:"الحارس."الرجل الواقف أمامهم ابتسم."لا."قال مروان:"أمال مين؟"نظر الرجل إلى نور."ابنك."تجمدت."ابني؟"أومأ."في ليلة ميلاده."---نظر إياد إلى نور."إحنا ما عندناش طفل."قال الرجل:"ليس بعد.""يعني إيه؟""أنتم لم تصلوا إلى هذا المكان في الزمن الذي تعتقدونه."سليم:"إحنا فين؟"الرجل:"في اللحظة التي يصنع فيها المستقبل نفسه."ليان:"يعني إحنا في المستقبل؟""وفي الماضي.""إزاي؟""لأن الذاكرة لا تعرف الفرق بين الاثنين."---اقتربت نور من الرجل."إنت مين؟""حور.""اسمك الحقيقي."صمت.ثم قال:"اسمي الأول لم يعد موجودًا.""لماذا؟""لأنني كنت أول من حاول أن يحرر المكتبة."إياد:"وفشلت.""لا."ابتسم."نجحت."---قال مروان:"لو نجحت، ليه كل ده حصل؟""لأن الحرية لها ثمن.""إيه الثمن؟""أن تترك الناس يختارون، حتى لو اختاروا الخطأ."قا
الفصل 196القبر الأخيرلم يكن أحد منهم يعرف أن اللحظة التي ظنوا فيها أن كل شيء انتهى، كانت في الحقيقة اللحظة التي انفتح فيها آخر سر.ظلوا واقفين أمام أبيدوس حتى اختفت آخر خيوط الشمس.كان المكان هادئًا.هادئًا بصورة مريبة.نور تمسك الكتاب الأسود الذي ظهر عليه اسمها.إياد يقف إلى جوارها.سليم وليان يتحدثان بصوت منخفض.ومروان يقف بعيدًا قليلًا، بجوار أمه التي لم تفارق يده منذ أن خرجت من الباب 108.أما الطفل...فقد اختفى.لكن شيئًا منه بقي معهم.إحساس غريب بأن أحدًا يراقبهم من مكان لا يستطيعون رؤيته.قال إياد:"لازم نرجع."نور لم تجبه.كانت تحدق في الكتاب.قال:"نور."رفعت عينيها."إيه؟""قلت نرجع.""إلى أين؟""القاهرة."ابتسمت ابتسامة صغيرة."أنت متأكد؟""أيوه.""ومش خايف؟""خايف جدًا."ضحكت."على الأقل بقيت صريح."اقتربت منه."أنا كمان خايفة."ثم نظرت إلى أبيدوس."بس المرة دي الخوف مختلف.""إزاي؟""زمان كنا بنخاف من اللي هنكتشفه.""ودلوقتي؟""دلوقتي خايفة من اللي ممكن نكون سِبناه وراءنا."---كانت السيارة تتحرك ببطء في الطريق الصحراوي.لم يتحدث أحد في البداية.كل واحد منهم كان غارقًا في







