LOGINالفصل الخامس
الورقة التي لا يجب أن تُقرأ ظل إياد واقفًا أمام شاشة هاتفه. لم يتحرك. كانت الرسالة لا تزال أمام عينيه. "وهذا بالضبط ما كنا نريده." لم يكن أكثر ما أزعجه هو مضمونها. بل توقيتها. الشخص الذي أرسلها كان يعرف أنه مع نور داخل شقتها. وهذا يعني أن أحدًا كان يراقبهما. منذ لحظة وصولهما. وربما قبل ذلك. رفع إياد عينيه ببطء، وأخذ يتفحص الغرفة. النوافذ. الباب. الستائر. حتى المصابيح. ثم قال: "اطفي النور." نور نظرت إليه. "ليه؟" "اطفيه." نفذت. غرق المكان في الظلام. اقترب إياد من النافذة، وأزاح الستارة قليلًا. الشارع هادئ. سيارات قليلة تمر. ولا أحد يقف أمام المبنى. قالت نور: "مش شايف حد." "وده اللي مخوفني." أعاد الستارة إلى مكانها. ثم أغلق الهاتف. قالت: "هو عايزنا مع بعض." "أيوه." "ليه؟" "مش عارف." "إذن لازم نفترق." نظر إليها. "لا." تفاجأت. "ليه؟" "لأن ده اللي هو عايزه." "بس وجودي معاك بيخليك هدف." "وأنتِ أصلًا هدف." "وإنت كمان." "أنا عارف." صمتت. ثم قالت: "أنت بتتعامل مع الموضوع كأنه عادي." "مش عادي." "أمال؟" جلس إياد على الكرسي. "لو الشخص ده قدر يعرف مكاننا بهذه السرعة، فمعناه إن عنده معلومات عن تحركات الشرطة." سكت قليلًا. "أو عنده شخص داخل الشرطة." تغير وجه نور. "تقصد فيه خائن؟" "أو شخص بيسرب المعلومات." "ده أخطر." "علشان كده ما ينفعش نثق في أي حد." قالت: "حتى رجالك؟" نظر إليها. "خصوصًا رجالي." --- وضعت نور الورقة القديمة على الطاولة. كانت قديمة إلى درجة أن أطرافها بدأت تتآكل. قالت: "الورقة دي كانت مع حسن." "من أين حصلتِ عليها؟" "هو أعطاها لي قبل يوم من موته." "ليه؟" "قال لي لو حصل له حاجة، أحافظ عليها." "وقال لك إيه عنها؟" "قال إنها جزء من شيء أكبر." "ماذا؟" "ما عرفش." رفع إياد الورقة. قرأ العبارة مرة أخرى. المخطوطات التي اختفت ليست الهدف. إنها أجزاء من الطريق. قال: "يعني المخطوطات اللي اختفت كانت بتقود لمكان." أومأت نور. "ووادي الملوك الأول." "ممكن." "مش ممكن." نظر إليها. قالت: "أنا شفت العلامات نفسها على البردية." "إذن ليه ما قلتيش؟" "لأني ما كنتش متأكدة." "والآن؟" أشارت إلى الورقة. "دلوقتي أنا متأكدة." قلب إياد الورقة. كانت هناك علامة صغيرة في الخلف. دائرة مقسمة إلى ثلاثة أجزاء. في كل جزء رمز مختلف. قال: "ثلاثة مفاتيح." أومأت نور. "والصندوق اللي لقيناه كان فيه مفتاح واحد." "والقطعة اللي معاك رقم 17." "والثالث؟" لم تجب. قال إياد: "لسه مجهول." --- في الصباح، اتصل إياد بالمتحف. أراد معرفة ما إذا كانت هناك سجلات قديمة للمخطوطات التي اختفت. جاءه صوت الضابط: "عندنا مشكلة." "ما هي؟" "الملفات القديمة ناقصة." "مين المسؤول عنها؟" "الأرشيف." "اسم المسؤول؟" "عادل مراد." توقف إياد. "مراد؟" "أيوه." "قريب للحارس؟" "أخوه." صمت إياد. قال: "خليه ما يعرفش إني سألت عنه." "ليه؟" "نفذ." --- بعد ساعة، وصل إياد ونور إلى مبنى الأرشيف القديم. كان المبنى يقع خلف المتحف، بعيدًا عن الزوار. جدرانه سميكة، ونوافذه صغيرة. دخل إياد. كان رجل نحيف في الستينيات يجلس خلف مكتب خشبي. رفع رأسه. "المحقق إياد؟" "أيوه." نظر إلى نور. "وهي؟" قال إياد: "معايا." ابتسم الرجل. "نور عبدالسلام." رفعت نور حاجبها. "تعرفني؟" قال: "أخوكِ؟" "أنا مش..." قاطعه إياد: "أنت عادل مراد." أومأ. "أيوه." نظر إياد إلى الملفات. "عايز كل سجلات المخطوطات اللي اختفت من المتحف خلال العشرين سنة الأخيرة." تغير وجه عادل. "كلها؟" "كلها." "ده عدد كبير." "عندي وقت." ابتسم عادل. ثم نهض. "تعالوا." دخلوا غرفة خلفية. كانت مليئة بالملفات. وضع عادل أمامهم عدة صناديق. قال: "دي أقدم السجلات." بدأ إياد في البحث. نور كانت تقلب الأوراق. بعد دقائق، قالت: "لقيت حاجة." اقترب إياد. كانت قائمة تحتوي على سبع مخطوطات. أمام كل واحدة تاريخ اختفائها. لكن هناك شيئًا غريبًا. كل مخطوطة اختفت في عام مختلف. قال إياد: "إيه المشترك بينهم؟" أشارت نور إلى الهامش. كان هناك رمز صغير. العين داخل الدائرة. توقف إياد. قال: "نفس الرمز." ثم قلب الورقة. في الخلف كانت هناك كتابة: "لا تجمع الأجزاء إلا عندما تصل إلى المفتاح السابع عشر." قالت نور: "المفتاح السابع عشر." نظر إياد إلى عادل. كان الرجل يقف بعيدًا. لكن وجهه تغير. قال إياد: "أنت تعرف معنى الكلام ده." رد عادل: "لا." "كذاب." صمت الرجل. ثم قال: "أنا أعرف إن بعض الأشياء لازم تفضل مدفونة." قالت نور: "وادي الملوك الأول؟" رفع عادل عينيه إليها. هذه المرة لم ينكر. قال: "أنتِ ما كانش لازم تعرفي الاسم ده." --- ساد صمت ثقيل. اقترب إياد. "إيه هو وادي الملوك الأول؟" قال عادل: "مكان." "ده واضح." "مكان مات بسببه ناس كتير." نور سألت: "من إمتى؟" "من أول بعثة حاولت توصله." "فين الموقع؟" هز عادل رأسه. "ما حدش يعرف." "لكن عندك سجلات." "السجلات لا تقود للمكان." "أمال بتقود لإيه؟" نظر إلى الورقة. "إلى الطريق." ثم أضاف: "والطريق مقسم إلى سبعة أجزاء." قال إياد: "سبعة مخطوطات." أومأ عادل. "سبع مخطوطات... وثلاثة مفاتيح." نور سألته: "ليه المفتاح السابع عشر؟" صمت عادل طويلًا. ثم قال: "لأن الرقم 17 مش رقم." "إذن ماذا يكون؟" نظر إليها. "اسم." --- تبادل إياد ونور نظرة. قال إياد: "اسم مين؟" قبل أن يجيب عادل، انطفأت الأنوار. تجمد الجميع. سمعوا صوت ارتطام قوي. ثم سقط أحد الصناديق. صرخت نور. أمسك إياد بيدها. "خليكِ ورايا." أخرج سلاحه. تحرك في الظلام. صوت خطوات. ثم باب يُغلق. أشعل مصباح هاتفه. كان عادل ملقى على الأرض. اقترب منه. كان فاقدًا للوعي. وعلى المكتب اختفت الورقة. قالت نور: "الورقة!" نظر إياد إلى المكتب. ثم إلى الباب. "حد كان هنا." ركض إلى الخارج. الممر خالٍ. لكنه لمح ظلًا يختفي عند نهاية المبنى. تبعه. ركض بين الممرات. فتح بابًا. ثم آخر. حتى خرج إلى الشارع. لا أحد. فقط سيارة سوداء تنطلق بسرعة. رفع إياد سلاحه، لكنه لم يطلق. عاد إلى الداخل. وجد نور جالسة بجانب عادل. قالت: "لسه بيتنفس." انحنى إياد. ثم قال: "اتصلي بالإسعاف." أخرج هاتفه. لكن قبل أن يطلب الرقم، ظهر إشعار. رسالة جديدة. فتحها. صورة لعادل. وهو جالس قبل دقائق في الأرشيف. وتحتها: "كان يعرف أكثر مما يجب." ثم رسالة أخرى: "والآن الدور عليك." رفع إياد رأسه. نظر إلى نور. قال: "إحنا لازم نخرج من هنا." --- بعد دقائق، وصلت سيارة الإسعاف. نُقل عادل إلى المستشفى. أما إياد ونور، فجلسا داخل سيارة الشرطة. قالت نور: "إحنا بنهرب منين دلوقتي؟" "مش هننهرب." "أمال؟" "هنروح لمكان ما يعرفوش عنه." "فين؟" نظر إليها. "بيت جدي." تفاجأت. "إنت عندك بيت في الأقصر؟" "بيت قديم." "مين يعرف عنه؟" "قليل." "هل يمكن الوثوق به؟" "ما حدش عايش فيه." أدارت وجهها نحو النافذة. "إياد." "نعم؟" "أنا آسفة." نظر إليها. "على إيه؟" "إنك دخلت في الموضوع بسببي." صمت. ثم قال: "أنا دخلت في الموضوع بسبب الجريمة." "لكن دلوقتي حياتك في خطر." "كانت هتبقى في خطر حتى لو ما عرفتكش." نظرت إليه. "مش دايمًا لازم تكون قوي." أجاب: "ومش دايمًا لازم تكوني خائفة." ابتسمت للمرة الأولى. "أنا مش خايفة." نظر إليها. "إيدك بتترعش." نظرت إلى يدها. ضحكت بخفة. "يمكن من البرد." "الجو مش بارد." صمتت. ثم قالت: "يمكن منك." نظر إليها للحظة. ولأول مرة لم يعرف إياد ماذا يقول. أدار عينيه إلى الطريق. --- وصلا إلى البيت القديم قبل الغروب. كان يقع بعيدًا عن قلب المدينة. بيت حجري صغير، تحيط به أشجار قديمة. دخل إياد. أشعل المصباح. الغبار يغطي الأثاث. قال: "هنا محدش هيلاقينا." نور نظرت حولها. "متأكد؟" "أيوه." "مين صاحب البيت؟" "جدي." "ومين مات؟" "من سنين." صمتت. ثم قالت: "آسفة." "مش محتاجة." جلس إياد على كرسي قديم. كان متعبًا. لاحظت نور ذلك. قالت: "إيدك." "إيه؟" "الجرح." "مش مهم." "وريني." تردد. ثم مد يده. أخرجت حقيبة الإسعافات من السيارة. بدأت تنظف الجرح. كانت يداها ثابتتين هذه المرة. قال إياد: "إنتِ اتعودتي على الجروح؟" "شغلي في الترميم." "ده مش جرح أثري." ابتسمت. "أعرف." صمتا. كانت المسافة بينهما قصيرة. أقرب مما ينبغي. رفعت عينيها. وجدته ينظر إليها. توقفت. لكن قبل أن يحدث شيء... دوى صوت ارتطام في الخارج. ابتعد الاثنان فورًا. أمسك إياد سلاحه. أطفأ النور. همس: "خليكِ هنا." خرج. دقيقة. دقيقتان. ثم عاد. كان يحمل ظرفًا. قال: "كان على الباب." فتح الظرف. وجد صورة. تجمد وجهه. كانت الصورة له ولنور داخل البيت. صورة التقطت من النافذة قبل دقائق. وفي الخلفية، على الطاولة، ظهر المفتاح. ثم وجد إياد رسالة: "أنتم تقتربون." وتحتها: "لكنكم لا تعرفون أن أحدكما يحمل المفتاح الحقيقي." نظر إياد إلى نور. ثم إلى القطعة المعدنية الموجودة في حقيبتها. لأول مرة، خطر في ذهنه احتمال مرعب: ربما لم تكن نور مجرد شخص تتم مطاردته. ربما كانت هي نفسها... المفتاح الذي يبحثون عنه. وفي مكان مجهول، كان العقل المدبر يقف أمام صورة نور. قال: "اقترب الوقت." ثم وضع صورة إياد بجوارها. وأضاف: "وعندما تعرف نور الحقيقة، سيكون الأوان قد فات." ثم أطفأ النور. وبقي على الجدار نقش واحد فقط: 17الفصل الختاميالباب الذي لم يُفتحكانت أبيدوس هادئة تلك الليلة.هدوءًا لم يكن يشبه الهدوء الذي يأتي بعد انتهاء المعارك، بل ذلك الهدوء الذي يسبق شيئًا لا يعرف أحد كيف يبدأ.كان القمر معلقًا فوق المعابد القديمة، والريح تحرك الرمال ببطء، كأن الصحراء نفسها تتنفس.بعيدًا عن المكان الذي وقف فيه إياد ونور قبل سنوات، كان شاب يقف وحده.كان يحمل المفتاح الذهبي.لم يكن يعرف لماذا اختارته المكتبة.ولم يكن يعرف لماذا حمل الاسم نفسه الذي حمله أول حارس عرفته نور.حور.كان يكره الاسم أحيانًا.ليس لأنه يخصه.بل لأنه يشعر أن الاسم كان ينتظره قبل أن يولد.رفع المفتاح أمام عينيه.لم يكن عليه رقم.لم يكن عليه نقش.فقط دائرة صغيرة في منتصفه.قال:"إنت عايز مني إيه؟"لم يجبه أحد.ضحك بسخرية."كنت متوقع."ثم استدار ليغادر.لكن الأرض اهتزت.توقف.نظر خلفه.لم يحدث شيء.خطا خطوة.اهتزت الأرض مرة أخرى.ثم ظهر صوت.جرس.دقة واحدة.تبعها صمت.ثم دقة ثانية.ثم ثالثة.تجمد حور.قال:"لا."لكن الجرس استمر.أربع دقات.خمس.ست.ثم توقف.نظر إلى المفتاح.كان قد تغير.ظهر عليه رقم.201.---في اللحظة نفسها، وفي مدينة بع
الفصل 200الحارس الجديدلم يكن الرقم 200 مجرد رقم.حين ظهر على الجدار، شعر إياد بأن كل السنوات التي عاشها منذ بدأت الحكاية تعود إليه دفعة واحدة.الخريطة.البردية.المومياء التي بدت كأنها دُفنت بالأمس.الممرات السرية.الأنبياء الأربعة.أبيدوس.المفتاح الذهبي.الباب 108.حور.القبر الأخير.الكتاب الأسود.والطفل الذي كبر أمام أعينهم حتى أصبح شابًا.كل شيء بدا وكأنه كان يقود إلى هذه اللحظة.وقف آدم أمامهما، والمفتاح الأسود في يده.لم يكن يبدو مخيفًا.كان شابًا عاديًا، هادئ الملامح، يحمل حقيبة جلدية قديمة.لكن عينيه كانتا تحملان شيئًا لا يمكن تفسيره.قال إياد:"أنت قلت إن المكتبة عايزة تتكلم معانا."أومأ آدم."أيوه."نور:"المكتبة مش إنسان."ابتسم."وأنا ما قلتش إنها إنسان.""إذن كيف ستتكلم؟"رفع المفتاح الأسود."بطريقتها."ثم وضعه على الطاولة.لم يحدث شيء.مرت ثوانٍ.ثم بدأت جدران الغرفة ترتجف.نور أمسكت بذراع إياد.قال:"خليكِ هادية."لكنها لم تكن خائفة.كانت تعرف هذا الإحساس.لقد شعرت به من قبل.كان إحساسًا يشبه الوقوف أمام شيء أكبر من الإنسان بكثير.شيء لا يمكن قتله.ولا يمكن حبسه.ولا
الفصل 199قبل النهاية بخطوةلم يكن أحد منهم مستعدًا لما حدث بعد عودتهم من أبيدوس.كانوا قد خرجوا من المكان وهم يظنون أنهم كسروا الحلقة الأخيرة.المفتاح الذهبي تحطم.الباب 200 اختفى.الرجل بلا وجه لم يعد موجودًا.وحور قال إن الحكاية اكتملت.لكن الكلمة التي ظهرت على الرمال كانت كافية لتعيد الشك إلى قلوبهم:«ابدأوا.»لم يفهموا معناها.حتى الشاب نفسه، الذي كان قد كسر المفتاح بيده، لم يكن يعرف ماذا فعل بالضبط.كان واقفًا أمام المعبد، ينظر إلى يده.لم يكن فيها أي أثر للجرح.ولا أثر للمفتاح.قال إياد:"إيدك كويسة؟"أجاب:"أيوه."نور أمسكت يده."مفيش حتى خدش."ابتسم."يمكن المفتاح كان مجرد وهم."قال مروان:"لو كان وهم، ما كناش شوفناه."ليان:"وما كناش سمعنا الجرس."سليم:"ولا كنا هنلاقي الكتاب."الجميع التفت إليه."أي كتاب؟"أشار إلى الأرض.كان هناك كتاب صغير أسود.لم يره أحد من قبل.انحنى سليم وحمله.كان غلافه خاليًا من أي اسم.لكن حين فتحه...كانت الصفحة الأولى تحمل جملة واحدة:«إلى من ظنوا أنهم أغلقوا الباب.»قال إياد:"اقفل الكتاب."لكن سليم لم يفعل.قلب الصفحة.ظهرت جملة ثانية:«الباب لم
الفصل 198المفتاح الذي اختار صاحبهلم يكن الصوت الذي جاء من أبيدوس مجرد جرس.كان وعدًا.أو تهديدًا.أو ربما شيئًا بين الاثنين.ظل إياد واقفًا أمام النافذة، لا يتحرك، بينما كانت نور تحمل طفلها بين ذراعيها وتحدق في المفتاح الذهبي الصغير الذي قبضت عليه أصابعه.كان المفتاح أصغر من المفتاح الذي عرفوه في رحلتهم الأولى.لكن النقش الموجود عليه كان واضحًا.الدائرة.والخط المكسور.ثم الرقم.108.قال إياد بصوت منخفض:"إحنا دفناه."نور لم ترفع عينيها."أيوه.""أنا بنفسي.""عارفة.""إذن إزاي رجع؟"نظرت إلى طفلها."هو اللي اختاره."---ساد الصمت.لم يكن الطفل يبكي.كان هادئًا بصورة غريبة.فتح عينيه مرة أخرى.نظر إلى نور.ثم إلى إياد.وكأن شيئًا في داخله يعرفهما.اقترب إياد ببطء.مد إصبعه.أمسك الطفل بإصبعه.وفجأة...تغيرت ملامح إياد.رأى صورة.مكانًا واسعًا.رفوفًا لا نهاية لها.طفلًا يقف أمام باب.وفي يده مفتاح ذهبي.ثم سمع صوتًا:"لا تخف."قال إياد:"نور...""إيه؟""أنا شفت حاجة."---جلست نور."إيه؟""المكتبة."تجمدت."أنت متأكد؟""أيوه.""إيه اللي شفته؟""ابننا."نظرت إلى الطفل."كان واقفًا في
الفصل 197ليلة ميلاد الحارسلم يكن البكاء الذي سمعوه من فوقهم بكاء طفل عادي.كان يحمل شيئًا غريبًا.كان كأنه صدى لطفل يبكي في مكانين مختلفين في الوقت نفسه.صوت قريب.وصوت بعيد.صوت في الحاضر.وصوت لم يولد بعد.رفعت نور رأسها نحو سقف القبر.قالت:"الطفل."إياد:"الحارس."الرجل الواقف أمامهم ابتسم."لا."قال مروان:"أمال مين؟"نظر الرجل إلى نور."ابنك."تجمدت."ابني؟"أومأ."في ليلة ميلاده."---نظر إياد إلى نور."إحنا ما عندناش طفل."قال الرجل:"ليس بعد.""يعني إيه؟""أنتم لم تصلوا إلى هذا المكان في الزمن الذي تعتقدونه."سليم:"إحنا فين؟"الرجل:"في اللحظة التي يصنع فيها المستقبل نفسه."ليان:"يعني إحنا في المستقبل؟""وفي الماضي.""إزاي؟""لأن الذاكرة لا تعرف الفرق بين الاثنين."---اقتربت نور من الرجل."إنت مين؟""حور.""اسمك الحقيقي."صمت.ثم قال:"اسمي الأول لم يعد موجودًا.""لماذا؟""لأنني كنت أول من حاول أن يحرر المكتبة."إياد:"وفشلت.""لا."ابتسم."نجحت."---قال مروان:"لو نجحت، ليه كل ده حصل؟""لأن الحرية لها ثمن.""إيه الثمن؟""أن تترك الناس يختارون، حتى لو اختاروا الخطأ."قا
الفصل 196القبر الأخيرلم يكن أحد منهم يعرف أن اللحظة التي ظنوا فيها أن كل شيء انتهى، كانت في الحقيقة اللحظة التي انفتح فيها آخر سر.ظلوا واقفين أمام أبيدوس حتى اختفت آخر خيوط الشمس.كان المكان هادئًا.هادئًا بصورة مريبة.نور تمسك الكتاب الأسود الذي ظهر عليه اسمها.إياد يقف إلى جوارها.سليم وليان يتحدثان بصوت منخفض.ومروان يقف بعيدًا قليلًا، بجوار أمه التي لم تفارق يده منذ أن خرجت من الباب 108.أما الطفل...فقد اختفى.لكن شيئًا منه بقي معهم.إحساس غريب بأن أحدًا يراقبهم من مكان لا يستطيعون رؤيته.قال إياد:"لازم نرجع."نور لم تجبه.كانت تحدق في الكتاب.قال:"نور."رفعت عينيها."إيه؟""قلت نرجع.""إلى أين؟""القاهرة."ابتسمت ابتسامة صغيرة."أنت متأكد؟""أيوه.""ومش خايف؟""خايف جدًا."ضحكت."على الأقل بقيت صريح."اقتربت منه."أنا كمان خايفة."ثم نظرت إلى أبيدوس."بس المرة دي الخوف مختلف.""إزاي؟""زمان كنا بنخاف من اللي هنكتشفه.""ودلوقتي؟""دلوقتي خايفة من اللي ممكن نكون سِبناه وراءنا."---كانت السيارة تتحرك ببطء في الطريق الصحراوي.لم يتحدث أحد في البداية.كل واحد منهم كان غارقًا في