Beranda / الرومانسية / لمن تدق القلوب / الفصل الحادي عشر

Share

الفصل الحادي عشر

Penulis: سمر رجب
last update Tanggal publikasi: 2026-06-11 05:15:34

​كان صوت اهتزاز الباب تحت أشبه بناقوس موت يتردد صداه في أرجاء المكان.

في تلك اللحظة، انقشعت غشاوة المهدئ عن عقل "هديل" فجأة، لتستيقظ على كابوس ذي وضوح حاد ومرعب. رفعت عينيها لتجده أمامها.. "ماجد". نزلت عليها الحقيقة كالصدمة القاتلة التي حبست أنفاسها؛ لم يكن هذا حلمًا، بل كان الرجل الذي تكرهه من اعماق قلبها يقتحم فراشها وخلوتها.

​ماتت في حنجرتها صرخة مكتومة كانت كفيلة بتمزيق صدرها. ومع استعادة جسدها لآخر شظايا قوته، اندفعت في ثورة عنيفة ومستمرة؛ بدأت تضربه بكل ما أوتيت من قوة، وتدفع صدره ووجهه بضربات يائسة حملت صدى حركتها المتخبطة. لم تكن تحاربه هو فحسب، بل كانت تحاول جاهدة دفع هذا الواقع المرير بعيدًا عنها لإنكار وجوده.

​كان عقلها يصرخ بـ: "اخرج! اخرج!"، بينما لم يخرج من صوتها سوى حشرجة واهية ومخنوقة.

​لكن، اخترق مسامعها صوت أكرم مجددًا من الخارج—قريبًا، وأكثر ذعرًا—ليتحرك بداخلها وتر آخر: الخوف. لم يكن خوفًا من ماجد هذه المرة، بل من التوابع. تبعثرت قدرتها على التفكير العقلاني؛ فلو رآها أكرم في هذه الحالة.. لو شهد هذا الموقف.. لن يستمع لأي تبرير، وسيعتقد أن الخيانة قد تمت بموافقتها.

اختفت "هديل القوية" تماماً، وحلت محلها امرأة أعماها الرعب من نظرة الاتهام والظلم الاكيد. وفي ثانية واحدة من الجنون والارتباك المطلق، توقفت عن ضربه، وقبضت يداها المرتعشتان على ياقته.

​هتفت برعب:

— "استخبى.. لازم تستخبى حالاً!"

​لم تكن تحاول إنقاذ ماجد، بل كانت تحاول إنقاذ ما تبقى من حطام حياتها وزواجها.

دفعته بكل قوتها نحو الشرفة ونحو ظلال خزانة الملابس الكبيرة، وعيناها زائغتان ومشتتتان. لم يعد يهمها تحقيق العدالة في تلك اللحظة؛ كل ما كانت تحتاجه هو أن يختفي هذا الكابوس الحقيقي من أمامها قبل أن يتحطم الباب.

​وفي غرفة المعيشة، كان خشب الباب الرئيسي يئن تحت الضربات المتتالية؛ ضربة واحدة أخرى، وسيكون أكرم بالداخل.

وقفت هديل في منتصف غرفة النوم، وجسدها ينتفض برعب وهي تحاول لف رداء الحمام حول قوامها المرتعش كعصفور سجين.

​كانت على وشك فتح الباب لزوجها، وهي تحمل سراً كفيلاً بأن يحرق مستقبلهما معاً ويحوله إلى رماد.

​اندفعت هديل نحو الباب الرئيسي، وعقلها في حالة من الفوضى العارمة. كانت تبدو في حالة يرثى لها؛ مساحيق التجميل تلطخت على وجنتيها في خطوط داكنة، وشعرها مبعثر بشكل عشوائي، بينما رداءها ملتف حول كتفيها بإهمال ويكاد يسقط.

​فتحت الباب بعنف في نفس اللحظة التي كان أكرم يستعد فيها لإلقاء ثقله عليه مجدداً، فترنح إلى الخلف، وانقطعت أنفاسه في حلقه وهو يتأملها بصدمة ورعب بالعينين:

— "هديل؟! يا الله.. إيه اللي حصل؟ مالك عامله في نفسك كدا ليه؟!"

​وقفت هناك، ونبضات قلبها تدق في صدرها بقوة جعلتها تظن أن ضلوعها ستتحطم، وشعرت بحلقها وكأنه ممتلئ بزجاج مكسور يمنعها من النطق بأي كلمة. كانت تبدو في مظهر يوحي بالذنب، والانكسار، والضياع الكامل.

​لكن أكرم، الذي كان أعمى بسبب شعوره بالذنب لتركها في المستشفى ورغبته المستميتة في نيل غفرانها، رأى في مظهرها بالظبط ما كان يتمنى رؤيته؛ لم يرَ مسرح جريمة، بل رأى امرأة قضت ليلتها تنهار حزناً لأنه تخلى عنها. ظن أن تلك الدموع الملطخة بكحل عينيها البنيتن كانت لأجله هو.

​قال بصوت متهدج وعينين دامعتين:

— "أنا آسف.. أنا آسف جداً إني سبتك لوحدك في الظروف دي."

​وقبل أن تحاول حتى النطق بأي تفسير، جذبها إليه في عناق قوي وعنيف، ودفن وجهه في عنقها. احتضنها وكأنها طوق النجاة الوحيد له في هذا العالم، وهو يقبل رأسها مراراً وتكراراً:

— "أنا رجعت يا هديل.. مش هسيبك تاني أبداً. أرجوكي سامحيني."

​تجمدت هديل بين ذراعيه، وعيناها متسعتان ومثبتتان على باب غرفة النوم الواقع خلف ظهره مباشرة. كانت تكاد تشعر بوجود ماجد خلف الجدران كطيف مظلم وصامت يراقبهم من وسط العتمة.

كانت بين يدي الرجل الذي تحبه، بينما الرجل الذي انتهك أمانها واستقرارها وحرمة جسدها يقف على بعد خطوات معدودة، مخفياً بصنع يديها.

​كانت السخرية في الموقف خانقة؛ فكل قبلة يطبعها أكرم على جبينها كانت تشعر بها وكأنها وشم من الألم والاضطراب.

​ظلت هديل واقفة، جسدها مجرد قشرة متصلبة ومرتعشة بينما يحتضنها أكرم. لم تكن تشعر بدفئه؛ بل كان عقلها يعمل كمحرك سريع يحسب كل ثانية تمر. غرفة النوم.. ماجد.. الباب.. القفل.

تداخلت أفكارها في فوضى عارمة من "كيف" و"متى"، حتى تراجع أكرم خطوة، وعيناه تفيضان بقلق كان كالسكين في روحها.

​همس وهو يقودها من يدها نحو مقعد طاولة الطعام:

— "أنتي سقعانة وجسمك بيترعش يا هديل.. اقعدي هنا، واستهدي بالله واتنفسي براحة أنا هدخل المطبخ أعملك حاجة دافية تريح أعصابك.. ليمون وعسل زي ما بتحبيهم من ايدي، ومش هغيب عليكييا حبيبتي انا اسف والله"

​وفي الثانية التي أدار فيها ظهره متوجهاً إلى المطبخ، تباطأت حركة العالم من حولها. كانت هذه هي الفرصة.. نافذتها الوحيدة للنجاة.

​لم تنتظر هديل، ولم تفكر؛ ومع انطلاق صوت صنبور المياه في المطبخ لكسر السكون، اندفعت نحو غرفة النوم كالسهم، وصوت دقات قلبها يصم آذانها.

​اقتحمت الغرفة، لتلمح طيف ماجد المظلم يقف قريباً من الخزانة. لم تنطق بحرف؛ بل قبضت على ذراعه بقوة عنيفة ومفاجئة، وسحبته خلفها نحو الرواق الرئيسي للشقة، وعيناها معلقتان بباب المطبخ حيث يتحرك ظل أكرم.

​أي صرير في الأرضية، أو أي أنفاس ثقيلة، كانت كفيلة بإنهاء كل شيء.

​وصلت إلى الباب الرئيسي، وتخبطت أصابعها في فك القفل الداخلي الذي أغلقته بذعر قبل دقائق.

كان صوت حركة المزلاج كأنه طلقة رصاص في هدوء الشقة. دفعت ماجد إلى الخارج، في الممر المظلم والبارد، وعيناها تحترقان بوعد صامت وقاتل: "الموضوع ده لسه منتهاش والله لاقتلك يا ابن الكلب".

​أغلقت الباب بقوة وسندت ظهرها عليه، وهي تلهث وتبحث عن الهواء، في نفس اللحظة التي جاء فيها صوت أكرم من المطبخ:

— "هديل؟ أنتي كويسة؟ بيتهيألي إني سمعت صوت الباب."

​في اللحظة التي اختفى فيها ظل ماجد خلف الباب المغلق، لم تضيع هديل نبضة قلب واحدة؛ استدارت، وبالكاد كانت قدماها الحافيتان تلمسان الأرض الخشبية وهي تركض بصمت عائدة إلى غرفة الطعام ارتمت فوق المقعد، وصدرها يعلو ويهبط بعنف، محاولة إجبار رئتيها على تنفس هادئ ومنتظم. قبضت على حافة الطاولة حتى ابيضت مفاصل أصابعها، وقلبها لا يزال يصرخ من تدفق الأدرينالين.

​وما إن عدلت وضع رداء حمامها، حتى ناولها أكرم كوباً دافئاً يتصاعد منه البخار، عقد حاجبيه بحيرة وهو ينظر إليها متسائلا:

هو أنتي تحركتي من مكانك؟ مبترديش عليا ليه انا تقريبا سمعت صوت باب الشقة!ونظر نحو الباب الرئيسي بثبات قلق

​سرت قشعريرة باردة في عمودها الفقري، لكنها لم تبعد نظراتها عنه؛ بل أجبرت شفتيها على رسم ابتسامة واهية ومرتعشة، وقالت بصوت خافت كالهسيس:

— "أنا.. أنا قمت بس أتأكد من قفل الباب. لسه مخضوضة شوية يا أكرم.. كل حاجة الليلة دي حساها عالية ومزعجة انت عارف اني بترعب اقعد لوحدي في اي مكان."

​لانَت تعابير وجه أكرم على الفور؛أخذ الكوب من يديها المرتعشة ووضعه أمامها، لامس البخار الدافئ وجهها ليشكل نقيضاً صارخاً للرعب البارد الذي دفعته خارج المنزل لتوها. جثا على ركبتيه بجانبها، ممسكاً بيديها المرتجفتين:

— "مفيش حاجة، أنتي في أمان دلوقتي.. أنا جمبك مش هسيبك لوحدك تاني ابدا انا اسف حقك عليا يا روحي.

لم يكن يعلم أن الأمان الذي يعدها به مبني على أرضية من الزجاج المهشم.

​ارتشفت من الكوب ببطئ، كان السائل الساخن يلسع حلقها، لكن الطعم الوحيد الذي استقر في فمها كان طعم الخوف المعدني. كانت تجلس أمام زوجها، تؤدي دور الزوجة الحزينة، بينما لا يزال الهواء في الغرفة يحمل بقايا أنفاس ذلك المتسلل.

​اقترب أكرم، وامتدت يده ليمسك بوجهها، ويمسح على وجنتها بحنان كان ينبغي أن يكون ملاذها الآمن. مال برأسه أكثر، محاولاً طبع قبلة اعتذار رقيقة على شفتيها كوعد صامت بإصلاح كل شيء.

​لكن في اللحظة التي تلامست فيها بشرتاهما، انتفضت هديل؛ لم يكن مجرد تراجع عادي، بل كانت انتفاضة عنيفة ومفاجئة كأن صدمة كهربائية قد أصابتها، وكأن لمسته قد أحرقتها بالفعل. شهقت، واتسعت عيناها بلمحة من الرعب الخالص الذي لم تستطع إخفاءه بالسرعة الكافية.

​تجمد أكرم في مكانه، وبقيت يده معلقة في الهواء، وكان أثر هذا الرفض والنفور أشد إيلاماً من أي شجار خاضاه من قبل.

وحلّ صمت خانق وثقيل غطى المساحة بينهما.

​قال أكرم بصوت منخفض، محاولاً إخفاء نبرة الانكسار في صوته:

— "أنا.. أعتقد إنك محتاجة تاخدي دش يريح اعصابك من تعب اليوم دا يا هديل."

وقف وجذبها بلطف لتنهض، "ادخلي خدي حمام دافي هيساعدك تسترخي. أنتي مريتي بحاجات كتير فوق طاقتك النهاردة."

​أومأت برأسها موافقة دون كلمة، شعرت بساقيها كأن جبالاً من الرصاص تثقلهما وهي تتحرك نحو الحمام، دون أن تجرؤ على الالتفات وراءها.

​ومع صوت إغلاق باب الحمام، وقف أكرم بمفرده في الشقة الخالية، يتأمل المقعد الفارغ. وبدأ شعور بارد ومزعج ينهش في أحشائه؛ لم يكن غضباً، ولم يكن مجرد إرهاق، بل كان هناك شيء "خاطئ طاقة ثقيلة تنبعث من أرجاء المكان لم يستطع تحديد ماهيتها.

نظر حوله، وصارت الجدران المألوفة تبدو وكأنها تخفي عنه أسرارا.

​هو يعرف هديل؛ يعرف تقلباتها، صمتها، ونارها.

لكن المرأة التي انتفضت وجفلت من لمسته لتوها؟ كانت غريبة تماماً عنه. ولأول مرة، شعر أكرم بقشعريرة لا علاقة لها ببرودة الليل.

​وقفت هديل تحت المياه الساخنة، لكنها لم تشعر بحرارتها. بدأت في فرك بشرتها بقوة واهتياج شديد، وكأنها تحاول اقتلاع الطبقات والآثار التي تركها "ماجد" في جسدها.

تحركت يداها بعنف جعل بشرتها تتحول إلى اللون الأحمر الطاغي، محاولة غسل دنس لا يمكن للماء أن يصل إليه أو يمحوه.

​انهارت على أرضية حوض الاستحمام، وصوت تدفق المياه يحجب صوت العالم من حولها.

انخرطت في بكاء هيستيري متواصل، لكنه كان بكاءً صامتاً؛ فقد ضغطت بيديها فوق فمها، وعضت على أصابعها بقوة لتمنع أكرم من سماع نحيبها من خلف الباب. كان جسدها بأكمله يتلوى بألم نفسي حاد، وشعور بانتهاك عميق جعلها ترغب في الصراخ حتى تنفد أنفاسها.

​وفي لحظة خاطفة من الوعي المرير، فكرت:

"لازم أقوله.. مش هعرف أتنفس والسر دا في صدري بينهش فيه".

مسحت عينيها، وتحول وجهها إلى قناع من العزيمة الصارمة؛ كادت أن تقف، وتفتح الباب لتخرج وتخبره بكل شيء.

​لكن في تلك اللحظة، تمثلت صورة أكرم في مخيلتها—ليس الزوج الحنون الذي أعد لها الشاي منذ قليل، بل الرجل الذي سيتحول إليه إذا علم بالحقيقة.

رأت الظلام في عينيه، ورأت دماء القصاص في عروقه.

أدركت بيقين مرعب أنه لو علم بما فعله ماجد، لن يتصل بالشرطة؛ بل سينهي حياة ماجد بيده، وينهي معها مستقبله وحياته إلى الأبد.

​سحقها ثقل هذا الإدراك، فالعجز واليأس أحاطا بها من كل جانب؛ إنها محاصرة تماماً. ولإنقاذ أكرم من أن يصبح قاتلاً، كان عليها أن تظل سجينة لصمتها وخوفها.

​خطا أكرم داخل غرفة النوم، بهدف البحث عن ملابس نوم مريحة لهديل.

استرعت انتباهه حالة الفراش؛ كانت الأغطية مشدودة ومبعثرة، والوسائد ملقاة بشكل غير منظم. توقف لثانية، وعقد حاجبيه وهو يتأمل الفوضى على السرير.

​فكر في نفسه والذنب يعتصره: "أكيد كانت بتتقلب طول الليل ومش عارفة تنام.. كانت بتعاني وبتمر بانهيار هنا على السرير دا وأنا بعيد عنها".

بالنسبة له، لم تكن هذه الفوضى تبدو كآثار اقتحام أو جريمة، بل بدأت له كدليل على ليلة قاسية وطويلة قضتها زوجته في عزلة وألم.

​ثم، التقطت حواسه رائحة غريبة وغير مألوفة؛ كانت رائحة حادة وعالقة في أثير الغرفة.

استنشق الهواء محاولاً التعرف عليها؛ لم تكن رائحة عطره الشخصي، لكنه سرعان ما طرد الفكرة من رأسه: "ممكن يكون منظف جديد؟ أو ممكن هديل رشت حاجة عشان تهدي أعصابها؟".

هز رأسه رافضاً السماح لعقله بالذهاب نحو مناطق مظلمة؛ فالضغط الذي عاشه في المستشفى جعله في حالة مضنية من الاضطراب.

​رتب الوسائد بسرعة، رغبة منه في جعل الغرفة تبدو مريحة وهادئة لها عندما تخرج، حتى لا ترى أثر تعبها أمامها.

​وضع ملابس النوم على حافة الفراش وتراجع خطوة للخلف، متنهداً بعمق. كانت الغرفة تبدو ثقيلة، نعم، لكنه أقنع نفسه بأن هذا هو ثقل المشاكل العالقة بينهما فحسب. لم يكن مستعداً بعد لرؤية الظلال على حقيقتها المرعبة.. ليس الآن.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • لمن تدق القلوب   الفصل الثامن عشر

    تمتم ماجد لنفسه وعيناه مثبتتان على الشاشة: — "استمتعي باللحظة يا هديل.. اشبعي من حضنه كويس عشان لما الفيديو دا يوصل له، مش بس هيكرهك.. ده هيقرف حتى يلمس طرف هدومك. أنتي بتبني قبرك بإيدك." ​ظنت هديل أنها تحمي أكرم بلحظة الضعف هذه، غير مدركة أن ماجد يراقب كل خطوة. لم تكن تعلم أن اللحظة التي ظنتها خلاصها هي ذاتها الشيء الذي سيستخدمه لتدمير ما تبقى من كرامتها أمام زوجها. لم يكن الخطر كاميرا مؤقتة أُزيلت؛ بل كان "حصاراً" كاملاً لا يمكنها حتى رؤيته. ​بعد أن ارتوى أكرم من حضن هديل، شعر بثقل مفاجئ في جفنيه للمرة الأولى. فالتوتر الذي احتجزه طوال الليل انقشع فجأة، وحل محله استرخاء تام. أغلق عينيه وهو لا يزال يضمها بقوة بين ذراعيه، ودفن وجهه في شعرها كأنه وصل أخيراً إلى بر الأمان. وغط أكرم في نوم عميق وثقيل، كجندي وجد هدنة أخيرة بعد معركة طويلة. ​لكن هديل كانت في عالم آخر تماماً؛ كانت مستيقظة بكامل حواسها، وعيناها تتأملان الظلام، وقلبها لا يزال يخفق خوفاً لا رغبة. فجأة، تحطم سكون الغرفة باهتزاز مكتوم لهاتفها. بالن

  • لمن تدق القلوب   الفصل السابع عشر

    ​لم ينطق أكرم بكلمة.. قيدته صدمته من حدتها المبالغ فيها لكنه تحامل على نفسه ووضع الصينية جانباً وجلس خلفها على الفراش. امتدت يده ببطء لتستقر على كتفها، ويمسح عليه بحنان جارف، ثم مال برأسه ليطبع قبلة رقيقة ومتأنية على جانب عنقها. ​وفي ذلك الجزء من الثانية، تحطمت الحصون التي بنتها هديل طوال الليل بالكامل. إن دفء أنفاسه وقرب جسده منها لمسا وتراً حساساً في أعماقها—ليس فقط كزوجة، بل كامرأة مكسورة تعشقه حتى النخاع. واجتاحتها موجة من الضعف القاتل؛ وبدلاً من أن تدفعه بعيداً كما خططت، مال رأسها تلقائياً ليستقر على صدره. أغلقت عينيها بقوة، وتنفست رائحته.. الشيء الوحيد الذي كان يشعرها بالأمان في هذا العالم اللعين. كانت هناك صرخة صامتة داخلها تتوسل إليه ألا يتركها أبداً، وتملكتها رغبة مستميتة في الاعتراف بكل شيء، وإلقاء هذا الحمل الذي يسحق روحها بين يديه. ​لكن فجأة، ومضت صورة ماجد في مخيلتها الدم الذي لطخ يديها، التهديد بالفضيحة، ورؤية حياة أكرم وهي تُدمر بشكل ممنهج. سرت قشعريرة باردة في عروقها، فانتف

  • لمن تدق القلوب   الفصل السادس عشر

    تجمدت هديل في مكانها، وكأن صاعقة قد ضربت صدرها ليخفق قلبها بعنف شديد يهدد بتمزيق ضلوعها. كان صوت خشخشة المفاتيح المعدنية لأكرم في الخارج بمثابة حكم إعدام يُنفذ في توه؛ فهو على بُعد خطوات معدودة في الرواق، يفصله جدار واحد بـ مفاجأته المحملة بالحب عن هذا الكابوس الملطخ بالدماء. ​أما ماجد، فقد استند إلى إطار الباب يراقب حالة الذعر التي تجتاحها بنوع من الفكاهة السوداء والمريضة. مال بجسده نحوها، وهسّ بصوت منخفض ومتهدج: — "يا محاسن الصدف! إيه رأيك أفتح له الباب؟ خليه يشوف مراته في بيئتها الطبيعية." ​اندفعت نور نحو الأمام بسرعة، وقبضت على ذراع ماجد برعب، وتوسلت إليه بصوت مخنوق ومستجير: — "لا! ارجوك استنى! احنا بيننا اتفاق.. هي هتعمل كل اللي أنت عايزه، بس سيبنا نخرج من هنا قبل ما يشوفنا." ​نظر ماجد من فتحة العين السحرية، وعيناه تقطران بروداً محسوبا انتظر حتى تردد صدى الصوت الثقيل لإغلاق أكرم باب شقته في الممر، ثم فتح بابه إنشاً واحداً فقط. ​وفحّ بفحيح أفعى:

  • لمن تدق القلوب   الفصل الخامس عشر

    ​نظر مباشرة إلى هديل، وعيناه مجردتان من أي إنسانية:— "أنا عايزها تخلي اكرم يكرهها. عايزها تعامله كأنه زبالة، تبعده عنها بكل طريقة ممكنة، لحد ما يقتنع إن الطلاق هو الحل الوحيد المتاح قدامه. أنا عايزه هو اللي يمشي ويسيبها."​التفت رأس هديل نحوه بعنف، وتشنجت عضلات رقبتها من أثر الصدمة والغل الصامت. نظرت إليه وكأنها تتأمل شيطاناً يعجز عقلها عن استيعابه. لكن نور ضغطت بسرعة على يد هديل.. إشارة صامتة تأمرها بالثبات.​نظرت نور إلى ماجد بصبر ذكي وبارد؛ كانت بحاجة لرسم خريطة لأعماق عقله الملتوي. سألته بصوت ثابت، تستدرجه بالمنطق:— "وأنت هتستفيد إيه من كل دا؟ المجرمين اللي زيك مش بيحبوا يضيعوا وقتهم في الفاضي. ليه كل المجهود دا؟ ليه الألعاب دي كلها؟ ليه تقعد أسابيع تتفرج على جواز بيتحرق وتراقبهم، في حين إنك كنت تقدر تاخد اللي أنت عايزه وتمشي؟"​وفي عقل ماجد الملتوي، كانت قطع أحجية قاتلة تترتب في مكانها. لم يكن يهتم بالمال؛ كان يهتم بالانتقام.​تذكر الأمر وكأنه حدث بالأمس كيف أن أكرم، من كان يظنه "صديقاً"، لعب دور البطل وانتزع هديل من بين ي

  • لمن تدق القلوب   الفصل الثالث عشر

    وقفت هديل خلف الباب الرئيسي، يدها ترتجف وهي معلقة فوق المقبض، بينما ثقل سكين المطبخ المخبأة على خصرها تحت ملابسها يضغط على روحها قبل جسدها. وفجأة، بدأ هاتفها يهتز.. كانت "نور". ​تأملت هديل الاسم على الشاشة، وشعرت بقلبها يتصدع حزناً. همست للرواق الفارغ: — "يا ريتني أقدر أقولك يا نور.. يا ريتني أقدر أرمي الحمل دا عليكي عشان أقدر أتنفس ويقولي اتصرف ازاي. ​حاولت تجاهل المكالمة، لكن نور كانت تلح بلا هوادة؛ فجاءت المكالمة الثانية ثم الثالثة على التوالي. هديل تعرف صديقة عمرها جيداً؛ لو لم تجب الآن، ستكون نور واقفة أمام باب شقتها خلال عشرين دقيقة. سحبت أنفاساً متقطعة، وأجبرت نبرتها على ارتداء قناع صخري جامد، ثم سحبت الشاشة للرد. ​قالت هديل بصوت مشدود وجاف: — "أهلاً يا نور.. صباح الخير." ​انفجر صوت نور عبر السماعة، متشنجاً ومقطوع الأنفاس من شدة الذعر: — "هديل! الله يخليكي يا هديل كلميني! أنتي كويسة؟ طمنيني عليكي، قوليلي إنك كويسة!" كانت تبدو وكأنها على وشك الانهيار تماماً.

  • لمن تدق القلوب   الفصل الرابع عشر

    فقد ماجد صوابه تماماً ما إن رأى دمه وهو يقطر من يده تحولت ثقته الأولى إلى غضب حيواني أعمى. لم يعد يهتم بالعدسات أو المراقبة؛ اندفع نحوها وضربها بقوة وحشية ومقززة، تركها ملقاة على الأرض، جسدها متكوم ووعيها مشوش.​لكن الطرق المتواصل والعنيف على الباب من قِبل "نور" بدأ يتسلل تحت جلده ويثير جنونه. كان عليه إسكات هذا الصوت، وبسرعة.​اندفع ماجد نحو الباب، وأنفاسه تخرج في فحيح حاد. سحب المزلاج بعنف وفتح الباب على مصراعيه.​لم تتردد نور لثانية؛ صرخت وهي تندفع للداخل:— "هديل!"​لكنها لم تصل إليها؛ فقبل أن تطأ قدمها العتبة، امتدت يد ماجد الملطخة بالدماء، وقبضت على شعر نور بجذبة عنيفة جعلت الأخيرة تصرخ ألمًا. وبدفعة واحدة قوية وباردة، ألقى بها في منتصف الغرفة.​سقطت نور بقسوة على الأرض، وتزحلقت فوق البلاط حتى استقرت مباشرة بجانب جسد هديل المنتفض.​ تردد صوت إغلاق القفل والمزلاج مجدداً في أرجاء الشقة كأنه طلقة رصاص. لقد أُغلق الباب، وأصبحتا الآن معاً داخل المصيدة.​بينما كان الكابوس يحدث خلف الأبواب المغلقة، كان

  • لمن تدق القلوب   الفصل العاشر

    لم يكن "ماجد" يسير نحو الشقة، بل كان يتحرك كصياد يتربص بفريسته. وباستخدام المفتاح الاحتياطي الذي مررته له "هنادي" في خيانة كاملة لأمان "هديل"، تسلل إلى الرواق كالشبح، بينما ابتلع صوت قفل الباب ضجيج المدخنة المنبعث من المطبخ.​تحرك في الردهة بصمت حذر، ونبضات قلبه تقرع بعنف في صدره. كان بإ

  • لمن تدق القلوب   الفصل الثاني عشر

    خرجت هديل من الحمّام، مبللة الشعر والملامح، كأنها خرجت من تحت المطر. كان الصمت في الشقة كثيفًا، يلتصق بالجدران.ارتدت رداء الحمام الذي تركه أكرم لها، لكن القماش لامس جلدها كأنه غريب عنها، فارتجف جسدها بلا سبب واضح.كان اكرم واقفًا عند النافذة ظهره إليها، يخفي عنها قلق

  • لمن تدق القلوب   الفصل التاسع

    اقتحمت "هنادي" الغرفة، وتطوّحت خطواتها في تمثيلية جنونية ومفتعلة قبل أن يصل "أكرم" و"هديل" إلى عتبة الباب. ارتمت فوق فراش والدها الذي كان يصارع سكرات الموت، وقبضت على يده المرتجفة وهي تنخرط في بكاء صاخب:— "شايف يا بابا؟! شايف أكرم عمل إيه؟! جايب مراته لحد بابك.. ولا محترم وجعي ولا مرضك!

  • لمن تدق القلوب   الفصل الثامن

    تسللت خيوط شمس الصباح الأولى من بين شقوق الستائر، لتلقي بنورها الدافئ على وجه "هديل" الراقدة في نوم عميق وآمن لم تذق مثله منذ أسابيع طويلة. كانت ذراع "أكرم" ما زالت تحيط بخصرها بتملك واضح، وكأنه يخشى أن يفتح عينيه فيجدها مجرد طيف عابر قد يختفي في أي لحظة.​فتح أكرم عينيه ببطء، وأخذ يتأمل

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status