Home / الرومانسية / لمن تدق القلوب / الفصل الخامس عشر

Share

الفصل الخامس عشر

Author: سمر رجب
last update publish date: 2026-06-12 08:47:20

​نظر مباشرة إلى هديل، وعيناه مجردتان من أي إنسانية:

— "أنا عايزها تخلي اكرم يكرهها. عايزها تعامله كأنه زبالة، تبعده عنها بكل طريقة ممكنة، لحد ما يقتنع إن الطلاق هو الحل الوحيد المتاح قدامه. أنا عايزه هو اللي يمشي ويسيبها."

​التفت رأس هديل نحوه بعنف، وتشنجت عضلات رقبتها من أثر الصدمة والغل الصامت. نظرت إليه وكأنها تتأمل شيطاناً يعجز عقلها عن استيعابه. لكن نور ضغطت بسرعة على يد هديل.. إشارة صامتة تأمرها بالثبات.

​نظرت نور إلى ماجد بصبر ذكي وبارد؛ كانت بحاجة لرسم خريطة لأعماق عقله الملتوي. سألته بصوت ثابت، تستدرجه بالمنطق:

— "وأنت هتستفيد إيه من كل دا؟ المجرمين اللي زيك مش بيحبوا يضيعوا وقتهم في الفاضي. ليه كل المجهود دا؟ ليه الألعاب دي كلها؟ ليه تقعد أسابيع تتفرج على جواز بيتحرق وتراقبهم، في حين إنك كنت تقدر تاخد اللي أنت عايزه وتمشي؟"

​وفي عقل ماجد الملتوي، كانت قطع أحجية قاتلة تترتب في مكانها. لم يكن يهتم بالمال؛ كان يهتم بالانتقام.

​تذكر الأمر وكأنه حدث بالأمس كيف أن أكرم، من كان يظنه "صديقاً"، لعب دور البطل وانتزع هديل من بين يديه. لم يكن يهم أن ماجد كان يريد فقط التسلية بها وإلقاءها بعد ذلك؛ ففي عالمه، هو من يضع القواعد وهو من ينهي اللعب. كان إنقاذ أكرم لها بمثابة صفعة ل كبريائه وظلت تؤلمه كثيرا.

​لم يكن يريد مجرد ابتزاز هديل؛ بل أراد تدمير روح أكرم. أراد أن يعتقد أكرم أن هديل تعامله كأنه حثالة لأنها عادت سراً إلى أحضان ماجد. أراد لأكرم أن يشعر بأنه مغفل تجري المياه من تحت قدميه، وأن زوجته تخلت عنه لأجل نفس الرجل الذي حاول "إنقاذها" منه يوماً ما.

​لكن ماجد احتفظ بأوراقه مخفية؛ نظر إلى نور بنظرة باردة وخاوية:

— "أنا عندي أسبابي الخاصة... مالكيش فيه تنفذي وانتي ساكته

فـحّ بصوت قطّع الصمت كالموس، "أنتي مش محتاجة تعرفي سبب واحد منهم كل اللي محتاجة تعرفيه إن كلمتي هي السيف؛ لو هديل مبدأتش تتعامل مع النكرة دا ب غل وكره من الليلة دي العالم كله هيتفرج على الفيديو."

​ارتجفت هديل، وثقل الماضي يخنقها؛ لقد أصبحت محاصرة بين زوج يحبها ويعشقها، ووحش يريد إعادة كتابة تاريخهما بالدماء والأكاذيب.

​مسح ماجد خطاً من الدم عن وجهه بيده السليمة، ولمعان النصر يبرق في عينيه. أشار بسبابه نحو عدسة صغيرة مخفية في زاوية السقف:

— "ومتنسوش طبعاً اللوحة الفنية اللي لسه مصورينها من شوية." انخفض صوته ليصبح محسوباً وقاتلاً:

الكاميرا جابت كل حاجة يا هديل. جابت اللحظة اللي هجمتي عليا فيها بالسكينة دي جابت شروع في قتل واضح زي الشمس."

​مال بجسده أكثر، ليلقي بظله الثقيل فوق المرأتين:

— "فـ وريني بقى.. روحي قولي الحقيقة. جربي كدا تطلبي الشرطة؛ في ثانية واحدة هكون مسلمهم تفريغ الكاميرات وأنتي بتحاولي تذبحيني في شقتي. أنا مش بس هدمر سمعتك؛ أنا هضمن إنك تقضي أحلى سنين عمرك وتعفني في السجن."

​تعثرت أنفاس هديل، واتسعت عيناها في حالة من الصدمة المشلولة تماماً. السكين التي ظنت أنها ستكون طريقها للحرية، تحولت إلى الأغلال التي تكبل معصميها.

​همس ماجد والابتسامة الملتوية تعود لشفتيه:

— "أنتي مبقتيش مجرد ضحية يا قطة.. في عيون القانون، أنتي مجرمة ودموية. وأكرم؟ هو اللي هيمضي على ورق طلاقك وأنتي لابسة بدلة السجن."

​تبادلت نور وهديل نظرة من الذهول المرير؛ لم يستوعب عقليهما مدى الشر المنبعث من هذا المسخ، أو عمق الهاوية المظلمة التي سقطتا فيها معه. وقفتا هناك، تراقبان ماجد وكأنهما تتأملان شيطاناً في هيئة بشر؛ وأدركتا يقيناً أنهما ليستا في ورطة عادية.. بل هما سجينتان في كابوس مع رجل لا يعرف الرحمة، ولا يملك ضميراً، ويملك خطة محكمة لتدمير كل ما تحبانه.

​أدركت نور أنها مجبرة على مجاراته؛ كان عليها خداعه وإيهامه بأنهما تستسلمان لشروطه، على الأقل حتى تجد ثغرة أو خطة لسحب صديقة عمرها من هذا الجحيم.

​سحبت نفساً عميقاً، وأجبرت يديها المرتعشتين على الثبات. نظرت إلى ماجد مباشرة في عينيه، وهبطت بنبرتها إلى خانة الخضوع المصطنع.

​همست بصوت خافت لكنه ثابت:

— "تمام.. أنت كسبت. الفيديوهات معاك، وأنت حاصرتنا خلاص. هنعمل كل اللي أنت عايزه، وهديل هتنفذ. بس.. بس سيب لنا وقت نتنفس، نفهم بس هتبدأ تعامله بالطريقة دي ازاي من غير ما يشك إن في حاجة تانية غلط."

​ضيق ماجد عينيه، يتفحص وجه نور بحثاً عن أي أثر للكدب، لكنها واجهت نظراته بقناع بارد من الهزيمة والاستسلام. وفي الداخل، كان عقل نور يتسابق بجنون بحثاً عن أي طريقة لقلب الطاولة على هذا الشيطان، بينما ظلت هديل متجمدة، وقلبها يتمزق عند فكرة القسوة والغل التي ستجبر على توجيهها للرجل الذي يعشقها.

​وفجأة، انتفضت هديل من صمتها المشلول في نفس اللحظة التي اخترق فيها صوت نغمة رنين هاتف أكرم هدوء الرواق بالخارج!

​كان بإمكانهما سماع صوته بوضوح شديد، على بعد إنشات معدودة على الجانب الآخر من الباب، وهو يتحدث إلى صديقه أسامة:

— "معلش يا أسامة، نسيت أسلمك الملف.. بص في درج المكتب عندي. أنا اضطريت أمشي بدري النهاردة لظروف طارئة كدا."

​بدأ صوته يتلاشى تدريجياً وهو يتحرك نحو باب شقته، مبتعداً عن مدخل شقة ماجد. لكن بالنسبة لهديل ونور، لم يكن قلبهما يعرف أي معنى للهدوء؛ بل تبادلتا نظرة حملت رعباً شلّ أطرافهما بالكامل.

​كان الذعر خانقاً ومهيباً؛ كيف يمكنهما التسلل خارج شقة ماجد الآن؟! أكرم عاد مبكراً، وهو واقف هناك في الممر مباشرة. حركة واحدة خاطئة، أو أي صرير من الباب، وسيراهم سيرى هديل في هذه الحالة المزرية والممزقة، تخرج من الشقة المقابلة برفقة نور.

​لقد أصبحتا محاصرتين تماماً؛ بين وحش غادر في الداخل، والرجل الذي تستميتان لحمايته في الخارج!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • لمن تدق القلوب   الفصل الخامس عشر

    ​نظر مباشرة إلى هديل، وعيناه مجردتان من أي إنسانية:— "أنا عايزها تخلي اكرم يكرهها. عايزها تعامله كأنه زبالة، تبعده عنها بكل طريقة ممكنة، لحد ما يقتنع إن الطلاق هو الحل الوحيد المتاح قدامه. أنا عايزه هو اللي يمشي ويسيبها."​التفت رأس هديل نحوه بعنف، وتشنجت عضلات رقبتها من أثر الصدمة والغل الصامت. نظرت إليه وكأنها تتأمل شيطاناً يعجز عقلها عن استيعابه. لكن نور ضغطت بسرعة على يد هديل.. إشارة صامتة تأمرها بالثبات.​نظرت نور إلى ماجد بصبر ذكي وبارد؛ كانت بحاجة لرسم خريطة لأعماق عقله الملتوي. سألته بصوت ثابت، تستدرجه بالمنطق:— "وأنت هتستفيد إيه من كل دا؟ المجرمين اللي زيك مش بيحبوا يضيعوا وقتهم في الفاضي. ليه كل المجهود دا؟ ليه الألعاب دي كلها؟ ليه تقعد أسابيع تتفرج على جواز بيتحرق وتراقبهم، في حين إنك كنت تقدر تاخد اللي أنت عايزه وتمشي؟"​وفي عقل ماجد الملتوي، كانت قطع أحجية قاتلة تترتب في مكانها. لم يكن يهتم بالمال؛ كان يهتم بالانتقام.​تذكر الأمر وكأنه حدث بالأمس كيف أن أكرم، من كان يظنه "صديقاً"، لعب دور البطل وانتزع هديل من بين ي

  • لمن تدق القلوب   الفصل الثالث عشر

    وقفت هديل خلف الباب الرئيسي، يدها ترتجف وهي معلقة فوق المقبض، بينما ثقل سكين المطبخ المخبأة على خصرها تحت ملابسها يضغط على روحها قبل جسدها. وفجأة، بدأ هاتفها يهتز.. كانت "نور". ​تأملت هديل الاسم على الشاشة، وشعرت بقلبها يتصدع حزناً. همست للرواق الفارغ: — "يا ريتني أقدر أقولك يا نور.. يا ريتني أقدر أرمي الحمل دا عليكي عشان أقدر أتنفس ويقولي اتصرف ازاي. ​حاولت تجاهل المكالمة، لكن نور كانت تلح بلا هوادة؛ فجاءت المكالمة الثانية ثم الثالثة على التوالي. هديل تعرف صديقة عمرها جيداً؛ لو لم تجب الآن، ستكون نور واقفة أمام باب شقتها خلال عشرين دقيقة. سحبت أنفاساً متقطعة، وأجبرت نبرتها على ارتداء قناع صخري جامد، ثم سحبت الشاشة للرد. ​قالت هديل بصوت مشدود وجاف: — "أهلاً يا نور.. صباح الخير." ​انفجر صوت نور عبر السماعة، متشنجاً ومقطوع الأنفاس من شدة الذعر: — "هديل! الله يخليكي يا هديل كلميني! أنتي كويسة؟ طمنيني عليكي، قوليلي إنك كويسة!" كانت تبدو وكأنها على وشك الانهيار تماماً.

  • لمن تدق القلوب   الفصل الرابع عشر

    فقد ماجد صوابه تماماً ما إن رأى دمه وهو يقطر من يده تحولت ثقته الأولى إلى غضب حيواني أعمى. لم يعد يهتم بالعدسات أو المراقبة؛ اندفع نحوها وضربها بقوة وحشية ومقززة، تركها ملقاة على الأرض، جسدها متكوم ووعيها مشوش.​لكن الطرق المتواصل والعنيف على الباب من قِبل "نور" بدأ يتسلل تحت جلده ويثير جنونه. كان عليه إسكات هذا الصوت، وبسرعة.​اندفع ماجد نحو الباب، وأنفاسه تخرج في فحيح حاد. سحب المزلاج بعنف وفتح الباب على مصراعيه.​لم تتردد نور لثانية؛ صرخت وهي تندفع للداخل:— "هديل!"​لكنها لم تصل إليها؛ فقبل أن تطأ قدمها العتبة، امتدت يد ماجد الملطخة بالدماء، وقبضت على شعر نور بجذبة عنيفة جعلت الأخيرة تصرخ ألمًا. وبدفعة واحدة قوية وباردة، ألقى بها في منتصف الغرفة.​سقطت نور بقسوة على الأرض، وتزحلقت فوق البلاط حتى استقرت مباشرة بجانب جسد هديل المنتفض.​ تردد صوت إغلاق القفل والمزلاج مجدداً في أرجاء الشقة كأنه طلقة رصاص. لقد أُغلق الباب، وأصبحتا الآن معاً داخل المصيدة.​بينما كان الكابوس يحدث خلف الأبواب المغلقة، كان

  • لمن تدق القلوب   الفصل العاشر

    لم يكن "ماجد" يسير نحو الشقة، بل كان يتحرك كصياد يتربص بفريسته. وباستخدام المفتاح الاحتياطي الذي مررته له "هنادي" في خيانة كاملة لأمان "هديل"، تسلل إلى الرواق كالشبح، بينما ابتلع صوت قفل الباب ضجيج المدخنة المنبعث من المطبخ.​تحرك في الردهة بصمت حذر، ونبضات قلبه تقرع بعنف في صدره. كان بإمكانه سماع صوتها؛ حركة السكين الرتيبة على لوح التقطيع، وصوت المقلاة، وحركة الأطباق الخفيفة. كانت هديل هناك، على بعد جدار واحد فقط، غافلة تماماً عن وجود هذا الغريب داخل بيتها.​انزوى ماجد في ظلام الممر الضيق، في بقعة تمنحه رؤية واضحة لباب المطبخ. كان يراقب ظهرها وهي تنشغل بإعداد الطعام، وشعر بنشوة انتصار مريضة؛ فالأمر لم يعد مجرد مراقبة عبر شاشة هاتف، بل أصبح واقعاً يراه بعينيه.​وفجأة، قطع سكون المكان اهتزاز هاتفها العنيف فوق طاولة المطبخ الجرانيتية. مسحت هديل يديها في منشفة والتقطت الهاتف.​هتفت بصوت يملؤه التعب وقد تخلت عن قناع القوة الذي ارتدته في المستشفى:— "أكرم؟"​حبس ماجد أنفاسه وضغط بظهره على الجدار البارد. على الطرف الآخر، كان صوت أكرم م

  • لمن تدق القلوب   الفصل الثاني عشر

    خرجت هديل من الحمّام، مبللة الشعر والملامح، كأنها خرجت من تحت المطر. كان الصمت في الشقة كثيفًا، يلتصق بالجدران.ارتدت رداء الحمام الذي تركه أكرم لها، لكن القماش لامس جلدها كأنه غريب عنها، فارتجف جسدها بلا سبب واضح.كان اكرم واقفًا عند النافذة ظهره إليها، يخفي عنها قلقه الغريب وعينيه معلقتان بالخارج، كأنه يحاول أن يهرب من شيء غير منطقي بالنسبة له ولها يشعر بالضيق الشديد من نفورها منه بالطبع هو معترف انه مخطئ لكنها ضخمت اﻻمور بعض الشئ.قال وهو يلتفت بابتسامة مرهقة حاول ان يخفي بها ما يعتمر بصدره: "حاسة إنك أحسن دلوقتي؟ أنا جهزت ليكي السرير… انتي محتاجة تنامي وترتاحي يا هديل انا مش قادر وﻻ عايز اشوفك كدا انا غلطان وعارف ان انا غلطان بس اللي بينا اكيد اكبر من اي زعل او حزن يدخل قلبك بسببي انا مقدرش اتحمل اشوفك كدا."هزّت رأسها فقط!!!لا طاقة لديها للكلام او النقاش... هو يناقش شيئا سخيفا للغاية مقارنة بما حدث معها.. ان ما حدث معها الموت ارحم منه.تحركت نحو الفراش بخطوات بطيئة، وكأن أثقل من أن تحملها الارض.

  • لمن تدق القلوب   الفصل الحادي عشر

    ​كان صوت اهتزاز الباب تحت أشبه بناقوس موت يتردد صداه في أرجاء المكان. في تلك اللحظة، انقشعت غشاوة المهدئ عن عقل "هديل" فجأة، لتستيقظ على كابوس ذي وضوح حاد ومرعب. رفعت عينيها لتجده أمامها.. "ماجد". نزلت عليها الحقيقة كالصدمة القاتلة التي حبست أنفاسها؛ لم يكن هذا حلمًا، بل كان الرجل الذي تكرهه من اعماق قلبها يقتحم فراشها وخلوتها.​ماتت في حنجرتها صرخة مكتومة كانت كفيلة بتمزيق صدرها. ومع استعادة جسدها لآخر شظايا قوته، اندفعت في ثورة عنيفة ومستمرة؛ بدأت تضربه بكل ما أوتيت من قوة، وتدفع صدره ووجهه بضربات يائسة حملت صدى حركتها المتخبطة. لم تكن تحاربه هو فحسب، بل كانت تحاول جاهدة دفع هذا الواقع المرير بعيدًا عنها لإنكار وجوده.​كان عقلها يصرخ بـ: "اخرج! اخرج!"، بينما لم يخرج من صوتها سوى حشرجة واهية ومخنوقة.​لكن، اخترق مسامعها صوت أكرم مجددًا من الخارج—قريبًا، وأكثر ذعرًا—ليتحرك بداخلها وتر آخر: الخوف. لم يكن خوفًا من ماجد هذه المرة، بل من التوابع. تبعثرت قدرتها على التفكير العقلاني؛ فلو رآها أكرم في هذه الحالة.. لو شهد هذا الموقف.. لن

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status