Mag-log inاقتحمت "هنادي" الغرفة، وتطوّحت خطواتها في تمثيلية جنونية ومفتعلة قبل أن يصل "أكرم" و"هديل" إلى عتبة الباب. ارتمت فوق فراش والدها الذي كان يصارع سكرات الموت، وقبضت على يده المرتجفة وهي تنخرط في بكاء صاخب:
— "شايف يا بابا؟! شايف أكرم عمل إيه؟! جايب مراته لحد بابك.. ولا محترم وجعي ولا مرضك! جاي يذلني قدامك وكأنه بيقولي إن وعده ليك ملوش أي قيمة.. انا عارفه ان انا غلطانه يا بابا بس انا مش رخيصة اوي كدا انا حبيت اكرم بس هو مصمم يكسرني انا هموت نفسي!" شحب وجه الرجل العجوز أصبح كالأموات قلقا على ابنته التي استطاعت ببراعة اللعب على اوتار حبه الأعمى لها، اهتزت عيناه بأسى حاد موجع وهي تقع على فتحة الباب، حيث كان أكرم يقف وخلفه هديل مباشرة، بثبات وهدوء أعصاب أربك حسابات هنادي. حاول الأب أن يتكلم، لكن لم يخرج من حنجرته سوى حشرجة مخنوقة: — "أكرم.. ليه يا ابني..؟!" وفي تلك الثانية بالذات، انفجرت الأجهزة المتصلة بجسده في رنين متسارع ومجنون، معلنة عن ارتداد خطير وسريع في ضربات قلبه. اندفع أكرم نحو الفراش برعب: — "يا عمي! أنا مكنتش أقصد.. أنا بس—" قاطعته هنادي بصرخة هستيرية، وهي تدفعه بجسدها بعيداً عن الفراش بقوة: — "ابعد عنه! مش كفاية اللي عملته؟! أنت وهي جايين تقضوا عليه؟! اطلعوا بره! مش عايزة أشوف وش حد فيكم!" صوّبت نظرة مسمومة نحو هديل، التي كانت تتابع المشهد بعينين ثاقبتين محللتين. لم تهتز هديل، بل كانت تقرأ ما بين سطور الدموع؛ لمحت كيف كانت عينا هنادي تلتفت بذكاء نحو شاشات قياس نبضات القلب.. تتأكد من "نجاح" استفزازها وتأثيره! تدافع الأطباء والممرضات إلى داخل الغرفة، دفعوا بالجميع إلى الممر بالخارج. وقف أكرم في الممر، وأسند رأسه إلى الجدار بيأس تام وضياع. وهنا تحركت هنادي، مرتعشة بضعف مصطنع ومدروس، وانهارت فوق صدره في لحظة انكسار موقوتة بدقة. وهمست من بين شهقاتها: — "لو جرى لبابا حاجه، أنا عمري ما هسامح نفسي إني خليتك تيجي.. وعمري ما هسامحك انت كمان يا أكرم." وقفت هديل على بعد خطوتين، تأملت أصابع هنادي وهي تقبض على قميص أكرم بنظرة موت حاسمة. أدركت في تلك اللحظة أن الحرب قد انتقلت من ردهات البيوت إلى النفوس؛ هنادي مستعدة للتضحية بوالدها عاطفياً وجعله قرباناً لمجرد أن تستعيد سيطرتها على أكرم. ببرود تام، ودون أن تنظر حتى إلى هنادي، وجهت هديل حديثها إلى أكرم: — "أكرم، الراجل بين إيدين ربنا دلوقتي. الدموع مش هتحييه، والتمثيل دا مش هيغير حالته. أنا هستناك في كافتيريا المستشفى.. الجو هنا يخنق والتمثيل فاشل اوي بصراحة" رمقت هديل هنادي بنظرة أخيرة جمدت الدماء في عروقها.. نظرة كانت تقول بوضوح: "أنا كاشفاكي للآخر.. واللعبة يدوب بتبدأ بس انا مش هخسر جوزي وحبيبي ابدا ". كان التوتر في ممر المستشفى خانقاً يكتم الأنفاس. ومن خلف النافذة الزجاجية الصغيرة لغرفة العناية المركزة، كانوا يتابعون الطاقم الطبي وهو يلتف حول والد هنادي. وبعد دقائق عصيبة، تباطأ الرنين المتسارع لجهاز النبض ليعود إلى إيقاع منتظم ومستقر. خرج الطبيب وهو يمسح جبهته قائلاً: — "الحالة استقرت حالياً، بس قلبه ضعيف جداً ومش مستحمل أي صدمة عصبية تانية. هو طالب يشوف أكرم.. بس أرجوكم، واحد أو اتنين بالكتير اللي يدخلوا، الراجل محتاج هدوء تام." لم تضيع هنادي ثانية واحدة؛ التفتت إلى أكرم وعيناها تلمعان بضعف مستميت ومخطط له، وقبضت على ذراعه هامسة بنبرة حادة: — "أكرم، أرجوك.. أنت سمعت الدكتور بنفسك. بابا بين الحياة والموت وطالبك أنت بالذات. لازم يشوفنا مع بعض، أنا وأنت وبس، عشان يرتاح قبل فوات الأوان. أرجوك خلي هديل تمشي.. وجودها هنا خطر حرام يموت مكسور الخاطر بسببنا" شعر أكرم وكأن الجدران تضيق عليه، وكان الإحساس بالذنب يثقل صدره كأنه جبل من رصاص. نظر إلى هديل وعيناه تتوسلان إليها أن تفهمه، لكن الكلمات تيبست في حنجرته؛ فما كان قادراً على المخاطرة بحياة الرجل، وفي نفس الوقت لم يحتمل مواجهة البرودة القاتلة في نظرات زوجته. لم تنتظر هديل أن ينطق؛ فقد رأت الفخ الذي تنصبه هنادي بعناية—محاولة لعزله واللعب على أوتار ضميره دون أن يكون هناك من يكشف كذبها. تراجعت هديل خطوة للخلف، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة وهادئة بشكل مرعب: — "ماتضغطش على نفسك يا أكرم.. أنا ماشية. ادخل واعمل دورك في 'لم الشمل العائلي الكداب دا بس افتكر كويس.. أنا مش ماشية عشان هي عايزه كدا، أنا همشي عشان برفض أتنفس نفس الهوا مع واحدة كدابة." استدارت على كعب حذائها ومشت مبتعدة، ووقع خطواتها يتردد في الممر بثقة مخيفة. كانت تعلم أن المعركة لم تنتهِ، بل بدأت تأخذ مساراً ملئ بالتحدي وكيد النساء. ما إن وصلت إلى مخرج المستشفى، حتى أخرجت هاتفها، وعيناها تلمعان بعزيمة. فتحت هديل قفل باب شقتهما، وكان السكون بالداخل يبدو أثقل من الفوضى التي تركتها خلفها في المستشفى. وما إن أُغلق الباب، حتى تحطم القناع الجليدي لـ "الزوجة القوية"، وسمحت للمرأة الجريحة والموجوعة بداخلها أن تخرج للعلن أخيراً. ارتمت فوق الفراش، وكان جسدها ينتفض بعنف بينما انهمرت دموعها الساخنة لتشق طريقاً مريراً على وجنتيها. دفنت وجهها في الوسادة، تبحث عن لحظة سلام واحدة، لكن بدلاً من ذلك.. اخترقت حواسها رائحة حادة ومألوفة جداً! لم تكن رائحة أكرم! تجمدت مكانها، وانقطعت أنفاسها وهي تستنشق بقايا عطر تعرفه أكثر من اللازم.. عطر كان يعني لها شيئاً آخر في الماضي، لكنه الآن بات يشبه السم... إنه عطر "ماجد"! نزلت عليها الحقيقة كالصدمة، ليتجول حزنها في لحظة إلى مزيج مرعب من القرف والخوف. لم تعد الوسادة تحمل رائحة بيتها وأمانها؛ بل أصبحت تفوح برائحة الرجل الذي تحول إلى أكبر كوابيس حياتها! في الجانب الآخر، لم يكن قادراً على إبعاد عينيه عن الشاشة؛ كان "ماجد" مأخوذاً بالكامل، وشفتيه تلتويان بابتسامة خبيثة تفيض بالدناءة والرضا عن النفس. فمن خلال عدسة الكاميرا الميكروسكوبية المخفية خلف الإطار في غرفة النوم، كانت هديل مكشوفة أمامه بالكامل.. دخلت الغرفة بعد حمام طويل، ولم تكن ترتدي سوى بشكير أبيض كبير يلتف حول جسدها، بينما رُفع شعرها المبلل بإهمال ليبرز طول عنقها ورقة كتفيها. كل حركة تصدر منها كانت معروضة أمامه بوضوح. وبينما كانت تبحث عن ملابس لترتديها، غير عالمة بهذا الانتهاك السافر، تراخى البشكير قليلاً، ليكشف عن الانحناءات الرقيقة لظهرها وأطرافها. تسارعت أنفاس ماجد، وسرت في جسده موجة مريضة من نشوة الانتصار والشهوة المشوهة. همس وهو ينقر بإصبعه على الشاشة حيث تظهر هديل على هاتفه: — كدا تمام أوي. لم يكن الأمر يقتصر بالنسبة له على هذا الجسد الذي طالما تاق إليه، أو كسر كبرياء أكرم فحسب؛ بل كان الأمر يتعلق بـ "التملك". الآن، باتت في قبضته.. كل تفاصيلها الخصوصية، كل لحظة ظنت أنها آمنة فيها، أصبحت مسجلة ليتصرف بها كما يشاء؛ ليتأملها، أو يستغلها، أو يدمرها! شعر بتدفق الأدرينالين في عروقه وهو يتذكر رسالة هنادي التي تطالبه فيها بفضيحة تزلزل الأرض.. وكان على وشك أن يقدم لها شيئاً أقوى بكثير مما يمكن أن تتخيله! اتكأ ماجد على أريكته، وكانت الغرفة مظلمة تماماً باستثناء التوهج المريب لشاشة هاتفه. ضغط على زر إعادة التشغيل للمرة العاشرة، وعيناه متسعتان بغشاوة من شهوة مظلمة وخانقة؛ لم يكن مجرد مشاهد، بل كان يلتهمها بنظراته! قام بتقريب الصورة، وتلمس الشاشة بإصبع مرتعش، مأخوذاً بقوامها المتناسق.. والطريقة التي تتلألأ بها بشرتها مع قطرات الماء المتبقية عليها. استقرت نظراته على ساقيها الطويلتين المشدوقتين، اللتين تذكرانه بعارضات الأزياء العالميّات، وهي تتحرك بنعومة لا تدرك أنها مراقبة فيها خلال خلوتها. انزلق البشكير أكثر، انقطعت أنفاسه حقاً؛ فقد التقطت الكاميرا الانحناء الدقيق والمتناسق لصدرها، كاشفة عن حلمتيها الورديتين اللتين برزتا بوضوح على بشرتها البيضاء بفعل برودة الغرفة. كل تفصيلة كانت واضحة وعالية الدقة، خام، وجميلة بشكل مدمر. بالنسبة لماجد، لم يعد هذا مجرد فيديو لفضيحة؛ بل أصبح لوحة فنية تخص هوسه المريض وحده. شعر بانتشاء القوة المشوهة بينما كان أكرم مشغولاً بلعب دور "البطل الشهم" في المستشفى، كانت أسرار هديل الأكثر خصوصية باتت بالفعل في جيبه! اشتدت قبضة ماجد على هاتفه حتى ابيضت مفاصل أصابعه، وذهب به خياله بعيداً في كل الاحتمالات المتاحة. وانعكس التوهج عالي الدقة للشاشة في عينيه المظلمتين والجائعتين وهو يراقب هديل تتحرك عبر الغرفة. فحّ بصوت غليظ في الغرفة الفارغة، يملؤه مزيج من الهوس والغل: — "ياريتك بين ايديا دلوقتي.." كان يكاد يشعر بالملمس الوهمي لبشرتها المبللة تحت أطراف أصابعه وبدفء جسدها الذي طالما تاق إليه لزمن طويل. بالنسبة له، لم تعد مجرد امرأة؛ بل أصبحت جائزة حاصرها في الزاوية أخيراً. كانت فكرة أنها قريبة جداً ومع ذلك غافلة تماماً عن نظراته تدفعه إلى حافة الجنون. تخيل علامات الاستسلام على وجهها لو أنه خطا عبر ذلك الباب في هذه الثانية بالذات! اقترب أكثر من الشاشة، وتتبع إبهامه انحناء شفتيها، ارتسمت على وجهه ابتسامة شيطانية خبيثة. "الفضيحة" التي أرادتها هنادي قادمة لا محالة، لكن ماجد بدأ يدرك أنه يريد هديل لنفسه أولاً! لم يضيع ماجد ثانية أخرى؛ طلب رقم هنادي، وجاء صوته منخفضاً بنبرة شريرة: — "عطلي أكرم عندك أطول وقت ممكن. إياكي تخليه يسيب المستشفى دلوقتي.. أنا بتحرك رايح لها أهو." لمعت عينا هنادي بانتصار بارد ومستميت. لم تطرح أسئلة، ولم تكن بحاجة إليها؛ ففكرة وجود أكرم وهديل معاً كانت سماً مستعدة لفعل أي شيء لإبطال مفعوله. همست وهي تنظر نحو باب العناية المركزة حيث يقف أكرم: — "اعتبره حصل.. هعمل أي حاجة عشان يفضل هنا. هو مش هيروح البيت الليلة دي.. مش هيروح ليها. خلص أنت بس اللي بدأته." أغلقت الخط، وارتسمت على شفتيها ابتسامة مظلمة وهي تستعد لنسج شبكتها التالية من الأكاذيب لإبقاء أكرم بجانبها، بينما انطلق ماجد نحو هديل بمكر شديد.فقد ماجد صوابه تماماً ما إن رأى دمه وهو يقطر من يده تحولت ثقته الأولى إلى غضب حيواني أعمى. لم يعد يهتم بالعدسات أو المراقبة؛ اندفع نحوها وضربها بقوة وحشية ومقززة، تركها ملقاة على الأرض، جسدها متكوم ووعيها مشوش.لكن الطرق المتواصل والعنيف على الباب من قِبل "نور" بدأ يتسلل تحت جلده ويثير جنونه. كان عليه إسكات هذا الصوت، وبسرعة.اندفع ماجد نحو الباب، وأنفاسه تخرج في فحيح حاد. سحب المزلاج بعنف وفتح الباب على مصراعيه.لم تتردد نور لثانية؛ صرخت وهي تندفع للداخل:— "هديل!"لكنها لم تصل إليها؛ فقبل أن تطأ قدمها العتبة، امتدت يد ماجد الملطخة بالدماء، وقبضت على شعر نور بجذبة عنيفة جعلت الأخيرة تصرخ ألمًا. وبدفعة واحدة قوية وباردة، ألقى بها في منتصف الغرفة.سقطت نور بقسوة على الأرض، وتزحلقت فوق البلاط حتى استقرت مباشرة بجانب جسد هديل المنتفض. تردد صوت إغلاق القفل والمزلاج مجدداً في أرجاء الشقة كأنه طلقة رصاص. لقد أُغلق الباب، وأصبحتا الآن معاً داخل المصيدة.بينما كان الكابوس يحدث خلف الأبواب المغلقة، كان
لم يكن "ماجد" يسير نحو الشقة، بل كان يتحرك كصياد يتربص بفريسته. وباستخدام المفتاح الاحتياطي الذي مررته له "هنادي" في خيانة كاملة لأمان "هديل"، تسلل إلى الرواق كالشبح، بينما ابتلع صوت قفل الباب ضجيج المدخنة المنبعث من المطبخ.تحرك في الردهة بصمت حذر، ونبضات قلبه تقرع بعنف في صدره. كان بإمكانه سماع صوتها؛ حركة السكين الرتيبة على لوح التقطيع، وصوت المقلاة، وحركة الأطباق الخفيفة. كانت هديل هناك، على بعد جدار واحد فقط، غافلة تماماً عن وجود هذا الغريب داخل بيتها.انزوى ماجد في ظلام الممر الضيق، في بقعة تمنحه رؤية واضحة لباب المطبخ. كان يراقب ظهرها وهي تنشغل بإعداد الطعام، وشعر بنشوة انتصار مريضة؛ فالأمر لم يعد مجرد مراقبة عبر شاشة هاتف، بل أصبح واقعاً يراه بعينيه.وفجأة، قطع سكون المكان اهتزاز هاتفها العنيف فوق طاولة المطبخ الجرانيتية. مسحت هديل يديها في منشفة والتقطت الهاتف.هتفت بصوت يملؤه التعب وقد تخلت عن قناع القوة الذي ارتدته في المستشفى:— "أكرم؟"حبس ماجد أنفاسه وضغط بظهره على الجدار البارد. على الطرف الآخر، كان صوت أكرم م
خرجت هديل من الحمّام، مبللة الشعر والملامح، كأنها خرجت من تحت المطر. كان الصمت في الشقة كثيفًا، يلتصق بالجدران.ارتدت رداء الحمام الذي تركه أكرم لها، لكن القماش لامس جلدها كأنه غريب عنها، فارتجف جسدها بلا سبب واضح.كان اكرم واقفًا عند النافذة ظهره إليها، يخفي عنها قلقه الغريب وعينيه معلقتان بالخارج، كأنه يحاول أن يهرب من شيء غير منطقي بالنسبة له ولها يشعر بالضيق الشديد من نفورها منه بالطبع هو معترف انه مخطئ لكنها ضخمت اﻻمور بعض الشئ.قال وهو يلتفت بابتسامة مرهقة حاول ان يخفي بها ما يعتمر بصدره: "حاسة إنك أحسن دلوقتي؟ أنا جهزت ليكي السرير… انتي محتاجة تنامي وترتاحي يا هديل انا مش قادر وﻻ عايز اشوفك كدا انا غلطان وعارف ان انا غلطان بس اللي بينا اكيد اكبر من اي زعل او حزن يدخل قلبك بسببي انا مقدرش اتحمل اشوفك كدا."هزّت رأسها فقط!!!لا طاقة لديها للكلام او النقاش... هو يناقش شيئا سخيفا للغاية مقارنة بما حدث معها.. ان ما حدث معها الموت ارحم منه.تحركت نحو الفراش بخطوات بطيئة، وكأن أثقل من أن تحملها الارض.
كان صوت اهتزاز الباب تحت أشبه بناقوس موت يتردد صداه في أرجاء المكان. في تلك اللحظة، انقشعت غشاوة المهدئ عن عقل "هديل" فجأة، لتستيقظ على كابوس ذي وضوح حاد ومرعب. رفعت عينيها لتجده أمامها.. "ماجد". نزلت عليها الحقيقة كالصدمة القاتلة التي حبست أنفاسها؛ لم يكن هذا حلمًا، بل كان الرجل الذي تكرهه من اعماق قلبها يقتحم فراشها وخلوتها.ماتت في حنجرتها صرخة مكتومة كانت كفيلة بتمزيق صدرها. ومع استعادة جسدها لآخر شظايا قوته، اندفعت في ثورة عنيفة ومستمرة؛ بدأت تضربه بكل ما أوتيت من قوة، وتدفع صدره ووجهه بضربات يائسة حملت صدى حركتها المتخبطة. لم تكن تحاربه هو فحسب، بل كانت تحاول جاهدة دفع هذا الواقع المرير بعيدًا عنها لإنكار وجوده.كان عقلها يصرخ بـ: "اخرج! اخرج!"، بينما لم يخرج من صوتها سوى حشرجة واهية ومخنوقة.لكن، اخترق مسامعها صوت أكرم مجددًا من الخارج—قريبًا، وأكثر ذعرًا—ليتحرك بداخلها وتر آخر: الخوف. لم يكن خوفًا من ماجد هذه المرة، بل من التوابع. تبعثرت قدرتها على التفكير العقلاني؛ فلو رآها أكرم في هذه الحالة.. لو شهد هذا الموقف.. لن
اقتحمت "هنادي" الغرفة، وتطوّحت خطواتها في تمثيلية جنونية ومفتعلة قبل أن يصل "أكرم" و"هديل" إلى عتبة الباب. ارتمت فوق فراش والدها الذي كان يصارع سكرات الموت، وقبضت على يده المرتجفة وهي تنخرط في بكاء صاخب:— "شايف يا بابا؟! شايف أكرم عمل إيه؟! جايب مراته لحد بابك.. ولا محترم وجعي ولا مرضك! جاي يذلني قدامك وكأنه بيقولي إن وعده ليك ملوش أي قيمة.. انا عارفه ان انا غلطانه يا بابا بس انا مش رخيصة اوي كدا انا حبيت اكرم بس هو مصمم يكسرني انا هموت نفسي!"شحب وجه الرجل العجوز أصبح كالأموات قلقا على ابنته التي استطاعت ببراعة اللعب على اوتار حبه الأعمى لها، اهتزت عيناه بأسى حاد موجع وهي تقع على فتحة الباب، حيث كان أكرم يقف وخلفه هديل مباشرة، بثبات وهدوء أعصاب أربك حسابات هنادي. حاول الأب أن يتكلم، لكن لم يخرج من حنجرته سوى حشرجة مخنوقة:— "أكرم.. ليه يا ابني..؟!"وفي تلك الثانية بالذات، انفجرت الأجهزة المتصلة بجسده في رنين متسارع ومجنون، معلنة عن ارتداد خطير وسريع في ضربات قلبه. اندفع أكرم نحو الفراش برعب:— "يا عمي! أنا مكنتش أقصد.. أنا بس—"
تسللت خيوط شمس الصباح الأولى من بين شقوق الستائر، لتلقي بنورها الدافئ على وجه "هديل" الراقدة في نوم عميق وآمن لم تذق مثله منذ أسابيع طويلة. كانت ذراع "أكرم" ما زالت تحيط بخصرها بتملك واضح، وكأنه يخشى أن يفتح عينيه فيجدها مجرد طيف عابر قد يختفي في أي لحظة.فتح أكرم عينيه ببطء، وأخذ يتأمل ملامح هديل الهادئة التي بدت كالملاك في سكينتها، فانحنى وطبع قبلة حانية على جبينها، وهمس لنفسه بامتنان:— "الحمد لله إنك رجعتي لي.. أنا مش هسمح لأي حاجة في الدنيا تفرق بيننا تاني."ولكن في تلك اللحظة بالذات، انكسر سكون الغرفة بـ "رنّات" متتالية وهزات عنيفة لهاتفه الموضوع على الكومودينو. حاول أكرم تجاهله لكي لا يقلق نومها، إلا أن إلحاح الهاتف كان غريباً. مد يده والتقطه، ليتفاجأ باسم "هنادي" يضيء الشاشة، متبوعاً برسالة نصية صادمة:"أكرم.. بابا حالته اتدهورت فجأة بابا بيموت، وطالب يشوفك حالاً.. بيقول عايز يطمن على الوعد اللي وعدته له قبل ما يقابل ربنا. أرجوك رد عليا."شعر أكرم وكأن ثلجاً قد جرى في عروقه، وتصلبت ملامحه تماماً في الوقت الذي بدأت فيه







