分享

اقنعه الجليد

last update publish date: 2026-05-10 23:19:43

الفصل الخامس: أقنعة الجليد.. ودفء الحقيقة

في الصباح التالي، لم تخرج جيداء من غرفتها وهي تحمل ملامح البكاء. بل خرجت وهي ترتدي بدلة نسائية باللون الأبيض الناصع، قوية، نضرة، وكأن ليلة الأمس لم تكن سوى حلم عابر.

نزلت الدرج لتجد "آسر" جالساً على طاولة الإفطار، يقرأ جريدته بتركيز، بينما كانت "ليليان" قد غادرت القصر بالفعل. لم تتوقف جيداء، ولم تنظر نحو الطاولة، بل اتجهت مباشرة نحو الباب الخارجي وهي تعدل حقيبتها.

— "ألن تتناولي إفطاركِ؟" سأل آسر بنبرة جافة، دون أن يرفع عينيه عن الجريدة.

توقفت جيداء عند الباب، وبالكاد التفتت بنصف وجه، وقالت بصوت هادئ ومستقر تماماً:

— "لا شكراً، لدي موعد مهم ولا أريد إضاعة وقتي في طقوس لا تعني لي الكثير."

رفع آسر عينيه أخيراً، وضاقت نظراته وهو يراقب برودها غير المعتاد. كان يتوقع عتاباً، أو غضباً بسبب وجود ليليان بالأمس، لكنه وجد "فراغاً" تاماً.

— "موعد؟ في الشركة؟" سأل بفضول حاول إخفاءه.

— "موعد شخصي يا سيد آسر.. أنتَ لك حياتك، وأنا لي ساعاتي الخاصة." قالتها بابتسامة باهتة لكنها قاتلة، ثم غادرت قبل أن يسمع وقع كلماتها.

[في دار الرعاية الصحية الفاخرة]

بعيداً عن صخب القصر وبرود آسر، كانت جيداء تجلس تحت قدمي السيدة "زينب". المكان كان هادئاً، والحدائق المحيطة تبعث السكينة، وهو المكان الذي يدفعه آسر ثمنه شهرياً كجزء من اتفاقهما الصامت.

أمسكت زينب يد جيداء، وكانت نظراتها المتعبة تفيض حناناً:

— "جيداء.. عيناكِ تحكيان قصصاً لا تقولها شفتاكِ. هل أنتِ بخير مع زوجكِ؟ هل يعاملكِ بما يرضي الله؟"

ابتلعت جيداء غصة في حلقها، ورسمت أجمل ابتسامة تمتلكها:

— "أنا بخير يا أمي.. آسر يوفر لي كل شيء، وأنا ناجحة في عملي. المهم هو أنتِ، هل تناولتِ دواءكِ؟ هل تشعرين بتحسن؟"

تنهدت زينب: "المال ليس كل شيء يا ابنتي. أنا أعيش هنا في رغد بفضله، لكنني أخشى أنكِ دفعتِ ثمن هذا الرغد من روحكِ. آسر رجل صعب، وسيم كالملائكة وقاسٍ كالصخر.. لا تدعي صخره يحطم رقتكِ."

اتكأت جيداء برأسها على ركبة زينب، وأغمضت عينيها. هنا فقط، في هذا الركن الهادئ، كانت تتخلى عن قناع "المهندسة الناجحة" و"الزوجة القوية". كانت تشعر بأنها لا تزال تلك الطفلة اليتيمة التي لا تعرف من أين أتت، لكنها تعرف تماماً أين ينتمي قلبها.. حتى لو كان انتماءً محكوماً بالإعدام.

وبينما كانت جيداء تستند برأسها على ركبتي زينب، شردت عيناها نحو لوحة معلقة على جدار الغرفة، لتعود بها الذاكرة إلى تلك اللحظة التي بدأ فيها كل شيء.. أو لنقل، اللحظة التي ولدت فيها من جديد في سن الثامنة.

تذكرت جيداء نفسها، طفلة ضائعة بملابس ممزقة وذاكرة بيضاء كالثلج، وجدت بالقرب من طريق زراعي مهجور وهي لا تعرف حتى اسمها. حين سألوها: "من أنتِ؟ أين عائلتكِ؟"، لم تكن تملك سوى الصمت ودموع الخوف. وُضعت في "دار الأيتام"، وهناك، وسط صراخ الأطفال ووحدتهم، كانت زينب هي المرفأ الوحيد.

كانت زينب مشرفة شابة في الدار حينها، لم تكن تملك المال، لكنها كانت تملك قلباً يتسع لليتامى جميعاً. تذكرت جيداء كيف كانت زينب تجلس بجانب سريرها كل ليلة، تمسح على رأسها وتهمس لها: "لا تحزني يا صغيرتي.. إذا كان الماضي قد ضاع، فنحن سنكتب المستقبل معاً".

وحين بلغت جيداء العاشرة، قررت زينب القيام بخطوة جنونية في نظر الجميع؛ استقالت من عملها، وقررت تبني جيداء رغم فقرها الشديد. عاشتا في غرفتين متواضعتين، تقاسمتا كسرة الخبز، وعملت زينب في تنظيف المنازل وحياكة الملابس لتضمن أن جيداء، "ابنتها التي لم تلدها"، تكمل تعليمها وتصبح مهندسة يشار إليها بالبنان.

لهذا السبب، لم يكن المليون جنيه مجرد رقم بالنسبة لجيداء، بل كان ثمن حياة السيدة التي منحتها اسماً، ووطناً، وذاكرة بديلة عن تلك التي فُقدت في ليل الغموض.

[عودة للحاضر في دار الرعاية]

رفعت جيداء رأسها ونظرت لزينب بعينين مليئتين بالامتنان:

— "أتعرفين يا أمي؟ أحياناً أشعر أن الـ 8 سنوات التي فقدتها لم تكن مهمة.. لأن حياتي الحقيقية بدأت يوم أن أخذتِ بيدي من ذلك الميتم."

ابتسمت زينب بحزن ومررت يدها على وجه جيداء:

— "ربما الماضي يحمل أسراراً لا تريدين معرفتها يا ابنتي.. المهم هو من أنتِ الآن. أنتِ المهندسة جيداء، الزوجة القوية.. لا تنحني لأحد، حتى لو كان آسر السيوفي."

[العودة إلى القصر - المساء]

عادت جيداء لتجد آسر واقفاً في الردهة، وكأنه كان ينتظر عودتها. كان يبدو غاضباً، والشرر يتطاير من عينيه. تقدم نحوها بخطوات واسعة وقبض على ذراعها بقوة:

— "أين كنتِ طوال اليوم؟ هاتفكِ كان مغلقاً، والسكرتيرة قالت إنكِ لم تذهبي للشركة بعد الظهر!"

نظرت جيداء إلى يده القابضة على ذراعها، ثم رفعت عينيها إليه ببرود شديد جعلته يشعر وكأنه يلمس قطعة من الثلج:

— "كنتُ أزور الشخص الوحيد الذي يحبني بصدق في هذا العالم. ومسألة إغلاق هاتفي هي حرية شخصية، تماماً كما هي حريتك في استقبال ضيوفك في أنصاف الليالي."

ارتخت قبضته قليلاً من هول صراحتها وبرودها. لم تصرخ لم تبكي بل عاملته بالنديه نظر اليها مطولا وتحركت تفاحة ادم لديه نظره ممزوجه بالعنفوان والحيره هل هي تلك الزوجه المطيعه التي كانت تدور حوله طوال ثلاث سنوات لجذب انتباهه ما الذي تغير فيها

— "جيداء.. لا تظني أن هذا الشهر يعطيكِ الحق في التمرد على قواعدي،" قال بصوت خفيض ومهدد.

اقتربت منه أكثر، لدرجة أن أنفاسها لامست وجهه، وقالت بهدوء مرعب:

— "قواعدك انتهت الليلة التي قررت فيها أن تعيد ماضيك إلى بيتنا. الآن.. أنا فقط أنتظر مرور الأيام لأستعيد حريتي. تصبح على خير.. يا سيد آسر."

تركتْه واجماً في مكانه، وصعدت الدرج بخطوات ملكية، بينما كان هو ينظر في أثرها، يشعر ولأول مرة بأن "الصفقة" التي ظن أنه يملكها، قد بدأت هي في امتلاكه.

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP

最新章節

  • لهيب العقد زوجه المليونير المتمرده   الفصل ١٣٠

    أغلقت جيداء آخر ملف على حاسوبها وهي تشعر أن عينيها لم تعودا قادرتين على قراءة سطر إضافي. نهضت من مكتبها، جمعت أوراقها ببطء، ثم غادرت الشركة مع آخر خيوط الغروب.عندما وصلت إلى المبنى، كانت تفكر فقط في الاستحمام والنوم.لا شيء آخر.صعدت بالمصعد إلى الطابق الذي تسكن فيه.أخرجت مفاتيحها.ثم توقفت.كان هناك شيء موضوع أمام باب شقتها.كيس ورقي أنيق.انحنت والتقطته بحذر.لا اسم لا عنوان.لكنها كانت تعرف صاحبه قبل أن تفتحه.ذلك النوع من التصرفات يحمل بصمة شخص واحد فقط.فتحت الكيس.أخرجت بطاقة دعوة فاخرة مطبوعة بعناية.حفل زفاف بعد يومين.وتحت الدعوة مباشرة كانت هناك ورقة صغيرة.بخط يد تعرفه ."الرجاء الحضور" .لأنني لا أرغب في قضاء أربع ساعات كاملة وسط أقاربي بمفردي."— ياسين.حدقت في الورقة عدة ثوانٍ.اندهشت من تحول الرجل كل يوم من منقذ لشخص مريب لشخص مستهتر اغمضت عينيها لا تريد تلك الفوضى الان في حياتها فقط تريد السكينه أغلقت الباب خلفها.ألقت حقيبتها فوق الأريكة.ثم جلست تقلب الدعوة بين أصابعها اللعنه عليه همست لنفسها و بعد أقل من عشر دقائق...طرق الباب مرتين بطريقته المعتادة.هزت رأسها

  • لهيب العقد زوجه المليونير المتمرده   ١٢٩

    نظر اليها ياسين و قد عاد اليه التوتر مرر يديه داخل شعره و قال و هو يهرب من عينيها "لا تغضبي حسنا" ثم استدار و غادر مسرعا أغلقت جيداء باب شقتها خلفها ببطء. لكنها لم تتحرك. بقيت واقفة في مكانها مندهشه يدها ما تزال فوق المقبض. وعقلها عالق في مكان آخر تمامًا. صورة. مجرد صورة قديمة. ورقة باهتة داخل حافظة جلدية. ومع ذلك...لم تستطع إخراجها من رأسها. تنهدت بضيق. ثم ألقت حقيبتها فوق الأريكة. وسارت نحو النافذة. المدينة كانت تتحرك في الأسفل كعادتها. لكنها شعرت وكأنها تنظر إليها من خلف زجاج سميك. جلست أخيرًا لماذا كلما اقتربت منه تري شيئاً مريب شيئا مرتبط بها نعم هي متاكده من ذلك هل تسأله مباشرة لكنها سبق ان فعلت و انكر ثم أخرجت هاتفها. ترددت قليلا ثم اتصلت به جاء صوته من الطرف الاخر سعيدا و حماسي قال "جيداء مرحبا" اغمضت جيداء عينيها للحظه و قالت "زين هل استطيع ان اطلب منك شيء" زين "بالطبع اي شيء" جيداء "اريد منك ان تبحث عن ماضي ياسين المرادي صمت زين قليلا و قال بتوتر" لماذا الان " جيداء" لا ادري حقا يبدو انني اصبحت مرتابه كثيرا " ثم صمتت و قالت بعد ثوا

  • لهيب العقد زوجه المليونير المتمرده   الفصل ١٢٨

    كان الصباح الأول في الشقة الجديدة يحمل لوناً مغايراً للرمادي الذي اعتادته عين جيداء طوال شهر. تسللت أشعة الشمس عبر الستائر الشيفون البيضاء لتسقط فوق الأريكة المخملية، حيث غفت جيداء بكامل ملابسها دون أن تشعر بمرور الوقت. مررت يدها على وجهها بتعب. ثم نظرت إلى الساعة. الثامنة و خمس دقائق. نهضت ببطء لم تكن تنام جيدًا منذ أسابيع. كلما أغلقت عينيها رأت الدماء. و رأت غرفة المستشفى. و طفلًا لم تحصل حتى على فرصة لرؤيته. ابتلعت الغصة المعتادة. لم تدري للحظات اين هي لكن لم تكن تلك جدران المستشفى و لا قصر السيوفي المهيب الذي كان يخنق أنفاسها. و لا شقه ندي هنا، يوجد دفء حقيقي، طاقة هادئة تنبعث من الخشب الدافئ و الإضاءة المصممة بعناية مكان صممه شخص يعرف كيف يمنح المكان روحاً. استيقظت على صوت هادئ و مألوف. لم يكن صوتاً غريباً، بل كانت نغمات حذاء ياسين المتهادية في الممر الخارجي، يتبعها صوت قفل بابه و هو يُغلقه. نظرت إلى هاتفها؛ نهضت، و رتبت خصلات شعرها المبعثرة، و غسلت وجهها لتطرد بقايا النوم و الارتباك. لم تكد تتتحرك الي الصاله حتى سمعت طرقتين خفيفتي

  • لهيب العقد زوجه المليونير المتمرده   الفصل ١٢٧

    الصقيع تحت سقف واحد ساد الصمت أركان الشقة بعد اعتراف زين المفاجئ. كانت جيداء َتشعر بارتباك حاد ينهش هدوءها، و ثقل نظرات زين المنتظرة لإجابة لا تملكها جعل الهواء في الصالة يضيق. تراجعت خطوة، و حاولت التملص من حصار تلك المشاعر المتأخرة و قالت بصوت متوتر: "زين.. أنا.. أنا أحتاج لبعض الوقت .. سأحضر كوباً من الماء الان " لم تنتظر رده، بل استدارت متوجهة نحو المطبخ المفتوح على الصالة، هرباً من النظرات فهي لم تستجمع شتات نفسها أمام صدمة لم تحسب لها حساباً. في تلك اللحظة بالذات، و بينما كان زين يجلس على طرف الأريكة و عيناه معلقتان بالأرض بأسف، لا يعرف اذا كان ندما ام انه كان يجب ان يصبر قليلا سُمعت طرقات خفيفة، متزنة، و رسمية على الباب الخارجي. و لأن زين لم يكن قد أغلق الباب بإحكام عند دخوله المتسرع، تحرك الباب قليلاً مع الطرقات ليوارب الفراغ. دفع ياسين المرادي الباب بهدوء ودخطا خطوة واحدة داخل العتبة ملقياً تحيته الرسمية: "مساء الخير.." توقفت كلمات ياسين تماماً، وتسمرت عيناه الحادتان على زين العبد الجالس في منتصف الصالة. في جزء من الث

  • لهيب العقد زوجه المليونير المتمرده   الفصل ١٢٦

    كانت خطوط الطيران القادمة من الخارج تحمل معها زين العبد، الذي بدا وجهه شاحباً وعيناه غائرتين من فرط القلق والسهد. لم يكن يعلم بأي شيء مما حدث لجيداء طوال الشهرين الماضيين؛ كان غارقاً في صفقاته الخارجية، حتى جرى ذلك الاتصال الهاتفي العابر بينه وبين ندى بالأمس. قصت عليه ندى كل شيء؛ رعب اختطاف عمران لها، المأساة التي عاشتها، وطلاقها الرقمي من آسر السيوفي الذي أسدل الستار عليه بالأمس فقط. لم يفكر زين مرتين، ألغى كل ارتباطاته، وحجز أول طائرة عائدة إلى الوطن، ليتوجه فوراً إلى العنوان الجديد الذي أملته عليه ندى. وقف زين أمام باب شقة جيداء الجديدة في الطابق الرابع. تنهد بعمق وهو يحاول تهدئة دقات قلبه المتسارعة، ثم طرق الباب. كانت الشمس تميل ببطء نحو الغروب عندما دوى جرس الباب. رفعت جيداء رأسها عن الملفات المفتوحة أمامها. لم تكن تنتظر أحدًا. ندى في العمل. وياسين خرج منذ ساعات. أما بقية العالم... فلم تكن راغبة في رؤيته أصلًا. نهضت بهدوء واتجهت نحو الباب. لكن ما إن فتحته حتى تجمدت للحظة. — زين؟ وقف زين العبد أمامها. بذلته ما تزال تحمل آثار سفر طويل. وشعره بدا أكثر فو

  • لهيب العقد زوجه المليونير المتمرده   الفصل ١٢٥

    . الشقة المقابلة بعد شهر من فقد جيداء للطفلها ، وقفت جيداء أمام باب الشقة التي وفرها لها ياسين. كانت تحمل حقيبة متوسطة الحجم تضم معظم ما تملكه الآن. الغريب أنها لم تشعر بالحزن وهي تغادر. لم يعد هناك ما يستحق التمسك به. القصر انتهى. زواجها انتهى. حتى الحلم الصغير الذي حاولت حمايته انتهى هو الآخر. أغلقت باب الشقة خلفها بهدوء. ثم سارت عدة خطوات عبر الممر. وتوقفت أمام الشقة المقابلة. ظلت تنظر إلى الباب لثوانٍ ثم طرقت الباب لم يمضِ سوى ثوانٍ معدودة حتى انفتح الباب، ليظهر ياسين بطولته الفارهة، مرتديًا قميصًا قطنيًا أسود مريحًا، وقد شمر كميه بعبثية أظهرت عروق يديه البارزة. و انسدلت بعض خصلات من شعره علي جبهته معلنه العصيان ارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة كادت أن تنطق بالترحيب، قبل ان يري الحقيبه التي بجانبها نظر أولًا إلى وجهها ثم إلى الحقيبة في يدها. ثم عاد إلى وجهها مجددًا. و رفع أحد حاجبيه — هل قررتِ الهروب؟ أجابت بهدوء:— جئت لأشكرك. — على ماذا؟ — علي كل شيء . صمت لحظة. ثم قال:— حسنًا. انتظرت لكنه لم يضف شيئًا. تنهدت جيداء.— هذا كل شيء؟ ياسين بسخريته

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status