FAZER LOGINالفصل الثاني - الجزء الأول
"أحيانًا لا يأتي المنقذ لينقذك... بل ليقودك إلى قدر أكثر رعبًا." تجمد الزمن حول ليورا. كانت تقف وسط النيران، وأنفاسها تتسارع بعنف، بينما عيناها مثبتتان على ذلك الفارس الذي ظهر فجأة من بين الدخان. كان يمتطي حصانًا أسود ضخمًا، يركض بسرعة البرق فوق الأرض المحترقة. رداؤه الأسود يرفرف خلفه، ودرعه الفضي يعكس ألسنة النار المحيطة به. أما السيف الذي يحمله... فكان مختلفًا. ضوء أبيض نقي يخرج من نصله، حتى بدا وكأنه قطعة من ضوء الشمس وسط هذا الظلام. لكن ما جعل ليورا تتجمد حقًا... هو نظرة مورغاث. لأول مرة... بدا عليه الغضب. قبض على يده بقوة وقال: "كيف وصلت إلى هنا؟" قفز الفارس من فوق حصانه. وقف أمام ليورا مباشرة. وأشهر سيفه ناحية مورغاث. ثم قال بصوت هادئ لكنه حاد: "ابتعد عنها." ارتجفت ليورا. كانت تسمع هذا الصوت لأول مرة. لكنه منحها شعورًا غريبًا بالأمان. ضحك مورغاث. ضحكة باردة. "إذن أنت كايل." اتسعت عينا ليورا. كايل؟ هو كايل؟! ذلك الاسم الذي ذكرته أمها قبل قليل. استدارت نحوه بسرعة. كانت ترى جانبه فقط. شعره الأسود القصير. ملامحه الحادة. وعينين رماديتين تحملان برودًا غريبًا. لم ينظر إليها. بل ظل مركزًا على مورغاث. وقال: "لن أسمح لك بأخذها." ابتسم مورغاث. "وهل تظن أنك تستطيع إيقافي؟" ثم رفع يده. فانفجر الظلام من حوله. خرجت عشرات المخلوقات السوداء وهي تزأر. شعرت ليورا بالرعب. أما كايل... فأمسك سيفه بكلتا يديه. وأغمض عينيه للحظة. ثم فتحهما. وفي اللحظة التالية... انطلق. لم تستطع ليورا حتى رؤيته. اختفى من مكانه. ثم ظهر وسط الوحوش. ضربة واحدة فقط... فانفجر الضوء. وسقطت ثلاثة وحوش دفعة واحدة. شهقت ليورا. "مستحيل..." كان سريعًا بشكل مرعب. يتحرك بين الوحوش كأنه يعرف كل هجماتهم مسبقًا. ضربة. ثم أخرى. ثم التف بجسده. وانطلق شعاع أبيض من سيفه. قطع الأرض أمامه. وتحولت خمسة وحوش إلى رماد. شعرت ليورا أن قلبها ينبض بقوة. لم ترَ شخصًا يقاتل هكذا من قبل. أما مورغاث... فكان يراقبه بصمت. ثم ابتسم. "أصبحت أقوى." توقف كايل. وأشار بسيفه نحوه. "وأنت أصبحت أضعف." اختفت الابتسامة من وجه مورغاث. وفجأة... اختفى من مكانه. اتسعت عينا ليورا. ثم ظهر أمام كايل مباشرة. اصطدمت يد مورغاث بسيفه. وانفجر الهواء من حولهما. سقطت ليورا أرضًا من شدة القوة. وضعت يدها أمام وجهها. كانت الرياح تعصف بجنون. أما الرجلان... فكانا يتقاتلان بسرعة لا تصدق. ضوء أبيض. وظلام أحمر. كل ضربة تهز الأرض. وكل اصطدام يجعل النيران تشتعل أكثر. شعرت ليورا بالعجز. هي لا تستطيع فعل شيء. فجأة... سمعت صوتًا ضعيفًا. "ليورا..." اتسعت عيناها. هذا الصوت... أمها! نهضت بسرعة. ونظرت نحو منزلها المحترق. "أمي!" ركضت بكل قوتها. لكن يدًا قوية أمسكت معصمها. استدارت بغضب. لتجد كايل ينظر إليها. كان يقف أمامها. والدماء تنزل من جانب وجهه. قال بحدة: "إلى أين تذهبين؟" بدأت الدموع تنزل من عينيها. "أمي هناك!" نظر إلى المنزل. ثم خفض عينيه. ولم يقل شيئًا. شعرت ليورا بالخوف. "قل شيئًا!" صاحت وهي تدفعه. "أخبرني أنها بخير!" لكن كايل ظل صامتًا. وعندها... فهمت. شعرت وكأن شيئًا انكسر داخلها. هزت رأسها بعنف. "لا..." "أنت تكذب." ركضت نحو المنزل. لكن كايل أمسكها مرة أخرى. صرخت وهي تبكي. "اتركني!" "لن أتركها!" أحاطها بذراعيه حتى لا تتحرك. بينما كانت تضربه بيديها. وتبكي بجنون. "أريد أمي!" أغمض كايل عينيه للحظة. ثم قال بصوت منخفض: "لقد ضحت بنفسها من أجلك." توقفت ليورا. شعرت أن الكلمات كسرت قلبها. وسقطت على ركبتيها. تبكي. بصمت هذه المرة. أما كايل... فنظر إلى مورغاث. وكانت عيناه تمتلئان بالغضب. لكن مورغاث لم يكن ينظر إليه. بل كان ينظر إلى ليورا. إلى العلامة الموجودة على يدها. وقال بصوت جعل الدم يتجمد في عروقها: "حتى لو هربت اليوم..." "فهي لي." صرخ كايل: "اصمت!" وانطلق نحوه. لكن مورغاث ضحك. ثم بدأ جسده يتحول إلى دخان أسود. قال وهو يختفي: "سنلتقي قريبًا يا وريثة النجوم." اتسعت عينا ليورا. "وريثة النجوم..." همست بالكلمات. ما زالت لا تصدق. اختفى مورغاث. واختفت معه الوحوش. ساد الصمت. صمت مخيف. لم يبقَ سوى صوت النار. ونحيب ليورا. مرت دقائق... قبل أن تنهض ببطء. نظرت حولها. قريتها انتهت. البيوت تحولت إلى رماد. والناس... إما ماتوا أو اختفوا. شعرت أنها أصبحت وحيدة. تمامًا. ثم التفتت إلى كايل. وقالت بصوت مكسور: "من أنت؟" نظر إليها للحظات. ثم أجاب: "أنا كايل." "قائد فرسان فالوريا." ابتلعت ريقها. "هل كنت تعرف أمي؟" ساد الصمت. نظرة غريبة ظهرت في عينيه. ثم قال: "أكثر مما تتخيلين." اتسعت عيناها. لكن قبل أن تسأله... نظر فجأة نحو الغابة. وتغيرت ملامحه. أمسك سيفه بسرعة. وقالت ليورا بقلق: "ماذا حدث؟" أجاب بصوت منخفض: "إنهم هنا." شعرت بالخوف. "من؟" لكن كايل لم يجب. بل حدق وسط الظلام. وفي اللحظة التالية... بدأت عشرات الأعين الزرقاء المضيئة تظهر بين الأشجار. عين... ثم اثنتان... ثم عشرات... حتى أحاطوا بهما من كل اتجاه. وقبض كايل على سيفه بقوة. وقال لأول مرة بصوت يحمل توترًا واضحًا: "هذا سيئ جدًا..." "هناك أعداء يخاف منهم الجميع... وهناك أعداء يخشاهم حتى أقوى المحاربين." شعرت ليورا بأن أنفاسها أصبحت ثقيلة. كانت تنظر إلى تلك العيون الزرقاء المتوهجة وسط الأشجار، وكلما ظهرت عين جديدة ازداد خوفها. أما كايل... فلم يتحرك. وقف أمامها كالسد المنيع. لكنها لاحظت شيئًا غريبًا. يده التي تمسك السيف... كانت ترتجف. اتسعت عيناها. هل يخاف؟ مستحيل. ذلك الرجل الذي قاتل مورغاث دون أن يهتز، كيف يمكن أن يخاف الآن؟ همست: "كايل..." لم ينظر إليها. بل قال بصوت منخفض: "لا تتحركي." ابتلعت ريقها. ثم سألت: "من هؤلاء؟" صمت لثوانٍ. قبل أن يجيب: "حراس الغابة." عقدت حاجبيها. "وهل هم أشرار؟" زفر ببطء. "أتمنى ذلك." ارتبكت أكثر. ثم... بدأت الأشجار تهتز. وخرج أول شخص. أو بالأحرى... أول مخلوق. كان طويل القامة. يرتدي عباءة بيضاء طويلة. وشعره فضي يصل إلى كتفيه. أما عيناه... فكانتا زرقاوين بشكل غريب، وكأن داخلهما بحرًا متجمدًا. لكن أكثر ما أرعب ليورا... هو أذناه المدببتان. تراجعت خطوة. "ما هذا؟" نظر إليها الرجل. ثم قال بهدوء: "إنها بشرية." ظهر أشخاص آخرون خلفه. رجال ونساء. كلهم بنفس العيون الزرقاء. وبنفس الملامح الغريبة. شعرت ليورا أنهم ليسوا بشرًا. أما كايل... فأخفض سيفه قليلًا. وقال: "لم أتوقع أن أراكم هنا." ابتسم الرجل ذو الشعر الفضي. "ونحن أيضًا لم نتوقع أن نجد وريثة النجوم." تجمدت ليورا. كلما سمعت هذا اللقب... ازداد خوفها. اقترب الرجل منها. لكن كايل وقف أمامها فورًا. قال ببرود: "ابتعد." رفع الرجل حاجبيه. "ما زلت وقحًا كما أنت." رد كايل: "وما زلت ثرثارًا." نظرت ليورا بينهما بتعجب. يبدو أنهما يعرفان بعضهما. تنحنح الرجل. ثم انحنى قليلًا أمامها. وقال: "اسمي إيريان." "أنا قائد حراس الغابة." نظرت إليه بحذر. "من أنتم؟" ابتسم ابتسامة خفيفة. "نحن شعب اختفى من العالم منذ مئات السنين." اتسعت عيناها. "كيف؟" أشار إلى الغابة خلفه. "نعيش هنا." "بعيدًا عن البشر." شعرت بالارتباك. ثم نظرت إلى كايل. "هل هذا حقيقي؟" أومأ برأسه. "إنهم شعب الألڤ." شهقت. لقد سمعت عنهم في القصص. لكن الجميع كان يقول إنهم انقرضوا. نظرت إلى إيريان بدهشة. "إذن القصص كانت حقيقية؟" ابتسم. "أغلبها." تقدمت امرأة من خلفه. كانت جميلة بشكل غير طبيعي. شعرها أبيض طويل. وترتدي فستانًا أزرق. نظرت إلى ليورا. ثم إلى العلامة الموجودة على يدها. وفجأة... تغير وجهها. وقالت بصوت مرتجف: "إنها هي." ساد الصمت. نظر الجميع إلى ليورا. شعرت بالخوف. "ماذا؟" اقتربت المرأة أكثر. ثم همست: "نجمة الأزورا..." ارتبكت ليورا. "ماذا تقصدين؟" لكن المرأة وضعت يدها على فمها. وكأنها قالت شيئًا لا يجب قوله. نظر إليها إيريان بحدة. ثم قال: "ليس الآن." خفضت رأسها بسرعة. أما ليورا... فشعرت بالضيق. الجميع يعرف شيئًا عنها. إلا هي. صرخت بغضب: "هل يمكن لأحد أن يشرح لي ما يحدث؟!" ساد الصمت. نظر كايل إليها. وفي عينيه شيء يشبه الشفقة. قال: "ليس هنا." نظرت حولها. إلى النيران. إلى بقايا منزلها. إلى القرية التي تحولت إلى رماد. وفجأة... شعرت أن كل شيء ينهار داخلها. تذكرت أمها. ابتسامتها. صوتها. حضنها الأخير. وامتلأت عيناها بالدموع. لاحظ كايل ذلك. لكنه لم يقل شيئًا. أما إيريان... فقال بهدوء: "لن تبقي هنا." نظرت إليه. "وأين أذهب؟" أجاب: "إلى فالوريا." شعرت بالخوف. العاصمة. لم تخرج من قريتها طوال حياتها. كيف ستذهب وحدها؟ ثم تذكرت. هي ليست وحدها. نظرت إلى كايل. وسألته: "هل ستأتي معي؟" رفع عينيه إليها. وبقي صامتًا للحظات. ثم قال: "هذا واجبي." شعرت بشيء غريب. لا تعرف لماذا... لكن وجوده جعلها تشعر بالأمان. حتى لو كان غامضًا وباردًا. ابتسم إيريان. وقال: "إذن الأمر انتهى." ثم أشار إلى أحد الرجال. فأحضر حصانين. حصان أبيض. وحصان أسود ضخم. اقتربت ليورا من الحصان الأبيض بتردد. لم تركب حصانًا من قبل. لاحظ كايل ذلك. وقال: "هل تعرفين الركوب؟" أشاحت وجهها. "طبعًا." رفع حاجبه. ثم وضعت قدمها بطريقة خاطئة. وفقدت توازنها. وكادت تسقط. لكن يدًا قوية أمسكتها. رفعت رأسها بسرعة. لتجد وجه كايل قريبًا جدًا منها. توقفت أنفاسها. أما هو... فنظر إليها ببرود. وقال: "كاذبة." اتسعت عيناها. ابتعدت بسرعة. واحمر وجهها. "أنا لست كاذبة!" نظر إليها للحظة. ثم قال: "إذن اركبي." نظرت إلى الحصان. ثم إليه. ثم إلى الحصان مرة أخرى. تنهدت. وقالت بصوت منخفض: "حسنًا... أنا لا أعرف." ولأول مرة... ابتسم كايل. ابتسامة صغيرة جدًا. لكنها كانت جميلة. اتسعت عينا ليورا. هل ابتسم الآن؟ أسرعت تنظر بعيدًا. أما هو... فأمسك يدها. ووضعها على سرج الحصان. وقال: "اصعدي." وبعد عدة محاولات فاشلة... تمكنت أخيرًا. جلست فوق الحصان وهي تتنفس بصعوبة. أما إيريان... فكان يراقبهما مبتسمًا. ثم اقترب من كايل. وقال بصوت منخفض حتى لا تسمعه ليورا: "هل أخبرتها؟" اختفت الابتسامة من وجه كايل. "لا." عقد إيريان حاجبيه. "إلى متى ستخفي الحقيقة؟" أدار كايل وجهه. ونظر إلى ليورا. كانت تحاول السيطرة على الحصان وهي تتذمر بغضب. فتنهد. وقال: "حتى يحين الوقت." هز إيريان رأسه. ثم اقترب أكثر. وهمس: "عندما تعرف..." "ستكرهك." تجمد كايل. وشدت يده على سيفه. لكنه لم يرد. أما ليورا... فكانت تنظر إلى السماء. إلى الدخان الذي يغطي قريتها. وشعرت بأن حياتها انتهت هناك. في تلك القرية الصغيرة. لكنها لم تكن تعلم... أن حياتها الجديدة ستكون أخطر بكثير. وبينما كانوا يستعدون للرحيل... توقفت فجأة. شعرت بشيء. حرارة غريبة في معصمها. نظرت إلى العلامة. فوجدتها تضيء مرة أخرى. لكن هذه المرة... لم يكن الضوء أزرق. بل... أحمر. اتسعت عيناها. وفي اللحظة التالية... ظهر صوت داخل رأسها. صوت مورغاث. واضح جدًا. وقريب جدًا. قال بصوت مخيف: "اهربي كما تشائين يا ليورا..." "فأنا أراك الآن." شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. ورفعت رأسها بسرعة. لتنظر إلى أعلى الجبل البعيد. وعندها... تجمد الدم في عروقها. لأنها رأته. شخص يقف فوق الجبل. يرتدي عباءة سوداء. وعيناه الحمراوان تلمعان وسط الظلام... وكان يبتسم لها. نهاية الفصل الثاني."أقسى مواجهة قد تخوضها... هي أن تقف أمام نسخة تعرف عنك أكثر مما تعرفه أنت عن نفسك."لم يتحرك أحد.كانت الفتاة داخل التابوت تنظر إلى ليورا بابتسامة هادئة، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ زمن لا يُحصى.أما ليورا...فشعرت أن قدميها التصقتا بالأرض.كانت الفتاة تشبهها بصورة تكاد تكون مستحيلة.نفس ملامح الوجه.نفس لون العينين.حتى طريقة الوقوف.لكن كان هناك اختلاف واحد...عينا الفتاة تحملان حزنًا عميقًا، حزن شخص عاش عمرًا أطول من عمر النجوم.همست ليورا:"مين... إنتِ؟"ابتسمت الفتاة.ثم وضعت يدها على الزجاج من الداخل.وقالت بهدوء:"أنا لستِ أنتِ..."توقفت لحظة.ثم أضافت:"لكنني كنتُ كذلك يومًا ما."ساد الصمت.أما مورغاث...فوقف أمام ليورا دون وعي، كأنه يحاول حمايتها حتى من الكلمات.قال بحدة:"ابتعدي عنها."ابتسمت الفتاة له.وقالت:"ما زلت تفعل الشيء نفسه."عقد مورغاث حاجبيه."تقصدين إيه؟"أجابته وهي تنظر إليه بحزن:"في كل حياة... كنت تقف أمامها بهذه الطريقة."ارتجف قلب ليورا.أما نوح...فأغلق عينيه وكأنه يعرف إلى أين يتجه الحديث.اقترب إلياس من التابوت.وانحنى احترامًا.قال بصوت مهيب:"مولا
"أخطر الأعداء... هم الذين يدخلون حياتك وهم يبتسمون."ظل الغبار يملأ أرجاء المدينة.وتساقطت قطع الكريستال من سقف المعبد.أما الشخص الذي اخترق السقف...فهبط بهدوء فوق الأرض.وكأنه لم يفعل شيئًا.كان طويل القامة.يرتدي معطفًا أسود طويلًا، تتداخل على أطرافه خيوط فضية لامعة.وشعره الأسود يصل إلى كتفيه.أما عيناه...فكانتا بلون العسل.هادئتين بصورة مريبة.نظر إلى ليورا.ثم ابتسم ابتسامة بسيطة.وقال:"إذن... وجدتك أخيرًا."رفع مورغاث سيفه فورًا.ووقف أمام ليورا.وقال ببرود:"خطوة واحدة كمان... وهعتبرك عدو."لم تتغير ابتسامة الغريب.بل نظر إلى السيف وقال:"لسه مندفع زي كل مرة."عقد مورغاث حاجبيه."إحنا اتقابلنا قبل كده؟"أجاب الغريب:"أنت لا تتذكر.""وده أفضل."تقدم إلياس خطوة.وغرس رمحه في الأرض.وقال بصوت حازم:"لا يحق لأحد دخول المعبد دون إذن."نظر إليه الغريب.ثم انحنى باحترام.وقال:"أعتذر يا حارس العهد.""لكن الأمر أكبر من قوانين المعبد."ساد الصمت.أما نيسا...فاتسعت عيناها.وقالت بصوت يكاد لا يُسمع:"هو..."التفتت ليورا إليها."تعرفيه؟"هزت نيسا رأسها ببطء.وقالت:"اسمه... نوح."تجمدت
"بعض الأبواب لا تفتحها المفاتيح... بل يفتحها الدم."اختفى الضوء.وفي لحظة واحدة...شعرت ليورا وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.أغمضت عينيها غريزيًا.وحين فتحتهما...لم تعد ترى السماء.ولا القلعة.ولا سيلّا.ولا أثريون.ولا أوريا.كانت تقف داخل ممر هائل منحوت بالكامل من حجر أزرق داكن، تتلألأ في جدرانه خطوط تشبه المجرات، وكأن النجوم نفسها سُجنت داخله.وقف بجوارها مورغاث، وسول، ونيسا، وكايل.أما خلفهم...فاختفى المدخل تمامًا.قال كايل وهو ينظر للخلف:"الباب... اختفى."تنهدت نيسا وقالت:"لا تقلق... ده طبيعي."نظر إليها سول باستغراب."إزاي طبيعي؟"أجابت وهي تتحسس الجدار:"لأن أي حد يدخل معبد النجوم... مفيش طريق يرجع منه إلا لو المعبد سمح."ساد الصمت.نظر مورغاث إلى ليورا.ثم قال:"يبقى من دلوقتي... مفيش رجوع."أومأت ليورا.رغم أن قلبها كان يخفق بقوة.بدأ الخمسة يسيرون داخل الممر.كل خطوة كانت تُصدر صدى غريبًا.لكن بعد دقائق...توقفت ليورا فجأة."إنتوا سامعين؟"وقف الجميع.أنصتوا.في البداية...لم يسمعوا شيئًا.ثم...بدأ صوت أطفال يصل إليهم.ضحكات.وغناء.وكأن هناك قرية كاملة خلف الجدران.ق
"حين تستيقظ القوة الحقيقية... لا يتغير العالم فقط، بل يتغير من يحملها أيضًا."لم ينطق أحد.كانت عيون الجميع معلقة بليورا.شعرها الذي كان فضيًا...أصبح أبيض كالثلج.أما العلامة المضيئة على جبينها...فكانت تنبض مع نبضات قلبها.خطوة...ثم أخرى...حتى تراجعت نيسا للخلف وهمست:"إنها العلامة الملكية..."أما أوريا...فأغلقت عينيها.وقالت بصوت خافت:"بعد آلاف السنين...""عادت وريثة النجوم."لكن ليورا لم تسمع شيئًا.كان هناك صوت داخل رأسها.صوت فتاة.هادئ...وحزين."ساعديني..."رفعت ليورا رأسها بسرعة.ونظرت حولها.لكن لم يكن هناك أحد.قالت بصوت مرتجف:"مين؟"لم يجبها أحد.ثم عاد الصوت.هذه المرة أوضح."أنا محبوسة...""تحت مدينة النجوم."شعرت ليورا بقشعريرة.أما سيلّا...فاتسعت عيناها فجأة.كأنها سمعت الصوت نفسه.وقالت بصدمة:"لا يمكن..."التفتت إليها ليورا.وقالت:"إنتِ سمعتيه؟"أومأت سيلّا ببطء.وكان الخوف واضحًا على وجهها."سمعته...""لكن كان يجب ألا يسمعه أحد."في تلك اللحظة...اهتزت الأرض.لكن هذه المرة...لم يكن السبب وحشًا.ولا إلهًا.بل...بدأت أرض مملكة النجوم نفسها تتشقق.وامتد شق طوي
"الذكريات لا تموت... إنها تنتظر فقط اللحظة المناسبة لتعود."اختفى كل شيء.لم تعد ليورا ترى السماء.ولا الأرض.ولا مورغاث.ولا سول.ولا أي شخص.كانت تسقط.أو هكذا ظنت.لكنها لم تكن تسقط في الفراغ.بل داخل بحر لا نهاية له من النجوم.نجوم تتحرك حولها كأنها كائنات حية.وكل نجمة تحمل ذكرى.وصوتًا.وحياة كاملة.شعرت بالخوف.وقالت:"أين أنا؟"لكن صوتها اختفى وسط الصمت.ثم...ظهرت أمامها طفلة صغيرة.شعرها فضي.وعيناها بنفس لون عينيها.تجمدت ليورا.وقالت:"من أنتِ؟"ابتسمت الطفلة.وقالت:"أنا أول ذكرى لكِ."عقدت ليورا حاجبيها.لكن قبل أن تسأل...أمسكت الطفلة يدها.وفجأة...انفجر الضوء حولهما.وجدت نفسها في مكان غريب.حديقة واسعة.أشجارها مصنوعة من الضوء.وأوراقها تشبه النجوم.أما السماء...فكانت مليئة بمجرات ملونة.شعرت ليورا بالدهشة.وقالت:"هذا المكان..."ابتسمت الطفلة.وقالت:"موطن النجوم الأول."ثم أشارت أمامها.شهقت ليورا.لأنها رأت فتاة.فتاة تشبهها تمامًا.لكنها أكبر قليلًا.ترتدي ثوبًا أبيض طويلًا.وعلى رأسها تاج من النجوم.أما بجوارها...فكان يقف شاب.شعره أبيض.وعيناه فضيتان.سيلين.
"بعض الوجوه لا نتذكرها بعقولنا... بل تتذكرها أرواحنا."ساد الصمت.كان الجميع ينظر إلى الشاب الغريب.يقف فوق أنقاض القلعة السوداء.هادئًا.وكأنه لا يخشى أحدًا.لا أثريون.ولا أوريا.ولا سيلّا.ولا حتى زيرفال الكامن داخل سول.أما ليورا...فشعرت بشيء غريب داخل صدرها.لم يكن خوفًا.ولم يكن راحة.بل إحساس قديم.قديم جدًا.كأنها رأته من قبل.في مكان ما.في زمن ما.لكنها لا تتذكر.قال مورغاث بحدة:"من أنت؟"ابتسم الشاب.ونظر إليه.ثم قال:"سؤال جميل."وصمت للحظة.وأضاف:"المشكلة أنني لم أعد أعرف الإجابة."عقد الجميع حاجبيهم.أما نيسا...فكانت ما تزال ترتجف.وقالت:"لا تستمعوا إليه.""إنه أخطر مما يبدو."نظر الشاب إليها.وابتسم ابتسامة خفيفة.وقال:"ما زلتِ تخافين مني."أخفضت نيسا عينيها.ولم ترد.أما ليورا...فتقدمت خطوة للأمام.وقالت:"هل تعرفني؟"نظر إليها طويلًا.طويلًا جدًا.حتى شعرت أن العالم اختفى حولها.ثم قال:"عرفتك في ألف حياة."توقفت أنفاسها.أما مورغاث...فوقف أمامها فورًا.وقال:"ابتعد."لكن الشاب لم يهتم.بل أكمل حديثه مع ليورا.وقال:"وفي كل مرة..."ابتسم بحزن."كنت أفشل في إن
"الحروب لا تبدأ عندما تُرفع السيوف... بل عندما يقرر أحدهم ألا يخاف بعد الآن."وقفت ليورا في منتصف الساحة.والرياح تعصف حولها بقوة.أما السماء...فلم تعد سماء.أصبحت مليئة بالشقوق السوداء.ومن داخلها...كانت العيون العملاقة تراقب العالم.شعرت ليورا بالقشعريرة.لكنها لم تتراجع.بل رفعت رأسها أكثر.أم
"أقسى الاختيارات ليست بين الخير والشر... بل بين قلبك والعالم كله."تجمدت ليورا.كانت تنظر إلى مورغاث.أما كلماته...فكانت تتردد داخل رأسها بلا توقف."إذا أغلقت بوابة الظلام... سأختفي إلى الأبد."هزت رأسها بعنف.والدموع تنزل من عينيها."لا."قالتها بصوت خافت.ثم كررتها وهي تبكي:"لا!"اقتربت منه.وأ
"القلب لا يختار من يحب... لكنه يدفع ثمن اختياره دائمًا."تجمد الزمن.كانت ليورا تنظر إلى أمها.أما كايل...فشحب وجهه تمامًا.ومورغاث...كان ينظر إلى إيلارا وكأنه يخاف سماع باقي كلماتها.أما إيلارا...فابتسمت بحنان.ونظرت إلى ابنتها.وقالت:"قلبك اختار شخصًا آخر منذ زمن."شعرت ليورا بأنفاسها تتسارع.
"أخطر عدو ستواجهه يومًا... هو النسخة التي كان يمكن أن تصبحها." تراجعت ليورا خطوة للخلف. وعيناها متسعتان من الصدمة. كانت تنظر إلى الفتاة الواقفة أمامها. هي نفسها. نفس الشعر الفضي. نفس الملامح. لكن... كل شيء فيها كان مخيفًا. عيناها سوداوان بالكامل. وعلى شفتيها ابتسامة باردة. أما الطاقة ال







